الهدي البيِّن في تربية قرَّة الأعيُن
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الهدي البيِّن في تربية قرَّة الأعيُن

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,184

    افتراضي الهدي البيِّن في تربية قرَّة الأعيُن

    الحمد لله رب الأرض والسماوات، المنعم على عباده بالفضائل والخيرات، والصلاة والسلام على رسول البريات محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
    قال سبحانه: ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ﴾ [النحل: 72]، وقال تعالى: ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [الكهف: 46]، الأولاد - بنون وبنات - هم قرة العين، وحبة القلب، وزهرة الحياة وأُنسها، بهم تسعد القلوب، وتأنس النفوس، وتقر الأعين، ويُستجلب الرزق، وتستمطر الرحمات، بهم تمتلئ الحياة شغبًا ماتعًا، وحُبًّا رائقًا، وبهجة رقيقة، أصواتهم كعصافير مغردة، وقلوبهم كأزهار ندية، وشجارهم كنسائم رقراقه؛ قال حطَّانُ ابن المعلى:
    وإنما أولادُنا بيننا
    أكبادُنا تمشي على الأرضِ
    لو هَبَّتِ الرِّيحُ على بعضهم
    لامتَنَعَت عيني منَ الغَمضِ
    رضانا عنهم هو غايتهم، وتوجيهنا لهم هو حاجتهم، واحتواؤنا لأخطائهم هو منتهى أملهم.
    ولأهميتهم في حياتنا؛ أمرنا الله عز وجل أن نستشعر قيمة هذه المسؤولية العظيمة، فنحسن إليهم ببذل الجهد والوقت والمال من أجل تنشئتهم تنشئة طيبة صالحة؛ قال جل شأنه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [التحريم: 6]، وأول ما نبدأ به رحلة الإحسان التربوي هو إصلاح أنفسنا وتقويم عوجها؛ اتباعًا للإرشاد الرباني: ﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ﴾ [الأعراف: 58]؛ فمَن كان صالحًا طيبًا تصلح ذريته وتطيب، ومَن كان طالحًا فاسدًا تتأثر به ذريته، ولكل قاعدة شواذ؛ لذا فلنتعهد أنفسنا بالتقوى والصلاح؛ لنكون خير قدوة لأولادنا، فصلاحهم مرتبط ارتباطًا وثيقًا بصلاحنا.
    ولصلاح ديننا وأخلاقنا أعظم الأثر في أولادنا في حياتنا وبعد مماتنا؛ ففي حياتنا تقر أعيننا بصلاحهم؛ ففي الحديث الشريف: ((ما نَحَلَ والد ولدًا من نحلٍ أفضل من أدب حسن)) [1]، ونحل: أعطى، أما بعد مماتنا فإنهم سيذكروننا بالدعوات؛ لحديث: ((إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا رب، أنى لي هذا؟ فيقول: باستغفار ولدك لك))، وحديث: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث وذكر منها: أو ولد صالح يدعو له))، ويحفظهم الله من كل سوء ومكروه؛ قال تعالى: ﴿ وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ﴾ [الكهف: 82].
    ومن إحسان الوالدين لأولادهم العناية بمرحلة الطفولة؛ فهي أهم وقت يتأكد فيه أن يغرسا في النشء المبادئ القويمة والأخلاق الكريمة، فالعملية التربوية زراعة، والمربي مزارع، والأطفال بذوره، وعقولهم البريئة تربة خصبة تستقبل أي توجيه وإرشاد بأسلوب مناسب، ووسيلة ملائمة لأعمارهم الغضة وفطرتهم السليمة، وإن تعهد المربي تلك البذور بالسقي والعناية، نمت يانعة ناضرة تسر الناظرين، أما إن أهملها ولم يعتنِ بها، ذبُلت وفسدت وساءت الناظر إليها.
    ومن أبرز ما يُحرص عليه في الإحسان لأولادنا غرس عقيدة التوحيد، وشعائر الإسلام وأخلاقه في نفوسهم منذ نعومة أظفارهم؛ لينشؤوا نشأة سوية، ويفكرون بفكرٍ صافٍ مستنير بهَدْيِ الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم.
    وقد غرس رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصغار ابتداءً التوحيد الخالص لله عز وجل، والتعلق به وحده سبحانه في الشدة والضيق، وأن يتجه الإنسان في كل حين إلى ربه وخالقه؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كنتُ خلف النبي صلى الله عليه وسلم يومًا فقال: يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، إذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفت الصحف))، وعن جندب بن عبدالله قال: ((كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا))، فعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان قبل أن يعلمهم القرآن.
    ويرشدنا رسولنا صلى الله عليه وسلم إلى تحصينهم بالأذكار وحمايتهم بالدعوات؛ عن عليٍّ رضي الله عنه قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوِّذ الحسن والحسين: أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة))، وعن أنس رضي الله عنه قال: ((جاءت أمي أم أنس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أزرتني - ألبستني إزارًا - بنصف خمارها وردَّتني - ألبستني رداءً - بنصفه، فقالت: يا رسول الله، هذا أنيس ابني أتيته بك يخدمك، فادع الله له، فقال: اللهم أكثر ماله وولده، وفى رواية: وبارك له فيما أعطيته، قال أنس: فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة اليوم)).
    ولـما أعد الغلام الصغير ابن عباس وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، كافأه عليه الصلاة والسلام على ذلك بأن دعا له؛ فقد أخرج البخاري عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الخلاء قال: فوضعتُ له وضوءًا، فقال: مَن وضع هذا؟ فأُخبر، فقال: اللهم فقهه في الدين))، ويستجيب الله تعالى لدعائه لابن عباس، فيصبح حبر الأمة، وترجمان القرآن.
    وينهانا عليه الصلاة والسلام عن الدعاء عليهم مهما بدر منهم من أخطاء؛ كي لا ندنس طهرهم، ونؤذي مستقبلهم في ساعة غضب لا داعي لها؛ فهم صغار ينقصهم العلم وتعوزهم الخبرة؛ فعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة نيل عطاء فيستجاب لكم)).
    ومن أبرز بنود الإحسان للأولاد: التركيز على الجانب العملي في تربيتهم، وعدم الاكتفاء بالتوجيهات والمواعظ القولية فقط، فحال سلف هذه الأمة لم يصلح إلا بتطبيقهم لما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة، وتربية صغارهم على أحكامهما وآدابهما، ما أثر بشكل عظيم على صلاح القلب والروح والسلوك، ولكي يصلح حالنا وحال عيالنا، لا بد من تربية أنفسنا وأولادنا على ذلك النهج القويم.
    وقد أوصى الغزالي الوالدين بتعليم أولادهم القرآن وأحاديث الأخبار، وحكايات الأبرار وأحوالهم؛ لينغرس في نفوسهم حب الصالحين، فيغرس الوالدان في أولادهم حب القرآن وحب تلاوته، وفهم ما جاء فيه من شرائع وحِكم وعبر ومواعظ، كما يربونهم على حب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفهمها وتطبيق ما ورد فيها؛ قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ [البقرة: 121]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه))، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعهد الصغار ويربطهم بطاعة الله عز وجل؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر)).
    وكان التطبيق العملي في التربية ديدنَ رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ومحطَّ عنايته؛ فكان يدعو الأطفال إلى الصلاة خلفه؛ حتى ينشؤوا على حب الصلاة؛ يحكي لنا أنس رضي الله عنه عن حال رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الأطفال: ((وربما حضر الصلاة وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته، فيُكنس ويُنضح، ثم يقوم ونقوم خلفه، فيصلي بنا))، ويصحبهم صلى الله عليه وسلم في الطريق واعظًا ومعلمًا على قدر عقولهم، فالطفل من حقه أن يصحب الكبار ليتعلم منهم؛ فتتغذى نفسه، ويتفتح عقله، وتتهذب أخلاقه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قدوة في ذلك، فعلَّمنا أنه صحب أنسًا، وصحب أبناء جعفر ابن عمه، والفضل ابن عمه، وها هو عبدالله بن عباس، ابن عمه صلى الله عليه وسلم يسير بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم على دابته.
    والتربية الخلُقية هي روح الإحسان التربوي للأولاد وأساسه؛ لذا تبوأت مكانًا ساميًا في الدين الإسلامي، وبها يتمثل الطفل شعائر الدين الإسلامي وحِكمه وأخلاقه، ويطبقها بتعامله مع أسرته ثم مجتمعه، ورسولنا صلي الله عليه وسلم خير قدوة لنا في أخلاقه العظيمة وشمائله الكريمة؛ وقد وصفه الله بذلك فقال: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]، ومن أهم الأخلاق التي ينبغي على الوالدين تعليمها للطفل:
    1- احترام الوالدين وحسن معاملتهما:
    قال تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 23، 24]، وعن عبدالله بن مسعود قال: ((سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب الى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين)).
    2- احترام الكبير والعطف على الصغير:
    فالكبير يُقدَّر ويُؤخذ برأيه ويُقدَّم بالكلام، أما الصغير فيُرحم ويُلاطف بالحديث ولا يكسر قلبه؛ لحديث: ((ليس منا مَن لم يرحم صغيرنا، ولم يعرف حق كبيرنا)).
    3- احترام المعلم:
    العلماء قادة الأمة وحاملو ميراث النبوة، بهم يعم الخير وتنتصر الفضائل، وينحسر الشر وتخسر الرذائل؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فضل العالِم على العابد كفضلي على أدناكم ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت، ليصلون على معلم الناس الخير))، وقد وجَّه الحسن البصري ابنه إلى مجالسة العلماء فقال له: "يا بني، إذا جالست العلماء، فكن على أن تسمع أحرص على أن تقول، وتعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام، ولا تقطع على أحد حديثًا - وإن طال - حتى يمسك".
    4- أدب الاستئذان:
    أدب اجتماعي عظيم واجب على الكبير والصغير، وله مكانة خاصة في التشريع الإسلامي؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْك ُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [النور: 58]، فعلى الوالدين تعليم أولادهم الاستئذان بأن يسلم ثم يستأذن بلطف ثلاث مرات، وإذا طلب منه صاحب المنزل أن يرجع فليرجع راضيًا.
    5- مراعاة آداب الحديث:
    الحديث وسيلة التفاهم الأساسية بين الناس، وهو مفتاح الشخصية وعنوانها والكاشف عنها، فالطفل إذا تعلم منذ نعومة أظفاره كيف يتخاطب مع أفراد مجتمعه، شب على حسن الكلام والحوار.
    6- أدب الصدق:
    فالصدق طريق إلى البر، والكذب طريق إلى الفجور، والطفل إن تعود الصدق، نشأ مستقيمًا ثابتًا على ما تربى عليه من مبادئ قويمة، واستحالة الميل عنها مهما كان الظروف.
    وقد أكد رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم الصدق مع الأولاد وعدم الكذب عليهم؛ فعن عبداللَّه بن عامر قال: ((دعتني أمي، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قاعد في بيتنا، فقالت: ها، تعال أعطيك، فقال صلى الله عليه وسلم: ما أردتِ أن تعطيه؟ قالت: أعطيه تمرًا، فقال لها: أما إنك لو لم تعطيه شيئًا، كُتبت عليك كذبة)).
    ومن صور الإحسان للأولاد ملاعبتهم وملاطفتهم ومداعبتهم؛ إما لقصد إشباع حاجة المرح واللهو لديهم، والاستمتاع ببراءة الطفولة ورقتها، أو لاستغلال ذاك الوقت اللطيف في غرس قيمة أو أدب؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق بني قينقاع متكئًا على يدي فطاف فيها، ثم رجع فاحتبى - أي: جلس وضم فخذيه وساقيه إلى بطنه ليستند - في المسجد، وقال: أين لَكاعِ؟ ادعوا لي لَكاعًا، فجاء الحسن عليه السلام، فاشتد حتى وثب في حبوته، فأدخل فمه في فمه، ثم قال: اللهم إني أحبُّه فأحبَّه وأحبَّ من يحبُّه ثلاثًا))، وكان يُداعب الصبيان، ويُجلسهم في حجره؛ عن أم كرز الخزاعية قالت: ((أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بغلام، فبال عليه فأمر به فنضح، وأُتي بجارية فبالت عليه، فأمر به فغسل))، وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن على فخذه الأخرى، ثم يضمهما، ثم يقول: اللهم ارحمهما فإني أرحمهما))، ويترك للصغير فرصة يتلهى معه صلى الله عليه وسلم، فالطفل الصغير قد يمزح مع الرجل الكبير، وربما يعبث بثوبه أو بلحيته، وزجْرُه في هذه الحالة كسرٌ لقلبه وجَرْحٌ لشعوره، وتعويدٌ له على الانطواء، لكن مقابلة ذلك بالابتسامة والإعجاب، يُدخل السرور على قلبه، ويشجعه على الجرأة ومخالطة الكبار والاستفادة منهم، وقد حدث مثل هذا مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ فعن أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص قالت: ((أُتِيَ النبي صلى الله عليه وسلم بثياب فيها خميصة سوداء صغيرة، فقال: مَن ترون أن نكسوَ هذه؟ فسكت القوم، قال: ائتوني بأم خالد، فأُتي بها تُحمل، فأخذ الخميصة بيده فألبسها))، وفي الرواية الأخرى: ((ثم قال صلى الله عليه وسلم: سَنَهْ سَنَهْ، قال عبدالله: وهي بالحبشية: حَسَنة، قالت: فذهبتُ ألعب بخاتم النبوة - بين كتفيه - فزبرني - فزجرني - أبي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعها، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبلي وأَخْلِقي، ثم أبلي وأخلقي، ثم أبلي وأخلقي، قال عبدالله: فبقيت حتى ذَكَرَ؛ يعني: من بقائها))؛ يعني: طال عمرها بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم: "أبلي وأخلقي" ثلاث مرات، والثوب الخَلِق: هو البالي، وكانت الطفلة الصغيرة أم خالد مع أهلها في هجرة الحبشة؛ فلذلك داعبها النبي صلى الله عليه وسلم بلهجة أهل الحبشة التي تفهمها: "سَنَه سنه".
    ويستخدم صلى الله عليه وسلم العبارات الرقيقة في محادثتهم؛ كسبًا لقلوبهم، فمن عوامل بناء الثقة في الطفل، ورفع روحه المعنوية أن يُنادَى باسمه، أو بوصف حسنٍ فيه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوةً في ذلك؛ فتارة ينادي الصبي بما يتناسب مع صغره، فيقول: ((يا غلام، إني أعلمك كلمات))، و((يا غلام، سمِّ الله، وكُلْ بيمينك))، و((يا غلام، أتأذن لي أن أعطي الأشياخ؟))، وهكذا، وتارة يناديه بقوله: "يا بنيَّ" كما قال لأنس لــما نزلت آية الحجاب: ((وراءك يا بني))، وقال صلى الله عليه وسلم عن أبناء جعفر ابن عمه أبي طالب: ((ادعوا لي بني أخي))، وسأل أمهم عن صحتهم فقال: ((ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة تصيبهم الحاجة؟))، وتارةً أخرى يناديهم صلى الله عليه وسلم بالكُنية، فالكنية تكريم وتعظيم، فكان يقول للطفل الصغير: ((يا أبا عمير، ما فعل النغير؟)) لطائر صغير كان يلعب به.
    ولنتمكن من الإحسان إلى هؤلاء النشء الصالح، نحتاجُ إلى ما يلي:
    1- القدوةُ الحسنة: وهي من أقوى وسائل التربية تأثيرًا؛ وذلك لأن الولد ينظر إلى مربيه وماذا يعمله، ويستفيد من فعله أكثر من قوله، فالولد إذا رأى مربيه ينهاه عن شيء ثم يفعله، فإنه لا ينتهي عن هذا، فالمربي قدوة لـمَن يربيه، وهي تتمثل في: الأبوين، والرفقة الصالحة، والمعلم، فإن كان أولئك قدوة صالحة، استقام وصلح مَن يربوهم، والعكس بالعكس.
    2- التحذير: فيحذره من المعاصي وعواقبها ومساوئها، ومن الشر وأهله، ومن مخاطر الفساد وطرقه.
    3- التلقين: بتلقينه تدريجيًّا سور القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، والأدعية والأذكار.
    4- التعويد: أن يشجعه على القيام بعدد من الشعائر الدينية المستحبة يوميًّا؛ حتى تغدو عادة له، كأن يعوده على التبكير إلى الصلاة، والمحافظة على ورد يومي من القرآن.
    5- الترغيب والترهيب: بأن يشجعه أحيانًا بالكلمة الطيبة، وبالهدية أحيانًا، وقد يلجأ إلى ترهيبه وإخافته من فعل شيء أو ترك شيء.
    6- الموعظة: فيعظه بأسلوب جيد، كـ(يا بُني ويا بنتي)، وقد يقصُّ عليه قصة فيها عبرة وعظة، أو يستعمل معه السؤال والجواب، كما يغتنم المناسبات، ويستفيد من المواقف، وينبغي الاقتصاد في الموعظة وعدم الإكثار منها؛ لئلا يملَّ الولد.
    7- القراءة: سواء تقرأ عليه وعلى الأسرة شيئًا مفيدًا من مثل سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرة السلف الصالح، أو بعض القصص المفيدة ونحو ذلك، أو هو يقرأ بتشجيع منك وتوفير للكتب.
    أما بعد:
    فلنحاول فهم نفسيات أولادنا وحاجاتهم، وطرق احتوائهم، والإحسان إليهم؛ لينشؤوا أسوياء أنقياء أصفياء حاملي قيم، وصانعي حضارة، ومستحقي خلافة الله في الأرض.
    -----------------
    [1] ضعفه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة.


    رابط الموضوع: https://www.alukah.net/social/0/136582/#ixzz61fyR7O5B
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    37

    افتراضي رد: الهدي البيِّن في تربية قرَّة الأعيُن

    بارك الله فيك

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •