معنى خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة -- بين اهل السنة وأهل الارجاء والتكفير والهجرة المكفرين بالاصرار
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: معنى خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة -- بين اهل السنة وأهل الارجاء والتكفير والهجرة المكفرين بالاصرار

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    3,355

    افتراضي معنى خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة -- بين اهل السنة وأهل الارجاء والتكفير والهجرة المكفرين بالاصرار

    سُئل شيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله: عن معنى حديث: "إذا زنى العبد خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة فإذا خرج من ذلك العمل عاد إليه الإيمان‏"‏‏ رواه الترمذي وأبو داود‏.‏ وهل يكون الزاني في حالة الزنا مؤمنا أو غير مؤمن ‏؟وهل حمل الحديث على ظاهره أحد من الأئمة أو أجمعوا على تأويله‏؟ فأجاب‏:‏ الحمد لله‏:‏ الناس في الفاسق من أهل الملة مثل الزاني والسارق والشارب ونحوهم ‏ - ‏ثلاثة أقسام‏‏‏:طرفين ووسط‏. ‏أحد الطرفين‏:‏ أنه ليس بمؤمن بوجه من الوجوه ولا يدخل في عموم الأحكام المتعلقة باسم الإيمان ثم من هؤلاء من يقول‏:‏ هو كافر‏:‏ كاليهودي والنصراني‏.‏ وهو قول الخوارج ومنهم من يقول‏:‏ ننزله منزلة بين المنزلتين؛ وهي منزلة الفاسق وليس هو بمؤمن ولا كافر وهم المعتزلة وهؤلاء يقولون‏:‏ إن أهل الكبائر يخلدون في النار وإن أحدا منهم لا يخرج منها؛ وهذا من ‏‏مقالات أهل البدع‏ التي دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان على خلافها قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏‏وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بينهما - الى قوله {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أخويكم -‏‏ ‏[‏الحجرات‏:‏9-10‏]‏ فسماهم مؤمنين وجعلهم إخوة مع الاقتتال وبغي بعضهم على بعض وقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏‏فَتَحْرِير ُ رَقَبَةٍ مؤمنة - ‏[‏النساء‏:‏92‏]‏ ولو أعتق مذنبا أجزأ عتقه بإجماع العلماء‏.‏ ولهذا يقول علماء السلف في المقدمات الاعتقادية‏:‏ لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل وقد ثبت الزنا والسرقة وشرب الخمر على أناس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحكم فيهم حكم من كفر ولا قطع الموالاة بينهم وبين المسلمين بل جلد هذا وقطع هذا وهو في ذلك يستغفر لهم ويقول‏:‏ لا تكونوا أعوان الشيطان على أخيكم وأحكام الإسلام كلها مرتبة على هذا الأصل‏. - ‏الطرف الثاني‏ - ‏‏:‏ قول من يقول‏:‏ إيمانهم باق كما كان لم ينقص بناء على أن الإيمان هو مجرد التصديق والاعتقاد الجازم وهو لم يتغير وإنما نقصت شرائع الإسلام وهذا قول المرجئة والجهمية ومن سلك سبيلهم وهو أيضا قول مخالف للكتاب والسنة وإجماع السابقين والتابعين لهم بإحسان‏. ‏‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏‏إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ‏} ‏‏ ‏[‏الحجرات‏:‏15‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏‏إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قلوبهم - إلى قوله ‏{‏‏أُوْلَـئِك َ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا‏}‏‏ ‏[‏الأنفال‏:‏2- 4‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏‏فَزَادَهُم ْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ‏}‏‏ ‏[‏آل عمران‏:‏173‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏‏ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم‏}‏‏ ‏[‏الفتح‏:‏4‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏‏فَزَادَتْه ُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ‏}‏‏ ‏[‏التوبة ‏:‏124‏]‏‏. ‏‏ وقال النبي صلى الله عليه وسلم "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق‏"‏‏‏. ‏‏ وقال لوفد عبد القيس "آمركم بالإيمان بالله أتدرون ما الإيمان بالله ‏؟‏ شهادة أن لا إله إلا الله وأن تؤدوا خمس ما غنمتم‏"‏‏‏. ‏‏ وأجمع السلف أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ومعنى ذلك أنه قول القلب وعمل القلب ثم قول اللسان وعمل الجوارح‏. ‏‏ فأما قول القلب فهو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويدخل فيه الإيمان بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم‏. ‏‏ ثم الناس في هذا على أقسام‏:‏ منهم من صدق به جملة ولم يعرف التفصيل ومنهم من صدق جملة وتفصيلا ثم منهم من يدوم استحضاره وذكره لهذا التصديق ومنهم من يغفل عنه ويذهل ومنهم من استبصر فيه بما قذف الله في قلبه من النور والإيمان ومنهم من جزم به لدليل قد تعترض فيه شبهة أو تقليد جازم وهذا التصديق يتبعه عمل القلب وهو حب الله ورسوله وتعظيم الله ورسوله وتعزير الرسول وتوقيره وخشية الله والإنابة إليه والإخلاص له والتوكل عليه إلى غير ذلك من الأحوال فهذه الأعمال القلبية كلها من الإيمان وهي مما يوجبها التصديق والاعتقاد إيجاب العلة للمعلول‏.‏ ويتبع الاعتقاد قول اللسان ويتبع عمل القلب الجوارح من الصلاة والزكاة والصوم والحج ونحو ذلك‏.‏ وعند هذا فالقول الوسط الذي هو قول أهل السنة والجماعة أنهم لا يسلبون الاسم على الإطلاق ولا يعطونه على الإطلاق‏. ‏‏ فنقول‏:‏ هو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن عاص أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ويقال‏:‏ ليس بمؤمن حقا أو ليس بصادق الإيمان‏. ‏‏ وكل كلام أطلق في الكتاب والسنة - فلا بد أن يقترن به ما يبين المراد منه.‏ والأحكام منها ما يترتب على أصل الإيمان فقط؛ كجواز العتق في الكفارة وكالموالاة والموارثة ونحو ذلك ومنها ما يترتب على أصله و فرعه ‏:‏ كاستحقاق الحمد والثواب وغفران السيئات ونحو ذلك‏. ‏‏ إذا عرفت ‏‏هذه القاعدة‏‏‏.‏ فالذي في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم‏ ‏‏"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه أبصارهم فيها حين ينتهبها وهو مؤمن‏"‏‏ والزيادة التي رواها أبو داود والترمذي صحيحة وهي مفسرة للرواية المشهورة‏.‏ فقول السائل‏:‏ هل حمل الحديث على ظاهره أحد من الأئمة ‏؟لفظ مشترك؛ فإن عنى بذلك أن ظاهره أن الزاني يصير كافرا وأنه يسلب الإيمان بالكلية فلم يحمل الحديث على هذا أحد من الأئمة ولا هو أيضا ظاهر الحديث لأن قوله ‏"‏‏خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة‏"‏‏ دليل على أن الإيمان لا يفارقه بالكلية فإن الظلة تظلل صاحبها وهي متعلقة ومرتبطة به نوع ارتباط‏. ‏‏ وأما إن عنى بظاهره ما هو المفهوم منه كما سنفسره إن شاء الله فنعم؛ فإن عامة علماء السلف يقرون هذه الأحاديث ويمرونها كما جاءت ويكرهون أن تتأول تأويلات تخرجها عن مقصود رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نقل كراهة تأويل أحاديث الوعيد‏:‏ عن سفيان‏. ‏‏ وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم وجماعة كثيرة من العلماء ونص أحمد على أن مثل هذا الحديث لا يتأول تأويلا يخرجه عن ظاهره المقصود به وقد تأوله الخطابي وغيره تأويلات مستكرهة مثل قولهم لفظه لفظ الخبر ومعناه النهي‏:‏ أي ينبغي للمؤمن ألا يفعل ذلك وقولهم‏:‏ المقصود به الوعيد والزجر دون حقيقة النفي وإنما ساغ ذلك لما بين حاله وحال من عدم الإيمان من المشابهة والمقاربة وقولهم‏:‏ إنما عدم كمال الإيمان وتمامه أو شرائعه وثمراته ونحو ذلك وكل هذه التأويلات لا يخفى حالها على من أمعن النظر‏. ‏‏ فالحق أن يقال:‏ نفس التصديق المفرق بينه وبين الكافر لم يعدمه - لكن هذا التصديق لو بقي على حاله لكان صاحبه مصدقا بأن الله حرم هذه الكبيرة وأنه توعد عليها بالعقوبة العظيمة وأنه يرى الفاعل ويشاهده؛ وهو سبحانه وتعالى مع عظمته وجلاله وعلوه وكبريائه يمقت هذا الفاعل فلو تصور هذا حق التصور لامتنع صدور الفعل منه ومتى فعل هذه الخطيئة فلا بد من أحد - ‏‏ثلاثة أشياء - ‏‏‏.‏ إما اضطراب العقيدة؛ بأن يعتقد بأن الوعيد ليس ظاهره كباطنه وإنما مقصوده الزجر كما تقوله‏:‏ المرجئة‏. ‏‏ أو أن هذا إنما يحرم على العامة دون الخاصة كما يقوله الإباحية أو نحو ذلك من العقائد التي تخرج عن الملة‏. ‏‏ وإما الغفلة والذهول عن التحريم وعظمة الرب وشدة بأسه‏. ‏‏ وإما فرط الشهوة بحيث يقهر مقتضى الإيمان ويمنعه موجبه بحيث يصير الاعتقاد مغمورا مقهورا كالعقل في النائم والسكران وكالروح في النائم‏. ‏‏ ومعلوم أن ‏‏الإيمان الذي هو الإيمان ليس باقيا كما كان؛ إذ ليس مستقرا ظاهرا في القلب واسم المؤمن عند الإطلاق إنما ينصرف إلى من يكون إيمانه باقيا على حاله عاملا عمله وهو يشبه من بعض الوجوه روح النائم؛ فإنه سبحانه‏:‏ يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها؛ فالنائم ميت من وجه حي من وجه وكذلك السكران والمغمى عليه عاقل من وجه وليس بعاقل من وجه فإذا قال قائل‏:‏ السكران ليس بعاقل فإذا صحا عاد عقله إليه كان صادقا مع العلم بأنه ليس بمنزلة البهيمة إذ عقله مستور وعقل البهيمة معدوم؛ بل الغضبان ينتهي به الغضب إلى حال يعزب فيها عقله ورأيه وفي الأثر ‏(‏إذا أراد الله نفاذ قضائه وقدره سلب ذوي العقول عقولهم فإذا أنفذ قضاءه‏.‏ وقدره رد عليهم عقولهم ليعتبروا‏)‏ فالعقل الذي به يكون التكليف لم يسلب وإنما سلب العقل الذي به يكون صلاح الأمور في الدنيا والآخرة‏. ‏‏ كذلك الزاني والسارق والشارب والمنتهب لم يعدم الإيمان الذي به يستحق ألا يخلد في النار وبه ترجى له الشفاعة والمغفرة وبه يستحق المناكحة والموارثة لكن عدم الإيمان الذي به يستحق النجاة من العذاب ويستحق به تكفير السيئات وقبول الطاعات وكرامة الله ومثوبته؛ وبه يستحق أن يكون محمودا مرضيا‏.‏ وهذا يبين أن الحديث على ظاهره الذي يليق به‏. ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - المجلد السابع.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    3,355

    افتراضي رد: معنى خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة -- بين اهل السنة وأهل الارجاء والتكفير والهجرة المكفرين بالاصرار

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمدعبداللطيف مشاهدة المشاركة
    ‏‏ وكل كلام أطلق في الكتاب والسنة - فلا بد أن يقترن به ما يبين المراد منه.‏ والأحكام منها ما يترتب على أصل الإيمان فقط... ومنها ما يترتب على أصله و فرعه ..........
    نعم فوائد متعلقة بهذه المسألة--إن معظم الفساد العقدي والإنحراف الذى منيت به أكثر الفرق الإسلامية إنما كان بسبب التأويل والتحريف لنصوص الكتاب والسنة.
    و لو فتح باب التأويل - لولج كل مبطل بباطله، وادعى أن نصوص الوحي تدل عليه، ثم تأول النصوص لتتفق مع هواه وباطله، وليس هذا مجرد تصور، بل إن هذا هو ما حصل فعلاً .
    قال شيخ الإسلام: "وأما أهل البدع من أهل الكلام والفلسفة ونحوهم فهم لم يثبتوا الحق، بل أصلوا أصولاً تناقض الحق. فلم يكفهم أنهم لم يهتدوا ولم يدلوا على الحق حتى أصلوا أصولاً تناقض الحق، ورأوا أنها تناقض ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدموها على ما جاء به الرسول.
    ثم تارة يقولون: الرسول جاء بالتخييل، وتارة يقولون: جاء بالتأويل، وتارة يقولون: جاء بالتجهيل" .
    فهم لا يقبلون من نصوص الوحي ما خالف آرائهم وأصولهم وقواعدهم، بل ينصرفون إلى رده بأي وجه.
    خلافاً لمنهج أهل الحق والسلامة والسنة والجماعة رحمهم الله ورضي عنهم أجمعين فإنهم كلهم متفقون على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة على كل حال، فكلمتهم واحدة من أولهم إلى آخرهم لم يسوموها تأويلاً، ولم يحرفوها عن موضوعها تبديلاً، ولم يبدوا لشيء منها إبطالاً، ولا ضربوا لها أمثالاً، ولم يدعفوا في صدورها وأعجازها، ولم يقل أحد منهم يجب صرفها عن حقائقها وحملها على مجازها، بل تلقوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع حيث جعلوا القرآن عضين.
    فالواجب لزوم منهج أهل السنة والجماعة، والبعد عن هذه المناهج المنحرفة، وأن يكون الرد في موضع النزاع والخلاف إلى الكتاب والسنة، وأن لا يقدم بين يدي الله ورسوله شيئاً من تلك التأويلات الفاسدة والآراء الباطلة، التي هي في الحقيقة زبالات الأذهان ونخالات الأفكار وعصارات الآراء ووساوس الصدور. ------ وهذه جملة من التأويلات والنخالات والافكار وجوابها
    فمنها إدعاؤهم أنها محمولة على أنهم كانوا آمنوا في الجملة، ثم كانت تأتيهم الفروض فرض بعد فرضاً، فكانوا يؤمنون بكل فرض خاص إلى أن تكاملت الفروض وكمل الدين، فكان الإيمان يزيد بزيادة المؤمن به. ثم لما كمل الشرع فلا مجال بعد ذلك لزيادة الإيمان إذ إن هذا لا يتصور في غير عصره صلى الله عليه وسلم .
    والجواب عن هذا أن يقال:
    لا ريب في أن الإيمان الذي أوجبه الله على عباده وأمرهم به كان يزيد شيئا فشيئاً كما أن القرآن الكريم كان يزيد شيئاً فشيئاً إلى أن أتم الله الدين وأكمله وأنزل في بيان ذلك قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: 3].
    والإكمال الذي نص عليه في الآية عائد إلى الإيمان الذي هو أمر الرب سبحانه وتعالى حيث إنه سبحانه أمر عباده بالتوحيد ثم الصلاة ثم الصيام ثم الحج، فلم يكن سبحانه قد أنزل تشريعه على عباده جملة واحدة، وإنما أنزله عليهم شيئاً فشيئاً حتى تكامل التشريع.
    وليس عائداً على أفعال المكلفين وقيامهم به إذ إن الآية ليس المراد بها أن كل واحد من الأمة وجب عليه ما يجب على سائر الأمة وأنه فعل ذلك وقام به، وإنما المراد أن الله أكمل التشريع، فالإكمال المشار إليه في الآية عائد إلى المؤمن به.
    ولا يلزم من كمال الدين وتمامه من جهة المؤمن به أن يكون الناس متساوين فيما أمروا به من الإيمان، كما فهمه هؤلاء، فإن هذا من أصول غلطهم، فإنهم ظنوا أن الإيمان شيء واحد، وأنه يستوي فيه جميع المكلفين.
    وغلطهم في هذا ظاهر، لأن الإيمان الذي أوجبه الله على عباده يتنوع ويتفاضل، وهم يتباينون فيه تبايناً عظيماً، فيجب على الملائكة من الإيمان ما لا يجب على البشر. ويجب على الأنبياء من الإيمان ما لا يجب على غيرهم، ويجب على العلماء من الإيمان ما لا يجب على غيرهم، ويجب على الأمراء ما لا يجب على غيرهم، وليس المراد أنه يجب عليهم من العمل فقط، بل ومن التصديق والإقرار فإن الناس وإن كان يجب عليهم الإقرار المجمل بكل ما جاء به الرسول فأكثرهم لا يعرفون تفصيل كل ما أخبر به، وما لم يعلموه كيف يؤمرون بالإقرار به مفصلاً، وما لم يؤمر به العبد من الأعمال لا يجب عليه معرفته ومعرفة الأمر به، فمن أمر بحج وجب عليه معرفة ما أمر به من أعمال الحج والإيمان بها، فيجب عليه من الإيمان والعمل ما لا يجب على غيره، وكذلك من أمر بالزكاة يجب عليه معرفة ما أمر الله به من الزكاة ومن الإيمان بذلك والعمل به ما لا يجب على غيره، فجيب عليه من العمل والإيمان ما لا يجب على غيره إذا جعل العلم والعمل ليسا من الإيمان، وإن جعل جميع ذلك داخلاً في مسمى الإيمان كان أبلغ فبكل حال قد وجب عليه من الإيمان ما لا يجب على غيره .
    فكيف يقال بعد هذا إن زيادة الإيمان غير متصورة ولا مجال لها بعد عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فه الإيمان المأمور به من وجب عليه الحج لوجود الاستطاعة كالإيمان المأمور به من لم يجب عليه الحج لعدم وجودها؟ وهل الإيمان المأمور به من وجبت عليه الزكاة لاكتمال النصاب، كالإيمان المأمور به من لم يكن عنده مال يبلغ النصاب؟ وهل الإيمان الواجب على من علم بتفاصيل الشريعة ودقائق مسائلها كإيمان من لم يبلغه من الأمر والنهي إلا الشيء اليسير؟ وهل إيمان من آمن بالرسول باطناً وظاهراً ثم مات قبل أن يعرف شرائع الدين كإيمان من عرف الشرائع بتفاصيلها فآمن بها وعمل بها؟
    لذا يقول شيخ الإسلام: "فلا يمكن المنازعة أن الإيمان الذي أوجبه الله يتباين فيه أحوال الناس، ويتفاضلون في إيمانهم ودينهم بحسب ذلك" .
    ولهذا فإن قولهم إن الزيادة غير ممكنة بعد اكتمال الشرع وغير متصورة بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم متعقب بما تقدم، بل إن الفرهاري شارح العقائد مع أنه من القائلين بعدم زيادة الإيمان ونقصانه قد تعقب هذا القول ونبه على غلطه، حيث قال بعد أن حكاه:
    "وفيه نظر لأن الإطلاع على تفاصيل الفرائض ممكن في غير عصر النبي صلى الله عليه وسلم فإن أحدنا لا يطلع على جميع الفرائض دفعة بل يطلع على بعضها فيؤمن به ثم على بعض آخر فيؤمن به، والإيمان يجب إجمالاً وتفصيلاً فيما علم تفصيلاً" .
    2- ومن أجوبتهم قولهم: إن الإيمان له معنيان:
    أحدهما: تصديق الجنان بما لابد من تصديقه وهو قوله صلى الله عليه وسلم في جواب جبريل: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته..." الحديث فمن أتى بهذا التصديق صدقاً من قلبه حرمه الله تعالى عن النار الشديدة المؤبدة التي أعدها للكافرين وإن زني وإن سرق وغن وإن أي: إن عمل الكبائر.
    والمعنى الثاني: السكينة والطمأنينة التي تحصل للمقربين وهو قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح: 4]، وقوله تعالى: أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [ البقرة: 260] وقوله تعالى: لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [الحديد: 9].
    قلت: لقد سأل رجل الحسن البصري رحمه الله عن الإيمان فقال: "الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن، وإن كنت تسألني عن قول الله عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: 2] فوالله ما أدري أنا منهم أم لا" .
    فبين رحمه الله أن للإيمان إطلاقين: أحدهما: أصل الإيمان الذي لا نجاة إلا بتحقيقه، والثاني كمال الإيمان الذي يحصل به النجاة المطلقة من نار جنهم والفوز بالدرجات العالية في الجنة.
    فتقسيم الإيمان على هذا النحو واضح لا إشكال فيه،..... و لا ريب عند أهل العلم بالكتاب والسنة أن الناس يتفاوتون في تصديقهم بالله وملائكته وكتبه ورسوله وفي غير ذلك من أمور الإيمان بحسب قوة الأدلة وضعفها وقوة التصديق وضعفه، فليس تصديق النبي صلى الله عليه وسلم بالله وملائكته وكتبه ورسله كتصديق آحاد الأمة، وليس تصديق الملائكة بذلك كتصديق آحاد الناس، بل بينهم من الفرق ما الله به عليم.
    ثم إن قيل إن أصل الإيمان الذي لا يتحقق الإيمان إلا به لا يقبل النقص، فما وجه عدم قبوله الزيادة، وكيف يكون قد بلغ الكامل المنجي إلا لكونه زاد، وبهذا يعلم تناقض قول هؤلاء.
    ومما يبين تناقضه أيضاً وصفهم للإيمان بالكامل إذ كيف يوصف بالكامل ما لا يقبل الزيادة ولا النقص، ولهذا تحرج بعضهم من إطلاق هذه العبارة لما تتضمنه من دلالة على قول الإيمان للزيادة والنقصان.
    يقول الزبيدي في الإتحاف بعد أن حكى القول المتقدم: "قلت: وهو حسن، ولكن ما أعجبني تسمية القسم الأخير بالكامل، فإنه يستدعي أن يكون مقابله ناقصاً، وهو وإن كان صحيحاً في نفس الأمر لكن التعبير غير حسن، والأولى أن يعبر عنه بالإيمان الشرعي" .
    فانظر لشدة التحرج من هذه الأسماء الشرعية "كمال الإيمان"، "نقصان الإيمان" "زيادة الإيمان وأعجب لذلك. فلم يعجبه تسمية الإيمان التام الكامل بـ"الكامل" لمناقضته لأصولهم، وإن كان صحيحاً في نفس الأمر، والله المستعان.
    3- ومنها تأويلهم للنصوص الواردة في الزيادة بأن المراد بها الثبات والدوام على الإيمان، أي أنه يزيد بزيادة الأزمان؛ لأن التصديق عرض، والأعراض لا تبقى إلا بتجدد الأمثال.
    وحاصل الجواب أنه ليس المراد بالزيادة في الآيات زيادة حقيقة التصديق في نفسه بل زيادة أعداده، وهذا بالاستمرار عليه وعدم الذهول عنه، فإن الاستمرار على التصديق يوجب تجدد الأمثال وحصول أعداد كثيرة من التصديق في كل وقت .
    قلت: قولهم هذا مبني على أن التصديق عرض من الأعراض، والأعراض عندهم لا تقبل الزيادة والنقصان وإنما الذي يقبل الزيادة والنقصان الأجسام دون الأعراض .
    والكلام على هذا يكون بعد معرفة حقيقة العرض ما هو:
    فالعرض: هو الموجود الذي يحتاج في وجوده على موضع أي محل يقوم به كاللون المحتاج إلى جسم يحله ويقوم هو به .
    بهذا عرفوا العرض، فالسواد والبياض وغيرهما من الألوان، والحركة والسكون وغيرهما أعراض لأنها تحتاج في وجودها إلى موضع تقوم به.
    ولا ريب أن هذه تقبل الزيادة والنقصان، ومن ذا الذي يستريب في أن هناك سواداً أشد من سواد وحركة أقوى من حركة وسكوناً أهدى من سكون، فقبول هذه الأمور الزيادة والنقصان أمر لا ريب فيه، فإذا كان ذلك كذلك، فالإيمان كذلك يقبل الزيادة والنقصان كسائر الأعراض لا فرق.
    قال شيخ الإسلام: "إن نفس العلم والتصديق يتفاضل ويتفاوت كما يتفاضل سائر صفات الحي من القدرة والإرادة، والسمع والبصر والكلام، بل سائر الأعراض من الحركة والسواد والبياض ونحو ذلك.... فما من صفة من صفات الحي وأنواع إدراكاته وحركاته بل وغير صفات الحي إلا وهي تقبل التفاضل والتفاوت إلى ما لا يحصره البشر" .
    أما حملهم النصوص الواردة في الزيادة على الثبات والدوام على الإيمان فتأويل باطل؛ لأن "حقيقة الزيادة لا يعقل منها الثبوت على الشيء، وإنما يعقل منها الزيادة في ذاته" .
    فالآيات الواردة المنصوص فيها على زيادة الإيمان المراد بها زيادة الإيمان نفسه علماً واعتقاداً وعملاً، كما في قوله تعالى: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة: 124].
    أي زادتهم تصديقاً وإقراراً بما فيها ثم عملاً بذلك التصديق.
    قال ابن جرير: "فإن قيل: فكيف زادتهم السورة تصديقاً وإقراراً قيل: زادتهم إيماناً حين نزلت؛ لأنهم قبل أن تنزل السورة لم يكن لزمهم فرض الإقرار بها، والعمل بها بعينها إلا في جملة إيمانهم بأن كل ما جاء به نبيهم صلى الله عليه وسلم من عند الله فحق، فلما أنزل الله السورة لزمهم فرض الإقرار بأنها بعينها من عند الله، ووجب عليهم فرض الإيمان بما فيها من أحكام الله وحدوده وفرائضه، فكان ذلك هو الزيادة التي زادهم نزول السورة حين نزلت من الإيمان والتصديق بها، وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل..." .
    .....ثم أيضاً قول هؤلاء إن المراد بالزيادة في الإيمان هو الثبات والدوام عليه، يلزم منه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما يفضل غيره بدوام إيمانه وثباته لا غير، وقد قالوا بهذا القول والتزموا هذا اللازم الفاسد.
    قال شيخ الإسلام بعد أن أشار إلى قولهم هذا: "فهذا هو الذي يفضل به النبي صلى الله عليه وسلم غيره في الإيمان عندهم، ومعلوم أن هذا في غاية الفساد من وجوه كثيرة كما قد بسط في مواضع أخرى" .
    4- ومنها حملهم للنصوص الواردة في زيادة الإيمان بأن المراد بها زيادة إشراق نوره في القلب وزيادة ثمراته
    قلت: وهذا التأويل من جنس الذي قبله، مفاده صرف النص عن ظاهره الصريح إلى تأويلات بعيدة غير مرادة منه.
    وإلا فمن المعلوم أن ثمرات الإيمان أمر خارج عن الإيمان، ولا يقول عاقل إن الجزاء على فعل الطاعة والإثابة عليها هو الطاعة نفسها، بل كان عاقل يعلم أن الثواب على الطاعة غير الطاعة، بل أمر خارج عنها.
    ولهذا أجاب القاضي أبو يعلى عن الشبهة بقوله: "وثواب الإيمان ليس بإيمان" .
    وقال أيضاً: "والإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية نفسه وثوابه، خلافاً للمعتزلة في قولهم لا يزيد ولا ينقص لا ثوابه ولا نفسه، وخلافاً للأشعرية في قولهم يزيد وينقص ثوابه لا نفسه، والدلالة على ما ذكرنا قوله تعالى وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وقوله تعالى وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وقوله تعالى لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر: 31]...." .
    وتأويلهم هذا، والتأويل الذي قبله هو من جنس تأويلهم لنصوص الصفات سواء بسواء، فالباب في الجميع واحد، وهو صرف النصوص عن ظواهرها المرادة إلى معاني بعيدة غير مرادة من النصوص.
    وقد بين أهل العلم فساد منهج التأويل وقبحه وضرره على الدين، حتى قال ابن القيم رحمه الله في كتابه الصواعق المرسلة: "والدين إذا أحيل على تأويلات المتأولين انتفضت عراه كلها، ولا تشاء طائفة من طوائف أهل الضلال أن تتأول النصوص على مذاهبها إلا وجدت السبيل إليه" ، وكفى بذلك بياناً لقبح التأويل، ثم إنه رحمه الله قد استوفى الرد على أهل التأويل وبين فساد منهجهم هذا، في كتابه المذكور آنفاً ولا سيما في المجلد الأول منه.
    5- ومنها قولهم إن النقصان والزيادة يرجع إلى أحد أمرين: إما أن يكون ذلك راجعاً إلى القول والعمل، دون التصديق؛ لأن ذلك يتصور فيهما مع بقاء الإيمان فأما التصديق فمتى انخرام منه أدنى شيء بطل الإيمان...
    والأمر الثاني: في جواز إطلاق الزيادة والنقصان على الإيمان، يتصور أيضاً أن يكون من حيث الحكم لا من حيث الصورة، فيكون ذلك أيضاً في الجميع من التصديق والإقرار والعمل، ويكون المراد بذلك في الزيادة والنقصان راجعاً إلى الجزاء والثواب والمدح والثناء، دون نقص وزيادة في التصديق من حيث الصورة .
    والجواب عن هذين الأمرين أن يقال: عن الأمر الأول وهو جعلهم الزيادة والنقصان راجعين إلى العمل والقول دون التصديق أن هذا تحكم في النص بلا دليل سوى تصور خاطئ وهو ظنهم أن التصديق متى انخرم منه أدنى شيء بطل الإيمان، وقد سبق الجواب عن هذا بما يشفي ويكفي وذلك بالنقل عن أهل العلم المحققين في أن التصديق يقبل الزيادة والنقصان دون أن يكون قبوله للنقصان يقتضي شكاً أو كفراً كما فهمه هؤلاء، بل إنه يكون تصديقاً دون تصديق وهذا أمر يحسه كل أحد من نفسه فإن تصديق المرء ببعض الأمور يختلف من وقت لآخر قوة وضعفاً بحسب قوة الأدلة والبراهين، فكيف يقال بعد ذلك إن التصديق متى انخرم منه أدنى شيء بطل الإيمان؟
    أما الجواب عن الأمر الثاني وهو حملهم معنى الزيادة والنقصان على أن ذلك إنما يكون من حيث الحكم لا من حيث الصورة أي أنه يرجع إلى الجزاء والثواب والمدح والثناء. فيقال هذا عين التأويل المتقدم في الشبه التي قبل هذه والجواب المتقدم هناك جواب على هذا.
    6- ومنها: قول بعضهم الإيمان الشرعي معاهدة التزام الطاعة وعقد على التسليم والانقياد ظاهراً وباطناً، وهو أمر واحد لا يتجزأ ولا يتبعض ولا يقبل الزيادة والنقصان، ولكن هذا العهد والعقد ينسحب على العقائد والأخلاق والأعمال كلها فالعقد والأخلاق والأعمال كلها فالعقد واحد والمعقود عليه متعدد فإن أتى بجميع ما التزمه وعقد عليه فعقده وعهده تام وكامل، وإلا فناقص، ومثاله النكاح فإنه عقد على التزام موجب الزوجية، وهو أمر بسيط لكنه يتضمن بجميع حقوق الزوجية، فالنكاح لا يزيد ولا ينقص، وإنما الزيادة والنقصان في وفاء حقوقه، ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ [الرعد: 25]، وقوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ [المائدة: 1]، فكذلك الإيمان عهد واحد وميثاق بسيط لا زيادة فيه ولا نقصان، وإنما الزيادة والنقصان في الأمور المنطوية تحت هذا الميثاق .
    قلت: وهذا الكلام مشتمل على تكلف زائد جهد قائله في إبطال دلالة النصوص على زيادة الإيمان ونقصانه حسبما فهمها السلف، وحملها على هذا المعنى المتوعر الذي لم يفقه قبله غيره.
    وكلامه مشتمل على أمور باطلة ودعاوى غير صحيحة أوضحها قوله عن الإيمان أنه أمر واحد لا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتقبل الزيادة والنقصان. ومعنى لا يتجزأ أي ليس له أجزاء، ويبطل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة)) الحديث.
    ومعنى لا يتبعض أي ليس له أبعاض فإذا ذهب بعضه ذهب كله، ويبطل هذا قوله صلى الله عليه وسلم ((يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان)) الحديث.....
    وكذلك قوله: "... فكذلك الإيمان عهد واحد وميثاق بسيط لا زيادة فيه ولا نقصان".
    فإن المراد بالبسيط عندهم ضد المركب وهو ما لا أجزاء له ، وقد سبق التنبيه على ما في وصف الإيمان بأنه ليس له أجزاء من غلط وما فيه من مخالفة للأحاديث الصريحة الدالة على أن الإيمان له شعب وأجزاء يزيد الإيمان بزيادتها وينقص بنقصها.
    وقائل هذا الكلام بني قوله بعدم زيادة الإيمان ونقصانه على مقدمة فاسدة وهي: وصف الإيمان بأنه بسيط أي غير مركب، فإذا علم فساد هذه المقدمة يعلم فساد نتيجتها.
    وكذلك قوله في ختام كلامه: "وإنما الزيادة والنقصان في الأمور المنطوية تحت هذا الميثاق".
    فإن الأمور المنطوية تحت ميثاق الإيمان وهي الأعمال الصالحة بأنواعها كلها داخلة في مسمى الإيمان بدلالة نصوص الكتاب والسنة على ذلك والإيمان يزيد بزيادتها وينقص بنقصها كما في قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال: 2-4].
    فجعل الله سبحانه الصلاة والزكاة والتوكل من أعمال الإيمان الداخلة في مسماه، فإذا قام المسلم بتحقيقها والقيام بها على أكمل وجه زاد إيماناً، وارتقى إلى أن يصبح إيماناً حقاً.
    فإذا تبين هذا يعلم أن في قوله: إن الزيادة والنقصان في الأمور المنطوية تحت هذا الميثاق يعد رداً على قوله إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأن الأمور المنطوية تحت الإيمان إيمان بدلالة الكتاب والسنة، وقد ذكر أنها تزيد وتنقص [موقع الدرر السنية بتصرف ]

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    3,355

    افتراضي رد: معنى خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة -- بين اهل السنة وأهل الارجاء والتكفير والهجرة المكفرين بالاصرار

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمدعبداللطيف مشاهدة المشاركة
    والأحكام منها ما يترتب على أصل الإيمان فقط؛ كجواز العتق في الكفارة وكالموالاة والموارثة ونحو ذلك ومنها ما يترتب على أصله و فرعه ...........
    نعم - مزيد بيان - المتفق عليه عند أهل السنة والجماعة أن العبد المسلم لا يكفر بإتيان الكبائر ، وأن الإيمان يزيد وينقص ، وأن إيمان العبد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية . ولذا اختلفوا في تأويل هذا الحديث ، فمنهم من حمله على الاستحلال ، أي من زنى أو شرب الخمر أو سرق مستحلا للفعل ، فقد خرج من الإيمان إلى الكفر ، وهذا مروي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه .
    وقال آخرون : معنى ذلك أنه ينزع عنه اسم المدح الذي يسمى به أولياء الله وهو الإيمان ، ويستحق بهذه الأفعال اسم الذم فيقال له : فاسق .
    ومنهم من حمله على النهي ، بمعنى لا ينبغي للمؤمن أن يفعل ذلك .
    انظر هذه الأقوال في تهذيب الآثار للطبري (2/623) ، و"فتح الباري" لابن حجر (12/61) .
    وأحسن الأقوال في ذلك : أن نفي الإيمان عن أصحاب الكبائر ، كالزنى وشرب الخمر : ليس نفيا لأصل الإيمان ، وإنما نفي لكمال الإيمان الواجب ، والنزاع سائغ بين أهل العلم في كونه هل يسمى مؤمنا ناقص الإيمان ، أم يسمى مسلما ؟
    قال ابن رجب في "جامع العلوم والحكم " (1/113) :" ولا ريبَ أنَّه متى ضَعُفَ الإيمانُ الباطنُ ، لزمَ منه ضعفُ أعمالِ الجوارحِ الظاهرةِ أيضاً .
    لكن اسم الإيمان يُنفى عمّن تركَ شيئاً مِنْ واجباتِه ، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم - :" لا يزني الزاني حينَ يزني وهو مؤمنٌ " .
    وقد اختلف أهلُ السُّنَّة: هل يُسمَّى مؤمناً ناقصَ الإيمانِ ، أو يقال: ليس بمؤمنٍ ، لكنَّهُ مسلمٌ ، على قولين ، وهما روايتانِ عنْ أحمدَ ". انتهى .
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الاستقامة" (2/181) :" وَالْمُسلم إذا أتى الْفَاحِشَة لَا يكفر ، وإن كَانَ كَمَال الإيمان الْوَاجِب قد زَالَ عَنهُ ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنه قَالَ : ( لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن ، وَلَا يسرق السَّارِق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن ، وَلَا يشرب الْخمر حِين يشْربهَا وَهُوَ مُؤمن ، وَلَا ينتهب نهبة ذَات شرف يرفع النَّاس إليه فِيهَا أبصارهم وَهُوَ مُؤمن ) .
    فَأصل الايمان مَعَه ، وَهُوَ قد يعود إلى الْمعْصِيَة ، وَلكنه يكون مُؤمنا إذا فَارق الدُّنْيَا ، كَمَا فِي الصَّحِيح عَن عمر : ( أن رجلا كَانَ يَدعِي حمارا وَكَانَ يشرب الْخمر وَكَانَ كلما أُتي بِهِ إلى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمْر بجلده ، فَقَالَ رجل : لَعنه الله ؛ مَا أكثر مَا يُؤْتى بِهِ إلى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم :" لَا تلعنه فَإِنَّهُ يحب الله وَرَسُوله ) . فَشهد لَهُ بِأَنَّهُ يحب الله وَرَسُوله ، وَنهى عَن لعنته كَمَا تقدم فِي الحَدِيث الآخر الصَّحِيح : ( وإن زنا وإن سرق ) .
    وَذَلِكَ أن مَعَه أصل الِاعْتِقَاد : أن الله حرم ذَلِك ، وَمَعَهُ خشيه عِقَاب الله ، ورجاء رَحْمَة الله ، وإيمانه بِأَن الله يغْفر الذَّنب ، وَيَأْخُذ بِهِ ، فَيغْفر الله لَهُ بِهِ ". انتهى .
    وهذا هو قول أهل السنة خلافا للخوارج والمرجئة ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (12/478) :
    " وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ :
    فَنُفِيَ عَنْهُ الْإِيمَانُ الْوَاجِبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الْجَنَّةَ ؛ وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ نَفْيَ أَصْلِ الْإِيمَانِ ، وَسَائِر أَجْزَائِهِ وَشُعَبِهِ.
    وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: نَفْيُ كَمَالِ الْإِيمَانِ ، لَا حَقِيقَتُهُ ، أَيْ الْكَمَالُ الْوَاجِبُ ، لَيْسَ هُوَ الْكَمَالُ الْمُسْتَحَبُّ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: الْغُسْلُ : كَامِلٌ ، وَمُجْزِئٌ.
    وَمِنْ هَذَا الْبَابِ: قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا ؛ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ كَافِرٌ ، كَمَا تَأَوَّلَتْهُ الْخَوَارِجُ ، وَلَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ خِيَارِنَا. كَمَا تَأَوَّلَتْهُ الْمُرْجِئَةُ ". انتهى .
    والحاصل :
    أن النصوص الواردة بنفي الإيمان عن أصحاب الكبائر : ليس المراد منها أنه يخرج من الإيمان كله ، ولا نفي أصل الإيمان عنه ، بل المراد نفي كمال الإيمان الواجب عنه ، الذي يستحق به المدح ، وإن كان بقي معه من أصل الإيمان ما يمنع خروجه من الملة ، أو خلوده في النار

    المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    3,355

    افتراضي رد: معنى خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة -- بين اهل السنة وأهل الارجاء والتكفير والهجرة المكفرين بالاصرار

    مذهب المخالفين لأهل السنة باختصار: الخوارج يقولون: إن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، وإن مرتكب الكبيرة كافر مخلد في النار،
    ويستدلون بأحاديث، منها حديث الباب، وفيه: (لا يزني الزاني وهو مؤمن)، وكذا في السرقة وشرب الخمر وغيرها من الكبائر، وقالوا: إذا انتفى الإيمان حل محله الكفر، فهما نقيضان، إذا ارتفع أحدهما ثبَت الآخر، ومثلهم.................. .................. المعتزلة - فعندهم أن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن، ولكنهم يقولون: هو ليس بكافر أيضًا؛ فهو في منزلة بين منزلتين، لكنه مخلد في النار.
    ..........................ال مرجئة - : يقولون: الإيمان اعتقاد ونطق فقط، فيتحقق الإيمان بهما، ولا تتأثر حقيقة الإيمان بارتكاب الكبائر.
    ويستدلون بأحاديث الرجاء، وتقدم بعضها، ويقولون في مثل حديث الباب: إن المراد به الكافر؛ فهو لا يزني ولا يسرق ولا يشرب الخمر ونحوها وهو مؤمن، وكلاهما مذهبان باطلان بعيدان عن المعتقد الصحيح.............................. ......... وأهل السنة والجماعة: الإيمان عندهم قول وعمل؛ فهو اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالجوارح، وأن مرتكب الكبيرة - مؤمن غير كامل الإيمان، أو مؤمن فاسق. واستدلوا لهذا المعتقد الحق بجميع النصوص في الخوف والرجاء، وأما حديث الباب فاختلفوا في توجيهه كما سيأتي. اختلف أهل السنة في توجيه نفي الإيمان في حديث الباب بعدما اتفقوا أن هذه الكبائر غير مخرجة من الملة، ولا يكفُرُ صاحبها بها إلا إن استحلها؛ فاختلفوا في توجيه نفي الإيمان على عدة توجيهات، بعضها بعيد لا داعي لذكره، ومن هذه التوجيهات: قيل: إنه من أحاديث الوعيد التي تمر كما جاءت، ولا نتعرض لتأويلها. وقيل: ما جاء في الحديث خبر بمعنى النهي، والمعنى: لا يزنِيَنَّ مؤمن، ولا يسرقنَّ مؤمن، وليس فيها نفي الإيمان. وقيل: المراد به من فعل هذه الكبائر مستحلاًّ لها. وقيل: المراد أنه يسلب منه الإيمان حال تلبُّسه بالكبيرة، فإذا فارقها عاد إليه الإيمان. واستدلوا بما رواه البخاري في حديث ابن عباس: "قال عكرمة: قلت لابن عباس: كيف ينزع الإيمان منه؟ قال: هكذا، وشبك بين أصابعه ثم أخرجها، فإن تاب عاد إليه هكذا، وشبك بين أصابعه". وجاء نقل هذا الحديث مرفوعًا عند أبي داود، وصححه ابن حجر عن أبي هريرة ورفعه: ((إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان، فكان عليه كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه الإيمان)). وأخرج الحاكم أن أبا هريرة قال: "من زنى أو شرب الخمر، نزع الله منه الإيمان كما يخلع الإنسان القميص من رأسه"، وهذا القول قول قوي، ومال إليه ابن حجر. وقيل: المراد نفي كمال الإيمان؛ أي: إنه لا يفعل هذه الأمور وهو كاملُ الإيمان. واستدلوا بالأحاديث التي تدل على أن فاعل الكبيرة لا ينتفي عنه أصل الإيمان، والكبائر التي في حديث الباب ليست أعظمَ من القتل عمدًا بغير حق، ومع ذلك أثبت الله تعالى الإيمان لمن قتل عمدًا فقال: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ ﴾ [البقرة: 178]، وفي آخرها قال: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ﴾ [البقرة: 178]، فأثبت له الأخوة، ولو كان كافرًا لَمَا استحق أن يكون أخًا، وهناك أحاديث تدل على أن المعنى نفي كمال الإيمان، منها حديث أبي ذر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، وإن زنى وإن سرَق))؛ متفق عليه، ووجه الدلالة: أنه لو كان نفيًا لأصل الإيمان لَمَا كان له سبيل إلى الجنة مع أنه زنى وسرق، وهذا القول - وهو أن المراد نفي كمال الإيمان - هو قول جمهور العلماء، واختاره النووي، وهو الأظهر والله أعلم، والذي قبله قويٌّ، له حظ من النظر أيضًا،



الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •