الرد المفيد على الشبهات فى ركن من أركان التوحيد
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: الرد المفيد على الشبهات فى ركن من أركان التوحيد

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,631

    افتراضي الرد المفيد على الشبهات فى ركن من أركان التوحيد

    هذه ردود موجزه على من زعم أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يكون كفراً إلا بالإستحلال ، ولا فرق بين صورة وصورة،لا فرق بين المشرع وغيره ولا فرق بين الحكم العام وتحكيم القوانين وبين القضية المعينة ؟------
    قبل الشروع في الرد لا بد أن أبين أموراً :
    الاول - بيان منهج السلف فى مسائل التكفير وأن المكفر لاحد من هذه الامة اذا كان يستند في تكفيره له إلى نص وبرهان من كتاب الله وسنة نبيه، وأقوال العلماء وفهمهم-وقد رأى كفراً بواحاً كالشرك بالله وعبادة ما سواه، أو كراهة ما أنزل الله من الهدى ودين الحق، أو جحود الحق، فالمكفر بهذا وأمثاله مصيب مأجور، مطيع لله ورسوله"
    -- قال الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ -رحمه الله- في كتاب (الإتحاف في الرد على الصحاف) (30): "وأما إن كان المكفر لأحد من هذه الأمة يستند في تكفيره له إلى نص وبرهان من كتاب الله وسنة نبيه، وقد رأى كفراً بواحاً كالشرك بالله وعبادة ما سواه، والإستهزاء به تعالى أو بآياته أو رسله أو تكذيبهم أو كراهة ما أنزل الله من الهدى ودين الحق، أو جحود الحق أو جحد صفات الله تعالى ونعوت جلاله ونحو ذلك، فالمكفر بهذا وأمثاله مصيب مأجور، مطيع لله ورسوله" ا.هـ.
    * الأمر الثاني: على التسليم جدلاً بأن المحكمين للقوانين الوضعية لا يكفرون إلا بالاستحلال، فهل فعلاً هؤلاء المحكمين لا يستحلونها أو لا يرون أنها أفضل من حكم الله؟.. هذا ما لا يسلم للمجادل بحال، كيف وهذه تصريحاتهم تملأ وسائل الإعلام ثناء على هذه القوانين الكافرة الظالمة وتنزيهاً لها، وكونها كفيلة بنشر العدل والأمن بين الناس، بل يصرحون بل يصرخون أنهم يؤمنون بهذه الديمقراطية إيماناً لا يتزعزع، بل يؤمنون بها شرعة ومنهاجاً، فهذا ظاهر أحوالهم وأقوالهم فهل نتكلف ونشق عن بطونهم أم نأخذهم على هذا الظاهر، وهذا ما أمرنا به؟

    قال فضيلة الشيخ عبدالله بن جبرين -حفظه الله-: "هؤلاء الذين يقولون لا بد من الاعتقاد نرى أنهم أخطأوا، وذلك لأنا إذا رأينا إنساناً يعمل عملا وهو لم يكره عليه، ولم يهدد بالقتل بل يعمله وهو مسرور به راض به منشرح الصدر له فإننا نحكم بأنه استحله، وأنه رآه أصلح وأحسن من غيره، فنحكم عليه بما يظهر لنا من فعله.
    وأما إذا قال لنا جهرة أو خفية إنني غير مستحل له إنني أعمل به وأعتقد أنه لا يجوز ومع ذلك يطبقه ويميل إليه ويفضله على غيره ويعمل به علنا وجهرا فلا نصدقه في قوله إنه غير موقن به، بل نقول قد حكمت به واطمأننت إليه وعملت به عملا ظاهرا، فلا يقبل كلامك في أنك غير مستحل له، نحكم عليك بالظاهر أنك مستحل له ظاهراً، وأما القلوب فليس لنا أن نفتشها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: [إني لن أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق عن بطونهم].
    أي فنحن نحكم عليه بما ظهر منه، فمن أظهر لنا خيراً أحببناه على ذلك الخير، ومن أظهر لنا شراً عاملناه بموجب ذلك الشر.
    الحاصل أن الذين يعملون به نحكم عليهم بأنهم مستحلون له لأنهم منشرحو الصدور له مطمئنون إليه، فهم من أهله نحكم عليهم بما يعملونه ظاهرا وباطنا فلا عبرة بكلامهم في أنهم ليسوا بمستحلين له، فالاستحلال هو العمل به ظاهرا وقد حصل منهم" (من شريط "أقوال العلماء في من بدل الشرع").
    ------------- إن القول بأن هؤلاء المستبدلين للقوانين الوضعية بكتاب الله لا يستحلونها ولا يرون أنها أفضل من حكم الله مكابرة عجيبة ومجادلة بالباطل إذ كيف يعتقدون بأن شريعة الله تجمع خيري الدنيا والآخرة، وأن في تحكيمها العدل والأمن والنصر والنجاة، وفي تركها الدمار والهلاك، ثم يتركونها إلى غيرها من قوانين البشر؟. ---------



    إن الحكم بغير ما أنزل الله له صور كثيرة، فمنها ما يكون شركاً ومنها ما يكون معصية، وضابط ذلك أنه إن كان فيه شرك كالتشريع من دون الله، وتحريم الحلال أو تحليل الحرام، فإنه يكون كفراً أكبر مخرجاً عن ملة الإسلام، وأما إن كان الحكم بغير ما أنزل الله مجرد معصية كالحكم فى قضية معينة بغير ما انزل الله او يحمله هواه او شهوته على الجور او الظلم او عدم تطبيق حكم من أحكام الله، أو التقصير في إنفاذ حد من حدود الله على مستحقه، أو التعدي والجور بعقاب من لا يستحق العقاب فإنه كفر دون كفر لا يكفر فاعله إلا أن يستحله وذلك كالمستحل لسائر المعاصي.

    فحمل قول ابن عباس -رضي الله عنهما- وغيره وتعميمه على جميع هذه الصور بما فيها الصور الشركية باطل من وجوه:
    * أولاً: إن معرفة دين الإسلام، ومعرفة التوحيد الذي جاءت به الرسل يأبى ذلك، فالتوحيد هو إفراد الله سبحانه وتعالى بما اختص به، والله سبحانه وتعالى قد اختص بأشياء منها العبادة ومنها الخلق والرزق والتدبير، ومنها الحكم والتشريع أيضاً، ولا يخالف [المعترض] في كون التشريع حقاً خالصاً لله تعالى، فإن تقرر ذلك أعني كون إفراد الله سبحانه بالتشريع من التوحيد، فإن ترك العمل به يكون كفراً، كما قرر ذلك شيخ الإسلام المجدد الإمام محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله- حيث قال في أواخر كشف الشبهات: "لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلماً، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما" ا.هـ.

    وترك العمل بالتوحيد هو العمل بضده وهو الشرك الأكبر الذي هو مساواة العبد غير الله بالله فيما اختص به الله، فمن صرف شيئاً اختص الله به لغيره فقد أشرك شركاً أكبر، كالذي يعبد غير الله، أو يدعي علم الغيب من دون الله، أو يشرع من دون الله، وهذه قاعدة مضطردة لا استثناء فيها، بل قد ذكر الشيخ الشنقيطي -رحمه الله- أن الإشراك في العبادة والإشراك في الحكم لهما نفس الحكم، ولا فرق بينهما حيث قال في أضوائه: "فالإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته" (أضواء البيان (7/162)).
    وقال أيضا: "الإشراك بالله في حكمه والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد لا فرق بينهما البتة، فالذي يتبع نظاما غير نظام الله، أو غير ما شرعه الله، وقانونا مخالفا لشرع الله من وضع البشر معرضا عن نور السماء الذي أنزل الله على لسان رسوله.. من كان يفعل هذا ومن كان يعبد الصنم ويسجد للوثن لا فرق بينهما البتة بوجه من الوجوه فهما واحد وكلاهما مشرك بالله، هذا اشرك به في عبادته وهذا أشرك به في حكمه كلهما سواء" (أشرطة الشيخ في تفسير براءة عند قوله تعالى {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً..}).
    فكلام الإمام الشنقيطي -رحمه الله- واضح جداً في الحكم بالشرك على المتبع لنظام وتشريع غير تشريع الله، لا كما يزعم [المعترض] أن إطلاق الحكم بالشرك على من نازع الله في تشريعه لا يستقيم على أصول أهل السنة، بل إن قوله هو الذي لا يستقيم على أصول أهل السنة، إذ كيف يكون التشريع حقاً خالصاً لله ثم لا يكون مشركاً من صرفه لغيره؟!

    إذن فمعرفة أصل الإسلام وهو التوحيد، ومعرفة ما يضاده وهو الشرك يأبى هذا التعميم من[المعترض] وأمثاله لقول ابن عباس -رضي الله عنهما-، فيجب حمل قوله على ما لا يخالف هذا الأصل الأصيل والركن الركين، وذلك بحمله على الانحرافات الجزئية لا التشريعات العامة.

    * ثانياً: أن العلماء قد أجمعوا على كفر من بدل الشرع وحكم بشريعة غير شريعة الإسلام، قال العلامة ابن كثير -رحمه الله-: "فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبدالله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟! من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين" (البداية والنهاية 13/128).
    فابن كثير -رحمه الله- يذكر أن من حكم بشريعة منسوخة كفر بالإجماع، فمن باب أولى من حكم بشريعة ليس لها أصل وغير مستمدة من السماء كما هو الحال في الياسق، وكذلك القوانين الوضعية.
    ولا يسعف المعترض ما نسجه من شبهات لتكذيب هذا الإجماع، حيث زعم أنه خاص بالتتار، فكلام ابن كثير بين أيدينا وهو أوضح من شمس النهار، فهو يقول: "فمن ترك"، "ومن" من صيغ العموم كما هو معلوم، وإنما ضرب ابن كثير رحمه الله مثلاً بالتتار بعد ذكر الحكم العام، فكيف وبأي لغة يزعم العنبري أن كلامه خاص بالتتار؟!.

    فإن أبى المعترض إلا هذا الفهم السقيم فهل كفر الحاكم بالشرائع المنسوخة خاص بالتتار أيضاً؟ ولماذا لم ينص ابن كثير -رحمه الله- على هذا التخصيص ويطلق العمومات على غير وجهها؟

    ثم إن تلبس التتار بنواقض أخرى غير هذا الناقض لا يصلح تقيداً لهذا الناقض، وأنه لا يكفر المستبدل للشريعة إلا إن تلبس بمثل ما تلبس به التتار من نواقض، فلا ندري ما وجه الربط وهذا التقييد!، فقد يتلبس الشخص بأكثر من ناقض، ويجتمع فيه أكثر من مكفر، ولو أردنا أن نجمع ما في أصحاب هذه القوانين من نواقض لقلنا:
    إنهم يجعلون دين الإسلام كدين اليهود والنصارى، لقولهم إنه لا تمييز بين المواطنين بسبب الجنس أو اللون أو اللغة أو الدين.
    وإنهم يسوغون الكفر، لقولهم إن حرية الاعتقاد مطلقة، وأن الدولة تقوم بحماية شعائر الأديان.
    وإنهم يحلون الربا، ويحلون الزنا، ويحرمون الجهاد.
    وإنهم يثنون على هذه القوانين ويمدحونها ليل نهار، ويصفونها بأنها عادلة نزيهة، والله جل وعلا يقول إنها ظالمة.
    وكل هذه بمفردها ناقض من نواقض الإسلام، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، فكون التتار أكفر منهم ليس دليلاً على عدم كفرهم!.
    وممن نقل الإجماع أيضاً الإمام إسحق بن راهويه، كما نقله عنه ابن عبدالبر في التمهيد (4/226) حيث قال: "وقد أجمع العلماء أن من سب الله عز وجل أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم، أو دفع شيئاً أنزله الله، أو قتل نبياً من أنبياء الله، وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله أنه كافر".


    وممن نقل الإجماع أيضاً الشيخ عمر الأشقر -حفظه الله- حيث قال: "ومن خلال هذا التفصيل يتبين لنا أن صنفين من الناس وقعا في الكفر الذي لا شك فيه:
    - الأول: الذين شرعوا غير ما أنزل الله، وهؤلاء هم الذين وضعوا القوانين المخالفة لشرع الله حيث يلزمون بها العباد، والإجماع على كفرهم لا شك" (الشريعة الإلهية(179)).
    وممن نقل الإجماع أيضاً الشيخ محمود شاكر -رحمه الله- حيث يقول في تعليقه على الطبري (تفسير الطبري 10/348): "فلم يكن سؤالهم -يعني سؤال الإباضية لأبي مجلز عن تفسير الآية- عما احتج به مبتدعة زماننا من القضاء في الأموال والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام، ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام بالاحتكام إلى حكم غير حكم الله في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فهذا الفعل إعراض عن حكم الله، ورغبة عن دينه، وإيثار أحكام الكفر على حكم الله سبحانه وتعالى، وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم، في تكفير القائل به والداعي إليه" ا.هـ.

    فهذا كلامه صريح رحمه الله في حكم هذه القوانين، وأما إن كان من يستدل بأثر أبي مجلز يريد بذلك نصرة السلطان، أو تسويغ الحكم بهذه القوانين فحكمهم كما ذكر الشيخ محمود شاكر -رحمه الله-.

    وبعد هذا التحقيق للإجماع نقول: إن الإجماع يخصص كتاب الله، ويخصص سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فمن باب أولى أن يخصص به قول الصحابي (قال الشيخ سليمان بن ناصر بن العلوان -حفظه الله-: هذا إذا صح الإسناد إليه مع أننا نرى ضعفه كما سبق بيانه)، وإنما ينزل قول الصحابي، أو غيره من العلماء على ما لا يخالف الإجماع الذي نقله الأئمة، وذلك بحمله على الصور التي تقدم ذكرها، وأما من خالف من العلماء المعاصرين فالإجماع الذي سبقهم حجة عليهم، والحق أحق أن يتبع.
    * ثالثاً: إننا نستخلص من كلام السلف في قولهم كفر دون كفر أنهم يريدون به الانحرافات الجزئية في التطبيق، وهذا واضح في أثر أبي مجلز -رحمه الله- عندما ناقش النفر الإباضية فقالوا له: أرأيت قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} {فأولئك هو الظالمون} {فأولئك هم الفاسقون} أحق هو؟ قال: نعم، فقالوا: فيحكم هؤلاء بما أنزل الله؟ فقال: هو دينهم الذي يدينون به، وبه يقولون، وإليه يدعون، فإن هم تركوا شيئاً منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنباً.
    والشاهد من قوله: "هو دينهم الذي يدينون به"، ومعلوم أن القانون والحكم دين كما قال جل وعلا في سورة يوسف: { كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} (يوسف:76)، والمقصود بدين الملك حكمه وقانونه. قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي لم يكن له أخذه في حكم ملك مصر" ( تفسير ابن كثير 2/467)، وقال القاسمي في تفسيره: "ويستدل به على جواز تسمية قوانين ملل الكفر ديناً" (محاسن التأويل 4/386).
    فعلم أن قول أبي مجلز -رحمه الله-: "هو دينهم الذي يدينون به" أي حكمهم الذي يحكمون به، لأن الضمير في قوله "هو" يعود على الحكم بما أنزل الله. وعلمنا أن المقصود بقوله الانحرافات الجزئية لا التشريعات العامة.
    وأيضاً قوله: "فإن هم تركوا شيئاً منه" يعلم منه أنه لا يمكن أن ينزل على من لا يطبق من الشريعة إلا ما جرى به العرف والعادة كأحكام الطلاق والنكاح وغيرها.
    ويستأنس لهذا أن السلف لم يكن معروفاً في عصرهم هذا الاستبدال الشبه كامل لشريعة الله سبحانه، وإنما وجد في عصرهم الانحرافات والتجاوزات في تطبيق الأحكام.
    فيجب أن يعلم في حق من تقال هذه الكلمة "كفر دون كفر"، وأن السلف أرادوا بها الرد على الخوارج الذي كفروا الأئمة بمجرد الظلم والجور مع التزامهم بالشريعة، واعترافهم بالذنب.
    ومن خلال هذه الأوجه التي ذكرت يتبين لنا أن قول السلف "كفر دون كفر" حق، ولكن يجب أن ينزل على ما لا يخالف أصل الدين أو يخالف الإجماع، أو يخالف مراد السلف من هذه العبارة.
    قال الشيخ بن جبرين -حفظه الله-: "وروي عن ابن عباس أنه قال: "كفر دون كفر" "وظلم دون ظلم" "وفسق دون فسق" ولعل ابن عباس رأى هذا فيمن حكم مرة واحدة في جميع أحكامه، أو في رجل مسلم يحكم بالشريعة لكن زينت له نفسه أن يحكم بغير الشرع لكن غير منتقص للشرع" (فوائد من شرح كتاب التوحيد (105)).


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,631

    افتراضي رد: الرد المفيد على الشبهات فى ركن من أركان التوحيد

    لقد فهم [المعترض] من كلام شيخ الإسلام بن تيمية انه لا يكفر إلا من استحل الحكم بغير شريعة الله، أو لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، واستدل بقوله رحمه الله في منهاج السنة (5/130): "ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر" إلى أن قال: "فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار وإلا كانوا جهالاً".

    واستدل بقوله كما في الفتاوى (3/267): "والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء، وفي مثل هذا نزل قوله على أحد القولين: {ومن يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله" ا.هـ.
    فشيخ الإسلام -رحمه الله- في هذين الموضعين نص على أن من استحل الحكم بغير ما أنزل الله، أو لم يعتقد وجوبه، أو حلل الحرام، أو حرم الحلال، أو بدل الشرع مستحلاً كفر، وهذا أمر متفق عليه، ولكن ليس في كلامه أن من فعل هذا من غير استحلال أنه لا يكفر، فهؤلاء فهموا من كلام شيخ الإسلام أنه لا فرق عنده بين القضايا المعينة والتشريعات العامة، وأن حكمها عنده واحد، وهو أن فاعلها لا يكفر إلا بالاستحلال، وهذا الفهم خاطئ ومردود لأنه معارض لنصوص صريحة لشيخ الإسلام، فقد قال رحمه الله: "فإن الحاكم إذا كان ديناً لكنه حكم بغير علم كان من أهل النار، وإن كان عالماً لكنه حكم بخلاف الحق الذي يعلمه كان من أهل النار، وإذا حكم بلا عدل ولا علم كان أولى أن يكون من أهل النار.
    وهذا إذا حكم في قضية معينة لشخص، وأما إذا حكم حكماً عاماً في دين المسلمين، فجعل الحق باطلاً، والباطل حقاً، والسنة بدعة، والبدعة سنة، والمعروف منكراً، والمنكر معروفاً، ونهى عما أمر الله به ورسوله، وأمر بما نهى الله عنه ورسوله فهذا لون آخر يحكم فيه رب العالمين وإله المرسلين مالك يوم الدين" (35/388) ا.هـ.
    فهذا كلام شيخ الإسلام صريح في التفريق بين القضية المعينة والتشريع العام، فمن فهم غير هذا فهو مخطئ وكلامه مردود، فيجب تقديم هذا المنطوق على ما قد يفهم من كلامه في المواضع الأخرى.
    وفرق شيخ الإسلام أيضاً في موضع آخر حيث يقول في المنهاج (5/131): "فمن لم يلتزم بحكم الله ورسوله فيما شجر بينهم فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن، وأما من كان ملتزماً لحكم الله باطناً لكنه عصى واتبع هواه فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة".
    فانظر كيف جعل الذي بمنزلة غيره من العصاة هو الذي يلتزم حكم الله باطناً وظاهراً فهل محكموا القوانين الوضعية ملتزمون بحكم الله ظاهراً حتى يقال إنهم كالعصاة وإن عملهم معصية لا يكفرون إلا باستحلالها؟!.
    بل إليك هذا النص الصريح من شيخ الإسلام في حكم المشرعين حيث يقول في رسالته التسعينية: "والإيجاب والتحريم ليس إلا لله ولرسوله، فمن عاقب على فعل أو ترك بغير أمر الله ورسوله وشرع ذلك ديناً فقد جعل لله نداً ولرسوله نظيراً بمنزلة المشركين الذين جعلوا لله نداً، أو بمنزلة المرتدين الذين آمنوا بمسيلمة الكذاب وهو ممن قيل فيه: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله}" أ.هـ (أنظر الفتاوى الكبرى 6/339).
    فانظر كيف جعلهم بمنزلة المرتدين والمشركين، ولم يفصل ويفرق بين ما استحل ولم يستحل وبهذا نعلم ويتبين لنا قول شيخ الإسلام في هذه القضية.
    ولم يتطرق [المعترض ] بطبيعة الحال لكلام شيخ الإسلام في الفتاوى في تفريقه بين القضية المعينة والتشريع العام لأنه غير قابل للتأويل

    ومما يستدل به [المعترض ] من كلام شيخ الإسلام ما جاء في الفتاوى (28/343) حيث قال رحمه الله: "واما المعاصي التي ليس فيها حد مقدر ولا كفارة كالذي يقبل الصبي والمرأة الأجنبية، أو يباشر بلا جماع، أو يأكل ما لا يحل كالدم والميتة.. أو يشهد الزور، أو يلقن شهادة الزور، أو يرتشي في حكمه، أو يحكم بغير ما أنزل الله أو يعتدي على رعيته، أو يتعزى بعزاء الجاهلية، أو يلبي داعي الجاهلية، إلى غير ذلك من المحرمات".

    هكذا نقله[المعترض] مبتورا - فقطع المبتدأ عن خبره، ولو أكمل لتبين من المقصود بالذي يحكم بغير ما أنزل الله وأن المقصود به القاضي حيث قال شيخ الإسلام بعد ذلك: "فهؤلاء يعاقبون تعزيراً وتنكيلاً وتأديباً، بقدر ما يراه الوالي على حسب كثرة الذنب في الناس وقلته" فمن يا ترى الذي يعاقب ويعزر ويؤدب بقدر ما يراه الوالي؟!. ومن المعلوم أيضا أن القاضي لا يملك تغيير الأحكام وتبديلها وإنما عمله هو التطبيق فقط.

    ومن هذا المثال تعلم أن شيخ الإسلام ابن تيمية أو غيره من العلماء قد يطلق القول بأن الحكم بغير ما أنزل الله معصية ولكنه يريد به الخلل في التطبيق لا تغيير الشرع وتبديله.




  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,631

    افتراضي رد: الرد المفيد على الشبهات فى ركن من أركان التوحيد

    بعض أقوال العلماء في التفريق بين القضايا المعينة والتشريع العام


    * أولاً: شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وقد تقدم قوله.
    * ثانياً: العلامة ابن القيم -رحمه الله- ففي كلامه ما يشير إلى هذا التفريق حيث قال في مدارج السالكين (1/337): "والصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة وعدل عنه عصياناً مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا كبر أصغر، وإن اعتقد أنه غير واجب وأنه مخير فيه مع تيقنه بأنه حكم الله فهذا كفر أكبر، وإن جهله وأخطأه فهذا مخطئ له حكم المخطئين" ا.هـ.
    فتأمل قوله "في هذه الواقعة" فإنه يشير إلى أنه المقصود بهذا الحكم الانحراف في التطبيق لا التشريع العام الذي يندرج فيه جميع القضايا والوقائع، فالمشرع لا يشرع لواقعة واحدة أو اثنتين وإنما يشرع تشريعاً عاماً ملزماً في جميع القضايا.
    وأما قول ابن القيم -رحمه الله- في كتاب الصلاة: "وأما الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة فهو من الكفر العملي قطعاً" وقوله في نفس الكتاب: "ومنه ما لا يضاد الإيمان كالحكم بغير ما أنزل الله.." ونحو ذلك، فقد بين ابن القيم -رحمه الله- في نفس الكتاب أن المقصود به ذلك الحاكم المطبق للشريعة الملتزم بها حيث قال: "وإذا حكم بغير ما أنزل الله، أو فعل ما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم كفراً، وهو ملتزم للإسلام وشرائعه فقد قام به كفر وإسلام" (الصلاة ()) ا.هـ.
    فهذا كلامه واضح، فهل يقال لمن يحكم بالقوانين الوضعية الفرنسية والبريطانية أنه ملتزم للإسلام وشرائعه؟! أم يقال أنه متجرد عن الإسلام منحل عن شرائعه؟!
    * ثالثاً: العلامة ابن أبي العز الحنفي شارح العقيدة الطحاوية، ففي كلامه ما يشير إلى التفريق بين القضية المعينة والتشريع العام، حيث قال: "وهنا أمر يجب التفطن له وهو: أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً ينقل عن الملة وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة، ويكون كفراً إما مجازياً وإما كفراً أصغر على القولين المذكورين، وذلك بحسب حال الحاكم فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب وأنه مخير فيه، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله فهذا كفر أكبر، وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله وعلمه في هذه الواقعة وعدل عنه مع اعترافه أنه مستحق للعقوبة فهذا عاص ويسمى كافراً كفراً مجازياً أو كفراً أصغر" (شرح الطحاوية 323-324) ا.هـ.
    والشاهد منه قوله "في هذه الواقعة" فهو يشير إلى الفرق بين القضايا المعينة والتشريع العام كما تقدم من قول ابن القيم، فلو كان الحكم واحداً ولا فرق بين المشرع تشريعاً عاماً وبين الحاكم في قضية معينة لما كان لقول ابن القيم وقول شارح الطحاوية "في هذه الواقعة" فائدة، وكلامهما يصان عن ذلك.
    وأما [المعترض] فيريد أن تصاغ عبارات العلماء على ما يريد حيث يقول : "ولو أراد ما زعموه لقال مثلاً: وعلمه في واقعة واحدة وعدل عنه، أو قال: علمه في واقعة معينة".

    فانظر إلى هذا التحكم العجيب، ثم نقول[للمعترض] قد نص شيخ الإسلام على القضية المعينة كما مضى، ونص الشيخ ابن جبرين على المرة الواحدة كما مضى، ونص عليها الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ ابن عثيمين كما سيأتي، فهل يتم التسليم بذلك ؟.

    * رابعاً: الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم -رحمه الله- قال في رسالته المشهورة تحكيم القوانين: "وأما القسم الثاني من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله وهو الذي لا يخرج من الملة فقد تقدم تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقول الله عز وجل {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قد شمل ذلك القسم وذلك في قوله رضي الله عنه في الآية: "كفر دون كفر" وقوله أيضاً: "ليس بالكفر الذي يذهبون إليه"، وذلك أن تحمله شهوته على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله هو الحق واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى، وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر.." (تحكيم القوانين (7)).
    وقال كما في الفتاوى (12/280): "وأما الذي قيل فيه كفر دون كفر إذا حاكم إلى غير الله مع اعتقاد أنه عاص وأن حكم الله هو الحق فهذا الذي يصدر منه المرة ونحوها، أما الذي جعل قوانين بترتيب وتخضيع فهو كفر وإن قالوا أخطأنا وحكم الشرع أعدل، ففرق بين المقرر والمثبت والمرجع، جعلوه هو المرجع فهذا كفر ناقل عن الملة" ا.هـ.
    وقال أيضاً: "عبادة الطاعة أقسام: إن أقر على نفسه أنه عاص ومذنب وآثر شهوته فهو كسائر المعاصي في أنه لا يصل إلى الكفر.
    أما إن كان لا يدري فهذا فيه تفصيل، إن كان أخلد إلى أرض البطالة فهذا ملوم، الواجب سؤال أهل الذكر إذا لم يعلم، وإذا علم أنه خلاف قول الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه ليس مذنباً فهذا شرك أكبر مثل القوانين الوضعية المتخذة في المحاكم من هذا الباب، جعلوه مثل الرسول تكتب به الصكوك أن الحق لفلان والحق لفلان، والقانون الذي جاء من فرنسا يجعل مثل رسول الله، فإذا كان هذا لو كان العلماء فكيف الذي جاء من الشياطين وأمريكا وفرنسا؟
    وإذا كان من باب الحكم فهو أعظم، ما فيه حكم إلا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فمن اتخذ مطاعاً مع الله فقد أشرك في الرسالة والألوهية، وهذان الواحد منهما كفر، بخلاف المسألة الواحدة فإنها ليست مثل الذي مصمم ومحكم فإن هذا مرتد وهو أغلظ كفراً من اليهودي والنصراني" (الفتاوى 12/280) ا.هـ.
    بل قال رحمه الله: "فلعلك أن تقول لو قال من حكم القانون أنا اعتقد أنه باطل فهذا لا أثر له بل هو عزل للشرع كما لو قال الواحد: أنا أعبد الأوثان وأعتقد أنها باطل" (الفتاوى 6/189) ا.هـ.

    وأما ما زعمه[المعترض] من أن الشيخ ابن جبرين حدثه أن للشيخ ابن إبراهيم فتوى أخرى غير هذه، فقد أنكر الشيخ هذه الدعوى وكذبها في ورقة مكتوبة بخطه حفظه الله،

    ثم أطلعني بعض الأخوة على فتوى للشيخ محمد بن ابراهيم -رحمه الله- وأخبرني أنهم يستدلون بها على أن الشيخ لا يكفر من حكم بالقوانين حتى يستحل، والفتوى في (1/80) ومما جاء فيها: "والتي من حكم بها أو حاكم إليها معتقدا صحة ذلك وجوازه فهو كافر الكفر الناقل عن الملة، وإن فعل ذلك بدون اعتقاد ذلك وجوازه فهو كافر الكفر العملي الذي لا ينقل عن الملة".
    والجواب على هذا من وجهين:
    الأول: أن يجمع بينها وبين الفتاوى السابقة، والجمع بين ذلك سهل وواضح، فما أطلقه هنا قيده في الفتاوى الأخرى السابقة، وبالمسألة الواحدة وبالمرة ونحوها.
    فيقال: وإن فعل ذلك "في القضية" أو "في المرة ونحوها" أو "في المسألة الواحدة" بدون اعتقاد ذلك وجوازه فهو كافر الكفر العملي الذي لا ينقل عن الملة.
    أما "المصمم المحكم" أو "من جعل قوانين بترتيب وتخضيع" أو "جعل لها مراجع ومستندات ومحاكم مفتحة الأبواب" فهذا "أغلظ كفرا من اليهودي والنصراني"، "وإن قالوا أخطأنا وحكم الشرع أعدل" "ولو قال أنا أعتقد أنه باطل" "فأي كفر فوق هذا الكفر".
    الثاني: إن عجزوا عن هذا الجمع الواضح، وأوجبوا التعارض بين هذه الفتاوى فلا أقل من الترجيح، وفتاوى الشيخ في كون القوانين كفرا أكبر سواء استحلها أو لم يستحلها أكثر، وهو المشهور عنه، وهو الذي ينسبه إليه تلاميذه كالشيخ ابن باز والشيخ ابن جبرين -حفظهما الله- فلا يترك كله إلى هذه الفتوى مع سهولة الجمع كما تقدم.
    * خامساً: الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين -حفظه الله- وقد نص على التفريق في أكثر من موضع في كتبه وفتاواه، واقتصر على بعضها للاختصار.
    قال حفظه الله في فقه العبادات (60) مجيباً على السؤال عن صفة الحكم بغير ما أنزل الله: "الحكم بغير ما أنزل الله ينقسم إلى قسمين:
    - القسم الأول: أن يبطل حكم الله ليحل محله حكم آخر طاغوتي، بحيث يلغي الحكم بالشريعة بين الناس، ويجعل بدله حكم آخر من وضع البشر كالذين ينحون الأحكام الشرعية في المعاملة بين الناس، ويحلون محلها القوانين الوضعية، فهذا لا شك أنه استبدال بشريعة الله سبحانه وتعالى غيرها، وهو كفر مخرج عن الملة، لأن هذا جعل نفسه بمنزلة الخالق حيث شرع لعباد الله ما لم يأذن به الله تعالى ذلك شركاً في قوله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله} (الشورى:21).
    - القسم الثاني: أن تبقى أحكام الله عز وجل على ما هي عليه، وتكون السلطة لها، ويكون الحكم منوطاً بها، ولكن يأتي حاكم من الحكام فيحكم بغير ما تقتضيه هذه الأحكام، أي يحكم بغير ما أنزل الله، فهذا له ثلاث حالات.. الخ".
    فانظر كيف فصل الشيخ في القسم الثاني ولم يفصل في القسم الأول.
    وبمثل هذا الوضوح، وبمثل هذه الصراحة جوابه عن سؤال في هذا الموضوع ونص السؤال:
    هل هناك فرق بين المسألة المعينة التي يحكم فيها القاضي وبين المسائل التي تعتبر تشريعاً عاماً؟
    فأجاب فضيلته: "نعم هناك فرق، فإن المسائل التي تعتبر تشريعاً عاماً لا يتأتى فيها التقسيم السابق، وإنما هي من القسم الأول فقط، لأن هذا المشرع تشريعاً يخالف الإسلام إنما شرعه لاعتقاده أنه أصلح من الإسلام وأنفع للعباد كما سبقت الإشارة إليه" (مجموع فتاوى ورسائل الشيخ 2/144).

    ولقد كذب[المعترض] على الشيخ ابن عثيمين كما كذب على الشيخ ابن جبرين فزعم أن الشيخ وافق الشيخ الألباني في شريط فتنة التكفير مع أن الشيخ قد نص في نفس الشريط على مخالفة الشيخ الألباني في اشتراط الاعتقاد فقال: ".. ولكننا قد نخالفه في مسألة أنه لا يحكم بكفرهم إلا إذا اعتقدوا حل ذلك، هذه المسألة تحتاج إلى نظر لأننا نقول: من اعتقد حل ذلك حتى لو حكم بحكم الله وهو يعتقد أن حكم غير الله أولى فهو كافر كفر عقيدة.

    لكن كلامنا على العمل، وفي ظني أنه لا يمكن لأحد أن يطبق قانوناً مخالفاً للشرع يحكم فيه بعباد الله إلا وهو يستحله ويعتقد أنه خير من قانون الشرع، هذا هو الظاهر، وإلا فما الذي حمله على ذلك؟ قد يكون الذي يحمله على ذلك خوف من أناس آخرين أقوى منه إذا لم يطبقه فيكون هنا مداهناً لهم، فحينئذ نقول هذا كافر كالمداهن في بقية المعاصي" (هذا الشريط موجود ومتداول ومطبوع أيضاً وعليه هذا التعليق) ا.هـ.


    * سادساً: فضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله حيث قال في كتاب التوحيد (39):

    "قال الله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، في هذه الآية الكريمة أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر، وهذا الكفر تارة يكون كفراً أكبر ينقل عن الملة، وتارة يكون كفراً أصغر لا يخرج عن الملة، وذلك بحسب حال الحاكم فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب وأنه مخير فيه، أو استهان بحكم الله واعتقد أن غيره من القوانين والنظم الوضعية أحسن منه وأنه لا يصلح لهذا الزمان وأراد بالحكم بغير ما أنزل الله استرضاء الكفار والمنافقين فهذا كفر أكبر.
    وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله وعلمه في هذه الواقعة وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا عاص ويسمى كافراً كفراً أصغر، وإن جهل حكم الله فيها مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه فهذا مخطئ له أجر على اجتهاده وخطؤه مغفور. وهذا في الحكم في القضية الخاصة، وأما الحكم في القضايا العامة فإنه يختلف.. الخ".
    فهذا كلامه -وفقه الله- من أوضح ما يكون في التفريق بين القضية الخاصة والقضايا العامة، ثم استدل لهذا التفريق بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية وكلام الشيخ محمد بن إبراهيم كما نستدل به من أقوالهما.
    * سابعاً: فضيلة الشيخ عبدالله بن محمد الغنيمان -حفظه الله- حيث سئل: تارك الحكم بما أنزل الله إذا جعل القضاء عامة بالقوانين الوضعية هل يكفر؟ وهل يفرق بينه وبين من يقضي بالشرع ثم يحكم في بعض القضايا بما يخالف الشرع لهوى أو رشوة ونحو ذلك؟
    فأجاب فضيلته: أي نعم التفرقة واجبة، فرق بين من نبذ حكم الله جل وعلا وأطرحه واستعاض به حكم القوانين وحكم الرجال فإن يكون كفراً مخرجا من الملة الإسلامية، وأما من كان ملتزما بالدين الإسلامي إلا أنه عاص ظالم بحيث أنه يتبع هواه في بعض الأحكام ويتبع مصلحة دنيوية مع إقراره بأنه ظالم في هذا فإن هذا لا يكون كفرا مخرجا من الملة. ومن يرى الحكم بالقوانين مثل الحكم في الشرع ويستحله فإنه يكفر أيضا كفرا مخرجا من الملة ولو في قضية واحدة" (مجلة المشكاة العدد (4) ص (247)).
    * ثامنا: فضيلة الشيخ العلامة عبدالرزاق عفيفي -رحمه الله- حيث قال في رسالة الحكم بغير ما أنزل الله (شبهات حول السنة ورسالة الحكم بغير ما أنزل الله (63-65)) حالات الحاكمين بغير ما أنزل الله:
    الأولى: من لم يبذل جهده في ذلك، ولم يسأل أهل العلم، وعبد الله على غير بصيرة أو حكم بين الناس في خصومة، فهو آثم ضال، مستحق العذاب إن لم يتب ويتغمده الله برحمته، قال الله تعالى: {ولا تقف ما ليس به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنده مسؤولا}.
    الثانية: وكذا من علم الحق ورضي بحكم الله، لكن غلبه هواه أحيانا فعمل في نفسه، أو حكم بين الناس -في بعض المسائل أو القضايا- على خلاف ما علمه من الشرع لعصبية أو لرشوة -مثلا- فهو آثم، لكنه غير كافر كفرا يخرج من الإسلام، إذا كان معترفا بأنه أساء، ولم ينتقص شرع الله، ولم يسيء الظن به، بل يحز في نفسه ما صدر منه، ويرى أن الخير والصلاح في العمل بحكم الله تعالى.
    روى الحاكم عن بريدة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: [قاضيان في النار، وقاض في الجنة: قاض عرف الحق فقضى به، فهو في الجنة، وقاض عرف الحق فجار متعمدا أو قضى بغير علم، فهما في النار}.
    الثالثة: من كان منتسبا للإسلام، عالما بأحكامه، ثم وضع للناس أحكاما، وهيأ لهم نظما، ليعملوا بها ويتحاكموا إليها، وهو يعلم أنها تخالف أحكام الإسلام، فهو كافر، خارج، من ملة الإسلام.
    وكذا الحكم فيمن أمر بتشكيل لجنة أو لجان لذلك، ومن أمر الناس بالتحاكم إلى تلك النظم والقوانين أو حملهم على التحاكم إليها وهو يعلم أنها مخالفة لشريعة الإسلام.
    وكذا من يتولى الحكم بها، وطبقها في القضايا، ومن أطاعهم في التحاكم إليها باختياره، مع علمه بمخالفتها للإسلام.
    فجميع هؤلاء شركاء في الإعراض عن حكم الله.
    لكن بعضهم يضع تشريعا يضاهي به تشريع الإسلام ويناقضه على علم منه وبينه.
    وبعضهم بالأمر بتطبيقه، أو حمل الأمة على العمل به، أو ولي الحكم به بين الناس أو نفذ الحكم بمقتضاه.
    وبعضهم بطاعة الولاة والرضا بما شرعوا لهم ما لم يأذن به الله ولم ينزل به سلطانا.
    فكلهم قد اتبع هواه بغير هدى من الله، وصدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه، وكانوا شركاء في الزيغ، والإلحاد، والكفر، والطغيان ولا ينفعهم علمهم بشرع الله، واعتقادهم ما فيه، مع إعراضهم عنه، وتجافيهم لأحكامه، بتشريع من عند أنفسهم، وتطبيقه، والتحاكم إليه، كما لم ينفع إبليس علمه بالحق، واعتقاده اياه، مع إعراضه عنه، وعدم الاستسلام والانقياد إليه".




  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,631

    افتراضي رد: الرد المفيد على الشبهات فى ركن من أركان التوحيد

    بعض أقوال العلماء المتقدمين والمتأخرين في القوانين الوضعية وحكامها
    وفي هذا الفصل أذكر بعض أقوال أهل العلم في حكمهم على التشريعات العامة والقوانين الوضعية حيث ذكروا لها حكماً من غير تفصيل فيها، وإنما التفصيل في غيرها أعني الانحرافات والتجاوزات في التطبيق، وقد مر معنا طائفة من أقوال شيخ الإسلام وابن القيم وشارح الطحاوية، والشيخ محمد ابن إبراهيم، والشيخ العثيمين، والشيخ الفوزان، والشيخ الغنيمان، والشيخ عبدالرزاق عفيفي، وإليك الأقوال الأخرى:
    * أولاً: الحافظ ابن كثير -رحمه الله- وقد مر معنا نقله للإجماع في تكفير المستبدلين للشريعة، وقال أيضاً في تفسيره قوله تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون} (المائدة:50): "ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير" (تفسير ابن كثير 2/64).
    * ثانياً: العلامة الشنقيطي -رحمه الله-، وقد ذكر هذه القوانين وحكمها في تفسيره في أكثر من موضع منها قوله: "وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله على بصيرته وأعماه عن نور الوحي مثلهم" (أضواء البيان 4/92).
    وقد تقدم قوله: "والإشراك بالله في حكمه، والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد لا فرق بينهما البتة فالذي يتبع نظاماً غير نظام الله أو غير ما شرعه الله، وقانونا مخالفا لشرع الله من وضع البشر معرضا عن نور السماء الذي أنزل الله على لسان رسوله.. ، من كان يفعل هذا هو ومن كان يعبد الصنم ويسجد للوثن لا فرق بينهما البتة بوجه من الوجوه فهما واحد وكلاهما مشرك بالله: هذا أشرك به في عباداته، وهذا أشرك به في حكمه، والإشراك به في عبادته والإشراك به في حكمه كلهما سواء" (أشرطة الشيخ من تفسير قوله تعالى: {اتخذوا أخبارهم ورهبانهم أرباباً..}).
    وهذه النصوص الخاصة والصريحة من الشيخ في القوانين الوضعية تقضي على ما قد يفهم من النصوص الأخرى كما في قوله في الأضواء (7/162): "الدين هو ما شرعه الله، فكل تشريع من غيره باطل، والعمل به بدل تشريع الله عند من يعتقد أنه مثله أو خير منه كفر بواح لا نزاع فيه".
    وقوله أيضا (2/104): "{ومن لم يحكم بما أنزل الله} معارضة للرسل وإبطالا لأحكام الله فظلمه وفسقه وكفره كلها مخرج عن الملة، {ومن لم يحكم بما أنزل الله} معتقدا أنه مرتكب حراما فاعل قبيحا، فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج عن الملة".
    فأما الأول فنص على أن من اعتقد كون القوانين مثل أو خيرا من حكم الله أنه يكفر بلا نزاع وهذا لا إشكال فيه، أما ما قد يفهم منه أنه إن لم يعتقد كون القوانين مثل أو خيرا من حكم الله أنه لا يكفر فهذا الفهم مدفوع بما تقدم، لأن الشيخ -رحمه الله- جعل المتبع للقوانين كالعابد للصنم والساجد للوثن سواء بسواء،. ولا فرق بينها ولا حتى بوجه من الوجوه، ومن المعلوم أن العابد للوثن والساجد للصنم كافر استحل أو لم يستحل جحد أو لم يجحد. فكذلك القوانين إذا.

    وإنما ينص بعض العلماء عند ذكره للقوانين على الاستحلال لأن هذا العمل يعتبر استحلالا، أو أن الظاهر أن فاعله مستحل. كما تقدم من كلام الشيخ ابن جبرين والشيخ ابن عثيمين -حفظهما الله- فهي كاشفة لا مقيدة.
    وأما النقل الثاني (2/104) فالقوانين داخلة في القسم الأول لأنها معارضة للرسل وإبطال لأحكام الله. وأما قوله في القسم الثاني أنه "إن كان معتقدا أنه مرتكب حراما فاعل قبيحا، فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج عن الملة" فهذا عام في الحكم بغير ما أنزل الله ويتخصص بما تقدم حيث خص فيها القوانين الوضعية، وإنما يحمل القول العام على القضايا المعينة لا التشريعات العامة، وبهذا يستقيم الاستدلال بكلام الشيخ ولا يتناقض.
    * ثالثا: العلامة الشيخ محمد حامد الفقي -رحمه الله- قال في تعليقه على فتح المجيد (243): "ويدخل في ذلك بلا شك -يعني معنى الطاغوت- الحكم بالقوانين الأجنبية عن الإسلام وشرائعه من كل ما وضعه الإنسان ليحكم به في الدماء والفروج والأموال، وليبطل بها شرائع الله من إقامة الحدود، وتحريم الربا والزنا والخمر ونحو ذلك، مما أخذت هذه القوانين تحللها وتحرمها بنفوذها ومنفذيها، والقوانين نفسها طواغيت، وواضعوها ومروجوها طواغيت، وأمثالها من كل كتاب وضعه العقل البشري ليصرف عن الحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم إما قصداً أو عن غير قصد من واضعه فهو طاغوت".
    وقال في نفس الكتاب (348) معلقاً على قول ابن كثير الذي تقدم: "ومثل هذا وشر منه من اتخذ من كلام الفرنجة قوانين يتحاكم إليها في الدماء والفروج والأموال ويقدمها على ما علم وتبين له من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهو بلا شك كافر مرتد إذا أصر عليها ولم يرجع إلى الحكم بما أنزل الله، ولا ينفعه أي اسم تسمى به ولا أي عمل من ظواهر أعمال الصلاة والصيام ونحوها".
    * رابعاً: العلامة الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- قال في عمدة التفسير (4/173-174) معلقاً على قول ابن كثير الذي تقدم: "أفرأيتم هذا الوصف القوي من الحافظ ابن كثير -في القرن الثامن- لذاك القانون الوضعي الذي صنعه عدو الإسلام جنكيز خان! ألستم ترونه يصف حال المسلمين في هذا العصر في القرن الرابع عشر! إلا في فرق واحد أشرنا إليه آنفاً: أن ذلك كان في طبقة خاصة من الحكام أتى عليها الزمان سريعاً فاندمجت في الأمة الإسلامية وزال أثر ما صنعت، ثم كان المسلمون الآن أسوأ حالاً وأشد ظلماً منهم لأن أكثر الأمم الإسلامية الآن تكادتندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة والتي هي أشبه شيء بذاك الياسق..".
    إلى أن قال: "إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس هي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام كائناً من كان في العمل بها، أو الخضوع لها، أو إقرارها، فليحذر امرؤ نفسه وكل امرئ حسيب نفسه" ا.هـ.
    * خامسا: العلامة ابن قاسم رحمه الله قال في حاشية الأصول الثلاثة (96): "كمن يحكم بقوانين الجاهلية والقوانين الدولية، بل جميع من حكم بغير ما أنزل الله سواء كان بالقوانين أو بشيء مخترع وهو ليس من الشرع أو بلحوظ في الحكم فهو طاغوت من أكبر الطواغيت".
    فهذه بعض أقوال العلماء في القوانين الوضعية، ومن أراد الاستزادة فليراجع ما ألف في هذا الموضوع ككتاب "الشريعة الإلهية لا القوانين الجاهلية" للشيخ عمر الأشقر، ورسالة "إن الله هو الحكم" للشيخ محمد بن شاكر الشريف، ورسالة "حكم الله وما ينافيه" للشيخ عبدالعزيز ابن محمد العبداللطيف وغيرها، والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.


  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,631

    افتراضي رد: الرد المفيد على الشبهات فى ركن من أركان التوحيد

    الشبه والرد عليها


    * الشبهه الاولى - أن المبتدع والمشرع للقوانين مثلان لا يختلفان، وما يقال في هذا يقال في هذا، وذكر أن الحق الذي لا معدل عنه ولا محيص أن ينزل الحاكم بغير ما أنزل رب العالمين منزلة المبتدع في الدين.

    والجواب على هذه الشبهة أن نقول:
    .. قد جعلت البدعة قسمين: مكفرة تخرج صاحبها عن الإسلام، وغير مكفرة، فأخبرنا عن تشريع القوانين الوضعية من أي القسمين هو؟

    وأخبرنا عن جملة الشاطبي رحمه الله ما معناها؟ : "وهذا إن كان مقصوداً للمبتدع فهو كفر بالشريعة والشارع، وإن كان غير مقصود فهو ضلال مبين" ا.هـ، فما هو هذا الشيء الذي إن كان مقصوداً للمبتدع كفر؟.

    وسأجيب عن هذين السؤالين:
    أما السؤال الأول وهو: هل تشريع القوانين الوضعية له حكم البدعة المكفرة أو غير المكفرة؟
    فالجواب: أنه من البدع المكفرة ولا شك التي تخرج صاحبها عن الإسلام، وقد ذكر [المعترض] تعريفاً للبدعة المكفرةعن الشيخ حافظ الحكمي -رحمه الله- من كتاب أعلام السنة المنشورة ولكنه تعريف مختصر وهو: "من أنكر أمراً مجمعاً عليه متواتراً في الشرع معلوماً من الدين بالضرورة لأن ذلك تكذيب بالكتاب وبما أرسل الله به رسله" ا.هـ، ثم زعم العنبري أنه لا ينطبق على الحاكم بغير ما أنزل الله إلا إذا جحد واستحل.

    وسأذكر تعريفاً أوسع من هذا للبدعة وللشيخ الحكمي نفسه ثم ننظر هل ينطبق على مشرع القوانين، أم أن تشريع القوانين سوف يكون بدعة غير مكفرة كما يوهم العنبري؟.
    قال الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي -رحمه الله- في معارج القبول (1228-1229): "فضابط البدعة المكفرة من أنكر أمراً مجمعاً عليه متواتراً من الشرع معلوماً من الدين بالضرورة: من جحود مفروض، أو فرض ما لم يفرض، أو إحلال محرم، أو تحريم حلال، أو اعتقاد ما ينزه الله ورسوله وكتابه عنه من نفي وإثبات، لأن ذلك تكذيب بالكتاب وبما أرسل الله به رسله صلى الله عليه وسلم كبدعة الجهمية..".
    إلى أن قال: "ولكن هؤلاء منهم من علم أن عين قصده هدم قواعد الدين وتشكيك أهله فيه فهذا مقطوع بكفره، بل هو أجنبي عن الدين من أعدى عدو له، وآخرون مغرورون ملبس عليهم فهؤلاء إنما يحكم بكفرهم بعد إقامة الحجة عليهم وإلزامهم بها".
    وأما القسم الثاني: البدع التي ليست بمكفرة وهي ما لم يلزم منه تكذيب بالكتاب ولا بشيء مما أرسل الله به رسله كبدع المروانية التي أنكرها عليهم فضلاء الصحابة.. الخ.
    فهذا التقسيم من الشيخ الحكمي -رحمه الله-، وهذا التفصيل في البدع المكفرة يبين لنا في أي موضع سوف نضع المشرعين للقوانين وبأي حكم سوف نحكم عليهم، فهل القوانين الوضعية إلا إحلال محرم أو تحريم حلال أو فرض ما لم يفرض؟!
    وأما الجواب عن السؤال الثاني فأقول: إن العلماء لم يطلقوا القول بتكفير المبتدع وإن كان مشرعاً لأنه لم يقصد التشريع ومحاداة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما قد يكون له قصد حسن، وهو غالباً متأول مستدل بأن البدع تنقسم إلى حسنة وسيئة -كما يزعم-، ولهذا القصد وهذا التأويل لم يطلق العلماء القول بتكفير المبتدع، وهذا هو معنى قول الشاطبي الآنف الذي ذكره[المعترض] وهو لا يعرف معناه.

    فالإمام الشاطبي -رحمه الله- يذكر أن المبتدع معاند للشرع ومشاق له ومستدرك عليه، وأن هذا الشقاق والعناد والاستدراك إن كان مقصوداً للمبتدع لكان كفراً بالشريعة والشارع، وذلك لأن معاندة الشرع ومشاقاته والاستدراك عليه كفر أكبر.
    وإن كان غير مقصود كأن يكون فعله بتأويل فاسد أو برأي غالط فهو ضلال مبين وليس كفراً لوجود المانع وهو التأويل والشبهة.
    ولزيادة البيان حول هذا إليك ما قال الشاطبي -رحمه الله- في الاعتصام (2/544): "إن كل بدعة وإن قلت فهي تشريع زائد أو ناقص، أو تغيير للأصل الصحيح، وكل ذلك قد يكون على الإنفراد، وقد يكون ملحقاً بما هو مشروع فيكون قادحاً في المشروع، ولو فعل أحد مثل هذا في نفس الشريعة عامداً لكفر، إذ الزيادة والنقصان فيها أو التغيير قل أو كثر كفر، فلا فرق بين ما قل منه وما كثر، فمن فعل ذلك بتأويل فاسد أو برأي غالط رآه، أو ألحقه بالمشروع إذا لم تكفره لم يكن في حكمه فرق بين ما قل منه وما كثر" ا.هـ.
    فانظر إلى هذا التوضيح البديع من العلامة الشاطبي -رحمه الله-، ونظراً لأهمية معرفة قصد المبتدع فقد نص عليه الشاطبي في تعريف البدعة حيث قال: "طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه".
    فهل يكون للمشرع نفس هذا الحكم مع اختلاف المقصد ؟!.. فالمبتدع غالباً يقصد التقرب إلى الله والتعبد له، وأما المشرع المستبدل للشريعة فليس له هذا القصد وبهذا تزول هذه الشبهة ونعرف ما هو الفرق بين المبتدع والمشرع، وهل التشريع بالمعنى الذي عليه القوانين الوضعية من البدع المكفرة أمر لا؟ -إن قلنا أن المشرع مبتدع-.
    * ثانياً: ومما يستدل به [المعترض] وأمثاله قصة النجاشي -رحمه الله- فزعم العنبري أن النجاشي قد حكم بغير ما أنزل الله ولم يكفره النبي صلى الله عليه وسلم، وكأنه يقول: يلزم من قولكم تكفير هذا العبد الصالح.

    والجواب عن هذه الشبهة أن نقول: نحن لا نكفر النجاشي -رحمه الله-، ولكن هل تحكمون عليه أنتم أنه ظالم فاسق؟.. فهذا يلزم من استدلالكم به علينا، فأنتم تقولون أن الحاكم بغير ما أنزل الله ظالم وفاسق، فهل النجاشي كذلك؟.. فإما أن تلتزموا بهذا أو تبرئونه من الظلم والفسق كما نبرئه نحن من الكفر لأنه معذور بذلك، ووجه ذلك من أمور:
    -الأمر الأول: أن النجاشي كان عاجزاً عن إقامة حكم الله في الحبشة، وتكليفه بهذا وهو خارج عن طاقته ووسعه مخالف لشريعة الله التي رفعت التكليف إن كان لا يطاق قال تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} (البقرة:288)، [والمعترض] نفسه قد نقل قول شيخ الإسلام في كون النجاشي عاجزاً عن إقامة حكم الله، قال ابن تيمية رحمه الله: "ونحن نعلم قطعاً أنه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن.. والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن فإن قومه لا يقرون على ذلك" (منهاج السنة 5/112-113) ا.هـ.

    فكيف يقاس النجاشى بمن يطالب ليل نهار بتطبيق الشريعة وقد توفرت لديه كافة الإمكانيات؟.. لا شك أنه قياس ظالم جائر.

    -الأمر الثاني: إن النجاشي -رحمه الله- كان في بيئة بعيدة عن العلم وهذا أمر معلوم، وأهل السنة والجماعة يعذرون من كان في بيئة بعيدة عن العلم كالنجاشي في أمور لا يعذرون بها الإنسان الذي يعيش في الإسلام وبين العلماء، فلم يبلغ النجاشي الكثير من الأحكام، فلم تبلغه مثلاً سورة المائدة التي حكم الله فيها على الحاكمين بغير شريعته بالكفر والفسق والظلم لأنها نزلت بالسنة العاشرة من الهجرة فهي آخر سورة نزلت من القرآن، والنجاشي قد توفي قبل فتح مكة (البداية والنهاية 4/276)، فكيف يقاس النجاشي -رحمه الله- بمن يطالبه العلماء ليل نهار بتطبيق الشريعة ويبينون له وجوب تطبيقها، وعظم جرم مخالفتها؟.. لا شك أنه قياس ظالم جائر.
    -الأمر الثالث: أن النجاشي -رحمه الله- توفي قبل اكتمال الشريعة، وأيضاً لم يبلغه من الأحكام الشيء الذي يستطيع به أن يفصل بين الناس في دماءهم وأعراضهم وأموالهم، فبأي شريعة كان سيحكم بها الناس لو قلنا أنه قادر على تطبيقها؟
    إذا عرفت هذا عرفت سذاجة هذا القياس بين النجاشي وبين أقوام بين أيديهم شريعة شاملة كاملة، لا شك أنه قياس ظالم جائر.

    -الأمر الرابع: أن النجاشي -رحمه الله- قد قام بكل ما أمره الله جل وعلا، فقد أوى المؤمنين وصدع بالتوحيد، وبين صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وبعث رسالة يبين فيها أنه مستعد أن يهاجر ويترك ملكه وما هو فيه ويأتي للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا معلوم من كتب السيرة، ومن رسالته التي بعثها لنبي صلى الله عليه وسلم.
    أفيقاس هذا الرجل الصالح المقبل على الله الناصر لدين الله المتجرد عن دنياه بهؤلاء المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، المنغمسين في ظلمات الجهل والهوى؟.. لا شك أنه قياس ظالم جائر.




  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,631

    افتراضي رد: الرد المفيد على الشبهات فى ركن من أركان التوحيد

    تفسير قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} (النساء:6).

    ولما لم يجد المعترض في تفسير هذه الآية ما يخدم مذهبه قال إنه "لا إشكال فيها فهي تصف حال المنافقين إزاء حكم الشريعة الغراء".

    ونقول للمعترض: نعم هي تصف حال المنافقين تجاه الشريعة حيث يريدون أن يتحاكموا إلى غيرها من حكم الطاغوت، ولكن أليس فيها تكفير لهم بهذا وتكذيب لما زعموه من الإيمان بسبب هذه الإرادة، وانهم لم يكفروا بالطاغوت؟.

    قال الشيخ العلامة عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ -رحمه الله-: "فمن خالف ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم بأن حكم بين الناس بغير ما أنزل الله، أو طلب ذلك اتباعا لما يهواه ويريده فقد خلع ربقة الإسلام والإيمان من عنقه، وإن زعم أنه مؤمن، فإن الله تعالى أنكر على من أراد ذلك، وأكذبهم في زعمهم الإيمان لما في ضمن قوله {يزعمون} من نفي إيمانهم، فإن {يزعمون} إنما يقال غالبا لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب لمخالفته لموجبها وعمله بما ينافيها، يحقق هذا قوله: {وقد أمروا أن يكفروا به} لأن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد، كما في آية البقرة، فإن لم يحصل هذا الركن لم يكن موحدا، والتوحيد هو أساس الإيمان الذي تصلح به جميع الأعمال وتفسد بعدمه. كما أن ذلك بين في قوله تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى}. وذلك أن التحاكم إلى الطاغوت إيمان به" (فتح المجيد (345)).

    وقال العلامة الشوكاني في تفسيره (فتح القدير (1/722)): "قوله: {ألم تر إلى الذين يزعمون} فيه تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم من حال هؤلاء الذين ادعوا لأنفسهم أنهم جمعوا بين الإيمان بما أنزل على رسول الله وهو القرآن، وما أنزل على من قبله من الأنبياء، فجاءوا بما ينقض عليهم هذه الدعوى ويبطلها من أصلها، ويوضح أنهم ليسوا على شيء من ذلك أصلا وهو إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت وقد أمروا فيما أنزل على رسول الله وعلى من قبله أن يكفروا به".
    وقال العلامة الشنقيطي -رحمه الله-: ومن أوضح الأدلة في هذا: أن الله جل وعلا في سورة النساء بين أن من يريدون أن يتحاكموا إلى غير ما شرعه الله يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون، وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل منه العجب، وذلك في قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون..}.. الآية" (أضواء البيان(4/91)).
    وقال الشيخ محمد بن ابراهيم -رحمه الله-: "وقد نفى الله الإيمان عن من أراد التحاكم إلى غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من المنافقين، كما قال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا}.
    فإن قوله عز وجل {يزعمون} تكذيب لهم فيما ادعوه من الإيمان، فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مع الإيمان في قلب عبد أصلا، بل أحدهما ينافي الآخر، والطاغوت مشتق من الطغيان وهو: مجاوزة الحد.
    فكل من حكم بغير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أو حاكم إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فقد حكم بالطاغوت وحاكم إليه.. فمن حكم بخلافه أو حاكم إلى خلافه فقد طغى وجاوز حده حكما أو تحكيما فصار بذلك طاغوتا لتجاوزه حده" (تحكيم القوانين (3)).
    ----------------- في تفسير قوله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} (الشورى:21) حيث ذكر [المعترض] أن للمفسرين في هذه الآية قولين كليهما لا يساعد العصريين على ما ذهبوا إليه، ثم ذكر أنه ظل يتعجب زماناً من أين انتزع المعاصرون من الآية أن كل من شرع أو حكم بغير ما أنزل الله فهو مشرك، وبعد هذا التعجب ذكر أنه وقف على تفسير ثالث لهذه الآية، ذكره أبو حيان ثم أعقبه بقول القرطبي، وذلك أنه نحوه.

    أ أتعبك ؟ البحث في تفسير هذه الآية، وظللت زماناً تتعجب وأنت لم تقرأ تفسير القرطبي لها فأين بحثت إذاً؟!.

    وعلى كل فلو أمعن [المعترض] النظر في التفاسير التي نقلها، وخاصة ما نقله عن ابن كثير لعلم أنه يهرف بما لا يعرف، ولكن أريح نفسي وأريحه، وأريح القراء باستدلال بعض العلماء المتقدمين والمتأخرين لهذه الآية على كفر المشرعين ومن هؤلاء:

    1- شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في رسالته التسعينية المطبوعة في الفتاوى الكبرى، وقد تقدم ذكره وأعيد هنا حيث قال: "والإيجاب والتحريم ليس إلا لله ولرسوله، فمن عاقب على فعل أو ترك بغير أمر الله ورسوله وشرع ذلك ديناً فقد جعل لله نداً ولرسوله نظيراً بمنزلة المشركين الذين جعلوا لله نداً، أو بمنزلة المرتدين الذين آمنوا بمسيلمة الكذاب وهو ممن قيل فيه: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله}" (الفتاوى الكبرى (6/339)).
    2- فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين -حفظه الله- وقد تقدم قوله وأعيده هنا، قال في فقه العبادات (60): "القسم الأول؛ أن يبطل حكم الله ليحل محله حكم آخر طاغوتي، بحيث يلغي الحكم بالشريعة بين الناس، ويجعل بدله حكم آخر من وضع البشر كالذين ينحون الأحكام الشرعية في المعاملة بين الناس، ويحلون محلها القوانين الوضعية، فهذا لا شك أنه استبدال بشريعة الله سبحانه وتعالى غيرها، وهو كفر مخرج عن الملة، لأن هذا جعل نفسه بمنزلة الخالق حيث شرع لعباد الله ما لم يأذن به الله تعالى ذلك شركاً في قوله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله} ا.هـ.




  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,631

    افتراضي رد: الرد المفيد على الشبهات فى ركن من أركان التوحيد

    في تفسير قوله تعالى: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} حيث نقل تفسير سيد رحمه الله لها حيث يقول: "إن من أطاع بشراً في شريعة من عند نفسه ولو في جزئية صغيرة فإنما هو مشرك، وإن كان في الأصل مسلماً ثم فعلها فإنما خرج بها من الإسلام إلى الشرك أيضاً مهما بقي بعد ذلك يقول: أشهد أن لا إله إلا الله بلسانه بينما هو يتلقى من غير الله ويطيع غير الله".

    ثم قال المعترض: "والحق أن مثل هذا التفسير الحروري الخارجي كان سبباً في انحراف كثير من الشباب .

    فأقول: رحم الله سيداً ما كان أغيره على الدين.. وأقول للمعترض: هل تجرؤ أن تقول عن الشيخ الشنقيطي مثلما قلت في تفسير سيد قطب، وقد كان كلامه أشد حيث يقول: "أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته" وحيث جعلهم كمن يعبد الصنم ويسجد للوثن؟ فدع عنك هذه الجرأة يا عنبري واعرف قدر نفسك.

    وأقول أيضاً: لم يفرق [المعترض] بين الطاعة في التشريع والطاعة في المعصية، فهناك فرق بين من يطيع غير الله في التشريع فيحلل الزنا والربا، وبين من يطيع غير الله في الفعل والمعصية كأن يزني ويرابي طاعة لغير الله، فالأول شرك وكفر وعليه ينزل قـول الشيـخ الشنقيطي، وقـول سيد قطب -رحمهما الله- ومن هؤلاء أصحاب القوانين الوضعية حيث أخذوا قوانين الغرب فحللوا ما حللت، وحرموا وما حرمت، وطبقوها على الناس وألزموهم بها.

    والثاني – أعني الطاعة في الفعل معصية وليس بكفر حتى يستحله، وهذا القسم هو ما يتحدث عنه ابن العربي كما نقل كلامه العنبري حيث يقول -رحمه الله-: "إنما يكون المؤمن بطاعة المشرك مشركا إذا أطاعه في اعتقاده الذي هو محل الكفر والإيمان، فإذا أطاعه في الفعل وعقده سليم مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص فافهموا ذلك في كل موضع". (أحكام القرآن (2/752)).
    فتأمل قوله: "إذا أطاعه في الفعل" فهل له نفس حكم من أطاعهم في الفعل والقول والتحكيم، وطبق ذلك على العباد وألزمهم به، وعاقب المخالف له؟!
    وأما الطاعة في نفس التحليل والتحريم فهذا شرك ولا ريب قال العلامة الشنقيطي -رحمه الله- في تفسير الآية: "فهو قسم من الله جل وعلا أقسم به على أن من اتبع الشيطان في تحليل الميتة أنه مشرك وهذا الشرك مخرج من الملة بإجماع المسلمين". (أضواء البيان (3/400)).
    وهذا المعنى واضح أيضاً من كلام القرطبي حيث يقول: "دلت الآية على أن من استحل شيئاً مما أحل الله صار به مشركاً، وقد حرم سبحانه الميتة نصاً، فإذا قبل تحليلها من غيره فقد أشرك".

    وأيضاً هذا المعنى واضح من قول الزجاج حيث يقول في قوله تعالى: "{وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} دليل على أن كل من أحل شيئاً مما حرم الله تعالى أو حرم شيئاً مما أحل الله تعالى فهو مشرك وإنما سمي مشركاً لأنه أثبت حاكماً سوى الله تعالى وهذا هو الشرك".

    فلا شك أن طاعة غير الله فيما يخالف شرع الله معصية لا يكفر فاعلها إلا بالاستحلال، أما تحليل الحرام وتحريم الحلال شرك أكبر وكفر بالله لا يشترط له الاستحلال. قال العلامة ابن حزم -رحمه الله-: "فمن أحل ما حرم الله تعالى وهو عالم بأن الله تعالى حرمه فهو كافر بذلك الفعل نفسه" (الفصل (3/204)).
    * و قول شيخ الإسلام: "معلوم بالاضطرار من دين المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام، أو اتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر".

    ثم قال المعترض تعليقا على كلام شيخ الاسلام: "وهو صريح الدلالة على كفر من استباح فقط ففي المصباح المنير: ساغ فعل الشيء بمعنى الإباحة وتعدى بالتضعيف فيقال سوغته أي أبحته" ا.هـ.

    والجواب على ذلك أن نقول: إن المسائل الشرعية لا تبحث بهذه الطريقة وكلام أهل العلم لا يفسر بهذه الطريقة.
    ثم إن الإباحة ليست الاستحلال القلبي كما يوهم [المعترض] فالإباحة هي الإعلان والإذن بالشيء، تقول: أباح الرجل ماله بمعنى أذن في الأخذ والترك، والمباح في الشرع هو المأذون فيه حيث لم يتعلق به أمر ولا نهي لذاته.

    وعليه فمعنى سوغ اتباع غير دين الإسلام أي أباحه بمعنى أذن فيه. ولا يلزم من الإباحة الاستحلال، فهذاالمعترض يقرر أن من أباح ما حرم الله لا يكفر حتى يستحل.

    ثم هل يريد [المعترض] أن يقول: إن من فتح باب الردة على مصراعيه وأذن لمن يشاء أن يكفر، وأن يدعو لكفره، وأذن ببناء الكنائس والمشاهد في بلاد المسلمين، ودافع عن أهلها وساوى بينهم وبين الموحدين في جميع الحقوق، وأعطاهم مطلق الحرية.. هل يريد العنبري أن يقول: إن هذا لا يكفر حتى يعتقد بقلبه حل ذلك وجوازه؟!.. فما هو الكفر بالطاغوت إذن، وما هي ملة إبراهيم وما دين محمد صلى الله عليه وسلم؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟؟؟؟! ----



    [كتبه محمد بن عبدالله الحصم -بتصرف]






  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,631

    افتراضي رد: الرد المفيد على الشبهات فى ركن من أركان التوحيد

    تقريظ الشيخ عبدالله بن محمد الغنيمان --على ما كتبه الاخ الفاضل محمد بن عبدالله الحصم - تجده هنا

    تقريظ الشيخ عبدالله بن محمد الغنيمان

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •