دور التوحيد في تحرير العقل والنهوض بالأمة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: دور التوحيد في تحرير العقل والنهوض بالأمة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,611

    افتراضي دور التوحيد في تحرير العقل والنهوض بالأمة

    دور التوحيد في تحرير العقل والنهوض بالأمة


    تمهـيد
    إن نظرة عابرة في عقائد الأمم وأخلاقها تجعلنا ندرك حجم المأساة التي عاشها العقل ويعيشها على مدار التاريخ، إذ ما من أمة من الأمم إلا وقد ضربت لها بسهم في إذلال العقل وامتهانه، والكفر به وإغفاله، حتى بلغت بعض الأمم من عداوة العقل وتعطيله أعلى منازل السفه، وأوغلت في الجهل والترهيب من الفكر بحيث صارت نسبتها إلى العقل ضربٌ من العبث.
    بعض تلك الأمم عبد حجراً، وبعضهم عبد بشراً، وبعضهم عبد بقراً، وبعضهم عبد ناراً، وبعضهم عبدا كوكبا، وبعضهم عبد مولودا، وبعضهم عبد فقيرا ضعيفا، بل وصل بعضهم إلى ألا إله أصلا يموتون ويحيون ولا يهلكهم إلا الدهر. وأمثال هؤلاء لا تجوز نسبتهم لعقل ينفعهم ويتسبب في نجاتهم، قال الله عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ (الأعراف:179)
    لقد قامت كل تلك الأديان سالفة الذكر على الإغلاق، والمصادرة لحق العقل في التفكير ومع الأسف يدين بها ملايين البشر حتى اليوم، و يغلق دونهم باب المعرفة والفهم لما يدينون به حتى أنهم لا يستطيعون تحرير معتقداتهم فضلا عن تفهمها " فلو سألت الرجل وامرأته وابنته وأمه وأباه عن دينهم لأجابك كل منهم بغير جواب الآخر، ولو اجتمع عشرة منهم يتذاكرون الدين لتفرقوا عن أحد عشر مذهبا" (هداية الحيارى).
    ورغم ما يزعمه البعض من أننا نحيا عصر العقل والفكر والتقدم والتحرر، إلا أنهم يعيشون تحت احتلال تلك الأديان، وإن كان بعضهم بادر إلى رفض سلوك تلك الأديان المشين تجاه العقل، وجاءت صور متعددة لمناهضة هذا التعسف في رفض العقل والتحكم في التعامل مع الناس بين قوانين الحرمان وصكوك الغفران، كان من تلك الصور الثورة الغربية على الكنيسة وعلى الكهنوتية التي قضت بتقليص دور الكهنة والرهبان، ومنع احتكارهم للكتب المقدسة لديهم فأعيد طبعها وتعميمها، ثم كان من صور تلك المناهضة بروز الكتب والأبحاث التي نقضت تعاليم تلك الكتب وشككت في أصولها بعدما أثبتت تناقضها.
    ومع كل هذا التحول الفكري والتحرر العقلي ظلوا يعتبرون أنفسهم من أبناء تلك الأديان الباطلة، وقد يتعصبون لها ويقيمون الحروب من أجلها، ولم يعالج أكثرهم الأمر معالجة صحيحة بالدخول في الدين الحق، بل هربوا إلى العلمانية التي تعلم النفاق، فالمرء يتدين في دور العبادة لإله ثم يخلعه على عتباتها لينتقل إلى غيره.
    وبينما يعجب المرء من هؤلاء ، ويتساءل عن أسباب ذلك التعلق بتلك الأديان الباطلة ، يفاجأ بأنها هي هي نفس أسباب مكذبي الأنبياء الذين كانوا يركبون النوق والحمير، ويسيرون حفاة يقطعون الصحاري سيرا على الأقدام ، الذين كانوا يتحججون فيها بميراث الآباء والأجداد ، والخوف من ضياع السؤدد ، والترفع عن مخالطة الأراذل الضعفاء ، مما يعني أنهم لم يواكبوا تقدم الآلات العصرية التي صنعوها بأيديهم والتي يعد تطورها شيئا مذهلا .
    وبكل ثقة يمكننا القول إنه لم يلق العقل تقديره واحترامه ووقاره اللائق به منذ بدء الخلق قط، إلا في دعوة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وفي دعوة أتباعهم رضوان الله تعالى عليهم. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُم ْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ (الاسراء:70) "وهذا من كرمه عليهم وإحسانه الذي لا يقادر قدره، حيث كرم بني آدم بجميع وجوه الإكرام، فكرمهم بالعلم والعقل وإرسال الرسل وإنزال الكتب، وجعل منهم الأولياء والأصفياء وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة" (تفسير السعدي)
    فمن يوم خلق الله آدم عليه السلام، لم يتركه الله هكذا حتى أقامه على العلم، قال سبحانه ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا..﴾ (البقرة:31) فعلى ضوء الخلق والعلم عاش آدم عليه السلام وزوجه وذريته على منهج العبودية لله وتوحيده جل وعلا، حتى جاء الشرك بعد أن ولج الناس أبواب البدع، وعاد دور الرسل من جديد، ليبينوا للناس دينهم ويأمروهم بالتوحيد، ويثبتوا لهم أن العقل الصحيح يسفه ما وقعوا فيه من الكفر والشرك، ويثبت أن الحق في لزوم سبيل التوحيد، فحرروا العقل من معتقلات الكفر وسجون الشرك وسلاسل الإلحاد، وخلصوه من تهمة السكوت على عبادة الأوثان، ومنافقة الساجدين للفئران والبقر والصلبان.
    لقد اتخذت شريعة الإسلام أساليب متنوعة لتحرير العقل كان من أهم تلك الأساليب ما يلي:
    أولاً: تحريم كل ما يؤدي إلى الإضرار به أو تعطيله كالمسكرات والمخدرات، حيث جاء تحريم المسكرات باعتبار أنها أكبر الوسائل لامتهان العقل وتعطيله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)..﴾ المائدة
    وروى ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿ كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ﴾ رواه مسلم. وعنه أيضا قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ﴿الْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ﴾ رواه البخاري
    ثانياً: تحفيز العقل وتنشيطه بتكثير النصوص الشرعية التي حثت على التفكر والتدبر والتعقل والتذكر في أسماء الله وصفاته وأفعاله، وفي الكون والأمم السابقة واللاحقة، وكذلك في الأحكام الشرعية المبنية على التيسير ورفع الحرج مع تزكية النفس وتطهير القلب، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ (الحج:46)
    ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (العنكبوت:43) ﴿ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (الانبياء:10) ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (المؤمنون:68) ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ابراهيم:52)
    ثالثا: وكذلك تخليص الناس من عقدة الخوف من مفارقة الموروثات التي بان للناس مخالفتها للعقل الصحيح. قال سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ﴾ (البقرة:170)
    كانت هذه بعض الأساليب العامة التي استخدمها الإسلام لتحرير العقل من القيود التي وضعته فيها الملل والأديان والمذاهب المنحرفة الأخرى، وقد أدى ذلك إلى تفعيل دور العقل في الرسالة التي لم تعتمد فقط على الشحنات الروحية المبنية على العاطفة، حتى ضمت إليها قوة الحجة ووضوح البرهان وقوة الدليل وظهور الدلالة، فأقام التوحيد والإيمان مع العقل علاقة غاية في الترابط والقرب يصورها بعض أهل العلم بقوله: "الوحي مع العقل كنور الشمس أو الضوء مع العين فإذا حجب الوحي عن العقل لم ينتفع الإنسان بعقله كما أن المبصر لا ينتفع بعينيه إذا عاش في ظلمة فإذا أشرقت الشمس وانتشر ضوءها انتفع بناظريه وكذلك أصحاب العقول إذا أشرق الوحي على عقولهم وقلوبهم أبصرت واهتدت﴿ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴾ (الحج 46 ) ". (الرسل والرسالات عمر سليمان الأشقر 39)
    كان من الممكن أن يكون خطاب الله المنزل في كتابه والوارد على ألسنة رسله أوامر ملزمة، لا تلجأ مطلقا إلى التكييف والتحفيز العقلي، لكن الأدلة الشرعية والمناظرات الرسالية، كانت تسلك مسلكا آخر اختلطت فيه المخاطبة بمسلمات العقل، مع المخاطبة بأوامر الشرع عبر خطاب يمس القلب وتطمئن له النفس، ولا يغيب فيه الشعور بالرحمة والشفقة واللطف فيه.
    وهذه بعض صور هذا الخطاب الإيماني المعتمد على الحجج العقلية:
    أولا: إثبات استحالة عدم وجود الله
    قال سبحانه ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35)أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (36) ﴾ (الطور)ينبه الله عز وجل وهو يدل على نفسه سبحانه أنه لا يمكن لأي أحد أن يخلق بدون خالق، كما لا يمكن أن يخلق نفسه، أو أن يكون هو من خلق السماوات أو الأرض.
    بهذه المسلمات العقلية خاطبت رسالة التوحيد من لا يؤمن بوجود الله من الشيوعيين الملحدين حديثا وأصولهم الدهرية القديمة الذين ﴿ َقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ﴾ (الجاثـية:24)
    وهذا الخطاب التقى تماما مع النظرة العقلية البشرية، فعن أبي حنيفة أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى، فقال لهم: دعوني فإني مفكر في أمر قد أخبرت عنه، ذكروا لي أن سفينة في البحر موقرة فيها أنواع من المتاجر وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد. فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل، فقال: ويحكم، هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع!! فبهت القوم ورجعوا إلى الحق وأسلموا على يديه. (تفسير ابن كثير الآية 21 البقرة)
    ثانيا: إثبات أن الخالق والمدبر لشؤون العباد هو المستحق للعبودية وحده
    قال سبحانه: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..(10) ﴾ (إبراهيم) فكأن رسالة التوحيد التي أتى بها الرسل عليهم الصلاة والسلام، تنبه على أن استحقاق خالق السماوات والأرض للعبادة ضرورة عقلية لا تقبل الشك ، وقد قامت عليها البينات القالطعات والحجج الواضحات، ومثل ذلك قول الله جل وعلا:﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ(60).... .﴾ (النمل)
    ثالثا: إثبات استحالة وجود الشركاء
    قال نبي الله يوسف عليه السلام: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) ﴾ (يوسف) قال سبحانه: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾(المؤمنون:91) وقال جل ذكره ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴾ (الزمر:29)
    فهذا خطاب عقلي بديع قضى على فكرة الشرك بأبسط مثال وأوضح عبارة حيث أبطل نظرية الشرك مستندا إلى صور مألوفة ومشهودة من تشاكس الشركاء وعلو بعضهم على بعض.
    رابعا: إثبات أن من كان عاجزا لا سلطان له، لا يستحق أن يكون معبودا.
    لا يمكن أن يتصور العقل أبدا أن يكون الإله لا سلطان له على عباده أو لا يملك لهم الرزق، بمعنى أنهم خارجون عن سيطرته، أو لا قدرة له على إدارة شؤونهم ، فما الذي يعطيه الحق لكي يكون معبودا ؟ ، وهذا الخطاب هو الذي أعجز به الرسل كل من عبد غير الله، قال الله جل ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْك إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ (البقرة:258)
    وهذا نبي الله إبراهيم عليه السلام أيضا يقول : ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ (العنكبوت:17)
    خامسا: إثبات أن الإله لا يمكن أن يكبره أو يحيط به شيء ولا يغيب عن حاجة عباده لخروج غيره عليهم
    قال سبحانه :﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)...﴾ (الأنعام)
    فها هي الكواكب تنزوي أمام بعضها الأشد منها إضاءة وقوة ويتعاقب ظهورها بتعاقب الليل والنهار فكيف يكون بعضها أولى من بعض بالعبادة.
    سادساً: إثبات أنه إن كان من تمسك بالموروثات فعلينا بالآباء الأولين حيث كان والدنا آدم عليه السلام وزوجه وأبناءه ولم يكن ساعتها أصنام ولا أوثان ولا صلبان ولا بوذا ولا المسيح ولا عزير ولا غيرها مما عبد بعد ذلك بالباطل، فإن لم يكن هؤلاء موجودون ساعتها فكيف يكونون آلهة بعدها، فهذا موسى عليه السلام يقيم الحجة
    على فرعون وملئه ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾( الشعراء:26)﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾( الدخان:8)
    وهذا ما يتوافق مع أصل الفطرة. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ثُمَّ يَقُولُ {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} ..﴾ (البخاري 4402). وفي رواية ﴿مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ حَتَّى يُبَيِّنَ عَنْهُ لِسَانُهُ﴾ (مسلم 4805). قال النووي رحمه الله في شرح الحديث من صحيح مسلم: "وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْبَهِيمَة تَلِد الْبَهِيمَة كَامِلَة الْأَعْضَاء لَا نَقْص فِيهَا، وَإِنَّمَا يَحْدُث فِيهَا الْجَدْع وَالنَّقْص بَعْد وِلَادَتهَا"
    وبنظرة عقلية نجد اتفاق ذلك أيضا مع ما يقوم به أتباع الديانات الفاسدة من تعميد المولود أو تغطيسه ودق الصلبان وغيرها على جسده، وذلك لأنه يولد على الفطرة التي كان عليها آدم عليه السلام ، فلا يولد مولود وعلى يده صليب ولا وشم ولا غير ذلك.
    سابعا: نكارة القول بأن لله ولدا وإنكار ألوهية عيسى عليه السلام وأمه
    كيف يكون إلها من يأكل الطعام ولا يملك لنفسه شيئا من الله إن أراد أن يهلكه ، هذه النظرية العقلية اليسيرة نجدها معتبرة بحذافيرها في قول الله جل ذكره : ﴿... فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً..﴾
    (المائدة:17)، ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ..﴾ (المائدة:75) ، ﴿ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ ..﴾ (يونس:68) فالإله يكون مستغنيا عن الطعام والشراب وعن الصاحبة والأولاد.
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,611

    افتراضي رد: دور التوحيد في تحرير العقل والنهوض بالأمة

    دور التوحيد في تحرير العقل والنهوض بالأمة


    ثامنا: استنكار القول بوجود الوسطاء بين الله وبين عباده
    القول بوجود الوسطاء بين الله وبين عباده كما كان يقول أهل الجاهلية ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى..﴾(الزمر : من الآية3) هو قول لا يشهد له عقل صحيح لأن هؤلاء الوسطاء عباد لله يتسابقون ويتضرعون للوصول إلى مغفرة الله حتى لو كانوا صالحين أو أنبياء، وهذا مُشاهَدٌ من سيرة الأنبياء ، وقد بين الله عز وجل ذلك في قوله سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ..﴾ (الاسراء:57) وإذا كان لابد من وسيط فسيحتاج هؤلاء أيضا لوسطاء لأنهم في الحقيقية لا يملكون لأنفسهم شيئا.
    التوحيد والنهوض بالأمة
    لقد رأينا من خلال هذه النظرة المقتضبة كيف كان دور التوحيد محوريا في تحرير العقل، وكيف افترقت بنا رسالة التوحيد عن سلوكيات الأديان المشركة افتراقا محمودا يميزنا عنهم، ويصرف عنا معرة مشابهتهم في مناهجهم، حيث لا عقل ولا تدبر ولا حكمة نافعة، فالحمد لله تعالى على نعمة الإيمان والتوحيد.
    ولكن تعاليم التوحيد لم تتوقف قط عند تصحيح الاعتقاد، وإقامة الأدلة العقلية والنظرية عليه، بل تعدت ذلك لتشمل العناية بالفرد والأمة في المنظومة الروحية والأخلاقية والمادية، خلافا لظن بعض الأمم المتحللة والأديان الباطلة أن العقيدة والإيمان مجرد علاقة ين العبد وربه.
    لقد أوجب الله على المؤمنين الالتزام بأوامره سبحانه، سواء كانت هذه الأوامر في أبواب الاعتقاد أو في أبواب الأخلاق أو في أبواب العبادات أو المعاملات والعقود ، بحيث يعتبر أي نقص في الإتيان بالواجبات في أي من تلك الأبواب نقصا في التوحيد ، وضعفا في الإيمان، بل قد يؤدي بعضها إلى إزالته تماما ، قال سبحانه : ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ (الأنفال:1) ، وقال الله تعالى : ﴿ وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِين َ ﴾ (النور:47) .
    وهذا عرض سريع لتدابير العقيدة الإيمانية لبناء الأمة والنهوض بها :
    أولا : التوحيد والقلوب
    فللتوحيد أثره العظيم في رعاية القلوب وتطهيرها ، إذ يقتضي التوحيد محبة الله سبحانه ، ويستلزم الخوف منه ، وأن نتوجه إليه بالتوكل والرجاء والرغبة والرهبة والإنابة وغيرها من عبادات القلوب.
    قال الله جل وعلا : ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾ (البقرة:165) ، وقال سبحانه : ﴿ ...وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة:23) ، وقال سبحانه : ﴿ ... فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ (آل عمران:175) ، وقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ (متفق عليه)
    فبنيت قلوب الأمة على الاعتماد على الله ، وعلى رفض الخضوع والتذلل لغيره ، وهو ما يجعلها أمة قوية لها كرامة وشخصية منفصلة عن الآخرين وغير قابلة للذوبان فيهم ، وهذا أثر تلك النهضة القلبية ، قال سبحانه: ﴿ إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ (التوبة:40)
    ، وقال جل ذكره : ﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ(62) ﴾ ( الشعراء ) ، وقال جل ذكره : ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ (آل عمران:173)
    ثانيا : التوحيد والعبادات القولية والفعلية
    وكما اعتنى الإيمان بالقلب ، اعتنى كذلك بالجوارح لتكمل طريقها في نهضة الأمة قال سبحانه : ﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾(التوبة:11) قال النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ﴾ رواه (مسلم 116 ) ، وقال صلى الله عليه وسلم ﴿ قَالَ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ﴾ ( متفق عليه )
    فإن أمة لا تقول إلا خيرا ، ولا تنطلق جوارحها إلا إلى خير وعمل صالح ، لا شك أنها أمة بعيدة عن أسباب السقوط ، والذي لا يؤدي إليه عمل السوء .
    ثالثا : التوحيد والأخلاق إن عقيدة التوحيد تحث على حسن الخلق ، فهو من أهم عناصر نهضتها ، فقال سبحانه : ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ (القلم:4) ، وقال جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ (التوبة:119) ، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ ﴾ (مسلم) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ﴿ إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ صِدِّيقًا ... ﴾ (متفق عليه) ، وقال صلى الله عليه وسلم:﴿ الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ ﴾ (متفق عليه )
    وبضياع الأخلاق تضيع الأمم كما قال الشاعر:
    إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإذا همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
    لذلك حذر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من سوء الخلق ، كالبخل والكذب والحسد والسباب واللعن والغيبة والنميمة وغيرها من عوامل سقوط الأمم .
    رابعا: التوحيد والنهي عن المعاصي والذنوب وسوء الأخلاق
    إن المعاصي هي أكبر ما يهدد بنيان أي أمة من الأمم ، فبالسرقة والرشوة والغش والفواحش وشرب الخمور والربا والغيبة والنميمة وغيرها ، تسقط الأمة كلها فهي بين قطع الطريق ، وهتك الأعراض ، وقد صور النبي صلى الله عليه وسلم ما يحدث للأمة مع وجود المعاصي بتصوير بليغ فقد قال صلى الله عليه وسلم : ﴿مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ
    الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا ﴾ (البخاري ) وعندما سئل النبي صلى الله عليه وسلم : أنهلك وفينا الصالحون قال عليه الصلاة والسلام : ﴿نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ ﴾ (متفق عليه)
    وبعد هذه المقدمة نصل إلى عظمة حكمة الله تعالى الذي جعل المعاصي منقصة للإيمان ، قال الله جل وعلا : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ (البقرة:278) ، وقال جل ذكره : ﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾(ال أعراف:85) ، وقال صلى الله عليه وسلم ﴿ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ (متفق عليه) .
    فحرم الإسلام هذه المعاصي المدمرة ، وأوجب التطهير منها بإنذارهم من عواقبها في الدنيا والآخرة ، وأمر بإقامة الحدود الشرعية لهذه لمعاقبة هؤلاء الذين يغرقون سفينة الأمة ، وليحصل لهم التطهر من الذنوب ، ويتحقق للمجتمع البراءة من الخبائث والردع لأهلها .
    خامسا : التوحيد والعلاقة مع المؤمنين
    لقد ربط الإيمان بين أبناء الأمة برباط التوحيد ، حتى وجدنا في صف واحد بلالا الحبشي وصهيبا الرومي وسلمان الفارسي ، قال الله جل وعلا :﴿ وَالْمُؤْمِنُون َ وَالْمُؤْمِنَات ُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ .. ﴾ (التوبة:71) ، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ﴾ (متفق عليه) ، وقال صلى الله عليه وسلم : ﴿ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ قِيلَ وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ ﴾ (البخاري)
    كان من المستحيل أن يجتمع كل هؤلاء على اختلافهم وعلى كثرة الحروب بينهم ، ولكن جمعهم الله وألف بين قلوبهم بالإيمان ، قال سبحانه : ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم ﴾(الأنفال:63) عن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ قال : ﴿ لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ فَقَالَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ إِنِّي أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ مَالًا فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي وَانْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَيَّ هَوِيتَ نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا ﴾ويأتي الجواب ﴿قَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ ﴾( البخاري 1907-1908 )
    سادسا : التوحيد والنهي عن الفرقة والتنازع
    ولما كان الترابط والوحدة واجتماع الكلمة بين المؤمنين من أهم ما يساعد على نهضة المجتمع والحفاظ على قوته ، اعتنت العقيدة بهذا الاجتماع ونهت عن الفرقة ، قال الله تعالى :﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ... ﴾ (آل عمران:103)
    وقال جل ذكره : ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا ﴾(الأنفال: من الآية46)﴿..وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ(3 1) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) ﴾ ( الروم ) وقال جل ذكره : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ .. ﴾ (الأنعام:159) ، وقال صلى الله عليه وسلم : ﴿الْمُسْلِمُون � كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنْ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ وَإِنْ اشْتَكَى
    رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ ﴾ (مسلم)
    سابعا :التوحيد والعلاقة مع غير المؤمنين
    التعامل مع غير المؤمنين لابد أن يدور في إطار الحذر ، لأن ولاءهم دائما ليس للمسلمين بل لغيرهم ، لذلك فإن من أصول العقيدة عدم موالاتهم ، قال سبحانه : ﴿ لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ .. ﴾ (المجادلة:22) ، ويقول الله جل وعلا : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾(المائدة: من الآية51) .
    من أجل ذلك حرم الإسلام التشبه بهم حتى في ظاهرهم لأن التشابه في الظاهر قد يؤدي إلى تشبه في الباطن ، قال عليه الصلاة والسلام ﴿خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ ﴾ (متفق عليه ) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ﴿ من تشبه بقوم فهو منهم ﴾ (أحمد وأبو داود)
    ثامنا : التوحيد والحكم
    من أعظم لوازم قيام الأمة ونهوضها أن ترفع رايتها على الأرض التي يسكن فيها أبناؤها ،وبذلك يقوم أبناء الأمة بممارسة عقيدتهم وعبادتهم دون منعهم من أداء الواجبات التي كلفهم الله بها ﴿ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾ (النساء:65) ، وقال جل وعلا :﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ (المائدة: من الآية44)
    إن الظن بأن الله تعالى يرضى بأن يكون التوحيد والعقيدة والإيمان علاقة بين العبد وبينه سبحانه، وأنه يجيز ألا يقوم عليها مجتمع يحفظ حقوق الله في الأرض حتى تكون كلمة الله هي العليا، لهو من ظن السوء بالله سبحانه وبدينه وبشريعة التوحيد.
    والشيئ بالشيئ يُذَكِّر فإن هذه العلمانية ومحاولة تحييد العقيدة في المجتمع ليست جديدة في تاريخ الخصومة مع أتباع الملل البائدة، فقد طالب بها الكافرون أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، فقالوا لنبي الله شعيب عليه السلام ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ (هود:87) ، وقالوا للوط عليه السلام ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (الحجر:70). وغيرها من الخطابات العلمانية التي رفضها
    الأنبياء ، وأصحاب رسالة الحق التي لا تقبل التفاوض على المبادئ ، ولا تتلون عند الحديث عن الأصول، وتأبى مهادنة الشرك، ومنافقة الفساد في الأخلاق، فكما يؤسسون مجتمعا مؤمنا موحدا ، كذلك لا يرضون أن يكون المجتمع المؤمن فاسدا ، فوجدناهم ينهون عن التطفيف في الكيل والميزان وينهون عن الفواحش وعن الظلم والجبروت ، خلافا لما كان يفعله المشركون في مكة من عبادة أكثر من ثلاثمائة وستين صنما، هذا يعبد واحد والآخر يعبد عشرة ثم يلتقون في دار الندوة ويتسامرون شاربين للخمر وآكلين للميتة.
    وصدق نبينا عليه الصلاة والسلام عندما قال : ﴿وَالْأَنْبِيَ �ءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ ﴾ (متفق عليه) وبهذه النظرة السريعة رأينا كيف نهض التوحيد بالأمة ، بعقلها وبنائها وقلبها وجوارحها وعبادتها وأخلاقها حتى تحقق فيها قول الله تعالى : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ..﴾ (البقرة:143)
    فالحمد لله على نعمة الإسلام والتوحيد .
    منقول

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •