خمس عشرة مسألة تحير كثيراً من المتأخرين من أهل العلم بالقراءات (تنحل كلها بفهم مسألة واحدة !)
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: خمس عشرة مسألة تحير كثيراً من المتأخرين من أهل العلم بالقراءات (تنحل كلها بفهم مسألة واحدة !)

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2015
    المشاركات
    48

    افتراضي خمس عشرة مسألة تحير كثيراً من المتأخرين من أهل العلم بالقراءات (تنحل كلها بفهم مسألة واحدة !)

    بسم الله الرحمن الرحيم
    خمس عشرة مسألة تحير كثيراً من المتأخرين من أهل العلم بالقراءات (تنحل كلها بفهم مسألة واحدة !)
    الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله.
    أما بعد:
    فهذا سرد لمسائل عديدة فيها إشكال معروف, تحير دارس علم القراءات إذا كان على منهج المتأخرين وتصيبه بالدهشة والاستغراب, وتستوقف اللبيب ويحار فيها فكره, وهي مسائل لا يصح معها المسكنات, ولا بد فيها من علم يشفي العليل ويروي الغليل, ويطمئن الحيران.
    نعم أجاب على بعضها بعض أهل العلم لكنها أجوبة لا يقبلها المحقق المدقق.
    وإنما يقبلها التابع المقلد ويرتاح لها صدره وينام قرير العين.

    المسألة الأولى:
    عمر ينهى ابن مسعود أن يقرئ بأي قراءة إلا بحرف قريش.
    فحين علم أن ابن مسعود رضي الله عنه يقرئ بحرف هذيل قوله تعالى {من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه عتى حين) كتب إليه إذا أتاك كتابي هذا، فأقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل. أخرجه ابن شبة في "أخبار المدينة" (3/227), وابن عبد البر في "التمهيد" (8/278) , وغيرهما.
    كيف ينهاه عمر ويمنعه إذا قلنا إنها قراءة أنزلها جبريل وأقرأها للنبي صلى الله عليه وسلم والنبي أقرأها للصحابة, والقرآن أنزل على سبعة أحرف.
    هذا مشكل!

    المسألة الثانية:
    يمنع عثمان رضي الله عنه حروفاً وقراءات من القرآن.
    كيف يلغي عثمان أكثره الأحرف والقراءات ويلزم الأمة إلى قيام الساعة بحرف واحد وقراءة واحدة, والقرآن قد أنزل على سبعة أحرف, كيف ذلك إذا كنا نقول بأن القراءات كلها أنزلها جبريل وأقرأها للنبي صلى الله عليه وسلم وأقرأها النبي للصحابة.
    هذا مشكل جداً!
    حتى قال ابن حزم في "الأحكام في أصول الأحكام" (4/674) : "دعواهم أن عثمان رضي الله عنه أسقط ستة أحرف من جملة الأحرف السبعة المنزل بها القرآن من عند الله عز وجل عظيمة من عظائم الإفك والكذب, ويعيذ الله تعالى عثمان رضي الله عنه من الردة بعد الإسلام".
    ولا يصح القول بأن الأحرف كانت رخصة ليست واجبة على الأمة, ولذا ألغاها عثمان.
    فإنه حتى على افتراض صحة هذا الزعم فإنه من الممتنع المستحيل أن عثمان بإجماع الصحابة يمنع ويلغي قراءة قرآنية أنزلها الله على نبيه وأقرأها جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم, وأقرأها النبي للصحابة رضي الله عنهم.
    كيف يسوغ أن يعمد عثمان إلى إلغائها ومنع الأمة منها إلى قيام الساعة بكل هذه السهولة وبمباركة من جميع الصحابة رضي الله عنهم.
    هذا ممتنع أشد الامتناع على الصحابة المعظمين للقرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم

    المسألة الثالثة:
    يقول عثمان للذين كلفوا بكتابة المصاحف: (اكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم). صحيح البخاري (4702)
    كيف ذلك والقرآن أنزل على سبعة أحرف ولغات, وليس بلغة قريش فقط.
    هذا إشكال واضح!
    ولا يصح أن يقال: إن المراد أول ما نزل, فيضاف إلى هذا النص الواضح الصريح لفظة (أول ما نزل) ليفرغ من دلالته الصريحة.
    فإن هذا تحريف للنص, وتغيير لمعناه.

    المسألة الرابعة:
    يقول الله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)
    والمعروف أن كثيراً من القراءات ذهبت ولم تحفظ, فإن من المعلوم أن القراء في زمن التابعين وتابعيهم كثيرون جداً, وتلاميذهم أيضاً كثر جداً وقراءاتهم كثيرة جداً.
    ولم يبق من أولئك القراء ورواتهم وقراءاتهم إلا عشرة وراويان فقط عن كل قارئ.
    والإمام ابن مجاهد اقتصر على سبعة فاشتهر العمل بذلك وترك ما سواه.
    والإمام أبو عمرو الداني اقتصر في التيسير على راويين عن كل قارئ فاشتهر العمل بذلك وترك ما سواه, ولم يُلْتَفَتْ بعد ذلك إلى قراءات أولئك القراء الآخرين.
    أين وعد الله بحفظ كتابه إذا كنا نقول بأن القراءات كلها أنزلها جبريل وأقرأها للنبي صلى الله عليه وسلم وأقرأها النبي للصحابة.
    قال ابن الجزري في "النشر" (1/33) : "فإن القراءات المشهورة اليوم عن السبعة والعشرة والثلاثة عشرة بالنسبة إلى ما كان مشهوراً في الأعصار الأول قل من كثر ونزر من بحر, فإن من له اطلاع على ذلك يعرف علمه العلم اليقين, وذلك أن القراء الذين أخذوا عن أولئك الأئمة المتقدمين من السبعة وغيرهم كانوا أمماً لا تحصى، وطوائف لا تستقصى... الخ كلامه.
    هذا من أشكل ما يكون!

    المسألة الخامسة:
    لا يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة شيء من الأحرف والقراءات إلا ما نزل بلغة قريش, فكان يملي لكتاب الوحي فيكتبون ما نزل بحرف واحد ولغة واحدة, ولم يأمر أحداً منهم أن يكتب حرفاً واحداً من تلك الأحرف.
    والقرآن كان ينزل على سبعة أحرف فلِمَ لم يكتب منها شيء.
    كيف ذلك إذا كنا نقول بأن القراءات كلها أنزلها جبريل وأقرأها للنبي صلى الله عليه وسلم وأقرأها النبي للصحابة.
    هذا إشكال يحتاج إلى جواب شافي!

    المسألة السادسة:
    قال عثمان رضي الله عنه يوماً وهو على المنبر: أذكر الله رجلاً سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف) لما قام، فقاموا حتى لم يحصوا فشهدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف), فقال عثمان رضي الله عنه: وأنا أشهد معهم) أخرجه أبو يعلى في الكبير كما في "مجمع الزوائد" (7/152)
    كيف يحتاج عثمان أن يُشْهِد على مثل هذا الأمر, وهو أمر معروف مشهور شائع
    كيف يتصور ذلك إذا كنا نقول بأن الأحرف والقراءات كلها أنزلها جبريل وأقرأها للنبي صلى الله عليه وسلم وأقرأها النبي للصحابة بكل تفاصيلها.
    فهذا مشكل جداً, وما مثل ذلك إلا كما لو طلب عثمان من يشهد معه على أن الله أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم!

    المسألة السابعة:
    نزول القرآن على سبعة أحرف إنما كان بعد فتح مكة بزمن أي قبل وفات النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين أو أقل.
    فكيف استطاع في هذه المدة الوجيزة من إقراء الصحابة لجميع تلك الأحرف والأوجه والقراءات الكثيرة واللهجات المختلفة رغم مشاغله الكثيرة العظيمة المتنوعة, والدعوة والجهاد والتعليم والتوجيه واستقبال الوفود والحج والزوجات ومشاكل الناس وغير ذلك كثير.
    إن من يعلم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم, ويتصور أحواله وكيف كان يقضي وقته يعلم أن ذلك أقرب إلى المستحيل!

    المسألة الثامنة:
    كثير من الأئمة والعلماء والقراء والمفسرين وغيرهم يفاضلون بين القراءات والأحرف ويفضلون بعضها على بعض, ولهم في ذلك كلام شائع مشهور فكيف يصح ذلك إذا كنا نقول كلها نزل به جبريل فهو إذاً في منزلة واحدة.
    كيف يقولون هذه القراءة أحسن من هذه القراءة.
    هذا مشكل جداً!

    المسالة التاسعة:
    قال أبو عبد الرحمن السلمي كما في "المرشد الوجيز" ص (68) : "كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة، كانوا يقرؤون قراءة العامة، وهي القراءة التي قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه"اهـ
    كيف تكون قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة وقد نزل القرآن على سبعة أحرف.
    لماذا لم يحصل اختلاف بينهم في القراءة بسبب كثرة القراءات إذا كنا نقول إن القراءات كلها نزل بها جبريل, وأقرأها للنبي صلى الله عليه وسلم, وأقرأها النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة.
    على الأقل لو حصل هذا من بعضهم.
    هذا مشكل!

    المسألة العاشرة:
    لا يعرف عن أحد من الصحابة أنه حفظ القراءات المختلفة والأحرف السبعة أو كان يقرؤها أو يقرئ بها, ولم يعرف عن أحد من الصحابة أو التابعين أو السلف عموماً أو القراء العشرة أو رواتهم أنهم كانوا يحفظون عدة روايات للقرآن ويقرؤون بها إذا كنا نقول بأن القراءات كلها أنزلها جبريل وأقرأها للنبي وأقرأها النبي للصحابة.
    لماذا لا يعرف هذا إلا بعد القرن الرابع الهجري.
    لماذا فرط السابقون والسلف والقراء في هذا الفضل العظيم!
    هذا مشكل لكل ذي لب!

    المسألة الحادية عشرة:
    جاء في روايات صحيحة المنع فقط من أن تختم آية عذاب برحمة أو العكس, ويفهم من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك لهم حرية واسعة في قراءة الأحرف والقراءات.
    ففي حديث أُبيّ رضي الله عنه عند أحمد (35/84) (حتى بلغ سبعة أحرف، ليس منها إلا شاف كاف، إن قلت: غفوراً رحيماً، أو قلت: سميعاً عليماً، أو عليماً سميعاً فالله كذلك، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب).
    وفي حديث أبي بكرة عند أحمد (34/70) (اقرأه على سبعة أحرف، كلها شاف كاف، ما لم تختم آية رحمة بعذاب، أو آية عذاب برحمة).
    وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد (14/120) (أنزل القرآن على سبعة أحرف، عليماً حكيماً، غفوراً رحيماً).
    وفي رواية (ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب، ولا ذكر عذاب برحمة) أخرجه ابن جرير في "التفسير" (1/19)
    فكيف ذلك إذا كنا نقول بأن الأحرف والقراءات محددة معروفة أنزلها جبريل وأقرأها النبي للصحابة, فلا حاجة إذاً إلى القول: (ما لم تختم آية رحمة بعذاب، أو آية عذاب برحمة).
    هذا مشكل جداً!

    المسألة الثانية عشرة:
    كيف يقرئ النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة رضي الله عنهم بكل تلك الأحرف والقراءات السبع ثم لا يأتي في النصوص النبوية إلا أحاديث قليلة جداً في ذكر القراءات.
    كيف ذلك!
    صحيح أن القراءات نقلت عبر القراء.
    لكن المقصود هنا أننا إذا قلنا بأن النبي r صلى الله عليه وسلم قد أقرأ بجميع تلك القراءات فلا بد أن تأتي نصوص نبوية كثيرة فيها ذكر لبعض تلك القراءات, والواقع مخالف لذلك تماماً.
    هذا فيه إشكال!

    المسألة الثالثة عشرة
    كثير من أهل العلم الراسخين من القراء والمفسرين واللغويين وغيرهم قد تكلموا في بعض القراءات, ونقدوا وخطؤوا, وهذا أمر مشهور معلوم, كالإمام الأعرج عبد الرحمن بن هرمز, ويحيى بن يزيد الفراء, وأبي عبيد القاسم بن سلام, وأبي حاتم السجستاني, ومحمد بن جرير الطبري, وابن مجاهد وهو من جمع قراءات القراء السبعة, وأبي محمد بن عطية, وابن قتيبة, وأبي شامة, وأبي الحسن الأخفش, وأبي العباس المبرد, وأبي إسحاق الزجاج, وأبي جعفر النحاس, وأبي علي الفارسي, وغيرهم, حتى بعض القراء السبعة, وكثير منهم مع كونه إماماً في التفسير أو اللغة كان إماماً في القراءات أيضاً.
    فكيف يتكلمون في بعض هذه القراءات إذا كنا نقول: إنها كلها أنزلها جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم, وأقرأها النبي للصحابة رضي الله عنهم.
    هذا محل إشكال كبير!

    المسألة الرابعة عشرة
    يتكلم كثير من كبار الأئمة في بعض من أنواع من الأداء, ككلامهم في شيء من أداء الإمام حمزة رحمه الله, فقد تكلم بذلك الإمام أحمد, وعبد الرحمن بن مهدي, وأبو بكر بن عياش, والحكم بن عتيبة, ويزيد بن هارون, وعبد الله بن إدريس, وسفيان بن عيينة, وعبد الله بن قتيبة, وبشر بن الحارث, ويعقوب بن شيبة, وعلي بن المديني, والساجي, والأزدي, وابن دريد, وحماد بن زيد.
    فكيف ذلك إذا كنا نقول بأن القراءات كلها أنزلها جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم, وأقرأها للنبي وأقرأها النبي للصحابة.
    وليس المتكلم في ذلك واحد أو اثنين بل جماعة كثيرة.
    وليس المتكلم في ذلك من عامة الناس, بل هم من كبار أئمة الإسلام!
    هذه مشكلة كبيرة!

    المسألة الخامسة عشرة
    ينفرد كثير من القراء بقراءة لا يشاركه فيها أحد.
    كما ينفرد أبو عمرو من بين العشرة بالإدغام الكبير
    أو خلف عن حمزة بإشمام الصاد الزاي في (الصراط) في جميع القرآن
    أو ابن كثير بوصل هاء الكناية بالياء أو بالواو
    أو ورش بمد حرف المد بعد الهمز
    أو البزي بتشديد التاءات في الفعل المضارع
    أو ورش بتغليظ اللامات.
    أو الأزرق عن ورش بترقيق الراءات.
    أو الأزرق عن ورش بمد حرف المد بعد الهمز
    أو أبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى من كل همزتين في كلمتين
    أو ورش بنقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها.
    أو حمزة بالسكت على الساكن قبل الهمز.
    أو حمزة بتسهيل الهمز في الوقف
    أو الكسائي بإمالة هاء التأنيث وما قبلها في الوقف.
    وغير ذلك كثير.
    فكيف يجمع القراء العشرة إلا واحداً بالزهد في قراءة معينة إذا قلنا إن جبريل قد أنزلها على النبي وأقرأها النبي للصحابة.
    كيف يتفقون على ذلك.
    أتواصوا بذلك فقرأ كل راو بما وُكِلَ إليه من هذا الانفراد, أم اتفقوا صدفة على هجران أداء مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    هذا مشكل جداً!

    هي إذا مسائل كثيرة تصيب كل دارس للقراءات بالحيرة.
    فما السبب يا ترى.

    السبب هو البناء على قاعدة غير سليمة.
    فسبب الإشكالات السابقة كلها قاعدة بنى عليها القراء المتأخرون أقوالهم ومنهجهم في القراءات وهي قاعدة لا دليل عليها, بل الأدلة تدل على خلافها, ولذلك لم تعرف عن السلف عموماً أو القراء الأولين كالعشرة وغيرهم.
    إنما اشتهرت بعدهم بزمن.
    وهو القول بأن الأحرف والقراءات القرآنية كلها منزلة أنزلها جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم وأقرآها إياه وأقرأها النبي للصحابة.
    فلما أخذ بهذه القاعدة وجدت كل الإشكالات السابقة وأصبحت نتيجة حتمية لذلك القول المخالف للحقيقة.

    إن الحقيقة أن جبريل لم ينزل إلا بحرف واحد وقراءة واحدة وأما الأحرف والقراءات الأخرى الكثيرة فهي رخصة من الله فحسب.
    وكل ما صح عند العشرة منها فله قدسية القرآن لأن الله تبارك وتعالى هو الذي أراد أن تقرأ هكذا وهكذا.
    وأما النصوص التي فيها التصريح بأن الله أنزل جميع الأحرف والقراءات فليس معناها ما يتبادر منها كما تجده في الرابط الذي سأضعه بعد قليل وفيه شرح وتوضيح مسهب لهذه المسألة المهمة, وبيان لمعنى تلك النصوص.

    وحين يعتقد المرء بذلك الصواب تنحل كل الإشكالات السابقة تلقائياً مما يؤكد تأكيداً بيناً أنه هو القول الصحيح الموافق لقول القراء والسلف والمنقول والمعقول.

    فبالنسبة للمسألة الأولى لا إشكال.
    فعمر ينهى ابن مسعود أن يقرئ إلا بالحرف الذي نزل به جبريل, وهو حرف قريش فهو الذي نزل به القرآن, وما سواه رخصة مفتوحة للناس, فلا يحسن أن يقرئ إلا باللفظ المنزل.

    وبالنسبة للمسألة الثانية لا إشكال.
    فعثمان رضي الله عنه لا يلغي شيئاً من القرآن الذي أنزله جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم, وإنما يلغي قراءات مرخص بها للحاجة إليها في ذلك الزمن حين دخل الناس والقبائل في دين الله أفواجاً.
    ويلزم الناس بالحرف الذي نزل به جبريل والذي كان كله محفوظاً مكتوباً في الصحف عند أبي بكر ثم عمر ثم حفصة.

    وبالنسبة للمسألة الثالثة لا إشكال.
    فعثمان يقول للذين كتبوا المصحف: (اكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم).
    لأن هذا هو الواقع وهو الحقيقة, فجبريل نزَّل على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن بلغة قريش, ولم ينزل بالأحرف كلها, بل كانت رخصة للناس في أول زمن الدعوة الإسلامية.

    وبالنسبة للمسألة الرابعة لا إشكال.
    فلو ذهب كثير من الأحرف والقراءات فلا ينافي هذا قوله تعالى: (وإنا له لحافظون)
    لأن القرآن لم يذهب منه حرف واحد فهو محفوظ كما وعد الله عز وجل, أما تلك الأحرف والقراءات فليذهب منها ما يذهب فما هي إلا رخصة لمن لا يستطيع النطق بلغة قريش, ولم تكن هي مما أنزله جبري على النبي صلى الله عليه وسلم, وإنما الذي أنزله حرف واحد بلسان قريش.

    وبالنسبة للمسألة الخامسة لا إشكال.
    فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يأمر بكتابة شيء من الأحرف والقراءات إلا ما نزل بلغة قريش, لأن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن الذي أنزله جبريل إنما هو هذا الحرف فقط, وبقية الأحرف رخصة للناس لم ينزل بها جبريل فلماذا يأمر بكتابتها؟!

    وبالنسبة للمسألة السادسة لا إشكال.
    فحينما يقول عثمان رضي الله عنه وهو على المنبر: أذكر الله رجلاً سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف) لما قام، فقاموا حتى لم يحصوا فشهدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف)
    فهذا يؤكد أن هذه المسألة عند الصحابة رضي الله عنهم أمرها واضح تماماً, فليست الأحرف والقراءات مما أنزله جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم, وإنما هي رخصة للناس, ولذلك تَغِيْبُ عن بال الصحابة ولا يعيرون لها اهتماماً كبيراً, حتى يحتاج عثمان أن يشهد على مثل هذا الأمر, ولو كانت الأحرف والقراءات كلها منزلة لما كان المشهد هكذا أبداً, ولما احتاج عثمان أن يشهد أحداً على قرآن أنزله جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم, وقرأه النبي على الصحابة وحفظوه وأقرؤوه.
    فالأمر واضح إذاً.

    وبالنسبة للمسألة السابعة لا إشكال.
    فالصواب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرئ إلا بحرف قريش إلا في حالات نادرة جداً.
    لأن جبريل لم ينزل إلا بحرف قريش وبقية الأحرف والقراءات إنما هي رخصة مفتوحة لكل من لا يستطيع قراءة القرآن بلغة قريش.
    ولم يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرئهم بكل اللغات واللهجات المرخص بها.
    ولا يمكنه في مدة وجيزة كالمدة المذكورة من إقراء الصحابة لجميع تلك الأحرف والأوجه والقراءات الكثيرة واللهجات المختلفة رغم مشاغله الكثيرة العظيمة المتنوعة, والدعوة والجهاد والتعليم والتوجيه واستقبال الوفود والحج والزوجات ومشاكل الناس وغير ذلك كثير.
    إن من يعلم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم, ويتصور أحواله وكيف كان يقضي وقته يعلم أن ذلك لا يمكن أن يحصل وأصلاً هو لم يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم.
    وإلا لتحولت الرخصة إلى تشديد وعسر, والتهوين إلى ضيق ومشقة.

    وبالنسبة للمسألة الثامنة لا إشكال.
    فإن هؤلاء الأئمة والعلماء والقراء والمفسرين وغيرهم يعلمون الحقيقة, وأن الذي نزل به جبريل إنما هو حرف واحد وقراءة واحدة, ورخص للناس أن يقرؤوه بلغاتهم ولهجاتهم, فهم لا يرون بأساً في المفاضلة بين القراءات والأحرف وتفضيل بعضها على بعض, وكلامهم في ذلك مشهور ومعروف فيقولون بدون أي غضاضة: إن هذه القراءة أحسن من هذه القراءة, وقراءة فلان أحب إلينا من قراءة فلان.

    وبالنسبة للمسألة التاسعة لا إشكال.
    فقول أبي الرحمن السلمي: "كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة، كانوا يقرؤون قراءة العامة، وهي القراءة التي قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه"اهـ
    موافق للحقيقة تماماً, فكانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة, وهي بالحرف الذي أنزله جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم, وأما الحروف والقراءات المرخص بها فهي رخصة لمن يحتاجها من القبائل, فهم في غنى ومنأى عنها.

    وبالنسبة للمسألة العاشرة لا إشكال.
    فلم يعرف عن أحد من الصحابة أنه كان يحفظ القراءات والأحرف السبعة أو يقرؤها أو يقرئ بها, ولم يعرف عن أحد من الصحابة أو التابعين أو السلف عموماً أو القراء العشرة أو رواتهم أنهم يحفظون عدة روايات للقرآن ويقرؤون بها, لعلمهم أن الذي أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو حرف واحد وقراءة واحدة, وأن الأحرف والقراءات الأخرى رخصة لمن يحتاجها ويضطر إليها فلا معنى لحفظ كل الأحرف والقراءات والقراءة بها.
    فلما علمت الحقيقة صافية دون كدر كانت النتيجة هكذا.

    وبالنسبة للمسألة الحادية عشرة لا إشكال.
    فإن هذه الروايات الصحيحة تدل على الحقيقة وأن الحرف المنزل واحد وهو حرف قريش وأن بقية الأحرف إنما هي رخصة مفتوحة, ولذلك جاءت الروايات بلفظ (ما لم تختم آية عذاب برحمة أو العكس) ونحو ذلك.
    فهي تدل بكل وضوح على القول الصواب وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك لهم حرية واسعة في قراءة الأحرف والقراءات.
    (قلت: غفوراً رحيماً، أو قلت: سميعاً عليماً، أو عليماً سميعاً فالله كذلك، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب).
    (كلها شاف كاف، ما لم تختم آية رحمة بعذاب، أو آية عذاب برحمة).
    (ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب، ولا ذكر عذاب برحمة)

    وبالنسبة للمسألة الثانية عشرة لا إشكال.
    فإنه لم يأت في النصوص النبوية إلا أحاديث قليلة جداً في ذكر القراءات.
    لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرئ غالباً إلا بالحرف الذي نزل به جبريل وهو حرف قريش, ولم يكن يقرئ بالحروف التي هي رخصة مفتوحة للقبائل, لأن الإقراء بها يحول الرخصة إلى شدة والتيسير إلى عسر شديد وضيق ومشقة.

    فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يقرئ بجميع تلك القراءات, ولهذا لم تأتي نصوص نبوية كثيرة فيها ذكر لبعض تلك القراءات, بل هي نصوص قليلة جداً.

    وبالنسبة للمسألة الثالثة عشرة لا إشكال.
    فإن أولئك العلماء الراسخين من القراء والمفسرين واللغويين وغيرهم يتكلمون في بعض القراءات, وينقدون ويخطئون, لأن الحقيقة عندهم واضحة, فهم لا يتكلمون في قراءات أنزلها جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم, وأقرأها النبي للصحابة رضي الله عنهم.
    بل يعلمون أن المنزل حرف واحد وبقية الأحرف والقراءات رخصة للقبائل لم ينزل بها جبريل ولم يقرأها النبي صلى الله عليه وسلم.
    ولأن الأمر عند أولئك الأئمة من القراء والمفسرين واللغويين جلي واضح أجمعوا على أن الكلام في تلك القراءات لا يضير.
    ولما اختفت الحقيقة على من جاء بعدهم عجبوا من ذلك أشد العجب وشنعوا على أئمتهم الذين نقلوا لهم علوم الشريعة.

    وبالنسبة للمسألة الرابعة عشرة لا إشكال.
    فحينما يتكلم كثير من كبار الأئمة في بعض من أنواع من الأداء, كما حصل مع الإمام حمزة رحمه الله أو غيره فهم يعلمون أن القراءة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها واحدة, وأن الأحرف واللهجات والقراءات الأخرى رخصة للناس, فلا يرون في ذلك بأساً أن يخطئوا ما يرونه خطأ من القراءات أو الأداء.

    وبالنسبة للمسألة الخامسة عشرة لا إشكال.
    فانفراد كثير من القراء بقراءة لا يشاركهم فيها أحد هو من الأدلة على تلك الحقيقة, وهي أن النبي r صلى الله عليه وسلم لم ينزل عليه أحرف وقراءات إنما هي رخصة, فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها للصحابة بكل تفاصيلها, ولذلك لا غرابة في أن يزهد القراء جميعهم في نوع من القراءة وينفرد به قارئ واحد كما مر في الأمثلة.
    فلا إشكال في ذلك ابداً.
    إنما العجيب لو كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرئ بجميع تلك الأحرف, ثم يزهد كل القراء ببعض الأنواع إلا قارئاً واحداً.

    ففهم هذه المسألة حق الفهم يريح العقل والقلب, ويوصل الدارس للراحة والأمان, وبسببه تحل كل مسألة من مسائل القراءات في محلها الصحيح.

    ولمعرفة تفاصيل القول في هذه المسألة والأدلة وأقوال أهل العلم والجواب عن الأدلة التي ظاهرها يدل على أن الأحرف والقراءات كلها منزلة.
    ينظر هذه الموضوع, وهو بعنوان (هل القراءات القرآنية كلها نزل بها جبريل)
    https://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=376787

    وموضوع آخر بعنوان (المسائل العشر الكبرى التي خالف فيها القراء المتأخرون إجماع المتقدمين من القراء)
    https://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=382393

    وموضوع ثالث بعنوان (تحرير مسائل الأحرف السبعة)
    https://vb.tafsir.net/tafsir57062/#.XZsnFlXXKYl

    وفق الله الجميع ورزقنا العلم النافع خالصاً صافياً من كل كدر والنور الهادي خالياً من كل ظلمة وقتام.
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    234

    افتراضي رد: خمس عشرة مسألة تحير كثيراً من المتأخرين من أهل العلم بالقراءات (تنحل كلها بفهم مسألة واحدة !)

    الموضوع مهم جدا
    وكان للإخوة المعتنين بالقراءات والضبط المصحفي الاعتناء به
    فمارأي أصحاب الاختصاص في ماطرحه أخوكم ؟
    جزاكم الله خيرا
    الحق عند أهل الحق المعروفون المشهودلهم بالخير والصلاح والتربية والاعتدال

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2015
    المشاركات
    48

    افتراضي رد: خمس عشرة مسألة تحير كثيراً من المتأخرين من أهل العلم بالقراءات (تنحل كلها بفهم مسألة واحدة !)

    في هذا الرابط مناقشة جادة ومفيدة لهذا الموضوع
    https://vb.tafsir.net/tafsir58096/#.Xdt1SpPXKYk

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •