أفراح الروح
سليم عثمان أحمد



طبعت على كدر وأنت تريدها *** صفواً من الأقذاء والأكدار
ومكلف الأيام غير طباعها *** متطلباً في الماء جذوة نار
بهذين البيتين نعى أبو الحسن التهامي أحد الشعراء المغمورين ابنا له له صغير كان يحبه حباً جماً، ويداعبه دائماً، كان بالنسبة له زهرة الدنيا، وعطر الحياة وأريجها الفواح، إذا رآه تبسم وأحس بأن الدنيا كلها تبسم في وجهه، وإذا اكفهر وعبس تحولت الحياة إلى ظلام كئيب، فالدنيا دار بلاء وشقاء ونكد وكبد وهم وغم، إذا ابتسمت في محياك يوماً عبست أياماً، وإذا أسعدتك لحظة أحزنتك لحظات كثيرة، وإذا أضحكتك ليلة أبكتك ليالٍ طوال، يقول الله تعالي: (لقد خلقنا الإنسان في كبد) سورة البلد
وسئل الحسن البصري عن سر زهده في الدنيا، فقال أربعة أشياء: علمت أن رزقي لا يأخذه غيري فاطمأن قلبي، وعلمت أن عملي لا يقوم به غيري فاشتغلت به وحدي، وعلمت أن الله مطلع عليّ فاستحييت أن يراني عاصياً، وعلمت أن الموت ينتظرني فأعددت الزاد للقاء ربي، وحقاً الموت ينتظرنا جميعاً، (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) سورة العنكبوت، تذكر يوم ماتت أمك، زوجتك، أختك، صديقك أو أعز عزيز عليك، كيف كان حزنك؟ ثم قدّر الله لك أن تقابلهم بعد مدة زمنية طويلة يوم القيامة، كيف يكون شوقك إليهم؟ يقول الله: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) سورة عبس بعد حياتنا الدنيا ينتظرنا القبر وبعد القبر ينتظرنا الحساب تري هل بعد حزننا على الأحباء الذين فقدناهم في الدنيا نفرح بلقائهم مرة أخري هناك في الدار الآخرة؟
قال بعض السلف: من عمل لآخرته كفاه الله دنياه، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح سره أصلح الله علانيته. كثيرون منا يعيشون في هذه الفانية دون أن يعووا رسالتهم في هذه الحياة يقول عز من قائل في محكم تنزيله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)س رة الذاريات
ورغب يحي النحوي أيام الفتح الإسلامي في طلب العلم فلم يفلح فيه فكاد ييأس واضطجع يفكر فرأى نملة تحاول أن تصعد الجدار، فإذا بلغت ذراعًا أو ذراعين سقطت فعاودت الصعود ثم سقطت، فعاودت الصعود، فعد عليها أربعين مرة حتى وصلت إلى أعلى الجدار واجتازته! فأخذ من النملة درسًا، وعاود الجد والتحصيل حتى نجح، نعم الحياة فانية، ولكننا مأمورون بتعميرها، ولا ينبغي أن يقلقنا أمر الرزق كثيراً، فنركض خلفه ركض الوحوش الكواسر، فنخسر أخرانا وينبغي أن نوقن بأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وأنه قد تكفل برزق العباد جميعاً، مسلمهم وكافرهم صغيرهم وكبيرهم، وأن الرزق أمر مقدر قبل ولادة الإنسان، وأن تقسيم الأرزاق وتفاوت الناس إنما هو قسمة الرزاق الكريم، والإنفاق وسيلة لزيادة الرزق، وأن الرزق لا يطلب إلا من الله - عز وجل- ولا تلازم بين محبة الله وسعة الرزق ويجب أن نؤمن أن هناك أسباباً شرعيةً تستجلب الرزق والبركة، وعلينا أن نسعى ونكد ونجتهد ونترك أمر الرزق بعد ذلك على الرزاق العليم، نعم الرِّزْقُ مَقْسُومٌ، فما كان لك سوف يأتيك على ضَعفِك، وما كان لغيرك لن تناله بقوتك، ولكن اذكر دائمًا أن الذي كتب لك هذا الرزق أوجب عليك العمل، وأن التوكل على الله لا يكون بترك الأسباب، والأعرابي الذي ترك ناقته على باب مسجد رسول الله- عليه الصلاة والسلام- طليقة ودخل عليه، فافتقدها، لَقَّنَه الرسول درسًا من دروسه النبوية التي تظل إلى يوم القيامة نبراسًا لكل من أراد أن يهتدي بها في ظلمة الحياة فقال له: ((اعقلها وتَوَكَّل))، فشتان بين من كانت الدنيا أكبر همه ومنتهى أمله، وبين من جعل قول الباري جلا وعلا: (وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)سورة القصص
سأل الإمام أحمد حكيماً: كيف أسلم من الناس؟ فقال بثلاثة: أن تعطيهم ولا تأخذ منهم، وأن تقضى حقوقهم ولا تطالبهم بحقوقك، وأن تصبر على أذاهم وتحسن إليهم ولا تسؤهم، فقال الإمام أحمد: إنها لصعبة، فقال الحكيم: ولعلك مع هذا تسلم منهم.
ونحن كثيراً ما نراقب الناس وأفعالهم وتصرفاتهم وسلوكهم في هذه الفانية وننسي أنفسنا نعم نسينا أنفسنا إلا من رحم ربك، انظروا كم يتعرض أحدنا في هذه الدنيا للأخطار، وكم يواجه من أسباب الهلاك المحقق ولكنه لا يعتبر ولا يتعظ، وكم يرى من حوادث السيارات والموت وما تتفطر له الأكباد، وتتألم له القلوب، فيظل في غروره تائهًا، وفي بيدات الغواية والضلالة هائمًا، وقد حصل له كل هذا البعد عن الرحمن، ومقارفة العصيان، والاستمرار في الطغيان؛ لأنه نسي الله - تعالى- والدار الآخرة، فكان الذي كان، نسي الله، فأنساه الله نفسه: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) [التوبة] جالت بخاطري كل هذه التداعيات عن الدنيا والموت وأنا أقرأ كتابين للشهيد سيد قطب الأول بعنوان: مشاهد القيامة في القرآن، والثاني بعنوان: أفراح الروح عبارة عن خواطر أو رسائل بعثها من أمريكا إلى أخته، وقد اتخذته عنواناً لمقالي هذا حتى أبين أن حياتنا يمكن أن يكون فيها الفرح والحبور، والفرح هو نقيض الحزن، والفرح هو السرور الذي يكون في مقابلة الحزن والكآبة، والفرح لذة في القلب يجدها الإنسان بسبب الحصول على أمر محبوب، وانشراح في الصدر عند بلوغ مقصد مطلوب أنسًا بما يسر، وهو الذي يُتَرْجَمُ عنه بالابتسامة حينًا أو بأسارير الوجه حينًا آخر، ولربما غلبت العاطفة نفس الفَرِحِ، فكان من فرط ما قد سره أبكاه.
والحياة يمكن أن يكون فيها الحزن والهم، ولكننا مجبورون على أن نعيشها واضعين في الحسبان أنها ليست سوى قنطرة نعبرها وظلاً نتفيأ ظلاله سرعان ما نغادره يقول قطب: " إنّ الروحَ لطيفة، كذلك السرّ الذي تحملهُ، ولها أحوال فرحٍ وسعادة تذهل لبّكَ عن وصف وتتبعثرُ حروفك َ فلا تكاد تجمع معك لبيان معنى، فحين تسعد روحك، وتبتسم، تخفّ، وتلطُف وتدقّ حتى تنسابُ في حركتها انسياباً عذباً عجيباً، فتجعل الكون في عينك جميلاً، بل تشعر إن ّ السلام قد عمّ أرجاء نفسكَ وامتدّ إلى جنبات ِ الكون ليغشاها بسكينة ِحضور ابتسامة هادئة معبِّرة عن معنى السلام الذي رفرفَ برايته البيضاء على جنباتِ روحك المرهقَة التي ربما كادت تلوحُ عليها علاماتُ صفرة تعلوها، حين تفرح روحكَ وتسعدُ..تسكُن.. وتزهد في نظرها لدنياها ولا يلتفت نظر قلبها إليها.. بل لا يهتزّ ذلك الفؤاد لمرور ٍ.. لأنّه باتَ يرى الأمور على الحقيقة فلا يكاد ينخدعُ أو يغترُّ، حينَ تفرح روحكَ.. يخيّم شعور السَّكينة على حياتك حتى تشعر أنّك استحلت نسمةً باردة... تتنتقلُ في ربوعِ الجنّة ورياضها وتتنسمُّ عبيرها إنّها تكاد تُشعركَ بأنّها تطير ُ وترفرفُ بجناحي فرحٍ فوقكَ.. لتنشرَ تباشير َالسعادة على روحكَ المُتعبة.. وعلى حياتكَ المُثقلة، لتشتاق نفسك َالمحبوسة بقيد ألم، لعبير نسمات ٍ تهتزّ لها أفئدة مشتاقة قد أقبلتْ إليك من دار السلام. ويقول في واحدة من خواطره تلك: إن فكرة الموت ما تزال تخيل لك(مخاطباً أخته آمنة) فتتصورينه في كل مكان، ووراء كل شيء وتحسبينه قوة طاغية تُظل الحياة والأحياء، وترين الحياة بجانبه ضئيلة واجفة مذعورة إنني أنظر اللحظة فلا أراه إلا قوة ضئيلة حسيرة بجانب قوى الحياة الزاخرة الطافرة الغامرة، وما يكاد يصنع شيئاً إلا أن يلتقط الفتات الساقط من مائدة الحياة ليقتات! ويضيف: عندما نعيش لذواتنا فحسب، تبدو لنا الحياة قصيرة ضئيلة، تبدأ من حيث بدأنا نعي، وتنتهي بانتهاء عمرنا المحدود، ما أجمل الفكرة الرسالية التي عاش من أجلها الرجل حيث قدم روحه فداء لها وها هي حركة الإخوان المسلمين في مصر التي كان الشهيد أحد منظريها ومفكريها الكبار تسعى لتنزيل تلك الفكرة الرسالية (ربط قيم السماء بالأرض) إننا نعيش لأنفسنا حياة مضاعفة، حينما نعيش للآخرين، وبقدر ما نضاعف إحساسنا بالآخرين، نضاعف إحساسنا بحياتنا، ونضاعف هذه الحياة ذاتها في النهاية أما عندما نعيش لغيرنا، أي عندما نعيش لفكرة، فإن الحياة تبدو طويلة عميقة، تبدأ من حيث بدأت الإنسانية وتمتد بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض ويضيف في خاطرة أخرى التجار وحدهم هم الذين يحرصون على العلامات التجارية لبضائعهم كي لا يستغلها الآخرون ويسلبوهم حقهم في الربح. أما المفكرون وأصحاب العقائد فكل سعادتهم في أن يتقاسم الناس أفكارهم وعقائدهم ويؤمنوا بها إلى حد أن ينسبوها لأنفسهم لا إلى أصحابها الأولين"
ويقول ديل كارنيجي في كتابه (دَعْ القلق وابدأ الحياة) وهو يدعونا إلى نعمل، لَمَّا كانت الهجرة إلى غرب أمريكا، إلى الأرض البكر التي لم تمس خيراتها، ولم تستخرج كنوزها، باع رجل كل ما يملك وأخذ ما جمعه فاشترى به أرضًا في الغرب طمع أن تكون أرضًا خصبة، يستثمرها بزراعتها، ويجمع المال من ثمرتها، فلما بلغها رآها مملوءة بالحيات والثعابين، كلما قتل واحدًا منها رأى عشرة فكاد يَفْقِد من هول الصدمة عقلَه، ويهيم على وجهه مجنونًا، أو يعلق حبلاً في شجرة فيشنق به نفسه، ثم قعد يفكر فرأى أن هذه النقمة يمكن أن تنقلب نعمة، لأنه ما في الدنيا شيء إلا وفيه بعض النفع، وإن كان فيه كثير من الضرر، كالخمر والميسر فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما، فهداه الله بتفكيره إلى أن يجعل الأرض لتربية الحيَّات والثعابين، يبيع منها للحواة، وجاء بخبراء يأخذون جلودها لتصنع منها الحقائب والأحذية للنساء ويستخرجون سُمَّها ليكون منه ترياق فيه الدواء بعد أن كان منه الداء، فاغتنى من ذلك!! ولولا هذا التفكير لَانْتَحَرَ.
والشيخ عائض القرني يدعونا هو الآخر للعمل قبل الموت فيقول: قبل أن نموت علينا أن نعيش وقبل أن نرحل علينا أن نبني وأن نعمر، وقبل أن نودّع الحياة علينا أن نترك أثرا جميلا وذكرا حسنا من عمل صالح وخُلُق نبيل ومشروع نافع وذرية طيّبة ومؤسسة رائدة وكتاب مفيد ونحو ذلك من صنوف البر والإحسان، ويضيف، إن الحياة في سبيل الله أعظم من الموت في سبيله؛ لأن الحياة في سبيله، - سبحانه -، طويلة وجميلة فيها علم وعمل، ومعتقد وأخلاق، وأخذ وعطاء، ودنيا وآخرة، وحقوق وواجبات، أما الموت فهو لحظة انتقال من الدنيا إلى الآخرة.
إن كثيراً من الخطب تدعونا إلى ترك الدنيا واليأس والقنوط والإحباط فأصبح الناس لا يفكرون إلا في طريق التخلص من الحياة، وصار عندهم قناعة بأن هذه الحياة لا تستحق الاحتفاء والاهتمام بها. وتكونت لدى الكثير فكرة أنه لا داعي أن نعيش طويلا وأن الأفضل اختصار هذه الحياة والانتقال للآخرة