{قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول وإنا لنراك ضعيفاً ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز} [هود:91].
يقول الشيخ الشنقيطي في أضواء البيان: -"بيَّن تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّ نبيه شعيبًا -عليه السلام- منعه الله من الكفار، وأعز جانبه بسبب العواطف العصبية، والأواصر النسبية من قومه الذين هم كفار. وهو دليل على أن المتمسك بدينه قد يعينه الله، ويعزه بنصرة قريبه الكافر، كما بينه تعالى في مواضع أخر، كقوله في صالح وقومه: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّه ُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ الآية، ففي الآية دليل على أنهم لا قدرة لهم على أن يفعلوا السوء بصالح -عليه السلام- إلا في حال الخفاء، وأنهم لو فعلوا به ذلك خفاءً وسرقة لكانوا يحلفون لأوليائه الذين هم عُصبته أنهم ما فعلوا به سوءًا، ولا شهدوا ذلك ولا حضروه خوفًا من عصبته. فهو عزيز الجانب بسبب عصبته الكفار، وقد قال تعالى لنبينا -صلى الله عليه وسلم-: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى﴾، أي: آواك بأن ضمَّك إلى عمك أبي طالب. وذلك بسبب العواطف العصبية، والأواصر النسبية، ولا صلة له بالدين البتة، فكونه -جلَّ وعلا- يمتنّ على رسوله -صلى الله عليه وسلم- بإيواء أبي طالب له دليل على أن الله قد ينعم على المتمسك بدينه بنصرة قريبه الكافر، ومن ثمرات تلك العصبية النسبية قول أبي طالب:
والله لن يَصِلُوا إليك بجمعهم ** حتى أُوسَّدَ في التراب دَفِينَا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ** أبشر بذاك وَقرَّ منه عيونا
ولهذا لما كان نبي الله لوط -عليه السلام- ليس له عصبة في قومه الذين أُرسل إليهم ظهر فيه أثر عدم العصبة، بدليل قوله تعالى عنه: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
فالادلة القرآنية تدل على أن المسلمين قد تنفعهم عصبية الكافرين. ولما ناصر بنو المطلب بن عبد مناف بني هاشم، ولم يناصرهم بنو عبد شمس بن عبد مناف، وبنو نوفل بن عبد مناف عرف النبي -صلى الله عليه وسلم- لبني المطلب تلك المناصرة التي هي عصبية نسبية لا صلة لها بالدين، فأعطاهم من خمس الغنيمة مع بني هاشم، وقال: (إنا وبني المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام) ومنع بني عبد شمس، وبني نوفل من خمس الغنيمة، مع أن الجميع أولاد عبد مناف بن قصي
.............إن الله قد يُعين المؤمن بالكافر لتعصُّبه له، وربما كان لذلك أثر حسن على الإسلام والمسلمين وقد يكون من منن الله على بعض أنبيائه المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم، وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)، وفي المثل: اجتَنِ الثمار وأَلقِ الخشبة في النار." اهـ مختصرًا من (أضواء البيان)
وهذا ر رسول الله -صلى الله عليه وسلم يشفع لعمه بسبب نصرته وإيواءه له، فذكر أنه يشفع له يوم القيامة فيكون أخف أهل النار عذابًا، ولولا ذلك لكان في الدرك الأسفل من النار
كما شكر للمطعم بن عدي الذي أجاره يوم رجع من الطائف فقال لابنه يوم بدر لما كلمه في أسارى بدر: (لَوْ كَانَ الشَّيْخُ أَبُوكَ حيًّا فَأَتانَا فِيهِمْ شَفّعْنَاهُ). وفي رواية: (لَوْ أَنَّ أَبَاكَ كَانَ حَيًّا، أَوْ لَوْ أَنَّ الْمُطْعِمَ بْنَ عَدِيٍّ كَانَ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمِني فِي هَؤُلَاءِ النّتنَى لأَطْلَقْتُهُمْ لَهُ‏)‏
لكن ينبغي أن لا يغفل عن حال النبي وسيرته ونهجه مع قومه وعمه من وضوح الدعوة وإظهار التوحيد والبراءة من الشرك والتنديد وعدم الانحراف عن ذلك بسبب تلك النصرة .
ويقول سيد قطب في الظلال: "وحين تفرغ النفوس من العقيدة القويمة والقيم الرفيعة والمثل العالية؛ فإنها تقبع على الأرض ومصالحها القريبة وقيمها الدنيا؛ فلا ترى حرمة يومئذ لدعوة كريمة، ولا لحقيقة كبيرة؛ ولا تتحرج عن البطش بالداعية إلا أن تكون له عصبة تؤويه؛ وإلا أن تكون معه قوة مادية تحميه. أما حرمة العقيدة والحق والدعوة فلا وزن لها ولا ظل في تلك النفوس الفارغة الخاوية".........ان السيرة النبوية مليئة بالخطط النبوية التي سعت لحماية الدعوة، خصوصاً في مرحلة الاستضعاف التي كانت في مكة المكرمة، وما واجهته من بطش من قبل قريش.
وهذا ما حصل لمن يتأمل في السيرة النبوية فى مرحلة الضعف، حيث كان البعد القبلي كفيلاً بالحماية من الاعتداء، و إيجاد غطاء يحمي الدعوة، وهو وإن لم يكن مثالياً، إلا أنه حماها من الوأد والقتل والاندثار.
ومن الامثلة على ذلك الاستجارة وطلب الحماية، فالنبي صلى الله عليه وسلم استجار بالمطعم بن عدي بعد عودته من الطائف، وقام المطعم بحماية النبي صلى الله عليه وسلم من أذى قريش، وكما جاء في الأثر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى مكة، أرسل رجلا من خزاعة إلى مُطْعَم بن عدي: أدخل في جوارك؟ فقال: نعم، فدعا بنيه وقومه، وقال: البسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت، فإني قد أجرتُ محمداً، فدخل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المطعم على راحلته، فنادى: يا معشر قريش، إني قد أجرت محمداً، فلا يهجه أحد منكم، فانتهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الركن، فاستلمه، وصلى ركعتين، وانصرف إلى بيته ومطعم وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته.إن النبي صلى الله عليه وسلم كان بإمكانه أن يدخل مكة دون حماية من أحد، فيكفيه أن الله يحميه، لكنه شرع للأمة مبدأ مهما، وهو أهمية الاستفادة سبل الحماية للدعوة وأفرادها.
ومن الأمثلة على المنهج النبوي في حماية الدعوة، أمره عليه السلام لبعض الصحابة للذهاب إلى الحبشة؛ لحمايتهم من الأذى، واستغلال عدل النجاشي في الحفاظ على دعوتهم وكلمتهم.، فالنجاشي لم يكن عربياً، ولم يكن على دين المسلمين آنذاك، لكنه تشريع نبوي يؤكد على أهمية استغلال كل وسيلة في حماية الدعوة، طالما أنها لا تعود على أصل الدين وركائز دعوته بالبطلان.............. ..يقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدى - أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة قد يعلمون بعضها وقد لا يعلمون شيئا منها وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم أو أهل وطنهم الكفار كما دفع الله عن شعيب رجم قومه بسبب رهطه وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين لا بأس بالسعي فيها بل ربما تعين ذلك لأن الإصلاح مطلوب على حسب القدرة والإمكان
فعلى هذا لو ساعد المسلمون الذين تحت ولاية الكفار وعملوا على جعل الولاية جمهورية يتمكن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية وتحرص على إبادتها وجعلهم عمَلَةً وخَدَمًا لهم
نعم إن أمكن أن تكون الدولة للمسلمين وهم الحكام فهو المتعين ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية للدين والدنيا مقدمة