حكم وضع الجريدة على القبر
الشيخ صالح بن محمد الأسمري

سؤال:
هل يؤخذ من حديث النبي صلى الله عليه وسلم : "لَعَلَّه أن يخفف عنهما ما لم يَيْبسا" : شرعية وَضْع جريد ونحوه على القبر ؟

الجواب :
الإشارة إلى ما خَرَّجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال : مَرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال: "إنهما ليُعَذَّبان وما يُعَذَّبان في كبير ، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، فأخذ جريدة رطبة فشقها نصفين فغرز في كل قبر واحدة ، فقالوا: يا رسول الله لم فعلتَ هذا؟ قال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا " .
وقد أُخذ من الحديث استحبابُ وَضْعِ الجريدة الرَّطْبة ونحوها على القبر رَجَاءَ التَّخْفيف ،
قال الحافظ أبو عبد الله الجَوْزجَاني رحمه الله تعالى في : "الأباطيل والمناكير" : "في الحديث دلالة على استحباب وَضْع الجريدة الرَّطْبة على ما فَعَلَهُ صلى الله عليه وسلم "أ.هـ.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى في : "شرح مسلم" : "واستحب العلماء قراءة القرآن عند القبر لهذا الحديث؛ لأنه إذا كان يرجى التخفيف بتسبيح الجريد فتلاوة القرآن أولى والله أعلم" أ.هـ.
ويُؤَكِّده فِعْلُ بعضِ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث ذكر البخاري في : "صحيحه" أن بريدة بن الحصيب الأسلمي الصحابي رضي الله عنه أوصى أن يجعل في قبره جريدتان قال النووي في : "شرح مسلم" : "ففيه رضي الله عنه تبرك بفعل مثل فعل النبي صلى الله عليه وسلم " أ.هـ.
وقال ابن المُلَقِّن رحمه الله تعالى في : "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" : "ذكر البخاري في صحيحه أن بريدة بن الحصيب الصحابي رضي الله عنه أوصى أن يُجْعَلَ في قبره جريدتان ففيه أنه رضي الله عنه تبرك بفعل مثل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال القاضي: وقد عمل الناس في بعض الآفاق تبسيط الخوص على القبر، لعلهم فعلوه اقتداء بهذا الحديث" أ.هـ.
وعلى استحباب ذلك الشافعية والحنابلة في آخرين، قَرَّره عن الشافعية جماعة،
ومنهم الشمس الرملي رحمه الله تعالى في : "نهاية المحتاج" حيث قال: "ويستحب وضع الجريد الأخضر على القبر للاتباع أي: اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك ...، وكذا الريحان ونحوه من الأشياء الرطبة. ويُمْنَع على غير مالكه أَخْذُهُ مِنْ على القَبر قَبْلَ يُبْسه لعدم الإعراض عنه، فإن يبس جاز لزوال نفعه المقصود منه حال رطوبته وهو الاستغفار" أ.هـ. قال الشبراملي في : "حاشية نهاية المحتاج" : " قوله (من الأشياء الرطبة) أي : فيدخل في ذلك البرسيم ونحوه من جميع النباتات الرطبة" أ.هـ.
وكذا قرَّر ابن حجر المكي رحمه الله تعالى في : "تحفة المحتاج" حيث قال : "يُسَنّ وضع جريدة خضراء على القبر للاتباع وسنده صحيح ؛ ولأنه يخفف عنه ببركة تسبيحها إذ هو أكمل من تسبيح اليابسة لما في تلك من نوع حياة وقيس بها ما اعتيد من طرح الريحان ونحوه . ويحرم أَخذُ ذلك كما بحث لما فيه من تفويت حق الميت . وظاهره أنه لا حرمة في أخذ يابس أعرض عنه لفوات حق الميت بيبسه، ولذا قيّدوا ندب الوضع بالخضرة وأعرضوا عن اليابس بالكلية نظراً لتقييده صلى الله عليه وسلم التخفيف بالأخضر بما لم ييبس" أ.هـ.
وقرره عن الحنابلة جماعة، ومنهم ابن مفلح رحمه الله تعالى في : "الفروع" حيث قال: "ويُسَنّ ما يُخَفِّف عنه ـ أي الميت ـ وإذا تأذى بالمنكر انتفع بالخير، صَرَّح به جماعة، وظاهره ولو بجعل جريدة رطبة في القبر للخير وأوصى به بريدة . ذكره البخاري وفي معناه غرسُ غيرها" أ.هـ. المراد .
قال ابن قندس رحمه الله تعالى في : "حاشية الفروع" مَعَلِّقاً : ويدل عليه استدلاله بخبر الجريدة، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كسر الجريدة وجَعَلَ عل كل قبر ٍواحدةٍ وقال : "لعله أن يَخَفّف عنهما ما لم ييبسا" أ.هـ.
و
كذا قَرَّره ابن النجار رحمه الله تعالى في : "منتهى الإرادات" ، و"شرحه" حيث قال : "سُنَّ للزائر الميت فعل (ما يُخَفِّف عنه) أي : عن الميت، وظاهره (ولو بجعل جريدة رطبة في القبر) للخبر، و"أوصى به بريدة" ذكره البخاري ، وفي معناه : غرس غيرها" أ.هـ المراد .
وكذا في : "غاية المنتهى" : "وفيه : "(وسُنَّ لزائره (فعل ما يخفف عنه) أي : الميت (ولو بجعل جريدة رطبة في القبر) للخبر، وأوصى به بريدة . ذكره البخاري وفي معناه: غرس غيرها" أ . هـ المراد .

تنابيـه:
أولها :
ما قاله المازَرِي رحمه الله تعالى في : "المُعْلِم بفوائد مسلم" : "وأما جعل الجريدتين على القبرين ، فلعله عليه السلام أوحي إليه بأن العذاب يُخَفَّف عنهما ما لم ييبسا، ولا يظهر لذلك وجه إلا هذا" أ.هـ.
لكن أستبعده القرطبي رحمه الله تعالى في : "المُفهِم " بقوله : "وهذا فيه بُعْدٌ ؛ لقوله : "لعله" ، ولو أُوحي إليه لما احتاجَ إلى التَّرجِّي" أ.هـ ويُرَدّ بأن (لعل) هنا للتعليل لا للترجّي، قَرَّره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في : "فتح الباري" حيث قال : "قال المازَرِي : (يحتمل أن يكون أوحى إليه أن العذاب يُخَفِّف عنهما هذه المدة) انتهى وعلى هذا فلعل هنا للتعليل. قال : (ولا يظهر له وجه غير هذا) وتَعَقَّبه القرطبي بأنه لو حصل الوحي : لما أتى بحرف الترجِّي ، كذا قال. ولا يَردُ عليه ـ أي على المازري ـ ذلك إذا حملناها على التعليل" أ. هـ.
و
ثانيها : ما قاله الخطابي رحمه الله تعالى في : "معالم السنن" : "وأما غَرْسه شِقّ العسيب على القبر، وقوله : "ولعله يخفف عنهما ما لم يَيْبسا" فإنه من ناحية التبرك بأثر النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه بالتخفيف عنهما وكأنه صلى الله عليه وسلم جعل مدة بقاء النداوة فيهما حَدَّاً لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب عنهما، وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابس ، والعامة في كثير من البلدان تفرش الخوص في قبور موتاهم وأراهم ذهبوا إلى هذا ، وليس لما تعاطوه من ذلك وجه والله أعلم" أ.هـ.
وقد تعجَّب جماعة من الأئمة هذا الاستنكار من الخطابي، ومنهم القرطبي المالكي رحمه الله تعالى في : "التذكرة في أحوال الموتى والآخرة" وقال : "والعَجَب من الخطابي في قوله (لا أصل له) ولا وجه له مع هذا الحديث المتفق عليه" أ.هـ . المراد.
بعد حكايته عن علمائهم أنه يُسْتفاد من حديث الجريد : غرس الأشجار، وقراءة القرآن على القبور وقال القاري الحنفي رحمه الله تعالى في: "مرقاة المفاتيح " : "وأما إنكار الخطابي وقوله : (لا أصل له) ففيه بحث واضح؛ إذ هذا الحديث يَصْلح أن يكون أصلاً له" أ.هـ. وقال السيوطي رحمه الله تعالى في : "شرح النسائي" : "وقد رَدَّ النووي استنكار الخطابي وقال : (لا وجه له)" أ.هـ.
ويُرَدّ اعتراضُ الخطابي بما قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في "فتح الباري" : "وليس في السياق أي : سياق الحديث ـ ما يَقطع على أنه باشر الوضع بيده الكريمة ، بل يَحْتمل أن يكون أمر به . وقد تأسَّى بريدة بن الحصيب الصحابي بذلك ، فأوصى أن يوضع على قبره جريدتان كما سيأتي في الجنائز من هذا الكتاب وهو أَوْلَى أن يُتَّبَع من غيره" أ.هـ.
وثالثها : ما حكاه القرطبي في : "المفهم" بقوله : "وقيل : لأن النبي صلى الله عليه وسلم شفع لهما ، ودعا بأن يُخفَّف عنهما، ما داما رطبين وقد دَلَّ على هذا حديث جابر الذي يأتي في آخر الكتاب في حديث القبرين ، قال فيه : "فأحببتُ بشفاعتي أن يُرَفَّه عنهما ذلك ما دام القضيبان رطبين" ثم عَلَّق بقوله : "فإن كانت القضية واحدة وهو الظاهر ـ فلا مزيدَ على هذا في البيان" أ. هـ. وما حكاه قاله القاضي عياض في "إكمال المعلم" وعَدَّه ابن الملقن في : "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" وجهاً من أوجه الحكمة في وضع الجريدتين على القبر .
ويُرَد ذلك بأن حديث جابر غير حديثنا_ حديث ابن عباس رضي الله عنهما قَرَّره الحافظ في : "الفتح" بقوله : "وأما ما رواه مسلم في حديث جابر الطويل المذكور في أواخر الكتاب أنه الذي قطع الغصنين، فهو في قصة أخرى غير هذه .؟ فالمغايرة بينهما من أوجه :
منها : أن هذه كانت في المدينة وكان معه صلى الله عليه وسلم جماعة، وقصة جابر كانت في السفر وكان خرج لحاجته فتبعه جابر وحده .
ومنها : أن في هذه القصة أنه صلى الله عليه وسلم غرس الجريدة بعد أن شقها نصفين كما في الباب الذي بعد هذا من رواية الأعمش، وفي حديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم أمر جابراً بقطع غصنين من شجرتين كان النبي صلى الله عليه وسلم استتر بهما عند قضاء حاجته، ثم أمر جابراً فألقى الغصنين عن يمينه وعن يساره حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً، وأن جابراً سأله عن ذلك فقال:" إني مررت بقبرين يعذبان فأحببت بشفاعتي أن يرفع عنهما ما دام الغصنان رطبين" ولم يذكر في قصة جابر أيضاً السبب الذي كانا يعذبان به. ولا التَّرجّي الآتي في قوله : "لعله" فبان تغاير حديث ابن عباس وحديث جابر، وأنهما كانا في قصتين مختلفتين، ولا يَبْعُد تعدَّد ذلك" أ.هـ المراد.
لذا قال الحافظ في : "الفتح" لما حكى الاعتراض : "وكذا رجَّح النووي كون القصة واحدة وفيه نظر لما أوضحنا من المغايرة بينهما" أ.هـ.
ورابعها : ما حكاه ابن الملقن في : "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" بقوله : "والقاضي عياض لما نقل كلام الخطابي وفِعْلَ بريدة قال : جَعْلُ الجريدة والخُوْص اليوم استناناً بهذا الحديث لا يصح ؛ لأنه عليه السلام علَّل غَرْزها على القبر بعلة مُعَيَّنة لا يُطَّلَع عليها ، وهي قوله : "إنهما ليعذبان" وعلم عليه السلام إنهما ليعذبان فلذلك فَعَلَ ما فَعَلَ ، ولا نفعله نحن الآن ؛ لأنا لا نعلم هل الميت يعذب أو هو ممن غفر له، كما قلناه في حديث المحرم "لا تُمِسُّوه طِيباً لأنه يُبعث يوم القيامة مُلَبِّياً" وصَوَّب مقالات الخطابي ، وتبعهم ابن الحاج المالكي أيضاً" أ.هـ المراد وهو في "المُفصل" لابن الحاج رحمه الله تعالى .
ورُدّ ذلك بما قاله الحافظ في : "الفتح" : "لا يَلْزم مَن كوننا لا نَعَلم أيُعَذَّب أم لا؟ أن : نَتَسبّب له في أمر يُخَفِّف عنه العذاب أن لو عُذِّب ، كما لا يمنع كوننا لا ندري أرحُمُ أم لاـ أن لا ندعو له بالرحمة" أ.هـ.

تنبيـه: خبر بريدة الأسلمي وصله ابن سعد في : "الطبقات" حيث قال: "أخبرنا عفان بن مسلم قال : حدثنا حماد ابن سلمة ، قال أخبرنا عاصم الأحول ، قال قال مورق: أوصى بريدة الأسلمي أن توضع في قبره جريدتان ،ومات بأدنى خراسان فلم توجد إلا في حوالق حمار" أ.هـ. قال الحافظ في :"تغليق التعليق" : "أما أثر بريدة فقال ابن سعد أخبرنا عبيد الله بن محمد بن حفص ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم الأحول ، عن مُورِّق العجلي، قال: أَوصى بُرَيْدَة أن يوضع على قبره جريدتان، ومات بأدنى خراسان" وقد وقع لي من طريق أخرى لأبي بَرْزة الأسلمي أيضاً وفيها حديث مرفوع من حديث : قرأتُ على أحمد بن عمر اللؤلؤي عن الحافظ أبي الحجاج المزي أن يوسف بن يعقوب بن المجاور أخبره ، أنا أبو اليُمن الكندي، أنا أبو منصور القزَّاز ، أنا أبو بكر الخطيب عن إبراهيم بن مخلد ، ثنا أبو سعيد النَّسَوِي سمعت أحمد بن محمد بن عمر بن بسطام، يقول سمعت أحمد بن سيار ، يقول ثنا الشاة بن عمار، حدثني أبو صالح سليمان بن صالح الليثي ، ثنا النضر بن المنذر بن ثعلبة العبدي: عن حماد بن سلمة، عن قتادة : أن أبا برزة الأسلمي كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ على قبر ، وصاحبه يعذب : فأخذ في جريدة ، فغرسها في القبر، وقال : عسى أن يُرَفَّه عنه ما دامت رطبة" وكان أبو برزة يوصي إذا مِتُ فضعوا في قبري معي جريدتين، قال: فمات في مفازة بين كرمان وقَوْقَس فقالوا: كان يوصينا أن نضع في قبره جريدتين ، وهذا موضع لا نصيب فيه فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم ركب من قبل سجستان، فأصابوا معهم سعفاً فأخذوا منهم جريدتين فوضعوهما معه في قبره" أ.هـ. وهو عند الخطيب في "تاريخ بغداد" ، وقال في : "الفتح" عن خبر بريدة : "وقع في رواية الأكثر (في قبره) وللمستملي :"على قبره " وقد وصل ابن سعد من طريق مُوَرّق العجلي" أ.هـ المراد .
لطيفة: ترجم البخاري لخبر بريدة باب الجريدة على القبر. قال الحافظ في "الفتح" :" والذي يَظْهر من تصرفه ـ أي البخاري ـ ترجيح الوضع" أ.هـ والله أعلم .

كتبه
صالح بن محمد الأسمري
10/1/1425هـ
http://www.saaid.net/Doat/asmari/fatwa/7.htm