معتقد أهل السنة القران الذي أنزله الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو كلام الله منزل غير مخلوق ، منه بدأ وإليه يعود ، وهو بحروف وكلمات وألفاظ وسور وأيات ،كلها تكلم الله بها حقيقة . إذًا نحن نؤمن بأن القرآن كلام الله تكلم به لفظاً ومعنى بحروفه ومعانيه ، ليس الكلام هو المعاني دون الحروف ولا الحروف دون المعاني ،
ونؤمن بأنه منزل من عند الله والآيات في هذا كثيرة ،


ونؤمن بأنه غير مخلوق ،لأنه لو كان مخلوقاً لم يكن صفة من صفاته ولو جاز أن يكون مخلوقاً لكان الخلق من صفات الله ، ومعلوم أن هذا منكر ولم يقل به أحد


يقول العلماء : منه بدأ وإليه يعود ،
معنى ( إليه يعود ) على وجهين :
الوجه الأول : إليه يعود وصفاً فلا يوصف به غيره ،
الوجه الثاني : إليه يعود في آخر الزمان ،
حيث جاء في الآثار : أن هذا القرآن ينزع من صدور الناس ومن بطون المصاحف حتى يصبح الناس وليس بين أيديهم


اختلاف الطوائف في مسألة الكلام (القران كلام الله بألفاظه ومعانيه )


رد الخلاف فيها الى أصلين هما كالأساس له،
أما الأصل الأول فهو هل قوله تعالى متعلق بمشيئته وقدرته أم لا.
وأما الأصل الثاني فهو: هل قوله وصف له قائم بذاته أم خارج عنها


أولا: مذهب الذين قالوا أن الكلام لا تعلق له بمشيئته تعالى وارادته


فطائفتان: الكلابية والاشعرية وهؤلاء ذهبوا الى أن الكلام معنى قديم قائم بذاته تعالى، فمنهم من جعله معنى واحدا في الازل، ومنهم من قال أنه خمس معان مختلفة. وأما الفاظ القرآن عندهم فحادثة احدثها اللّه عز وجل للدلالة على هذا المعنى القديم وجعله معقولا للأذهان.


قال الكلابية والأشعرية أن هذه الالفاظ لا يصح اطلاق القول بأنها القرآن بل هي دالة عليه فقط، وربما أطلقوا عليها اسم القرآن مجازا تسمية للدال باسم المدلول، ومنهم من قال أن القرآن مشترك لفظي يطلق على كل من المعنى القديم واللفظ الحادث. ثم اختلفوا فقال الكلابية: ان هذه الالفاظ المقروءة حكاية عن الكلام النفسي، وقال الاشعرية: بل هي عبارة عنه فقط وليست حكاية، اذ الحكاية عن الشي ء لا بد أن تكون عين المحكي، كما تقول حكيت الحديث بعينه، تريد أن روايتك له مطابقة للأصل تماما بلا تغيير لفظ


فان الفريقين من الكلابية والاشعرية متفقون على أن هذه الألفاظ ليست هي القرآن، وانما هي دالة عليه فقط، فسواء جعلت حكاية عنه أو عبارة لم يختلف هذا المعنى الذي هو محل اتفاق.


وأما الفرقة الثانية ممن قالوا ان الكلام لا يتعلق بمشيئته تعالى وقدرته:
فهم الاقترانية نسبة إلى الاقتران الذي هو مذهبهم، فإنهم زعموا أن الحروف التي تركب منها القرآن قد اقترن بعضها ببعض في الأزل
وذهب هؤلاء إلى أن القرآن ألفاظ ومعان، ليس ينفصل أحدهما عن الآخر، إذ لا تعقل ألفاظ بلا معان، ولا تعقل معان مجردة عن الألفاظ، وكل من اللفظ والمعنى قديم قائم بذاته تعالى ليس بقابل للحدوث أصلا، وما دامت الألفاظ قديمة فالحروف التي تألفت منها هذه الألفاظ قديمة، وحينئذ لا يصح القول بوجودها في الأزل على الترتيب والتعاقب، بل وجدت مقترنة مجتمعة


الثاني : مذهب من قال متعلق بمشيئته تعالى وارادته


طائفتان أيضا: احداهما وهم الجهمية ومتأخرو المعتزلة قالوا بأن القرآن مخلوق خلقه اللّه كما خلق السموات والأرض وسائر المخلوقات ومعنى كونه تعالى متكلما عندهم إنه خالق للكلام وإنما يضاف إليه القرآن فيقال كلام اللّه على سبيل التشريف، كما يقال بيت اللّه، وناقة اللّه، وهذه سفسطة ظاهرة، فإنه ولا شك فيه أنه لا يعقل من المتكلم إلا من قام به الكلام، فطن الكلام صفة المتكلم، ولا يقال لمن أوجد الكلام في غيره أنه هو المتكلم بذلك الكلام، بل يكون الكلام صفة للمحل الذي قام به وصار عرضا له.


قدماء المعتزلة كواصل بن عطاء وعمرو بن عبيد ومن سار على نهجهما قبل حدوث بدعة الجهم فإنهم لم يذهبوا هذا المذهب الفاسد الذي هو من وحي الشيطان هؤلاء القدامى وأتباعهم يوافقون أهل السنة والجماعة في أن القرآن كلام اللّه منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.


أما المتأخرون منهم من أمثال أبي الهذيل العلاف والنظام والجاحظ وغيرهم وافقوا جهما على الكفر بكلام اللّه عز وجل وانكار أن اللّه متكلم بالقرآن أو كلم موسى عليه السلام بكلام سمعه، فجمعوا بذلك بين التجهم والاعتزال وصاروا كصاحب ثوب له علمان، ولقد حكم بكفرهم من أجل هذا الذي قالوه خمسمائة من العلماء في مختلف البلدان. حكى ذلك عنهم اللالكائي في مسنده، بل حكاه من قبله الإمام الطبراني


أما الفرقة الثانية من القائلين بأن الكلام متعلق بمشيئته تعالى وقدرته


فانقسموا إلى طائفتين
الطائفة الأولى الكرامية أتباع محمد بن كرام، وهؤلاء ذهبوا إلى أن اللّه تعالى يتكلم بمشيئته بالقرآن العربي وغيره، إلا أنهم لا يقولون لم يزل متكلما إذا شاء لأنه يمتنع عندهم أن يكون اللّه متكلما في الازل فيجعلون كلامه حادثا في ذاته مسبوقا بالعدم بمعنى أن اللّه لم يكن عندهم متكلما، ثم صار متكلما، فنوع الكلام عندهم له ابتداء في ذاته
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة الفرقان (و محمد بن كرام فكان بعد ابن كلاب في عصر مسلم ابن الحجاج اثبت أنه يوصف بالصفات الاختيارية، ويتكلم بمشيئته وقدرته، ولكن عنده يمتنع أنه كان في الأزل متكلما بمشيئته وقدرته لامتناع حوادث لا أول لها، فلم يقل بقول السلف لم يزل متكلما إذا شاء، وقال هو وأصحابه في المشهور أن الحوادث التي تقوم به لا يخلو عنها، ولا تزول عنه).


وأما الآخرون من القائلين بأن اللّه متكلم بكلام قائم بذاته متعلق بمشيئته وارادته فهم أصحاب الحديث أهل السنة والجماعة كأحمد بن حنبل الشيباني ومحمد بن إسماعيل البخاري وغيرهما من أئمة الإيمان رضي اللّه عنهم ذهبوا إلى أن اللّه لم يزل متكلما إذا شاء، لأن الكلام صفة كمال إذ أن من يتكلم أكمل ممن لا يتكلم ومن يتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن يكون الكلام لازما لذاته وإذا فلا يعقل خلوه تعالى عنه في الازل، لأن الخلو عن الكمال نقص يستحيل على اللّه


المصدر
(الكافية للشيخ محمد خليل الهراس، العقيدة السفارينية للشيخ محمد الصالح العثيمين ، عقيدة الرازيين للشيخ زيد المدخلي )