الدُّعَاءِ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: الدُّعَاءِ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    3,355

    افتراضي الدُّعَاءِ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ

    قال الشيخ سليمان بن عبدالله -قَوْلِ اللهِ تَعَالَى:{قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أنَا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبحَانَ اللهِ ومَا أنَا مِنَ المُشرِكِينَ}
    لَمَّا بَيَّنَ الامام محمد بن عبد الوهاب رَحِمَهُ اللهُ الأَمْرَ الَّذي خُلِقَتْ لهُ الخَلِيقَةُ، وفَضْلَهُ، وهوَ التَّوحيدُ، وذَكَرَ الخَوْفَ مِنْ ضِدِّهِ الَّذي هوَ الشِّرْكُ، وأَنَّهُ يُوجِبُ لصَاحِبِهِ الخُلُودَ في النَّارِ، نَبَّهَ عَلَى أنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ ذَلِكَ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى نَفْسِهِ، كَمَا يَظُنُّ الجُهَّالُ ويَقُولُونَ: (اعْمَلْ بالحَقِّ واتْرُكِ النَّاسَ) وَمَا يَعْنِيكَ مِن النَّاسِ، بلْ يَدْعُو إلى اللهِ:
    -بالحِكْمَةِ، والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ.
    -والمُجَادَلَةِ بِالَّتِي هيَ أَحْسَنُ، كَمَا كَانَ ذَلِكَ شَأْنَ المُرْسَلِينَ وأَتْبَاعِهِم إلى يَوْمِ الدِّينِ، وَكَمَا جَرَى للمُصَنِّفِ وأَشْبَاهِهِ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، والدِّينِ، والصَّبْرِ، واليَقِينِ.
    وإِذَا أَرَادَ الدَّعْوَةَ إلى ذَلِكَ:
    -فَلْيَبْدَأْ بالدَّعْوَةِ إلى التَّوحيدِ الَّذي هوَ مَعْنَى شَهَادَةِ أنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ؛ إِذْ لاَ تَصِحُّ الأَعْمَالُ إِلاَّ بهِ فهوَ أَصْلُهَا الَّذي تُبْنَى عَلَيْهِ، وَمَتَى لمْ يُوجَدْ لَمْ يَنْفَع العَمَلُ، بلْ هوَ حَابِطٌ؛ إِذْ لاَ تَصِحُّ العِبَادَةُ مَعَ الشِّرْكِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ}[التوبة:18].
    ولأَِنَّ مَعْرِفَةَ مَعْنَى هَذِهِ الشَّهَادَةِ هوَ أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى العِبَادِ، فَكَانَ أوَّلَ ما يُبْدَأُ بهِ في الدَّعوَةِ.
    قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: (يَقُولُ تَعَالَى لرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمِرًا لهُ أَنْ يُخْبِرَ النَّاسَ أنَّ هذهِ سَبِيلُهُ؛ أيْ: طَرِيقَتُهُ وسُنَّتُهُ، وهيَ الدَّعْوَةُ إلى شَهَادَةِ أنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، يَدْعُو إِلَى اللهِ بِهَا عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ ذَلِكَ ويَقِينٍ وبُرْهَانٍ، هوَ وَكُلُّ مَن اتَّبَعَهُ يَدْعُو إِلَى مَا دَعَا إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَصِيرَةٍ وبُرْهانٍ عَقْلِيٍّ شَرْعِيٍّ).
    وقَوْلُهُ: {سُبْحَانَ اللهِ} أيْ: وأُنَزِّهُ اللهَ وأُجِلُّهُ وأُعَظِّمُهُ مِنْ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ ونَدِيدٌ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى عنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيراً.
    قُلْتُ: فَتَبَيَّنَ وَجْهُ المُطَابَقَةِ بَيْنَ الآيَةِ والتَّرْجَمَةِ.

    قِيلَ:
    ويَظْهَرُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ قولُهُ: {وَمَنِ اتَّبَعَنِي}عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ في {أَدْعُو إِلَى اللهِ} فهوَ دَلِيلٌ عَلَى أنَّ أتْبَاعَهُ هم الدُّعاةُ إلى اللهِ تَعَالَى.

    وإِنْ كَانَ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ، فهوَ صَرِيحٌ في أَنَّ أَتْبَاعَهُ هم أَهْلُ البَصِيرَةِ فيما جَاءَ بِهِ دُونَ مَنْ عَدَاهُم.

    والتَّحْقِيقُ أَنَّ العَطْفَ يَتَضَمَّنُ المَعْنَيَيْنِ، فَأَتْبَاعُهُ همْ أَهْلُ البَصِيرَةِ الَّذِينَ يَدْعُونَ إِلَى اللهِ.

    وفي الآيَةِ مَسَائِلُ نَبَّهَ عَلَيْهَا المُصَنِّفُ:

    منها: (التَّنْبِيهُ عَلَى الإِخْلاَصِ؛ لأَِنَّ كَثِيرًا وَلَوْ دَعَا إلى الحَقِّ فهوَ يَدْعُو إِلَى نَفْسِهِ)

    ومنها: (أَنَّ البَصِيرَةَ مِن الفَرَائِضِ)

    ووَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ اتِّبَاعَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واجِبٌ، وَلَيْسَ أَتْبَاعُهُ حقًّا إِلاَّ أَهْلَ البَصِيرَةِ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ منهم فَلَيْسَ مِنْ أَتْبَاعِهِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ البَصِيرَةَ مِن الفَرَائِضِ.

    ومنها: (أنَّ مِنْ دَلاَئِلِ حُسْنِ التَّوحِيدِ أنَّهُ تَنْزِيهٌ للهِ عزَّ وَجَلَّ عن المَسَبَّةِ)

    وَمِنْها: (أَنَّ مِنْ أَقْبَحِ الشِّرْكِ كَوْنَهُ مَسَبَّةً للهِ)

    ومِنْهَا: (إِبْعَادُ المُسْلِمِ عن المُشْرِكِينَ لاَ يَصِيرُ مَعَهُم وَلَوْ لَمْ يُشْرِكْ)

    وكُلُّ هذهِ الثَّلاَثِ في قَوْلِهِ
    : {سُبْحَانَ اللهِ} الآيَةَ.

    ...........
    قَوْلُهُ: (إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ كِتَابٍ) قَالَ القُرْطُبِيُّ: (يَعْنِي بِهِ اليَهُودَ والنَّصَارَى؛ لأَِنَّهُم كَانُوا في اليَمَنِ أَكْثَرَ مِنْ مُشْرِكِي العَرَبِ أوْ أَغْلَبَ).
    وَإِنَّمَا نَبَّهَه عَلَى هَذَا؛ ليَتَهَيَّأَ لمُنَاظَرَتِهِم ، ويُعِدَّ الأَدِلَّةَ لامْتِحَانِهِم؛ لأَِنَّهُم أَهْلُ عِلْمٍ سَابِقٍ، بِخِلاَفِ المُشْرِكِينَ وَعَبَدةِ الأَوْثَانِ.
    وَقَالَ الحَافِظُ: (هوَ كَالتَّوْطِئَةِ للوَصِيَّةِ؛ ليَجْمَعَ هِمَّتَهُ عَلَيْهَا) ثُمَّ ذَكَرَ مَعْنَى كَلاَمِ القُرْطُبِيِّ.
    قُلْتُ: وفيهِ: أَنَّ مُخَاطَبَةَ العَالِمِ لَيْسَتْ كمُخَاطَبَةِ الجَاهِلِ.
    -والتَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي للإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ في دِينِهِ؛ لِئَلاَّ يُبْتَلَى بِمَنْ يُورِدُ عَلَيْهِ شُبْهَةً مِنْ عُلَمَاءِ المُشْرِكِينَ.
    فَفِيهِ: التَّنْبِيهُ عَلَى الاحْتِرَازِ مِن الشُّبَهِ، والحِرْصُ عَلَى طَلَبِ العِلْمِ.
    قولُهُ: (فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُم إِلَيْهِ شَهَادَةُ أنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) يَجُوزُ رَفْعُ ((أَوَّلَ)) مَعَ نَصْبِ ((شَهَادَةُ)) وبالعَكْسِ.
    قولُهُ: (وفي رِوَايَةٍ: ((إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ))) هذهِ الرِّوايَةُ في التَّوحيدِ مِنْ (صَحِيحِ البُخَارِيِّ).
    وفي بَعْضِ الرِّواياتِ: ((فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ)).
    وفي بعضِهَا: ((وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ)).
    وأَكْثَرُ الرِّواياتِ فيها ذِكْرُ الدَّعْوةِ إلى الشَّهَادَتَيْن ِ.
    وَأَشَارَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ بإِيرَادِ هذهِ الرِّوايَةِ إلى التَّنْبِيهِ عَلَى مَعْنَى شَهَادَةِ أنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ؛ إِذْ مَعْنَاهَا تَوْحِيدُ اللهِ بالعِبَادَةِ، وتَرْكُ عِبَادَةِ ما سِوَاهُ؛ فَلِذَلِكَ جَاءَ الحَدِيثُ:
    -مَرَّةً بلَفْظِ ((شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ)).
    -وَمَرَّةً ((إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ)).
    -ومرَّةً ((فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ)) وذلكَ هوَ الكُفْرُ بالطَّاغوتِ، والإِيمَانُ باللهِ الَّذي قَالَ اللهُ فيهِ: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا
    ومَعْنَى الكُفْرِ بالطَّاغوتِ:
    هوَ خَلْعُ الأنْدَادِ والآلِهَةِ الَّتي تُدْعَى مِنْ دونِ اللهِ مِن القَلْبِ، وتَرْكُ الشِّرْكِ بها رَأْسًا، وبُغْضُهُ وعَدَاوتُهُ.
    ومَعْنَى الإِيمَانِ باللهِ: هوَ إِفْرَادُهُ بالعِبَادَةِ التي تَتَضَمَّنُ غَايَةَ الحُبِّ بِغَايَةِ الذُّلِّ والانْقِيَادِ لأَِمْرِهِ، وَهَذَا هوَ الإِيمَانُ باللهِ المُسْتَلْزِمُ للإِيمَانِ بالرُّسُلِ عَلَيهِم السَّلامُ، المُسْتَلْزِمُ لإخْلاَصِ العِبَادَةِ للهِ تَعَالَى، وذلكَ هوَ تَوْحيدُ اللهِ تَعَالَى ودِينُهُ الحَقُّ المُسْتَلْزِمُ للعِلْمِ النَّافعِ والعَمَلِ الصَّالِحِ:
    -وهوَ حَقِيقَةُ شَهَادَةِ أنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ.
    -وحَقِيقَةُ المَعْرِفَةِ باللهِ.
    -وحَقِيقَةُ عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ.
    فَلِلَّهِ مَا أَفْقَهَ مَنْ رَوَى هذا الحديثَ بهذهِ الأَلْفَاظِ المُخْتَلِفَةِ لَفْظًا المتَّفِقَةِ مَعْنًى، فَعَرَفُوا أَنَّ المُرَادَ مِنْ شَهَادَةِ أنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ هوَ الإِقْرَارُ بِهَا عِلْمًا، ونُطْقًا، وعَمَلاً، خِلاَفًا لِمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ الجُهَّالِ أَنَّ المُرَادَ مِنْ هذهِ الكَلِمَةِ هوَ مُجَرَّدُ النُّطْقِ بِهَا، أو الإِقْرَارُ بوُجُودِ اللهِ، أوْ مُلْكِهِ لكُلِّ شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ شَرِيكٍ؛ فَإِنَّ هَذَا القَدْرَ قدْ عَرَفَهُ عُبَّادُ الأَوْثَانِ وأَقَرُّوا بهِ، فَضْلاً عنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَلَوْ كَانَ كذلِكَ لَمْ يَحْتَاجُوا إلى الدَّعْوَةِ إليهِ.
    وفيهِ: دَلِيلٌ عَلَى أنَّ التَّوحيدَ الَّذي هوَ إِخْلاَصُ العِبَادَةِ للهِ وحدَهُ لاَ شَرِيكَ لهُ، وتَرْكُ عِبَادَةِ ما سِوَاهُ هوَ أَوَّلُ وَاجِبٍ؛ فَلِهَذَا كَانَ أوَّلَ مَا دَعَتْ إليهِ الرُّسلُ عليهِم السَّلاَمُ كمَا قالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ}[الأنبياء:25]. وَقَالَ: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}[النحل:36].
    قَال َشَيْخُ الإِسْلاَمِ رَحِمَهُ اللهُ: (وَقَدْ عُلِمَ بِالاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واتَّفَقَتْ عليهِ الأُمَّةُ أَنَّ أَصْلَ الإِسْلاَمِ، وأوَّلَ ما يُؤْمَرُ بهِ الخَلْقُ، شَهَادَةُ أنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. فبذلكَ يَصِيرُ الكَافِرُ مُسْلِمًا، والعَدُوُّ وليًّا، والمُبَاحُ دَمُهُ ومالُهُ مَعْصُومَ الدَّمِ والمَالِ، ثُمَّ إنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِهِ فَقَدْ دَخَلَ في الإِيمَانِ، وإنْ قَالَهُ بِلِسَانِهِ دونَ قَلْبِهِ فهوَ في ظَاهِرِ الإِسْلاَمِ دونَ باطِنِ الإِيمَانِ).
    وفيهِ: البَدَاءةُ في الدَّعْوَةِ والتَّعليمِ بالأَهَمِّ فالأَهَمِّ.
    .....[تيسير العزيز الحميد]


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    3,355

    افتراضي رد: الدُّعَاءِ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ

    قال الشيخ عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ
    لمَّا ذَكَرَ الامام محمد بن عبد الوهاب رَحِمَهُ اللهُ تعالَى التوحيدَ وفَضْلَهُ، وما يُوجِبُ الخوفَ مِنْ ضِدِّهِ، نبَّهَ على أَنَّهُ لا يَنْبَغِي لمَنْ عَرَفَ ذلكَ أنْ يَقْتَصِرَ على نَفْسِهِ، بَل يَجِبُ عليهِ أنْ يَدْعُوَ إلى اللهِ تعالى بالحِكْمَةِ والموعِظَةِ الحسَنَةِ، كمَا هوَ سبيلُ المُرْسَلِينَ وأتباعِهم، كما قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ لمَّا تَلا هذه الآيةَ: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}[فُصِّلَتْ:33] فقالَ: (هذا حَبيبُ اللهِ، هذا وليُّ اللهِ، هذا صَفْوَةُ اللهِ، هذا خِيَرَةُ اللهِ، هذا أَحَبُّ أهلِ الأرضِ إلى اللهِ، أجَابَ اللهَ في دَعْوَتِهِ، ودعا الناسَ إلى ما أجَابَ اللهَ فيهِ مِنْ دَعْوَتِهِ، وعَمِلَ صالِحًا في إجابتِهِ، وقالَ: إنَّني من المسلمينَ، هذا خَلِيفَةُ اللهِ).
    قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: (وقولِ اللهِ تعالَى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ}[يوسف:108]).
    - قالَ أبو جَعْفَرِ بنُ جَرِيرٍ:(يقولُ تعالى ذِكْرُهُ لنبيِّهِ محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {قُلْ} يا محمَّدُ: {هَذِهِ}الدعوةُ التي أَدْعُو إليها، والطريقَةُ التي أنا عليها؛ من الدعاءِ إلى توحيدِ اللهِ، وإخلاصِ العبادَةِ لهُ دُونَ الآلِهَةِ والأوْثَانِ، والانتهاءِ إلى طاعَتِهِ وتَرْكِ معْصِيَتِهِ {سَبِيلِي} طَرِيقَتِي ودَعْوَتي.
    {أَدْعُو إِلى اللهِ} تعالى وحدَهُ لا شريكَ لَهُ {عَلَى بَصِيرَةٍ} بذلكَ ويقينِ عِلْمٍ مِنِّي بِهِ،{أَنَا}ويَدْعُو إليهِ على بَصِيرَةٍ أيضًا من اتَّبَعَنِي وَصَدَّقَنِي وآمَنَ بي، {وَسُبْحَانَ اللهِ} يقولُ لهُ تعالى ذِكْرُهُ: وقُلْ تَنْـزِيهًا للهِ تعالى وتعظيمًا لهُ مِنْ أنْ يكونَ لهُ شَريكٌ في مُلْكِهِ أوْ مَعْبُودٌ سِواهُ في سُلْطَانِهِ،
    {وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ} يقولُ: وأنا بريءٌ مِنْ أهلِ الشركِ بهِ، لَسْتُ مِنهم ولا هُمْ مِنِّي) انْتَهَى.
    قالَ في (شَرْحِ المَنَازِلِ): (يُريدُ أنْ تَصِلَ باسْتِدْلالِكَ إلى أعْلَى دَرَجَاتِ العِلْمِ؛ وهيَ البَصِيرَةُ التي يَكونُ نِسبةُ المعلومِ فيها إلى القَلْبِ كنِسْبَةِ المَرْئِيِّ إلى البَصَرِ، وهذهِ هيَ الخَصِيصَةُ التي اخْتُصَّ بها الصحابةُ عنْ سائِرِ الأمَّةِ، وهيَ أعْلَى درجاتِ العلماءِ).
    قالَ تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}؛ أيْ: أنَا وأَتْبَاعِي عَلَى بَصِيَرةٍ.
    وقِيلَ: {ومَنِ اتَّبَعَنِي} عطْفٌ على المَرْفُوعِ في {أَدْعُو}؛ أيْ: أَنَا أَدْعُو إلى اللهِ على بَصِيرةٍ، ومَن اتَّبَعَنِي كذلكَ يَدْعُو إلى اللهِ تعالى على بَصِيرَةٍ.
    وعلى القَوْلَيْنِ؛ فالآيَةُ تَدُلُّ على أنَّ أتْبَاعَهُ هُمْ أهْلُ البصائِرِ الدَّاعُونَ إلى اللهِ تعالى، ومَنْ ليسَ مِنهم فليسَ مِنْ أتْبَاعِهِ على الحقيقةِ والموافَقَةِ، وإنْ كانَ مِنْ أتباعِهِ على الانْتِسابِ والدَّعْوَى.
    قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ: (فيهِ مَسَائِلُ:
    وقالَ العلاَّمةُ ابنُ القيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في معنى قولِهِ تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}[النحل:125](ذَكَرَ سبْحَانَهُ مَراتِبَ الدعوةِ وجَعَلَها ثلاثةَ أقْسَامٍ بحَسَبِ حالِ المَدْعُوِّ؛ فإنَّهُ:
    -إمَّا أنْ يكونَ طالبًا للحقِّ مُحِبًّا لهُ، مُؤْثِرًا لهُ على غيْرِهِ إذا عرَفَهُ، فهذا يُدْعَى بِالْحِكْمَةِ، ولا يَحْتَاجُ إلى مَوْعِظَةٍ وجِدَالٍ.
    -وإمَّا أنْ يكونَ مُشْتَغِلاً بِضِدِّ الحقِّ، لكنْ لوْ عَرَفَهُ آثَرَهُ واتَّبَعَهُ، فهذا يَحْتَاجُ إلى الموْعِظَةِ بالترغيبِ والترهيبِ.
    -وإمَّا أنْ يكونَ مُعَانِدًا مُعَارِضًا، فهذا يُجَادَلُ بالَّتي هيَ أحْسَنُ، فإنْ رَجَعَ وإلاَّ انْتُقِلَ معهُ إلى الجَلاَّدِ إنْ أَمْكَنَ) انْتَهَى.
    وقَالَ أَيْضًا رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (والفَرْقُ بَيْنَ حُبِّ الإمامَةِ والدَّعْوَةِ إلى اللهِ وحُبِّ الرِّيَاسَةِ: هو الفَرْقُ بينَ تَعْظيمِ أَمْرِ اللهِ والنُّصْحِ له، وتَعْظيمِ النَّفْسِ والسعْيِ في حَظِّهَا.فإنَّ الناصِحَ للهِ المُحِبَّ لَه، يُحِبُّ أن يُطاعَ رَبُّه فَلا يُعْصَى، وأنْ تَكونَ كَلِمَتُهُ هي العُليا، وأن يكونَ الدِّينُ كلُّه للهِ، وأن يكونَ العِبادُ مُمْتَثِلِينَ أَوَامِرَه مُجْتَنِبِينَ نَوَاهِيَه.فقد نَاصَحَ اللهُ في عُبُودِيَّتِهِ، ونَاصَحَ خَلْقَه في الدعوةِ إلى اللهِ، فهو يُحِبُّ الإمامَةَ في الدينِ. بل يَسْأَلُ رَبَّهُ أن يَجْعَلَه للمُتَّقِين إِمَامًا يَقْتَدِي بِهِ المُقْتَدُون، كما اقْتَدَى هو بالمُتَّقِين.
    فإذا أَحَبَّ هذا العَبْدُ الدَّاعِي إلى اللهِ أن يكونَ في أَعْيُنِ الناسِ جليلاً، وفي قلوبِهِم مَهِيبًا، وإليهم حَبِيبًا، وأن يكونَ فيهم مُطاعًا؛ لكي يَأْتَمُّوا بِهِ، ويَقْتَفُوا أَثَرَ الرسولِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ على يَدَيْه، لم يَضُرَّه ذلك، بل يُحْمَدُ عليه؛ لأنه داعٍ إلى اللهِ، يُحِبُّ أن يُطَاعَ ويُعْبَدَ ويُوَحَّدَ.فهو يُحِبُّ ما يكونُ عَوْنًا على ذلك، مُوصِلاً إليه.
    ولهذا ذَكَرَ اللهُ سبحانَه عِبَادَه الذين اخْتَصَّهم لنفسِهِ، وأثْنَى عليهم في تَنْزِيلِهِ وأحسْنَ جزاءَهُم يومَ لقائِهِ، فذَكَّرَهم بأحسَنِ أعمالِهِم وأوصافِهِم، ثم قالَ: {والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَ ا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}[سورةُ الفُرْقَانِ:74].
    فسَأَلوه أن يُقِرَّ أعينَهُم بطاعَةِ أزواجِهِم وذُرِّيَّاتِهِم له سبحانَه، وأن يُسِرَّ قُلُوبَهُم باتِّبَاعِ المُتَّقِينَ لَهم على طاعتِهِ وعبودِيَّتِهِ فإن الامام والمُؤْتَمَّ مُتَعَاونان على طاعتِهِ، وإنما سأَلوه ما يُعَاوِنُون به المُتَّقِين على مَرْضَاتِهِ وطاعتِهِ، وهو دَعْوَتُهُم إلى اللهِ بالإمامَةِ في الدينِ، التي أساسُها الصبْرُ واليقينُ، قالَ تعالى:{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}[السَّجْدَة:24]فسُؤالُهُم: أنْ يَجْعَلَهم أَئِمَّةً للمُتَّقِين هو سؤالُ أن يهدِيَهم ويُوَفِّقَهُم ويَمُنَّ عليهم بالعُلُومِ النافِعَةِ، والأعمالِ الصالِحَةِ ظاهِرًا وبَاطِنًا، التي لا تَتِمُّ الإمامةُ إلا بها.وتَأَمَّلْ كيف نَسَبَهم في هذه الآياتِ إلى اسْمِ الرحمنِ جلَّ جَلالُهُ؛ لِيَعْلَمَ خَلْقُهُ أن هذا إِنَّما نَالُوه بفضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، ومَحْضِ جُودِهِ ومنته وتأمل كيف جَعَلَ جزاءَهم في هذه الصُّورَةِ: الغُرَفَ، وهي المنازِلُ العالِيَةُ في الجنَّةِ.وهذا لِمَّا كانَت الإمامةُ في الدينِ مِن الرُّتَبِ العالِيَةِ، بل مِن أعلى مَرَاتِبَ يُعْطَاها العبدُ في الدنيا كان جزاؤُه عليها الغُرَفَ العالِيَةَ في الجنةِ.وهذا بخلافِ طَلَبِ الرِّيَاسَةِ؛ فإن طالِبِيها يَسْعَوْنَ في تَحْصِيلِها؛ لينالوا بها أَغْرَاضَهم؛ مِن العُلُوِّ في الأرضِ، وتَعَبُّدِ القلوبِ لهم، وميلِهَا إليهم، ومُسَاعَدَتِهِم لهم على جميعِ أغراضِهِم، معَ كونِهم عالِين عليهم قَاهِرين لَهم.
    فتَرَتَّبَ على هذا الطَّلَبِ مِن المفاسِدِ ما لا يَعْلَمُهُ إلا اللهُ: من البَغْيِ والحَسَدِ، والطُّغْيَانِ والحِقْدِ، والظُّلْمِ، والحَمِيَّةِ للنفسِ دونَ حقِّ اللهِ، وتَعْظِيمِ مَن حَقَّرَ اللهُ، واحْتِقَارِ مَن أَكْرَمَه اللهُ.ولا تَتِمُّ الرِّيَاسَةُ الدنيويَّةُ إلا بذلك، ولا تُنَالُ إلا بأَضْعَافِهِ من المفاسِدِ، والرُّؤَسَاءُ في عَمًى عن هذا.فإذا كُشِفَ الغِطَاءُ تَبَيَّنَ لهم فَسَادُ ما كانوا عليه، ولا سيَّما إذا حُشِرُوا في صِفَةِ الذَّرِّ، يَطَؤُهم أهلُ المَوْقِفِ بأَرْجُلِهِم؛ إِهَانَةً لهم وتَحْقِيرًا وتَصْغِيرًا، كما صَغَّرُوا أَمْرَ اللهِ، وحَقَّرُوا عِبَادَه). انْتَهَى كلامُهُ رَحِمَه اللهُ تعالَى.
    قولُهُ: (إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الكِتابِ) قالَ القُرْطُبِيُّ: (يعني بهِ اليهودَ والنَّصَارَى؛ لأَنَّهُم كانوا في اليَمَنِ أكْثَرَ مِنْ مُشْرِكِي العرَبِ أوْ أغْلَبَ، وإنَّما نَبَّهَ على هذا لِيَتَهَيَّأَ لمُنَاظَرَتِهم).
    وقالَ الحافظُ: (هوَ كالتَّوْطِئَةِ للوَصِيَّةِ لِيَجْمَعَ هِمَّتَهُ عليها).
    قولُهُ: (فَلْيَكُنْ أَوَّلَ ما تَدْعوهُمْ إِليْهِ شَهادةُ أنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ) شِهَادَةُ رُفِعَ عَلَى أَنَّهُ اسمُ (يَكُنْ) مُؤَخَّرٌ.
    و (أَوَّلَ) خَبَرُها مُقَدَّمٌ، ويَجُوزُ العكسُ.
    قولُهُ: (وَفي رِوايَةٍ:((إلى أنْ يُوَحِّدُوا اللهَ))) هذهِ الروايَةُ ثابِتَةٌ في كتابِ التوحيدِ منْ (صحيحِ البخاريِّ).
    وأشارَ المصنِّفُ بذكْرِ هذهِ الروايَةِ إلى التنبيهِ على معْنَى (شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) فإنَّ معناها توحيدُ اللهِ تعالى بالعبادَةِ ونَفْيُ عبادةِ ما سِوَاهُ.
    وفي روايَةٍ: (فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ) وذلكَ هوَ الكُفْرُ بالطَّاغُوتِ والإيمانُ باللهِ، كما قالَ تعالى: {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا}[البقرة:256]
    والعُرْوَةُ الْوُثْقَى: هيَ (لا إلهَ إلاَّ اللهُ) وفي روايَةٍ للبخاريِّ: فقالَ: ((ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ)).
    قُلْتُ:لا بُدَّ في شَهَادةِ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ مِنْ سَبْعَةِ شُروطٍ، لا تَنْفَعُ قائِلَها إلاَّ باجْتِمَاعِها:
    أحدُها: العِلْمُ المُنافي للجَهْلِ.
    الثاني: اليقينُ المُنافي للشكِّ.
    الثالثُ: القَبُولُ المنافي للردِّ.
    الرابعُ: الانْقِيادُ المنافي للتَّرْكِ.
    الخامسُ: الإخلاصُ المنافي للشِّرْكِ.
    السادسُ: الصِّدْقُ المنافي للْكَذِبِ.
    السابعُ: المحبَّةُ المنافِيَةُ لعَدَمِهَا.
    وفيهِ: دليلٌ على أنَّ التوحيدَ -الذي هوَ إخلاصُ العبادَةِ للهِ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وتَرْكُ عبادَةِ ما سِواهُ- هوَ أوَّلُ واجِبٍ.
    ولهذا كانَ أوَّلَ ما دَعَتْ إليهِ الرُّسُلُ عليهم السلامُ {أَنِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ} وقولُ نوحٍ: {أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ}
    وفيهِ:معنى (لا إلهَ إلاَّ اللهُ) مُطَابَقَةً.
    قالَ العَلاَّمَةُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَه اللهُ تعالَى: (ولهذا خَاطَبَ الرُّسُلُ أُمَمَهُم، مُخَاطَبَةَ مَن لا شَكَّ عندَه في اللهِ، وإنما دَعَوْهم إلى عِبادَةِ اللهِ وحدَه، لا إلى الإقْرَارِ بِهِ؛ فقالَتْ لهم:{أَفِي اللهْ شَكٌّ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}[إبراهيم:10] فوجُودُه سُبحانَهُ ورُبُوبِيَّتُه وقُدْرَتُه، أَظْهَرُ مِن كلِّ شَيءٍ على الإطلاقِ.
    فهو أظْهَرُ للبصَائِرِ من الشمسِ للأبصارِ، وأَبْيَنُ للعُقُولِ مِن كلِّ ما تَعْقِلُهُ وتُقِرُّ بوُجُودِهِ.فما يُنْكِرُهُ إلا مُكَابِرٌ بلسانِهِ، وقلْبِهِ وعقلِهِ وفِطْرَتِهِ، وكلُّها تُكَذِّبُهُ، قالَ تعالى:{اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍِ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَِجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ
    [فتح المجيد]


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    3,355

    افتراضي رد: الدُّعَاءِ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ

    قال الشيخ عبدالرحمن السعدي
    وهذا الترتيبُ الذي صنَعَه الامام محمد بن عبد الوهاب في أبوابِ كتاب التوحيد في غايةِ المناسبةِ، فإنه ذكَرَ في الأبوابِ السابقةِ:
    -وجوبَ التوحيدِ وفضلَه، والحثَّ عليهِ وعلى تكميلِه والتحقُّقِ به ظاهرًا وباطنًا، والخوفَ من ضِدِّه، وبذلك يُكْمِلُ العبدُ نفسَه.
    ثُمَّ ذكَرَ في هذا البابِ: تَكْميلَه لغَيْرِه بالدَّعوةِ إلى شهادةِ (أنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ) فإنَّه لاَ يَتِمُّ التوحيدُ حَتَّى يُكمِلَ العبدُ جميعَ مراتبِه ثُمَّ يَسْعَى في تَكْميلِ غَيْرِه، وهذا هو طريقُ جميعِ الأنبياءِ، فإنهم أولُ ما يدعون قومَهم إلى عبادةِ اللهِ وحدَه لا شريكَ لَهُ، وهي طريقةُ سيِّدِهم وإمامِهِم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنه قامَ بهذِه الدعوةِ أعظمَ قيامٍ، ودَعا إلى سبيلِ ربِّه بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، والمجادلةِ بالتي هي أحسنُ، لم يَفْتُرْ ولم يَضْعُفْ حتى أقامَ اللهُ به الدينَ وهدَى به الخلقَ العظيمَ، ووصَلَ دينُه ببركةِ دعْوتِه إلى مشارقِ الأرضِ ومغاربِها.
    وكانَ يدعو بنفْسِه، ويأمرُ رسلَه وأتباعَه أنْ يَدْعُوا إلى اللهِ، وإلى تَوْحيدِه قبلَ كلِّ شيءٍ؛ لأنَّ جَمِيعَ الأعمالِ متوقِّفَةٌ في صِحَّتِها وقَبُولِها على التوحيدِ.
    فكما أن على العبدِ أنْ يقومَ بتوحيدِ اللهِ، فعَلَيهِ أنْ يَدْعُوَ العبادَ إلى اللهِ بالتي هي أحسنُ،وكلُّ مَن اهتدَى على يَدَيْه فله مثلُ أجُورِهم مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أجُورِهم شيءٌ.
    وإذا كانت الدعوةُ إلى اللهِ وإلى شهادةِ أنْ لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ فرضًا على كلِّ أحَدٍ، كانَ الواجبُ على كلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِ مَقْدُورِه.
    فعلى العالِمِ من بيانِ ذلك والدعوةِ والإِرشادِ والهدايةِ أعظمُ مما على غيرِه مِمَّن لَيْسَ بعالِمٍ، وعلى القادرِ ببدنِه ويدِه أو مالِه أو جاهِه وقولِه أعظمُ مما على مَن ليستْ له تلك القدرةُ، قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ورَحِمَ اللهُ مَن أعانَ على الدِّينِ ولو بشطرِ كلمةٍ، وإنَّما الهلاكُ في تركِ ما يقدِرُ عليه العبدُ من الدعوةِ إلى هذا الدينِ
    .[القول السديد -للسعدى]


  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    3,355

    افتراضي رد: الدُّعَاءِ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ

    قال الشيخ صالح آل الشيخ
    (باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله) باب الدعوة إلى التوحيد.
    -وقد ذكر في الباب قبله: الخوف من الشرك.
    -وقبله ذكر فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب، و(باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب) ولما ذكر بعده (باب الخوف من الشرك) اجتمعت معالم حقيقة التوحيد في النفس - في نفس الموحد - فهل من اجتمعت حقيقة التوحيد في قلبه؛ بأن عرف فضله، وعرف معناه، وخاف من الشرك، ومعنى ذلك أنه استقام على التوحيد وهرب من ضده، هل يبقى مقتصراً على نفسه؟
    أم إنه لا تتم حقيقة التوحيد في القلب؛ إلا بأن يدعو إلى حق الله الأعظم، ألا وهو إفراده -جل وعلا- بالعبادة، وبما يستحقه سبحانه وتعالى من نعوت الجلال، وأوصاف الجمال.بوب الشيخ -رحمه الله- هذا الباب ليدل على أن من تمام الخوف من الشرك، ومن تمام التوحيد: أن يدعو المرء إلى التوحيد، فإنه لا يتم في القلب حتى تدعو إليه.
    وهذه حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله؛لأن الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله عُلِمَتْ حيث شهد العبد المسلم لله بالوحدانية، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وشهادته معناها: اعتقاده، ونطقه، وإخباره الغير بما دلت عليه، فلا بد إذن في حقيقة الشهادة وفي تمامها من أن يكون المكلف الموحد داعياً إلى التوحيد، لهذا ناسب أن يذكر هذا الباب بعد الأبواب قبله.ثم له مناسبة أخرى لطيفة، وهي: أن ما بعد هذا الباب هو تفسير للتوحيد، وبيان أفراده، وتفسير للشرك، وبيان أفراده؛ فيكون إذاً الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله، الدعوة إلى التوحيد: دعوة إلى تفاصيل ذلك، وهذا من المهمات؛ لأن كثيرين من المنتسبين للعلم من أهل الأمصار، يسلمون بالدعوة إلى التوحيد إجمالاً، ولكن إذا أتى التفصيل في بيان مسائل التوحيد، أو جاء التفصيل لبيان أفراد الشرك؛ فإنهم يخالفون في ذلك، وتغلبهم نفوسهم في مواجهة الناس في حقائق أفراد التوحيد، وأفراد الشرك.
    إذاً: فالذي تميزت به هذه الدعوة - دعوة الإمام المصلح رحمه الله- أن الدعوة فيها إلى شهادة أن لا إله إلا الله دعوة تفصيلية ليست إجمالية، أما الإجمال فيدعوا إليه كثيرون، نهتم بالتوحيد ونبرأ من الشرك؛ لكن لا يذكرون تفاصيل ذلك، والذي ذكره الإمام -رحمه الله- في بعض رسائله، أنه لما عرض هذا الأمر -يعني الدعوة إلى التوحيد- عرضه على علماء الأمصار، قال: (وافقوني على ما قلت؛ وخالفوني في مسألتين: في مسألة التكفير، وفي مسألة القتال). وهاتان المسألتان سبب المخالفة - مخالفة أولئك العلماء فيها -: أنهما فرعان ومتفرعتان عن البيان والدعوة إلى أفراد التوحيد؛ والنهي عن أفراد الشرك.
    إذاً: الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله، هو:
    -الدعاء إلى ما دلت عليه من التوحيد.
    -والدعاء إلى ما دلت عليه من نفي الشريك في العبادة، وفي الربوبية، وفي الأسماء والصفات عن الله جل وعلا. وهذه الدعوة دعوة تفصيلية لا إجمالية،ولهذا فصل الإمام -رحمه الله- في هذا الكتاب أنواع التوحيد، وأفراد توحيد العبادة؛ وفصّل الشرك الأكبر، والأصغر، وبين أفراداً من ذا وذاك يأتي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله في الباب الذي بعده؛ لأنه (باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله).قال رحمه الله: (وقول الله تعالى: {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}) هذه الآية من آخر سورة يوسف هي في الدعوة إلى الله، وسورة يوسف -كما هو معلوم مِن تأملها- هي في الدعوة إلى الله، من أولها إلى آخرها موضوعها: الدعوة، لهذا جاء في آخرها قواعد مهمة في حال الدعاة إلى الله، وحال الرسل الذين دعوا إلى الله، وما خالف به الأكثرون الرسل، واستيئاس الرسل من نصرهم، ونحوِ ذلك من أحوال الدعاة إلى الله، في آخر تلك السورة قال الله -جل وعلا- لنبيه: {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ}، {هَـذِهِ سَبِيلِي} أنني أدعو إلى الله، فمهمة الرسل هي الدعوة إلى الله جل وعلا {هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} وأحسن الأقوال: قول من دعا إلى الله، وأحسن الأعمال عمل من دعا إلى الله جل وعلا
    ولهذا قال سبحانه: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} قال الحسن البصري -رحمه الله - في تفسير هذه الآية ما معناه : (هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله من خلقه، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، هذا خليل الله، هذا حبيب الله).
    وهذا أمر عظيم في أن الداعي إلى الله هو أحسن أهل الأقوال قولاً {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين}
    -قال -جل وعلا- هنا: {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ} قوله: {أَدْعُو إِلَى اللَّهِ} هذا موطن الشاهد، فإنه دعاء إلى الله -جل وعلا- لا إلى غيره، وهذه فيها فائدتان:
    الأولى: أن الدعوة إلى الله دعوة إلى توحيده، دعوة إلى دينه؛ كما سيأتي تفسير هذه الكلمة في الحديثين بعدها، حديث ابن عباس في إرسال معاذ إلى اليمن، وحديث سهل بن سعد-رضي الله عنه- في إعطاء عليٍّ الراية .
    - قال جل وعلا: {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ}، الفائدة الأولى: أن الدعوة إلى التوحيد.
    الثانية: أن في قوله:{أَدْعُو إِلَى اللَّهِ} التنبيه على الإخلاص، وهذا يحتاجه من أراد الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله، والدعاء إلى الإسلام، يعني: الدعوة إلى الإسلام، يحتاج أن يكون مخلصاً في ذلك، ولهذا قال الشيخ -رحمه الله- في مسائل هذا الباب: في قوله: {إِلَى اللَّهِ} التنبيه على الإخلاص؛ لأن كثيرين وإن دعوا إلى الحق فإنما يدعون إلى أنفسهم، أو نحو ذلك.
    قال: {عَلَى بَصِيرَةٍ} البصيرة هي: العلم، البصيرة للقلب كالبصر للعين يبصر بها المعلومات والحقائق، فكما أنك بالعين تبصر الأجرام والذوات، فالمعلومات تبصر بالبصيرة؛ بصيرة القلب والعقل، يعني: أنه دعا على علم، وعلى يقين، وعلى معرفة، لم يدع إلى الله على جهالة.
    -قال: {أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي} يعني: أدعو أنا إلى الله ومن اتبعني ممن أجاب دعوتي، فإنهم يدعون إلى الله أيضاً على بصيرة، وهذا أيضاً من مناسبة إيراد الآية تحت هذا الباب؛ لأن من اتبع النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يدعون إلى الله.
    فإذاً: المتبعون للرسول -عليه الصلاة والسلام- الموحدون، لابد لهم من الدعوة إلى الله، بل هذه صفتهم التي أمر الله نبيه أن يخبر عن صفته وعن صفتهم، قال: {قل} يعني: يا محمد{هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي} فهذه إذاً خصلة أتباع الأنبياء: أنهم لم يخافوا من الشرك فحسب، ولم يعلموا التوحيد ويعملوا به فحسب، بل أنهم دعوا إلى ذلك، وهذا أمر حتمي؛ لأن من عرف عظم حق الله -جل وعلا- فإنه:
    - يغار على حق الرب سبحانه وتعالى.
    - يغار على حق مولاه.
    - يغار على حق من أحبّه فوق كل محبوب: أن يكون توجه الخلق إلى غيره بنوع من أنواع التوجهات، فلابد إذاً أن يدعو إلى أصل الدين، وأصل الملة الذي اجتمعت عليه الأنبياء والمرسلون، ألا وهو توحيده -جل وعلا- في:
    - عبادته.
    - وفي ربوبيته.
    - وفي أسمائه وصفاته جل وعلا وعز سبحانه.
    [كفاية المستزيد]


الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •