تحكي المقدمة الطللية كعنصر افتتاحي بالغ الأهمية في نسق البناء الشعري القديم - عن أشياءَ كثيرة اصطبغت بها حياة الإنسان العربي قبل مجيء الإسلام، كما تُلخِّص في اقتضاب وتكثيف احتياجات الذات الإنسانية آنذاك المثقلة بالأحمال، والواقعة بين ما قد تراه في الطبيعة من قسوة وبين نوائب الزمن، والطامحة إلى الأمن والاستقرار والسلام، وإذا كان الطلل - من حيث كونه في التحديد اللغوي يشير إلى آخِرِ ما تبقى من البناء المشيد - يرمز للفناء والنهاية والموت، فهو من جهة أخرى ومن زاوية نظر مختلفة، يرمز للمقاومة والتحدي والصمود في وجه الموت والانتصار للحياة.
وبالنظر إلى الطريقة التي تم بها توظيف الطلل في القصيدة العربية القديمة من قِبَلِ الشعراء، يمكن تصنيف الأطلال إلى ضربين اثنين:
الرسوم: وهي البقايا التي تكون على الأرض وتظهر لاصقة بها؛ كبقايا الرماد، والدِّمَنِ، وما تناثر من الفُرُشِ، والرسوم أحدها رسم، وهو ما لصِق بالأرض.
والأطلال: وهي البقايا التي تظهر شاخصة ماثلة فوق الأرض؛ كالأوتاد، والأثافيِّ، وبقايا الخيام، والأطلال واحدها طلل، وهو ما شخص وبرز فوق الأرض من آثار الديار[1].
وقد عني الشعراء القدماء بذكر الأطلال في افتتاحيات قصائدهم، حتى لَيَظُنَّ الباحث المتخصص في الميدان الأدبي والشعري أن الأمر ربما كان التزامًا جماعيًّا أو اتفاقًا ضمنيًّا، تعارف عليه الشعراء والنقاد، يقضي بضرورة أن ينضبط له الشاعر العربي حتى يُعَدَّ نابغة ومجيدًا في قول الشعر، وحتى يتم الاعتراف له بالإجادة وبالنَّظْمِ الحسن، وحتى يُحتفى به.
ومن شعراء العصر الجاهلي الذين صوروا الأطلال وأكثروا من ذكرها في أشعارهم، نجد الشاعر بشر بن أبي خازم، وهو من فحول الشعراء في الجاهلية، يشهد بذلك ما جاء على لسان القدماء من النقاد؛ حيث جعله محمد بن سلام الجمحي في كتابه (طبقات فحول الشعراء) في الطبقة الثانية من شعراء الجاهلية مع أوس بن حجر والحطيئة وكعب بن زهير، بعد امرئ القيس وزهير بن أبي سُلْمى والنابغة الذبياني، وهم الطبقة الأولى من شعراء الجاهلية عند ابن سلام، فقدَّمه بذلك على عدد من أصحاب المعلقات[2]؛ ما يُبرِز مكانة الشاعر وقيمة وقوة شعره الجمالية والفنية؛ إذ له قصائد رائعة في أغراض كثيرة، إلا أن أكثر ما نظم فيه بشر بن أبي خازم هو غرض الفخر؛ حيث كان شاعرًا مرتبطًا ارتباطًا شديدًا بأرضه وقبيلته، ناطقًا باسمها، كما كان منافحًا عنها بالسيف والنصل في ساحة الوغى؛ ذلك أنه لم يكن شاعرًا وحسب، ولكن أيضًا محاربًا شجاعًا يُقام له ويُقعد، ويضرب له الأعداء ألف حساب.
يقول في مقدمة إحدى قصائده التي قالها مادحًا عمرو بن أم إياس أحد ملوك كندة:
أطلال ميَّةَ بالتلاع فَمِثْقَبِ
أضحت خلاءً كاطِّرادِ المُذْهَبِ
ذهب الأُلى كانوا بهن فعادني
أشجانُ نَصبٍ للظعائن مُنْصِبِ
فانهلَّ دمعي في الرِّداء صبابةً
إثر الخَليطِ وكنتُ غيرَ مُغلَّبِ
فكأن ظعنَهم غداةَ تحملوا
سُفُنٌ تكفَّأُ في خليجٍ مُغرَبِ[3]
وكما يلحظ القارئ، فقد ذكر بشر بن أبي خازم في هذه المقدمة الأطلال موضعًا موضعًا، ووصف حالتها وما عملت فيها الرياح وما صنع بها توالي السنين؛ حيث نجد أنه قد شبه آثار هذه الرياح في أطلال الدار بالخطوط في الثوب المذهب المخطط، ثم بعد ذلك نُلفيه يُعرِّج على ما خلَّفه في نفسه رحيل الأحبة من حزن كبير وألم عميق، كشفت عنه الدموع الحارة التي ذرفتها عينه شوقًا واهتياجًا.
ونظرًا لأهمية البحث اللغوي في تقريب المفاهيم وتبسيط المعاني، وجعلها قريبة للأذهان وفي متناول الأفهام - كان من الضروري علينا - ونحن نبحث مفهوم الطلل وما ينطوي عليه من دلالات - أن نعمِدَ ابتداءً إلى استقصاء المعاجم اللغوية والنظر إلى ما تقوله في هذا الباب؛ حيث نلفي أنه قد جاء في معجم لسان العرب لابن منظور ما يلي: "والطلل ما شخص من آثار الديار، والرسم ما كان لاصقًا بالأرض، وقيل: طلل كل شيء شخصه، وجمع كل ذلك: أطلال وطلول، والطلالة: كالطلل، التهذيب: وطلل الدار يقال إنه موضع من صحنها يُهيَّأ لمجلس أهلها، وطلل الدار كالدُّكَّانة يُجلس عليها، أبو الدُّقَيْش: كان يكون بفناء كل بيت دكان عليه المشرب والمأكل، فذلك الطلل، ويُقال: حيا الله طللك وأطلالك؛ أي: ما شخص من جسدك، وحيا الله طللك وطلالتك؛ أي: شخصك، ويقال: فرس حسن الطلالة، وهو ما ارتفع من خَلْقه[4].
بهذا نجد أن الدلالة اللغوية لمفهوم الطلل لا تختلف في المجمل عما درج الشعراء والنقاد على توظيفه من معنًى، فهي تلك المواضع والأماكن التي أقام فيها الشاعر الجاهلي في فترة من فترات حياته المليئة بالأحداث والمغامرات، ثم جاء زمن واندرست وعفتها الرياح والرمال الصحراوية التي تعاقبت عليها، فلم يبقَ منها غير أجزاء بسيطة شاخصة تُذكِّر الشاعر عندما يعود إليها ويقف عندها متشوقًا باكيًا بتلك الأيام الخالية الهنيئة مع الأحبة الظاعنين، فتذرف عيناه دموعًا حارة تشبه إلى حد كبير في قوتها وغزارتها وشحنة عاطفتها تلك التي تنزل إثر موت عزيز، أو فقدان حبيب ترك فقدانه ورحيله في النفس جراحًا عميقة لا تندمل، وخلَّف في القلب آلامًا معنوية لا تزول ولا تشفى، هذا ويذكر الدكتور مصطفى ناصف في (قراءته الثانية لشعرنا القديم) مفسرًا الظاهرة الطللية ما يلي: "ليس هذا الفن إذًا - ويقصد المقدمة الشعرية الطللية - ضربًا من الشعور الفردي الذي يُعوَّل في شرحه على بعض الظروف الخاصة بشاعر من الشعراء، وإنما نحن بإزاء ضرب من الطقوس التي يؤديها المجتمع، أو تصدر عن عقل جماعي - إن صح هذا التعبير - لا عن عقل فردي أو حالة ذاتية"[5]، وهذه في واقع الأمر التفاتةٌ مهمة في باب تفسير الظاهرة الطللية ومنحها أبعادًا جديدة للدراسة والنقد، ثم يردف قائلًا: "والحق أن هذا الفن جزء أساسي متفق عليه يتبعه الشعراء جيلًا بعد جيل، وهذه ظاهرة تحتاج إلى تفسير؛ ذلك أنها ليست ظاهرة فردية، بل هي على العكس ظاهرة جماعية يجب أن تُعطى كل ما للظواهر الاجتماعية من أهمية"[6]، ويستوقفنا هنا وصف الدكتور مصطفى ناصف ظاهرة الطلل في الشعر الجاهلي بالجماعية، وما يمكن أن توحي به لفظة الظاهرة الجماعية من خلفية فكرية، ودلالة ثقافية شائعة بين أفراد المجتمع العربي الجاهلي كله، وتَسِم سلوكه ومواقفه تجاه الظواهر الطبيعية والحياة بشكل عام، يقوم الشاعر من حيث كونه ممثلًا للذات الجماعية، وناطقًا بلسانها، وحاملًا للواء قيادتها بالتعبير عنها وإظهارها شعرًا.
هذا وقد ذكر الشعراء الجاهليون في قصائدهم معانيَ كثيرةً في الوقوف على الأطلال، واستحضار الذكريات الماضية مع الأحبة والأصحاب، ويمكن إجمال هذه المعاني كما وردت في كتاب (الوقوف على الأطلال من العصر الجاهلي إلى القرن الثالث) على النحو الآتي:
• ذكر الوقوف على الديار.
• تعيين مكان الديار.
• التسليم على الديار.
• تعيين زمن الوقوف على الديار.
• ذكر مدة فراق الديار.
• سؤال الديار وتكليمها واستعجامها عن الجواب.
• الدعاء للديار بالسُّقيا.
• وصف الديار ووصف بقاياها.
• تخريب الديار.
• الحيوان الذي يألف الديار بعد خلائها من أهلها.
• حالة الشاعر النفسية حين الوقوف على الديار.
• استعانة الشاعر بأصحابه.
• المشاركة الوجدانية بين الشاعر وأصحابه.
• ذكر صاحبة الديار والتغزل بها[7].
فهذه معظم المعاني المرصودة الخاصة بظاهرة الوقوف على الأطلال، التي اعتاد على ذكرها الشاعر الجاهلي في قصيدته العربية القديمة، غير أن ما يمكن الخلوص إليه عقب هذا التتبع العلمي مفهوميًّا ودلاليًّا لهذا العنصر المركزي في البناء الشعري القديم - هو أن مسألة الوقوف على الأطلال وذكرها والبكاء عليها لم تكن حالة عادية، أو لبنة أساسية فقط من لبنات بناء القصيدة الشعرية العربية القديمة، أو شرطًا من شروط الإجادة الشعرية - ولكن كانت تمثل شيئًا أكثر من ذلك، لقد كانت حالة إنسانية وشعورية بالأساس، تواطأت واتفقت عليها الذات الجماعية في تلك الفترة من التاريخ العربي، فغدت كالقانون الذي ينبغي الانضباط له والخضوع لتعليماته، فالشاعر ما كان ليبكيَ الأطلال بما تنطوي عليه معاني الذكريات والشوق والفرقة والحزن والحيرة، لو لم تكن الذات الجماعية العربية في ذلك الزمان تقبل هذا البكاء وتتأسى به ويحقق لها ذاتها، فوقوف الشاعر الجاهلي على الأطلال بتلك المسحة الحزينة المفعمة بالدهشة، والطاعنة في الحيرة، كما صورتها صفحة القصيدة الشعرية العربية القديمة - لم يكن أمرًا عاديًّا، بل لا بد أنه عَكَسَ بدرجة كبيرة ما كان يجول في خاطر وداخل الذات الفردية من ناحية، وما كان يعتمل في النفس الإنسانية الجماعية من ناحية ثانية آنذاك من أحاسيسَ متقلبة ومشاعر متنافرة؛ حيث كان القلق والاضطراب والخوف من المجهول مشاعر تتقاسمها الذات الفردية والذات الجماعية العربية على حد سواء.
---------------------
[1] الوقوف على الأطلال من الجاهلية إلى نهاية القرن الثالث، ص: 25.
[2] ديوان بشر بن أبي خازم، ص: 9.
[3] ديوان بشر بن أبي خازم، ص: (38 - 39).
[4] لسان العرب لابن منظور، مادة (طلل)، ص: (406 - 407).
[5] قراءة ثانية لشعرنا القديم، ص: 53.
[6] قراءة ثانية لشعرنا القديم، ص: 53.
[7] الوقوف على الأطلال من العصر الجاهلي إلى القرن الثالث، ص: (20 - 21)
رابط الموضوع: https://www.alukah.net/literature_la...#ixzz64suutb9G