التوكل بين جلب حوائج العبد وحظوظه الدنيوية والتوكل علي الله في حصول ما يحبه ويرضاه
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: التوكل بين جلب حوائج العبد وحظوظه الدنيوية والتوكل علي الله في حصول ما يحبه ويرضاه

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    3,355

    افتراضي التوكل بين جلب حوائج العبد وحظوظه الدنيوية والتوكل علي الله في حصول ما يحبه ويرضاه

    قال ابن القيم في الفوائد - التوكل على الله نوعان:

    توكل عليه في جلب حوائج العبد وحظوظه الدنيوية" أو دفع مكروهاته ومصائبه الدنيوية

    قال: "والثاني التوكل عليه في حصول ما يحبه هو ويرضاه من الإيمان واليقين والجهاد والدعوة إليه".

    قال: "وبين النوعين من الفضل ما لا يحصيه إلا الله فمتى توكل عليه العبد في النوع الثاني حق توكله كفاه النوع الأول تمام الكفاية.

    ومتى توكل عليه في النوع الأول دون الثاني كفاه أيضًا لكن لا يكون له عاقبة المتوكل فيما يحبه ويرضاه فأعظم التوكل عليه التوكل في الهداية وتجريد التوحيد ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وجهاد أهل الباطل.

    فهذا توكل الرسل وخاصة أتباعهم، يقول: والتوكل تارة يكون توكل اضطرارٍ وإلجاء, بحيث لا يجد العبد ملجأً ولا وزرًا إلا التوكل يعني يأرز إليه كما إذا ضاقت عليه الأسباب وضاقت عليه نفسه وظن ألا ملجأ من الله إلا إليه, وهذا لا يتخلف عنه الفرج؛ لأنه توكل على الله ولم يلتفت إلى غيره فالله لن يخذله، قال: وهذا لا يتخلف عنه الفرج والتيسير البتة, وتارة يكون توكل اختيار أي دون التجاء واضطرار وذلك التوكل مع وجود السبب المفضي إلى المراد فإن كان السبب مأمورًا به ذم على تركه وإن قام بالسبب وترك التوكل ذم على تركه أيضًا فإنه واجب أي التوكل على الله جل وعلا مع فعل السبب فإنه واجب باتفاق الأمة ونص القرآن والواجب القيام بهما والجمع بينهما وإن كان السبب محرمًا حرم عليه مباشرته وتوحد السبب في حقه في التوكل فلم يبقَ سبب سواه فإن التوكل من أقوى الأسباب في حصول المراد ودفع المكروه, بل من أقوى الأسباب على الإطلاق.

    وإن كان السبب مباحًا نظرت هل يضعف قيامك به بالتوكل أو لا يضعفه فإن أضعفه وفرق عليك قلبك وشتت همك فتركه أولى وإن لم يضعف فمباشرته أولى لأن حكمة أحكم الحاكمين اقتضت ربط المسبب به فلا تعطل حكمته مهما أمكنك القيام بها ولاسيما إذا فعلته عبوديةً فتكونُ قد أتيت بعبودية القلب بالتوكل وعبودية الجوارح بالسبب المنْوِيّ به القُربى والذي يُحقق التوكل القيام بالأسباب المأمور بها، فمن عطّلها لم يصح توكله كما أن القيام بالأسباب المفضية إلى حصول الخير يحقق رجاءه فمن لم يقم بها كان رجاؤه تمنيًا كما أن من عطّلها كان توكله عجزًا وعجزُه توكلًا".[الفوائد].............................. ....
    فأعظم التوكل عليه التوكل في الهداية وتجريد التوحيد ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وجهاد أهل الباطل.

    فهذا توكل الرسل وخاصة أتباعهم
    نعم اعظم التوكل عليه التوكل في الهدايه وتجريد التوحيد ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وجهاد اهل الباطل فهذا توكل الرسل وخاصة اتباعهم -- وسر التوكل وحقيقته هو : اعتماد القلب على الله وحده لايضره مباشرة الاسباب مع خلو القلب من الاعتماد عليها واركون اليها كما لاينفعه قوله:توكلت على الله مع اعتماده على غيره وركونه اليه وثقته به فتوكل اللسان شي وتوكل القلب شي كما ان التوبه اللسان مع اصرار القلب شي وتوبة القلب وان لم ينطق اللسان شي فقول العبد:توكلت على الله مع الاعتماد قلبه على غيره مثل قوله:تبت الى الله وهو مصر على المعصيه مرتكب لها.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    3,355

    افتراضي رد: التوكل بين جلب حوائج العبد وحظوظه الدنيوية والتوكل علي الله في حصول ما يحبه ويرضاه

    وقال ابن القيّم: (التوكل: نصف الدين. والنصف الثاني: الإنابة، فإن الدين: استعانة وعبادة. فالتوكل هو الاستعانة، والإنابة هي العبادة. ومنزلته أوسع المنازل وأجمعها. ولا تزال معمورة بالنازلين. لسعة متعلق التوكل، وكثرة حوائج العالمين، فأولياؤه وخاصته يتوكلون عليه في الإيمان، ونصرة دينه، وإعلاء كلمته، وجهاد أعدائه وفي محابه وتنفيذه أوامره)............................... .........
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن التوكل أعم من التوكل في مصالح الدنيا، فإن المتوكل يتوكل على الله في صلاح قلبه وبدنه، وحفظ لسانه وإرادته وهذا أهم الأمور إليه، ولهذا يناجي ربه في كل صلاة بقوله: (إِيَّاكَ نَعبُدُ وإِيَّاكَ نَستَعِينُ)_________ ________ وقال ابن القيم رحمه الله:"ولو توكل العبد على الله حق توكله في إزالة جبل من مكانه وكان مأمورًا بإزالته لأزاله". .............................. ......... قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فإن التوكل من على الله واجب من أعظم الواجبات، كما أن الإخلاص لله واجب، وقد أمر الله بالتوكل في غير آية أعظم مما أمر بالوضوء وغسل الجنابة، ونهى عن التوكل على غيره سبحانه".............................. ......... وقال ابن القيم رحمه الله: "والتوكل جامع لمقام التفويض والاستعانة والرضا لا يتصور وجودٌ بدونها". .............................. ...........وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب:"الأصل الجامع الذي تتفرع عنه الأفعال والعبادات هو التوكل على الله وصدق الالتجاء إليه والاعتماد بالقلب عليه، وهو خلاصة التفريد ونهاية تحقيق التوحيد الذي يثمر كل مقام شريف من المحبة والخوف والرجاء والرضا به ربًا وإلهًا والرضا بقضائه، بل ربما أوصل التوكل بالعبد إلى التلذذ بالبلاء وعدّه من النعماء، كما في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، فسبحان من يتفضل على من يشاء بما شاء والله ذو الفضل العظيم".

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    3,355

    افتراضي رد: التوكل بين جلب حوائج العبد وحظوظه الدنيوية والتوكل علي الله في حصول ما يحبه ويرضاه

    فالتوكل يجمع شيئين : أحدهما : الاعتماد على الله ، والإيمان بأنه مسبب الأسباب ، وأن قَدَره نافذ ، وأنه قَدَّر الأمور وأحصاها وكتبها سبحانه وتعالى .

    الشيء الثاني : تعاطي الأسباب ، فليس من التوكل تعطيل الأسباب ، بل من التوكل الأخذ بالأسباب ، والعمل بالأسباب ، ومن عَطَّلها فقد خالف شرع الله وقَدَرَه ، فالله أمر بالأسباب وحث عليها سبحانه وتعالى ، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك .

    فلا يجوز للمؤمن أن يعطل الأسباب ، بل لا يكون متوكلاً على الحقيقة إلا بتعاطي الأسباب ، ولهذا شُرِعَ النكاح لحصول الولد ، وأمر بالجماع ، فلو قال أحد من الناس : أنا لا أتزوج وأنتظر ولداً من دون زواج ، لعُد من المجانين ، فليس هذا أمر العقلاء ، وكذلك لا يجلس في البيت أو في المسجد يتحرى الصدقات ويتحرى الأرزاق تأتيه ، بل يجب عليه أن يسعى ويعمل ويجتهد في طلب الرزق الحلال .
    ومريم رحمة الله عليها لم تدع الأسباب ؛ فقد قال الله لها : (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) مريم/25 ، هزت النخلة وتعاطت الأسباب حتى وقع الرطب ، فليس من عملها ترك الأسباب ، ووجود الرزق عندها وكون الله أكرمها وأتاح لها بعض الأرزاق وأكرمها ببعض الأرزاق لا يدل على أنها معطلة الأسباب ، بل هي تتعبد وتأخذ بالأسباب وتعمل بالأسباب .

    وإذا ساق الله لبعض أوليائه من أهل الإيمان شيئاً من الكرامات فهذا من فضله سبحانه وتعالى ، لكن لا يدل على تعطيل الأسباب ، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ) رواه مسلم (2664) ، وقال الله سبحانه : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) الفاتحة/5" انتهى .
    [بن باز رحمه الله] ------------------------------------الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله ، بل ذلك مما أمر الشرع به ، مع الاعتقاد أنَّ الضر والنفع بيد الله سبحانه ، وأنه هو الذي خلق الأسباب والمسببات .
    ولا بد أن يوجد ارتباط حقيقي بين السبب والمسبب ، ويعرف ذلك بالتجربة ، أو العادة ، أو الخبر الشرعي ، ونحو ذلك .
    ثم لا بد أن يكون السبب مشروعاً ؛ فالغاية المحمودة المشروعة ، لا بد أن تكون الوسيلة إليها أيضاً : جائزة مشروعة .
    ثم على العبد أن يتوسط في أمره بين الأمرين : فلا هو بالذي يهمل الأسباب مطلقاً ، ولا هو بالذي يتعلَّق قلبه بها ، إنما يتوسل بها ، كما يتوسل الناس ، في عاداتهم ، وأمور حياتهم ، ثم لا يتعلق قلبه بالسبب ، بل بالخالق جل جلاله ، مالك الملك ، ومدبر الأمر كله .
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
    " الِالْتِفَاتَ إلَى السَّبَبِ : هُوَ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَيْهِ وَرَجَاؤُهُ وَالِاسْتِنَادُ إلَيْهِ ، وَلَيْسَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ مَا يَسْتَحِقُّ هَذَا ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مُسْتَقِلًّا ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ شُرَكَاءَ وَأَضْدَادٍ ، وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ : فَإِنْ لَمْ يُسَخِّرْهُ مُسَبِّبُ الْأَسْبَابِ ، لَمْ يُسَخَّرْ " .
    انتهى من "مجموع الفتاوى" (8/169) .

    وأما ضابط الأخذ بالسبب في ذلك ، فهو في كل شيء بحسبه ، فالاحتياط للمرض الخفيف ـ مثلا ـ ليس كالاحتياط للمرض الشديد ، والاحتياط في المحافظة على الشيء الغالي القيمة ، الثمين ، ليس كالاحتياط في المحافظة على الشيء الزهيد القيمة ، وهكذا .
    والأخذ بالسبب في طلب الرزق ، يختلف عن السبب لدفع المرض ، والأخذ بالسبب للطعام والشراب ، ليس هو كالأخذ بالسبب في حصول الولد ، وصلاحه وتربيته ، وهكذا فسبب كل شيء : هو بحسبه ، ثم الضابط في تمييز حال المفرط المضيع ، من حال الكيِّس الحريص : يختلف من أمر لأمر ، ومن حال لحال ، ومثل ذلك يعرفه الناس من أنفسهم ، ومن معتاد أحوالهم .


    المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب


  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    3,355

    افتراضي رد: التوكل بين جلب حوائج العبد وحظوظه الدنيوية والتوكل علي الله في حصول ما يحبه ويرضاه

    قال صالح آل الشيخ

    حقيقة التوكل على الله جل جلاله:
    أنَّ العبد يعلم أنَّ هذا الملكوت إنما هو بيد الله جل وعلا، يُصَرِّفه كيف يشاء، فيفوض الأمر إليه، ويلتجئ بقلبه في تحقيق مطلوبه، وفي الهرب مما يسوؤه، يلتجئ في ذلك ويعتصم بالله جل جلاله وحده؛ فينـزل حاجته بالله، ويفوض أمره إلى الله، ثم يعملُ السببَ الذي أمر الله به.
    فحقيقة التوكل في الشرع:
    تجمع تفويض الأمر إلى الله -جل وعلا- وفعل الأسباب.
    - بل إن نفس الإيمان سبب من الأسباب التي يفعلها المتوكلون على الله.
    بل إن نفس التوكل على الله -جل وعلا- سبب من الأسباب.
    فالتوكل حقيقته في الشرع تجمع عبادة قلبية عظيمة، وهي:
    تفويض الأمر إليه.
    والالتجاء إليه
    والعلم بأنه لا أمر إلا أمره، ولا شيء إلا بما قدره وأذن به كوناً.
    ثم فعلُ السبب الذي أوجب الله -جل وعلا- فعله أو أمر بفعله، فترك فعل الأسباب ينافي حقيقة التوكل الشرعية، كما أن الاعتماد على السبب، وترك تفويض الأمر إلى الله -جل وعلا- ينافي حقيقة التوكل الشرعية؛ فالمتوكل في الشرع هو:
    من عمل السبب وفوض الأمر إلى الله -جل وعلا- في الانتفاع بالسبب وفي حدوث المسبب من ذلك السبب، وفي توفيق الله وإعانته؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا به جل وعلا.
    والتوكل كما قال الإمام
    أحمد: (عمل القلب).
    فالتوكل عبادة قلبية محضة، ولهذا صار إفراد الله -جل وعلا- بها واجباً، وصار صرفها لغير الله -جل وعلا- شركاً.
    والتوكل على غير الله -جل وعلا- له حالان:
    الحال الأولى: أن يكون شركاً أكبر، وهو أن يتوكل على أحد من الخلق فيما لا يقدر عليه إلا الله جل جلاله
    يتوكل على المخلوق في مغفرة الذنب.
    يتوكل على المخلوق في تحصيل الخيرات الأخروية.
    أو يتوكل على المخلوق في تحصيل ولد له، أو في تحصيل وظيفة له.
    - يتوكل عليه بقلبه؛ وهو لا يقدر على ذلك الشيء، وهذا يكثر عند عباد القبور وعباد الأولياء، فإنهم يتوجهون إلى الموتى بقلوبهم يتوكلون عليهم، بمعنى: يفوضون أمر صلاحهم فيما يريدون في الدنيا والآخرة، على أولئك الموتى، وعلى تلك الآلهة، والأوثان التي لا تقدر من ذلك على شيء، فهذا عبادة صرفت لغير الله جل وعلا، وهو شرك أكبر بالله -جل وعلا- منافٍ لأصل التوحيد.
    والنوع الثاني
    أن يتوكل على المخلوق فيما أقدره الله -جل وعلا- عليه،
    وهذا نوع شرك، بل هو شرك خفي وشرك أصغر.
    ولهذا قال طائفة من أهل العلم، إذا قال: (توكلت على الله وعليك) فإن هذا شركٌ أصغر)
    ولهذا قالوا: (لا يجوز أن يقول: (توكلت على الله ثم عليك) لأن المخلوق ليس له نصيب من التوكل، فإن التوكل إنما هو تفويض الأمر والالتجاء بالقلب إلى من بيده الأمر وهو الله جل وعلا، والمخلوق لا يستحق شيئاً من ذلك فإذاً التوكل على المخلوق فيما يقدر عليه، هذا شرك خفي ونوع شرك أصغر).
    والتوكل على المخلوق فيما لا يقدر عليه المخلوق -وهذا يكثر عند عُبَّاد القبور والمتوجهون إلى الأولياء والموتى- هذا شرك مخرج من الملة، وحقيقة التوكل الذي ذكرناه لا يصلح إلا لله جل وعلا؛ لأنه تفويض الأمر إلي من بيده الأمر، والمخلوق ليس بيده الأمر، التجاء القلب، وطمع القلب، ورغب القلب في تحصيل المطلوب، إنما يكون ذلك ممن يملكه؛ وهو الله جل وعلا.
    أما المخلوق فلا يقدر على شيء استقلالاً وإنما هو سبب،
    فإذا كان سبباً فإنه لا يجوز التوكل عليه؛ لأن التوكل عمل القلب، وإنما يجعله سبباً؛ بأن يجعله شفيعاً، يجعله واسطة، ونحو ذلك؛ فهذا لا يعني أنه متوكل عليه، فيجعل المخلوق سبباً فيما أقدره الله عليه، ولكن يفوض أمر النفع بهذا السبب إلى الله جل وعلا، فيتوكل على الله، ويأتي بالسبب الذي هو الانتفاع من هذا المخلوق بما جعل الله -جل وعلا- له من الانتفاع، أو من القدرة؛ ونحو ذلك.
    قال الإمام رحمه الله: (باب قول الله تعالى: {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين}) هذه الآية فيها الأمر بالتوكل، ولما أمر به علمنا أنه من العبادة، ولما قدّم (الجار والمجرور) في قوله: (وعلى الله) قدَّمه على ما يتعلق به وهو الفعل (توكلوا) دلَّ على وجوب إفراد الله -جل وعلا- بالتوكل، وأنَّ التوكل عبادة يجب أن تُحصر وتقصر في الله جل وعلا، هذا وجه الدلالة من الآية، ودليل آخر في هذه الآية، وهو قوله: {إن كنتم مؤمنين} جعل الإيمان لا يصح إلا بالتوكل.
    قال: {وعلى الله فتوكلوا}يعني أفردوا الله بالتوكل وحده {إن كنتم مؤمنين} فجعل الشرط إن كنتم مؤمنين فأفردوا الله بالتوكل، فجزاء الشرط هو إفراد الله بالتوكل، فصارت دلالة الآية من جهتين.
    وكذلك قوله -جل وعلا- في آية سورة يونس: {إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} قال: {فعليه توكلوا} أفرد التوكل به -جل وعلا- وأمر به، فقدَّم (الجار والمجرور) بما يفيد الحصر والقصر والاختصاص بالله جل وعلا، ثم جعل إفراد التوكل به -جل وعلا- شرطاً في صحة الإسلام، فقال: {إن كنتم مسلمين}فهذه الآيتان دلتا على:
    أنَّ التوكل عبادة.
    وأن إفراد الله به -جل وعلا- واجب.
    وأنه شرط في صحة الإسلام.
    وشرط في صحة الإيمان.
    وهذا كله يدل على أنَّ انتفاءه مُذهب لأصل التوحيد، ومنافٍ لأصله إذا توكل على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله جل جلاله.
    قال: (وقوله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون}) وجه الدلالة من الآية: أنَّه وصف المؤمنين بهذه الصفات الخمس، وآخرها قوله: {وعلى ربهم يتوكلون} وظاهر من دلالة الآية، حيث قدم (الجار والمجرور) على أنهم أفردوا التوكل بالله جل وعلا؛ فوصف المؤمنين بهذه الصفات، فدلَّ على أن هذه هي أعظم مقامات أهل الإيمان، وأنَّ هذه العبادات الخمس هي أعظم المقامات، وهذا عظيمٌ التنبُّه له، إذ كل أمور الدين، والعبادات، والفروع العملية التي يعملها العبد: إنما هي فرعٌ عن تحقيق هذه الخمس؛ التي جاءت في هذه الآية: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} وهذه الصفة تجمع الكلمات الشرعية، وتجمع الدين جميعاً؛ لأن ذكر الله فيه القرآن وفيه السنة.
    قال: (وقوله: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين}).
    قوله: {يا أيها النبي حسبك الله} يعني: كافيك الله، وكافي من اتبعك من المؤمنين؛ لأن الْحَسْب هو الكافي، والكلمة المشابهة لها حَسَب، تقول: (هذا بِحَسبِ كذا) يعني: بناءً على كذا.
    وأما الكافي فهو (الْحَسْب) بسكون السين{يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} يعني: كافيك الله، وكافي من اتبعك من المؤمنين.
    وجه مناسبة هذه الآية لهذا الباب:
    أنَّ الله حسْبُ من توكل عليه، قال جل وعلا: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} فالله حسب من توكل عليه، فدل على أن الله -جل وعلا- أمر عباده بالتوكل عليه حتى:
    - يكون كافيهم من أعدائهم.
    - وحتى يكون -جل وعلا- كافي المؤمنين من المشركين.
    قال جل وعلا: {يا أيها النبي حسبك الله} يعني: كافيك الله، ولهذا أعقبها بالآية الأخرى؛ وهي قوله جل وعلا: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} والتوكل على الله -جل وعلا- كما ذكرنا لك يرجع إلى فهم توحيد الربوبية، وإلى عِظم الإيمان بتوحيد الربوبية، فإن بعض المشركين قد يكون عنده من التوكل على الله الشيء العظيم.
    والتوكل على الله من العبادات التي تُطلب من المؤمن، ومن العبادات الواجبة، والعبادات العظيمة، لهذا نقول: (إن إحداث التوكل في القلب يرجع إلى الـتأمل في آثار الربوبية) فكلما كان العبد أكثر تأملاً في ملكوت الله، وفي السماوات، والأرض، وفي الأنفس، وفي الآفاق، كان علمه بأن الله هو ذو الملكوت، وأنه هو المتصرف، وأن نصره لعبده شيء يسير جداً بالنسبة إلى ما يجريه الله -جل وعلا- في ملكوته.
    - فيُعظمُ المؤمن بهذا التدبر الله جل وعلا.
    ويُعْظِم التوكل عليه.
    ويُعْظِّم أمره ونهيه، وينظر أن الله -جل جلاله- لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء سبحانه وتعالى.
    قال: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} رتَّب الحَسْب وهو الكفاية بالتوكل عليه، وهذا فضيلة التوكل، وفضيلة المتوكلين عليه.
    قال: (وعن ابن عباس قال: ((حسبنا الله ونعم الوكيل)) قالها إبراهيم -عليه السلام- حين أُلقي في النار، وقالها محمد -صلى الله عليه وسلم- حين قالوا له: {إنَّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}) هذا يبين عظم هذه الكلمة، وهي قول المؤمن: (حسبنا الله ونعم الوكيل) فإذا تحقق العبد التوكل على الله، وحققه في القلب، معناه أنه حقق هذا النوع من التوحيد: توحيد التوكل في النفس، فإن العبد إذا أعظم رجاءه في الله وتوكله على الله؛ فإنه وإن كادته السماوات والأرض ومن فيهن؛ فإن الله سيجعل له من أمره يُسراً.
    وسيجعل له من بينها مخرجاً {حسبنا الله} يعني: كافينا الله {ونعم الوكيل} يعني: ونعم الوكيل ربنا.
    هذه كلمة عظيمة قالها إبراهيم -عليه السلام- في الكرب، وقالها النبي -عليه الصلاة والسلام- وأصحابه في الكرب لما قال لهم الناس: {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا} وذلك لعظم توكلهم على الربِّ جل وعلا.[التمهيد]

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •