مقاربة في البناء المعرفي للمربي
بدر با سعد


اطلعت على ما كتبه أخي مشاري الشثري حول موضوع البناء المعرفي للمربي [1]، وقد تناول قضيتين أساسيتين هما: أهمية البناء المعرفي، ومنهج البناء المعرفي. وطمعا في إثراء الموضوع أحببت أن أشارك في التعليق عليها في محاولة لتقديم إجابة من زاوية مختلفة.
أهمية البناء المعرفي:
تناول الكاتب هذه المسألة باستفاضة شديدة توحي بأنه لا يزال يجد أن هناك من يشكك في أهمية البناء المعرفي، وأوافقه في هذا الأمر، وإنه لأمر محزن أن يظل موضوعا في هذه الأهمية إلى اليوم بعد ما يقارب الثلاثين عاما من العمل التربوي في الصحوة محل جدل واختصام. ولعلي أورد بعض ما يجعل الاختلاف حول أهمية البناء المعرفي مستمرا إلى اليوم:
نجاح العمل التربوي: نجحت التربوية في زمن مضى بوسائل بسيطة لبساطة التحديات وهذا النجاح هو ما يعوق المربين اليوم عن تغيير أسلوب البناء المعرفي تبعا للتحديات المستجدة. فالتحديات اليوم مختلفة ولا أظهر من التحدي الثقافي والفكري الناتج عن التقدم التقني، والشبكات التواصلية المفتوحة على الشبكة العنكبوتية التي جعلت كلام المربي على قدم المساواة مع كلام أي شخص مجهول لأن هذه المواقع أعطت قيمة كبيرة للقارئ وللرأي الشخصي في ترجيح كفة قول على قول.
البساطة جزء من ثقافتنا: سواء أكانت هذه البساطة في النظر إلى العمل التربوي بنظرة تبسيطية أو في الإعداد للعمل التربوي بأساليب بسيطة وتقليدية. ويجب علينا التغلب على هذه النظرة التبسيطية إذا أردنا النهوض بأعمالنا. ومن تأمل في كل يراه حسنا فيما حوله لا يكاد يجد شيئا ننا يعجبه بسيطا غير معقد.
إننا ننعم بجمال هذا الكون وبساطته ولكنه في الحقيقة شديد التعقيد.
والمواطنون ينعمون بالأمن في وطنهم ولكنهم لا ندرك كم شدة التعقيد في إنشاء نظام أمني يوفر هذه الحماية والراحة.
وكذلك سائر الأنظمة الناجحة تحمل في باطنها نظاما شديد التعقيد، ومراكز الأبحاث القوية يقف خلفها نظام معقد إذا ما قورن بتلك التي لها نتاج ضعيف ومتقطع، والأمم القوية تمتلك أنظمة أكثر تعقيدا من الأمم الضعيفة سواء كان على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو التعليمي، بل انظر لما هو أبسط من ذلك إلى الأسر المترابطة و الأسر المفككة تجد الأولى أكثر تعقيدا لأنها تحوي أنظمة متعلقة بالتزاور والتزاوج والتقدير المتبادل والإعانات لمحتاجيها مالا تملكه الأسر الغير مترابطة. بل إن الطابور المنظم أشد تعقيدا من الطابور غير منظم لأن الأول يحمل في طياته جهود تثقيف وتعليم وتربية على النظام لا يحملها الواقفون في الطابور الغير منتظم.
والمقصود من هذا كله: أن العمل المتقن الذي يرضي الله ورسوله هو عمل معقد إذا ما قورن بعمل آخر من جنسه وتأمل الفرق بين الصلاة الجيدة والصلاة الرديئة تجد الأولى فيها من التبكير والنية والطهارة والخشوع والنوافل ما لا يوجد في الثانية التي يؤديها صاحبها كيفما اتفق! والعمل التربوي لا يخالف هذه القاعدة والكشف عن تعقيدات العمل التربوي يحتاج إلى مقالة منفصلة ويكفي أن يدرك المربي في هذه اللحظة أن ضرورة التعقيد في العمل وأقول ضرورة التعقيد وليس مجرد أهميته.
ولكن ها هنا ملاحظة وهي أن التعقيد في سائر الأعمال لا يأتي غالبا إلا من خلال التغلب المستمر على التحديات المتجددة التي تواجه العاملين، فيصبح المشروع الذي له 10 سنوات من العمل أكثر تعقيدا من المشروع الذي له سنة واحدة ومن تأمل في العمل التربوي يجد أن تعقيده على مرّ السنين لا يزداد مما يعطينا مؤشر على عدم مواكبة للتحديات أو على الأقل أن هناك مواكبة ولكن لا يتحقق فيها التراكم بسبب ضعف التراكم المعرفي في العمل التربوي.
منهج البناء المعرفي:
والأمر الثاني الذي تناوله الكاتب هو وضع منهج للبناء المعرفي ولكن ما لا أجده هو الأساس العلمي الذي بنيت عليه هذه المنهجية، بمعنى ما الذي يوجد الفارق بين اختياراته واختيارات أي شخص يعي/لا يعي العملية التربوية.
لا يخفى عليّ أنه يستبطن تصورا ما عن العملية التربوية يجعله يقدم هذه الكتب على أنه منهجا تربويا ولكن من شروط الكتابة العلمية الإفصاح عن تلك الأسس والمعايير التي تسوغ خيارا على حساب آخر كي تكون أرضية مشتركة للاحتكام إليها.
وما يقودني إليه نظري هذه الساعة هو تأسيس البناء المعرفي للمربي على وظيفته التي يقوم بها. فالتساؤل ما هي وظيفة المربي؟ يقودنا إلى وظيفته ومن ثم تحليل الوظيفة حسب لوازمها ثم يوضع للمربي من الكتب ما يعينه على تحقيق هذه اللوازم.
فمن هو المربي؟
المربي: هو الذي يقوم بغرس المفاهيم (القيم والمبادئ) في النفوس.
ومن هذا التعريف يتضح ثلاثة أسس ضرورية للمربي:
الأول: معرفة المفاهيم.
فالكتب التي تعين على معرفة المفاهيم مثل: التربية على منهج أهل السنة والجماعة لأحمد فريد، معالم الانطلاقة الكبرى لمحمد أمين المصري.
الثاني: غرسها.
وهو في الحقيقة عبارة عن طرق التربية التي في حقيقتها عبارة عن تحويل المعرفة إلى سلوك ولا تعتمد أساسا على إدراك المربي للمفاهيم بقدر ما تعتمد على إدراكه لوسائل غرسها. ومن الكتب فهذا الجانب: أصول التربية الإسلامية للنحلاوي. والحديث عن غرس المفاهيم يفتح لنا بابا ضرورة تناول البناء المعرفي لما يعينه على معرفة شخصية المتربي. ومن الكتب في هذا الجانب ما تحت الأقنعة. وكتاب المراهق كيف نفهمه وكيف نوجهه؟ لبكار. وكتاب نماء الصادر عن مؤسسة المربي.
الثالث: ما يلزم من هذين وهو متابعتها وقياسها..إلخ.
يتضمن هذا الفرع المهارات اللاحقة بصلب العملية التربوية والتي تزيد كفاءتها.وهي على مستويين:
الأول: فردي
وهذا يعني أن يكون لدى المربي إدراك و وعي بأثر كلامه وفعله على المتربين، فكثير من المربين يتكلمون ولكنهم لا يؤثرون. ولا يدرون كيف يعرفون التأثر، فضلا عن صناعة التأثير أي الجو العام الذي يعين على التأثر بالمعرفة وتحويلها إلى سلوك. وكتب هذا الفرع: رؤى تخطيطية، ومنهجية التربية الدعوية لمحمد أحمد الراشد.
الثاني: مؤسسي
وهي متعلقة بالأهداف التربوية والقيم والهياكل الإدارية للمنظمات التربوية، والفرق بين الإدارة التربوية المركزية واللامركزية والاتجاهات التربوية والتخطيط التربوي وتقويم السياسات التربوية.. إلخ، فكما يتدرج المدرس في من التدريس إلى الإشراف ثم إلى التوجيه التربوي يتدرج أيضا المربي من التربية إلى الاشراف ثم إلى التوجيه التربوي إذا كانت هناك مؤسسات ترعى العمل التربوي وتساعد على استمراره. ومن الكتب في هذا المجال: السياسات التربوية لمحمد السوالي، وهو كتب مهم جدا، وكتاب تربية الشباب للشيح محمد الدويش، وكتب بناء الأخيرة.
وأخيرا: فإن العمل على إنضاج رؤية في البناء المعرفي للمربي ليس سهلا ويحتاج إلى تلاقح الأفكار والتجارب وأهم من ذلك كله صناعة وسائل تواصل انترنتية تتيح التبادل المعرفي في هذا الجانب أو بكلمة أكثر دقة (صناعة مجتمع المربين) مثل مجتمعات تويتر والفيسبوك وأشيد في هذه اللحظة بالمحاولة التي قام بها أخي زيد الزعيبر حين أنشأ موقع ملتقى المربين ليكون نواة لمثل هذا المجتمعات التي تهتم بالتبادل المعرفي في المجال التربوي.