السياسة الشرعية في فقه ابن عثيمين
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: السياسة الشرعية في فقه ابن عثيمين

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    21,344

    افتراضي السياسة الشرعية في فقه ابن عثيمين

    السياسة الشرعية في فقه ابن عثيمين
    عبد العزيز بن عبد الرحمن الشبرمي


    المقدمّـة:
    إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده، ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
    وبعد:
    فإنّه في زمنٍ تتوالى فيه النوازل، والمستجدات، وتتجدد فيه الوقائع، والمستحدثات، يظل المرء محتاجاً إلى الاشتمال بلباس الفقه، متسلحاً بسلاح العلم، والفهم، وذلك من خلال الصدور عن أهل العلم الراسخين فيه، وما القضايا السياسية، ومستجداتها، إلا واحدة من أهم تلك النوازل التي تنزل بالأمة، والتي يحتار فيها الناس عموماً، وأهل الاختصاص بذلك خصوصاً، والتي ينبغي أن تُولى مزيد اهتمام، ووافر عناية، ذلك أن الخلل في فهمها، أو الخطأ في التعامل معها، يعني فادحة كبرى، وزلةً ذات خطر.
    ومن هنا جاءت فكرة البحث في معالمَ سياسيةٍِ في فقه أحد العلماء الراسخين علماً، وفهماً، وحكمةً، فكان الاختيار لفقه فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله - لا سيما وقد فهم كثير من معاصرية تناوله لفقه الأحكام في العبادات، والمعاملات، والعقائد، دون الحديث عن السياسة، والحكم، فكانت الرغبة لإبراز هذه المعالم السياسية في فقهه - رحمه الله - وتدوين ذلك كي تكون نبراساً لطلاب الحق الباحثين عنه، في زمن تكاثرت فيه المواقف، والاتجاهات، سائلاً المولى القدير أن يوفقني في إبراز هذه المعالم،
    وصلى الله، وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين،،،
    الباحث،،
    التّمهيـــــد، وفيه:
    أولا- التعريف بالسياسة.
    ثانيا- التعريف بشخصية البحث (فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين)
    ثالثا- أسباب اختيار الموضوع.
    رابعا- الدراسات السابقة.
    أولا- تعريف السياسة:
    السياسة: بكسر السين مصدر ساس يسوس الدواب: راضها وعني بها...
    والسِّيَاسَةُ: فِعْل السائسِ وهو مَن يَقوم على الدّوابِّ ويَرْوضُهَا، وسَوَّسَ له أَمْراً أَي رَوَّضَه وذَلَّلَه. (1)
    واصطلاحا: رعاية شئون الأمة بالداخل، والخارج، وفق الشريعة الإسلامية. (2)
    قال ابن القيم: "قال ابن عقيل: السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا نزل به وحي". (3)
    ثانيا-: التعريف بشخصية البحث (فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين):
    هو: أبو عبد الله محمد بن صالح بن محمد بن سليمان بن عبد الرحمن العثيمين الوهيبي التميمي.
    كان مولده في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك عام 1347هـ، في مدينة عنيزة - إحدى مدن القصيم- بالمملكة العربية السعودية.
    تعلّم القران الكريم على جده من جهة أمه عبد الرحمن بن سليمان الدامغ - رحمه الله - ثم تعلم الكتابة، وشيئاً من الأدب، والحساب، والتحق بإحدى المدارس، وحفظ القرآن عن ظهر قلب في سن مبكرة، وكذا مختصرات المتون في الحديث، والفقه.
    درس على الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، وقرأ عليه في التفسير، والحديث، والتوحيد، والفقه، وأصوله، والفرائض، والنحو.
    ويعتبر الشيخ عبد الرحمن السعدي شيخه الأول الذي نهل من معين علمه، وتأثر بمنهجه، وتأصيله، واتّباعه للدليل، وطريقة تدريسه، وقد توسم فيه شيخه النجابة، والذكاء، وسرعة التحصيل، فكان به حفياً، ودفعه إلى التدريس، وهو لا يزال طالباً في حلقته.
    وقرأ على الشيخ عبد الرحمن بن علي بن عودان - رحمه الله - في علم الفرائض حال ولايته القضاء في عنيزة.
    وقرأ على الشيخ عبد الرزاق عفيفي - رحمه الله - في النحو والبلاغة أثناء وجوده في عنيزة.
    ولمّا فتح المعهد العلمي بالرياض، أشار عليه بعض إخوانه أن يلتحق به، فاستأذن شيخه عبد الرحمن السعدي فأذن له فالتحق بالمعهد العلمي في الرياض سنة 1372هـ، وانتظم في الدراسة سنتين انتفع فيهما بالعلماء الذين كانوا يدرسون في المعهد حينذاك، ومنهم العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، والشيخ عبد العزيز بن ناصر بن رشيد، والشيخ عبد الرحمن الأفريقي، وغيرهم (- رحمهم الله -).
    واتصل بسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله - فقرأ عليه في المسجد من صحيح البخاري، ومن رسائل شيخ الإسلام بن تيمية، وانتفع منه في علم الحديث، والنظر في آراء فقهاء المذاهب، والمقارنة بينها، ويعتبر سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز شيخه الثاني في التحصيل، والتأثر به.
    وتخرج في المعهد العلمي، ثم تابع دراسته الجامعية انتساباً حتى نال الشهادة الجامعية من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض.
    بدأ التدريس منذ عام 1370هـ في الجامع الكبير بعنيزة في عهد شيخه عبد الرحمن السعدي، وبعد أن تخرج من المعهد العلمي في الرياض عين مدرساً في المعهد العلمي بعنيزة عام 1374هـ.
    وفي سنه 1376هـ توفي شيخه عبد الرحمن السعدي فتولى بعده إمامة المسجد بالجامع الكبير في عنيزة، والخطابة فيه، والتدريس بمكتبة عنيزة الوطنية التابعة للجامع، والتي أسسها شيخه عام 1359هـ.
    ولمّا كثر الطلبة، وصارت المكتبة لا تكفيهم صار يدرس في المسجد الجامع نفسه، واجتمع إليه طلاب كثيرون من داخل المملكة، وخارجها، حتى كانوا يبلغون المئات، وهؤلاء يدرسون دراسة تحصيل لا لمجرد الاستماع - ولم يزل مدرساً في مسجده، وإماماً، وخطيباً حتى توفي - رحمه الله -.
    استمر مدرساً بالمعهد العلمي في عنيزة حتى عام 1398هـ، وشارك في آخر هذه الفترة في عضوية لجنة الخطط، ومناهج المعاهد العلمية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وألف بعض المناهج الدراسية.
    ثم لم يزل أستاذاً بفرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم بكلية الشريعة، وأصول الدين منذ العام الدراسي 1398-1399هـ حتى توفي - رحمه الله -.
    درّس في المسجد الحرام والمسجد النبوي في مواسم الحج، وشهر رمضان، والعطل الصيفية.
    شارك في عدة لجان علمية متخصصة عديدة داخل المملكة العربية السعودية.
    ألقى محاضرات علمية داخل المملكة، وخارجها عن طريق الهاتف.
    تولى رئاسة جمعية تحفيظ القرآن الكريم الخيرية في عنيزة منذ تأسيسها عام 1405هـ حتى وفاته - رحمه الله -
    كان عضواً في المجلس العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية للعامين الدراسيين 1398 - 1399 هـ و 1399 - 1400 هـ.
    كان عضواً في مجلس كلية الشريعة، وأصول الدين بفرع الجامعة بالقصيم، ورئيساً لقسم العقيدة فيها.
    كان عضواً في هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية منذ عام 1407هـ حتى وفاته - رحمه الله -
    وكان بالإضافة إلي أعماله الجليلة والمسؤوليات الكبيرة حريصاً على نفع الناس بالتعليم، والفتوى، وقضاء حوائجهم ليلاً، ونهاراً، حضراً، وسفراً، وفي أيام صحته، ومرضه.
    كما كان يلزم نفسه باللقاءات العلمية، والاجتماعية النافعة المنتظمة المجدولة، فكان يعقد اللقاءات المنتظمة الأسبوعية مع قضاة منطقة القصيم، وأعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عنيزة، ومع خطباء مدينة عنيزة، ومع كبار طلابه، ومع الطلبة المقيمين في السكن، ومع أعضاء مجلس إدارة جمعية تحفيظ القران الكريم، ومع منسوبي قسم العقيدة بفرع جامعة الإمام بالقصيم.
    توفي ابن عثيمين - رحمه الله - قبيل مغرب يوم الأربعاء الخامس عشر من شهر شوال سنة 1421هـ بمدينة جدة بالمملكة العربية السعودية - رحمه الله تعالى -
    وصلى على الشيخ في المسجد الحرام بعد صلاة العصر يوم الخميس السادس عشر من شهر شوال سنة 1421هـ الآلاف المؤلفة، وشيعته إلي المقبرة في مشاهد عظيمة لا تكاد توصف، ثم صلى عليه من الغد بعد صلاة الجمعة صلاة الغائب في جميع مدن المملكة، و في خارج المملكة جموع أخرى لا يحصيها إلا باريها، ودفن بمكة المكرمة - رحمه الله - رحمة واسعة (4).
    ثالثا- أسباب اختيار الموضوع.
    1- محاولة إبراز الفقه السياسي لفضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين - رحمه الله -، والذي ظل مغمورا بين صفحات فقه الشيخ في سائر الفنون.
    2- الحاجة الماسة في هذا الزمن لآراء الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين- رحمه الله - في الجوانب السياسية، وجمعها في منظومة واحدة يسهل الرجوع إليها، وإبرازها لقرب عهده، وثقة الآخرين بفقهه، وسداد رأيه.
    3- توثيق الآراء السياسية للشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله -، والذي يُعتدُّ برأيه عند طلاب الحق، وقطع الطريق أمام المفترين على الشيخ ببعض الآراء، والتي كان كثيرا ما يشتكي منها أثناء حياته، والتي كثرت بعد وفاته- رحمه الله -.
    4- الرغبة الشخصية للتعرف على جانب من أهم الجوانب التي أولاها فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله - عناية، وهو الجانب السياسي، الذي يبدو الشيخ غير مشتهر به من أول نظرة.
    5- إثراء المكتبة الإسلامية بهذا الجهد المقل، عسى أن يكون حافزا للمتخصصين للكتابة فيه بشكل واسع، ومفصّل.
    رابعا- الدراسات السابقة:
    من خلال البحث في مظان البحوث، والدراسات لم يظهر لي أسبقية بحث هذا الموضوع، وإنما تبين لي وجود مشاريع بحوث، وكتابات في مثله، من قبل الطلاب المقربين من فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، إضافة إلى رسائل وبحوث علمية في فقه الشيخ غير السياسي كأصول الفقه، أو القواعد الفقهية، أو علوم القرآن عند الشيخ - رحمه الله - إضافة إلى ما كتب عن الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله - من كتب، وأحاديث عن حياة الشيخ، وشيء من سيرته، ومواقف الناس معه، ولم يتطرق فيها لشيء من المعالم السياسية عنده، سوى الحديث عن علاقة الشيخ بولاة الأمر، وكلامه عن مسألة وجوب طاعة الإمام، وتحريم الخروج عليه، دون ذكر لبقية المعالم السياسية، إضافة إلى كون المكتوب بعيدا عن الطرح الأكاديمي، ومن هذه المؤلفات:
    1- ابن عثيمين، الإمام الزاهد للدكتور ناصر بن مسفر الزهراني.
    2- الجامع في حياة الشيخ محمد بن صالح العثيمين للدكتور وليد الحسين الزبيري.
    3- أربعة عشر عاما مع فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين للشيخ عبد الكريم بن صالح المقرن.
    4- صفحات من حياة الفقيد العالم الزاهد الشيخ محمد بن عثيمين للدكتور عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار.
    5- صفحات مشرقة من حياة الإمام محمد بن صالح العثيمين للشيخ يوسف بن عبد الله المطر.
    أما الدراسات والبحوث العلمية المتخصصة بتناول فقه الشيخ محمد بن صالح العثيمين فهي كثيرة ومتنوعة بتنوع فنون علم الشيخ - رحمه الله - ومن هذه الدراسات:
    1-منهج الشيخ محمد بن عثيمين في الدعوة إلى الله، رسالة دكتوراه تقدم بها الباحث عبد العزيز بن عبد الرحمن الروضان لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1425هـ إشراف الدكتور حمد بن ناصر العمار.
    2- جهود الشيخ ابن عثيمين وآراؤه في التفسير رسالة دكتوراه تقدم بها الباحث أحمد بن محمد البريدي عام 1426هـ
    3- اختيارات الشيخ محمد بن صالح العثيمين الفقهية في أبوب القرض والرهن والضمان والحوالة والصلح، بحث تكميلي تقدم به الباحث: صالح بن غانم بن سلطان العمري لنيل درجة الماجستير من المعهد العالي للقضاء عام 1426هـ إشراف الدكتور سعد بن عمر الخراشي.
    4- اختيارات الشيخ محمد بن صالح العثيمين الفقهية في كتب العارية وإحياء الموات والجعالة واللقطة واللقيط، بحث تكميلي تقدم به الباحث: بدر بن سعود بن أحمد البدر لنيل درجة الماجستير من المعهد العالي للقضاء عام 1426هـ إشراف الدكتور سعد بن عمر الخراشي.
    5- اختيارات الشيخ محمد بن صالح العثيمين الفقهية في الوكالة والشركة والمساقاة والإجارة، بحث تكميلي تقدم به الباحث: عبد الرحمن بن سعد الحربي لنيل درجة الماجستير من المعهد العالي للقضاء عام 1426هـ إشراف الدكتور سعد بن عمر الخراشي.
    6- اختيارات الشيخ محمد بن صالح العثيمين الفقهية في أبوب الإيلاء والظهار واللعان والأيمان، بحث تكميلي تقدم به الباحث: عبد الرحمن بن عابد المالكي لنيل درجة الماجستير من المعهد العالي للقضاء عام 1426هـ إشراف الدكتور سعد بن عمر الخراشي.
    7- اختيارات الشيخ محمد بن صالح العثيمين الفقهية في بابي الحجر والشفعة بحث تكميلي تقدم به الباحث: محمد بن عبد الله بن حمد المسلم لنيل درجة الماجستير من المعهد العالي للقضاء عام 1426هـ إشراف الدكتور سعد بن عمر الخراشي.
    8- اختيارات الشيخ محمد بن صالح العثيمين الفقهية في باب الأطعمة، بحث تكميلي تقدم به الباحث: عبد العزيز بن محمد السلطان لنيل درجة الماجستير من المعهد العالي للقضاء عام 1426هـ إشراف الدكتور سعد بن عمر الخراشي.
    9- اختيارات الشيخ محمد بن صالح العثيمين الفقهية في بابي الجنايات والديات، بحث تكميلي تقدم به الباحث: سعد بن عبد الرحمن الفريان لنيل درجة الماجستير من المعهد العالي للقضاء عام 1426هـ إشراف الدكتور سعد بن عمر الخراشي.
    10- اختيارات الشيخ محمد بن صالح العثيمين الفقهية في كتاب النكاح، بحث تكميلي تقدم به الباحث: جبران بن حسين بن أسعد لغبي لنيل درجة الماجستير من المعهد العالي للقضاء عام 1426هـ إشراف الدكتور سعد بن عمر الخراشي.
    11- اختيارات الشيخ محمد بن صالح العثيمين الفقهية من كتاب القضاء إلى نهاية كتاب الإقرار، بحث تكميلي تقدم به الباحث: أحمد بن عبد العزيز الصقعوب لنيل درجة الماجستير من المعهد العالي للقضاء عام 1426هـ إشراف الدكتور سعد ابن عمر الخراشي.
    12- اختيارات الشيخ محمد بن صالح العثيمين الفقهية في كتاب الحدود، بحث تكميلي تقدم به الباحث: إبراهيم بن سليمان الربعي لنيل درجة الماجستير من المعهد العالي للقضاء عام 1426هـ إشراف الدكتور سعد بن عمر الخراشي.
    إلى غير ذلك من البحوث والرسائل العلمية التي تناولت فنا من الفنون العلمية أو بابا من أبواب الفقه وموقف الشيخ محمد بن عثيمين وآرائه فيه خلا جانب هذا البحث وهو جانب السياسة الشرعية لاسيما مع اهتمام الشيخ به من خلال مواقفه السياسية الخالدة والواضحة وحرصه على استقرار البلاد وتناوله للسياسة الشرعية شرحا وتعليما من خلال شرح كتاب السياسة الشرعية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحم الله الجميع.
    • الفصل الأول: المعالم السياسية الداخلية في فقه الشيخ محمد بن عثيمين، وتحته خمســـة معالم:
    المعلم الأول: الاهتمام بالولاية والإمارة،
    المعلم الثاني: الحقوق والواجبات المتبادلة بين الحاكم والمحكوم،
    المعلم الثالث: طريقة الحكم ومقصوده، وسياسة البلاد.
    المعلم الرابع: التعامل مع أهل البغي، والفساد.
    المعلم الخامس: الشورى.
    المعلم الأول: الاهتمام بالولاية والإمارة، وتحته تسعة فروع:
    الفرع الأول: حكم نصب الحاكم الأصلح.
    الفرع الثاني: حكم تولية من طلب الحكم.
    الفرع الثالث: أركان الحكم.
    الفرع الرابع: حكم تحديد سنوات الحكم.
    الفرع الخامس: طريقة التنصيب للحاكم وحكم الانتخابات.
    الفرع السادس: حكم طاعة الحاكم.
    الفرع السابع: تصرفات الحاكم.
    الفرع الثامن: نصيحة الحكّام، وزيارتهم.
    الفرع التاسع: حكم قتل الحاكم.
    المعلم الأول: الاهتمام بالولاية والإمارة:
    الفرع الأول: حكم نصب الحاكم الأصلح:
    ما كان العلماء الأجلاء على مر العصور السالفة، والمعاصرة، ومنهم فضيلة الشيخ محمد ابن عثيمين- رحمه الله - ليتساهلوا في مسألة الولاية، والحكم، وضرورة نصبه على المسلمين، ليستقيم بذلك أمر الدين، والدنيا، لذا قال - رحمه الله -: ولا يمكن أن تستقيم الأحوال بدون أمير، ولا يمكن أن تستقيم بأمير لا إمرة ولا طاعة له، ولهذا ينكر أشد الإنكار على الذين يدعون إلى منابذة الحكام، وعدم السمع، والطاعة لهم، إذ إن طاعتهم واجبة، والخضوع لأمرهم واجب، إلا في شيء واحد وهو أن يأمروا بمعصية.
    وشدد في ذلك فقال: فالمسألة مهمة جداً، وهي الإمرة، فلا بد للناس من أمير، لهذا قال السفاريني - رحمه الله -: ولا غنى لأمة الإسلام في كل عصر كان عن إمام.
    بل تجاوز الأمر عند الشيخ - رحمه الله - إلى بلاد الكفار فقال: حتى البلاد الكافرة الآن لا بد أن يؤمروا واحداً عليهم.. ولا يمكن أن تستقيم الأحوال بدون أمير(5).
    ولمّا كانت الإمارة موضوعة لخلافة النبوة، وحراسة الدين، والقيام بمصالح البشرية، كان نصب الحاكم، والإمام من الواجب المتفق عليه بين أهل العلم، كما قال الماوردي - رحمه الله -: "الإمارة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين، وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع"(6).
    وقد تنبّه ابن عثيمين- رحمه الله - إلى ضرورة نصب أصلح الأمة في هذا الموطن، وعدم تولية أحدٍ في كل مسؤولية، سواء كانت الإمارة الكبرى، أو ما دونها من المسؤوليات، إلا أن يكون أصلح الناس لها، وأجدرهم بها، فيقول - رحمه الله -: "فيجب على ولي الأمر -الولاية العامة أن لا يوظف إلا من هو أصلح في ذلك العمل بعينه، وكذلك في الولايات الخاصة كمدير المدرسة"..
    وقال يجب على الوالي الأكبر، والأصغر، أن يولي على العمل أصلح من يكون قائماً بهذه الأعمال، وهذا مقتضى الأمانة.
    وشدّد - رحمه الله - أن يكون سبب التولية غير الصلاح، كسبب القرابة، أو الشرف، واعتذر - رحمه الله - عن سبب التولية بسبب الحصول على الشهادات لكونها مقربة، وقرينة على كفاءات الإنسان المولّى، شريطة أن يكون صالحاً مصلحاً، وإلاّ وجب عزله، واستبداله بخير منه(7).
    واستدرك - رحمه الله - قائلاً: "وإذا ولي الأمرَ غيرُ الأصلح فإنه تجب طاعته، إلا في معصية الله، وحسابه على الله - تعالى -، لهم على رعيتهم حق السمع والطاعة، وعليهم حق تولية الأصلح على رعاياهم"(8).
    الفرع الثاني: حكم تولية من طلب الحكم:
    إذا كان قد تقرر أن فضيلة الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - يرى وجوب تولية الأصلح في كل الولايات، كبيرها، وصغيرها، فإن ثمة مانع من تولية الرجل الأصلح، وهو ما لو طلب الولاية لنفسه، حيث قال: بأنَّ طلب الولاية سببٌ في منع من طلب(8).
    والدليل على ذلك ما رواه البخاري، ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - "أن قوماً دخلوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألوه الولاية فقال: (( إنّا لا نولّي أمرنا هذا من طلبه)) (9).
    واستثنى من ذلك - رحمه الله -، ما لو خشي الإنسان أن يولي الإمام إنساناً غير كفءٍ للإمامة وهو يعرف عدم كفاءة ذلك الشخص، ويرى من نفسه القدرة على توليِّها، فله أن يطلبها لنفسه، حماية للولاية من وصول غير الأكفاء لها.
    والدليل على ذلك ما حكاه الله عن نبيه يوسف - عليه الصلاة والسلام -، حين طلب الإشراف على خزينة المال قائلاً: ( قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (10).
    الفرع الثالث: أركان الحكم:
    يرى فضيلة الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - موافقا في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في رأيه أن ركني الولاية هما: القوة، والأمانة فيجب في كل ذي ولاية أن يكون قوياً، وأميناً، لقوله - تعالى -: ( قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ) (12) ويرى أن القوة في كل ولاية بحسبها، ففي باب الحرب القوة هي شجاعة القلب، وقوة البدن، والخبرة بالحروب، والمخادعة فيها، والكرّ والفر، وما أشبه ذلك.
    وفي الحكم بين الناس القوة فيه بالعلم، وقوة الشخصية، وتنفيذ الأحكام، وعدم التهاون بها.
    ويصف- رحمه الله - وجود هذين الركنين في هذا الزمن بأنه عزيز، فتجد الذي ليس أهلاً للولاية من حيث الأمانة تجد عنده نشاطاً، وقوة، وإنجاز للأعمال، وتجد الرجل الأمين يفقد هذا، ولذلك فإن الناس يختارون الذي ينجز الأعمال ولو لم يكن أميناً، وفي حالة افتقاد أحد هذين الركنين في مجموع الأمة فإن الشيخ - رحمه الله - يرى أن الأنسب تولية القوي في الحرب، وإن كان فاجراً، لكن يضم إليه أمين، وإذا كان قائد الحرب أميناً ضعيفاً ضم إليه قوي ليكون مساعداً له، أو نائباً له، يرجع إليه في الأمور.
    ويدخل في هذا الباب ما إذا كان الخليفة شديداً ناسب أن يكون نائبه ليناً، كأبي عبيدة ابن الجراح في زمن الخليفة عمر بن الخطاب، وإذا كان الخليفة ليناً ناسب أن يكون نائبه شديداً حازماً كالوليد في زمن أبي بكر الصديق - رضي الله عنهم - أجمعين(13).
    وقال - رحمه الله -:
    " إذا لم نجد من تتوفر فيه القوة الأمانة على الوجه الأكمل نختار الأصلح فالأصلح، وإذا اختار الأصلح مثلاً في وقته، وحسب واقع الناس، وتبين أنه غير صالح وجب أن يعدل عنه" (14).
    الفرع الرابع: حكم تحديد سنوات الحكم:
    لا يرى فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين- رحمه الله - مانعاً من تقييد سنوات الولاية بمدة معينة، بل يرى أن هذا الأمر فيه مصلحة للمجتمع، حتى يرى كفاءته من عدمها، حيث يقول: ولا بأس بتقييد الولاية سنة، أو سنتين، أو ثلاث، أو أربع، أو غير ذلك، لا بأس به فهذا جيد، لأنه يفيد.
    وقال: وجعْلُ الولاية مقيدة بسنوات هذا طيب، حتى يختبر، وينظر، وكم من إنسان لا نظن أنه أهلٌ فيكون أهلاً؟ وكم من إنسان يكون بالعكس نظنه أهلاً ويكون غير أهلٍ؟ وعلل - رحمه الله - بأن الولاية ليس عقد إيجار، والتقدير يكون بحسب المصلحة، زادت المدة، أو نقصت(15).
    الفرع الخامس: طريقة التنصيب للحاكم وحكم الانتخابات:
    لمّا كان طلب الولاية مانعاً من توليها عند الشيخ - رحمه الله -، ولما كانت طريقة التولية في هذا الزمن تختلف عنها في الزمن السابق، حيث يجتمع أهل الحل، والعقد في الزمن السابق، ويبايعون إمامهم، وينصبون حكّامهم، وأصبح الواقع أن الانتخابات تجري في بعض الدول والحكومات ليختار الناس من يتولى عليهم، ويستلزم من ذلك طلب المنتخب أن يرشّح نفسه، ويطلب الولاية، فهل له ذلك؟ وهل يمنع من التولي؟
    يجيب - رحمه الله - قائلا: وأما الذين يطلبون الولاية في الانتخابات، فإنهم لا يقصدون أن يتولوا هم، والله أعلم بنياتهم، لكن يقصدوا أن يتولى حزبهم مثلاً، لأن هناك حزباً مضاداً، فلو تركت الأحزاب الأخرى الضالة فإنه يحصل الفساد، وهذا كقول يوسف - عليه السلام – للعزيز: ( قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (16)
    الفرع السادس: حكم طاعة الحاكم.
    تناول الشيخ- رحمه الله - علاقة الحاكم بالمحكوم، وعلاقة المحكوم بالحاكم في أكثر من مناسبة، وفي تناوله لحقوق الحكام على المحكومين بيّن - رحمه الله - وجوب طاعة ولاة الأمور، وتحريم معصيتهم إلا إذا أمروا بمعصية، حيث يقول: فتجب طاعة ولي الأمر ولو كان من أفسق عباد الله، وذلك لعموم الأدلة الدالة على وجوب طاعة ولاة الأمور، والصبر عليهم وإن رأينا منهم ما نكره في أديانهم، وعدلهم، واستئثارهم فإننا نسمع ونطيع فنؤدي الحق الذي أوجب الله علينا، ونسأل الله الحق الذي لنا، هكذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهكذا جرى عليه سلف هذه الأمة.
    وقيّد - رحمه الله - الطاعة بالمعروف، فإن أمروا بمعصية فلا طاعة حيث يقول: إن أمر الحاكم بمعصية فإنه لا طاعة له، لأنه هو نفسه عبد لله، مأمور لله، فكيف يأمر بما يخالف أمر الله؟ نقول: ربنا وربك الله، ولا طاعة لك في معصية الله أبداً(17).
    ويبيّن الشيخ - رحمه الله - أن طاعة الحاكم ليس في الواجبات فقط، بل حتى في المباحات من الأمور تجب طاعته إذا أمر بها، حيث يقول: ويظن بعض الجهال القليلي العلم، الضعيفي الإيمان، أن الحكومة لا تطاع إلا فيما أمر الله به!! وهذا ظن فاسد، لأن ما أمر الله به يجب علينا فعله إذا كان واجباً، سواء أمرت به الحكومة أم لا، ولأنا لو قلنا: إن الحكومة لا تطاع إلا فيما أمر الله لم يكن بينها وبين عامة الناس فرق في الطاعة، وولي الأمر له شأن خاص، إذا أمرك بأمر صار واجباً، وهذا الفرق بين ولي الأمر، وبين سائر الناس(18).
    الفرع السابع: تصرفات الحاكم وكونها وفق المصلحة:
    قرّر الشيخ - رحمه الله - أن الحاكم والوالي وكيل الناس على أنفسهم، كما أنه نائب عن الله في الخلق، بمعنى أن الله جعل الحكّام يقيمون شريعة الله في عباده، ومن المقرر عند أهل العلم أن تصرفات الوكيل، والولي، والوصي منوطة بالمصلحة(19) ولذلك يقول ابن عثيمين - رحمه الله -: الخليفة أو الحاكم وكيل الناس على أنفسهم، يقيمونهم، ويهذبون أخلاقهم، ويتبعوهم على شريعة الله، فهم نواب الله على عباده، وهم وكلاء العباد على نفوس العباد وحيث أن الشعب مثلاً وكّلَ هؤلاء الحكام على نفسوهم، كأن الشعب قال: كونوا لنا حكاماً لتقيمونا، وتعدلوا على شريعة الله.
    وبيّن أن تصرفات الحكام يجب أن تكون وفق شريعة الله، وإقامة العدل، ونبذ الظلم، فقال: أمّا ما يجب على الرعاة والولاة للرعية فأمر عظيم، ومسؤولية كبرى، يجب عليهم أولاً إخلاص النية لله - تعالى -بأن يقصدوا بتصرفاتهم، وتدبيراتهم تنفيذ أحكام الله، وإقامة العدل وإزالة الظلم، وتطبيق ذلك بحسب استطاعتهم، وأن لا يستعملوا سلطتهم في تنفيذ أهوائهم، وإشباع رغباتهم بلا حق. (20).
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    21,344

    افتراضي رد: السياسة الشرعية في فقه ابن عثيمين

    السياسة الشرعية في فقه ابن عثيمين
    عبد العزيز بن عبد الرحمن الشبرمي


    الفرع الثامن: نصيحة الحكام وزيارتهم:
    إن من أبرز المعالم السياسية في حياة الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - حرصه التام على ربط العلائق بين العالم، والحاكم، علاقة مبنية على الاحترام، وتقدير المسؤولية المناطة على العلماء، والحكام، لا من أجل الحضوة بمتاع من الدنيا زائل، ولهذا فإنَّ من يعرف الشيخ يجده مقدِّراً للحكّام، حريصاً على الاتصال بهم، واستقبالهم، والتشاور معهم في ما يستجد من أمور، ولم يك يوماً معنفاً، أو مؤلباً، أو منتقداً، وإذا أراد أن ينتقد أمراً فيتكفي بالزيارة اللطيفة، أو المهاتفة المناسبة.
    كقوله رحمة الله: وأما النصيحة لأئمة المسلمين فهو صدق الولاء لهم، وإرشادهم لما فيه خير الأمة في دينها، ودنياها، ومساعدتهم في إقامة ذلك، والسمع، والطاعة لأوامرهم، ما لم يأمروا بمعصية (21).
    ويقول أيضاً: إن من حقوق الرعاة على رعيتهم أن يناصحوهم، ويرشدوهم، وأن لا يجعلوا من خطئهم إذا أخطأوا سلماً للقدح فيهم، ونشر عيوبهم بين الناس، فإن ذلك يوجب التنفير عنهم، وكراهتهم، وكراهة ما يقومون به من أعمال وإن كانت حقاً، ويوجب عدم السمع والطاعة لهم، وإن من الواجب على كل ناصح، وخصوصاً من ينصح ولاة الأمور أن يستعمل الحكمة في نصيحته، ويدعوا إلى سيبل ربه بالحكمة، والموعظة الحسنة، فإذا وجد ممن ينصح من ولاة الأمور قبولاً للحق، وانقياداً له فذلك، وإلا فليتثبت في الأمور، وليتحقق من وقوع الخطأ منه، وإصراره عليه، ثم ليرفعه إلى من فوقه إن كان في ذلك مصلحة، كما كان السلف يفعلون (22).
    وقد بيّن - رحمه الله - أن المناصحة تكون مشافهة إذا أمكن، أو بالمكاتبة، أو بالوساطة يوسّطون من يتكلم مع السلطان إذا كانوا لا يستطيعون، ومن المناصحة تأليف القلوب على ولي الأمر، وأن يبتعد عن كل ما يوجب النفرة منه، والحقد، والعداوة. لأنه ليس من النصيحة للإنسان أن تملأ قلوب الناس عليه حقداً، وعداوة، والدعاء لهم أمر مهم في مناصحتهم (23).
    ولما تحدث عن قصة دخول أبي مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان علّق قائلاً: جرأة السلف على مجابهة الملوك، والخلفاء، ومن دونهم وهي جراءة صريحة ليست جراءة من وراء الجدران، ومن بعاد الفيافي) (24).
    كأنّه ينتقد الذين يجهرون بأخطاء الحكام من بُعْدٍ، واستتار، ولا يستخدمون الطريقة الأمثل، وهي المناصحة المباشرة، وبهذا يعلم خطأ التشهير على الولاة في المنابر، ووسائل الإعلام، والمنشورات ونحوها.
    الفرع التاسع: حكم قتل الحاكم:
    إن قتل الإنسان معصوم الدم عمداً يستوجب القود، أو الدية باختيار الورثة؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: ((من قتل له قتيل فهو بخير النظرين... )) الحديث
    لكنّ قتْل السلطان أمر أعظم من ذلك، وأشد، لما فيه من إضاعة الأمن، وخراب الدولة، وإشاعة الفساد، وتشجيع الجريمة، والمجرمين، لذلك يقول ابن عثيمين - رحمه الله -: " إن قاتل السلطان يجب أن يعامل كقطاع الطريق، فلا يرجع فيه إلى الورثة، بل يجب قتله؛ لأنّ فساده عام".
    ولمّا سئل عن الذين يقتلون الحكام لأنهم لا يحكمون بشريعة الله، ويقولون هم كفار!!
    قال: لا يجوز؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يأذن بذلك، فإذا قتلوا الولاةَ يُقتَلون. هذا هو الحكم فيهم، فقد يكون عند الولاة تأويل(25).
    المعلم الثاني: الحقوق والواجبات المتبادلة بين الحاكم والمحكوم:
    الفرع الأول: الحقوق الواجبة على الحاكم للمحكوم:
    أوضح- رحمه الله - أن الولاية، والإمارة مسؤولية عظيمة، ليست لبسط النفوذ، ونيل المرتبة، إنما هي لإقامة الحق بين الخلق، ونصرة دين الله وإصلاح الناس دينياً، ودنيوياً، وتطبيق أحكام الله، والعدل بينهم، والحرص على استتباب الأمن، والقضاء على الفوضى، حيث يقول - رحمه الله -:
    أمّا حقوق الرعية على ولاتهم فالمسؤولية كبيرة، والأمر خطير، فليس المقصود بالولاية بسط السلطة، ونيل المرتبة، إنما المقصود بها تحمل مسؤولية عظيمة، تتركز على إقامة الحق بين الخلق بنصر دين الله، وإصلاح عباد الله دينياً، دنيوياً، فيجب على الولاة صغاراً وكباراً إخلاص النية لله - سبحانه -، والاستعانة به على جميع أمورهم، على ما حملوا من هذه الأمانة وعليهم أن يطبقوا أحكامه - سبحانه - بحسب استطاعتهم على الشريف، والوضيع، والقريب والبعيد، لا يحابوا شريفاً لشرفه، ولا قريبا لقربه، متمشين بذلك على ما رسمه لهم نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، حيث قال معلناً ومقسماً وهو البار الصادق بدون قسم: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها.
    ثم أخبر أنه بذلك يستتب الأمن، ويحصل التآلف، وإلا تحصل الفوضى، والتنافر(26).
    وذكر - رحمه الله -: أن من واجبات الأئمة إقامة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والجهاد، والحج، والجمع، والأعياد، وتنفيذ الحدود الشرعية(27).
    الفرع الثاني: الحقوق الواجبة على المحكوم للحاكم:
    بيّن - رحمه الله - الحقوق الواجبة لكل حاكم على رعيته، فقال في إحدى خطبه: أما حقوق الولاة على رعيتهم فهي النصح، والإرشاد بالحكمة والموعظة الحسنة، بسلوك أقرب الطرق إلى توجيههم، وإرشادهم، وكذلك من حقوقهم السمع و الطاعة بامتثال ما أمروا به، وترك ما نهوا عنه، ما لم يكن في ذلك مخالفة لشريعة الله، فإن كان في ذلك مخالفة لشريعة الله فلا سمع ولا طاعة.
    ثم قال مبيناً طاعة ولاة الأمر:
    إن من طاعة ولاة الأمر التي أمر الله بها أن يتمشى المؤمن على أنظمة حكومته المرسومة إذا لم تخالف الشريعة، فمن تمشى على ذلك كان مطيعاً لله، ورسوله، ومثاباً على عمله، ومن خالف في ذلك كان عاصياً لله، ورسوله، وآثماً بذلك(28).
    ومن حقوق الولاة على المحكومين نصرتهم في حروبهم على البغاة، وقطاع الطريق إذا امتنعوا عليه(29).
    المعلم الثالث: طريقة الحكم، ومقصوده، وسياسة البلاد:
    بيّن ابن عثيمين- رحمه الله - أن الحكم لا بد أن يكون بشريعة الله، وبما أنزل الله، وهو دين الإسلام، وأن ذلك هو الأحسن الذي لا حسن سواه، حيث يقول: إنه لا عزة ولا كرامة، ولا انتصار إلا بالقيام بالدين، وتحكيم الكتاب، والسنة، وتقديمهما على جميع النظم، والقوانين، فإنه لا نظام أقوى من نظام الإسلام، ولا حكم أحسن من حكمه، لأنّه حكم الرب العلي الحكيم الرحمن الرحيم.
    لا أحسن من تطبيق الإسلام في الأمور السياسية، والأمور الاقتصادية، والأحوال الاجتماعية، والأحوال الشخصية، والحدود الجنائية، فتطبيقه صلاح العالم في جميع الأحوال(30).
    وقد بيّن - رحمه الله - أن الولاية، والإمارة ليست مقصودة لذاتها من بسط النفوذ، ونيل المرتبة، إنما هي لإقامة الحق بين الخلق، ونصرة دين الله، وإصلاح عباد الله دينياً، ودنيوياً، وتطبيق أحكام الشريعة بالعدل، والإنصاف(31).
    كما أوضح أن من مقاصد الحكم إقامة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وضبط الأمن والجهاد، والحج، والجمع، والأعياد، وتنفيذ الحدود الشريعة، وتولي بيت المال(32).
    وأما سياسة البلاد فتكون بإعمار الأرض، وإصلاح أمور الدنيا خدمة للدين، وتقسيم المال، ومعاقبة المجرمين، والمعتدين، وصرف الثروات لمستحقيها(33).
    المعلم الرابع: التعامل مع أهل البغي والفساد:
    غالباً ما تعيش الدولة الإسلامية في داخلها الأمن، والاستقرار بفضل الله أولاً، ثم بإقامة وتحكي شريعته من قبل الحكام المسلمين ثانيا، ولكن قد يطرأ على هذا الحال ما يكدر الصفو، وينكد العيش، من خلال خروج فئة من المسلمين، وحملهم السلاح على ولي أمر المسلمين، وسلطته بحجة تأويل قد يكون سائغاً، فيشقون عصا الطاعة، ويعلنون التمرد والخروج من دائرة الطاعة، والتبعية، وربما يصل الأمر بهم إلى الفساد والإفساد في الأرض، ولقد بذل ابن عثيمين- رحمه الله - في معالجة هذا الأمر بذلاً مباركاً، وذلك من خلال توجيهه لشباب المسلمين للحذر من هذه المزالق، حيث قال لمن سأله عن صحة ضابط الخروج على الحكام، وأنه إذا كان فاسقاً، ووجدت المقدرة على الخروج، فيجوز الخروج!! قال: هذا ليس من مذهب السلف في شيء، فالسلف متفقون على أنه لا يجوز الخروج على الأئمة أبراراً كانوا أو فجاراً، وأنه يجب الجهاد معهم، وحضور الجمع، والأعياد التي يصلونها هم بالناس.
    ثم حذّر من هذا المزلق فقال: إن الذين يخرجون على الحاكم لأمر ديني، ودنيوي هل سيغيرون الحال إلى الأحسن؟ بل إلى الأسوأ جداً، وانظر إلى الدول كلها تجد أنها تحولت إلى الشيء نفسه.
    ثم قال: وأنصح طلاب العلم الذين يقولون هذا بأن يتقوا الله في أنفسهم، لا يغروا المسلمين، غداً تخرج الطائفة ثم تحطّم، أو يتصور عن الملتزمين تصوراً غير صحيح، وردّد قائلاً: إياكم إياكم، احذروا الفتن، البلاد- والحمد لله آمنة، ومطمئنة، كل يتمنى أن يعيش فيها... ونحن لا نشك أننا، وحكامنا مقصرين، لكن إلى الله المشتكى(34).
    وتحدّث - رحمه الله - في خطبته يوم الجمعة التالية لتفجير الخبر يوم الأربعاء العاشر من شهر صفر من عام 1417هـ مبيّنا خطورة ذلك العمل، وما حصل من جرّائه من أمور منكرة، من قتل للمسلمين، والمستأمنين معصومي الدم، وإتلاف الممتلكات، وترويع الآمنين، ودعا إلى الإمساك بهم، ومحاكمتهم وفق شرع الله - سبحانه -، وبيّن أن ذلك لايمثل دين الله، وإنما يمثل فئة ظالمة جاهلة.
    المعلم الخامس: الشورى:
    ذكر ابن عثيمين- رحمه الله - فوائد عدة من أمر الله نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - أن يستشير أصحابه، معلقاً على كلام شيخ الإسلام - رحمه الله -: إنه لا غنى لولي الأمر من المشاورة: فقال: أمرالله نبيه بالمشورة لعدة أمور:
    أولاً: لتأليف قلوب أصحابه، حتى لا يقولوا إن الرجل استبد برأيه.
    ثانياً: ليقتدي به غيره من الولاة، وغيرهم.
    ثالثاً: ليستخرج منهم الرأي فيما لم ينزل به الوحي.
    وبيّن -رحمة الله- أنه لا بد أن يستشار من فيه صفتان: الأمانة والرأي(35).
    وبيّن نوعية المستشارين، وأنها بحسب نوع المشورة، فقال: ففي الأمور الشرعية يستشار أهل العلم الشرعي، وفي الأمور الحربية يستشار أهل العلم بالحرب، وفي أمور الصناعة يستشار أهل العلم بالصناعة، وفي أمور الزراعة يستشار أهل العلم بالزراعة، وهكذا لأن كل أحدٍ يدرك مالا يدركه الآخر(36).
    الفصل الثاني: المعالم السياسية الخارجية في فقه الشيخ محمد بن عثيمين:
    المعلم الأول: الجهاد قتال الأعداء:
    لمّا كانت العلاقة بين الدول تتنوع بين السلم، والحرب، ولمّا كان حرب الدولة الإسلامية يجب أن تكون منطلقاً من عقيدتها الإسلامية، حيث تقاتل أعدائها وفق شريعة الله المتمثلة بالجهاد الذي ترجوبه إما النصر، وإما الشهادة في سبيل الله، ولمّا كان الجهاد في سبيل الله من الأمور المشتملة على أحكامٍ قد تخفى على كثير من المقاتلين، وسائر الناس، لذا فإنَّ الشيخ ابن عثيمين- رحمه الله - تحدث عن هذه الشعيرة، وتناول مسائلها بتفصيل، وتوضيح وفي هذا المعلم السياسي البارز في حياته العلمية أردت تجلية بعض المسائل التي أولاها الشيخ - رحمه الله - جزءاً كبيراً من تبيانه، وهي إذن الإمام في إقامة الجهاد ابتداء؟ وهل هو على الوجوب أم الندب؟ وفي حال قيام الجهاد، ومسايفة الأعداء فمن الذي يستحق القتل، ومن يستثنى من ذلك؟ وما هي كيفية قسم الغنائم في حال انتصار المسلمين؟
    وقبل البدء بتفصيل ذلك، لا بد من بيان مفهوم الجهاد، ومعناه في لغة العرب، واصطلاح الفقهاء.
    فالجهاد هو: مصدر جاهد، وهو من الجهد أي الطاقة، والمشقة:
    واصطلاحاً: قتال المسلم كافرا ً غير ذي عهد، لإعلاء كلمة الله، أو حضوره له، أو دخوله أرضا له(37).
    وقد قسمت هذا المعلم إلى ثلاثة فروع:
    الفرع الأول: هل يجب إذن الإمام في الجهاد؟:
    يرى ابن عثيمين- رحمه الله - أن المخاطب بالجهاد هم الأئمة، وولاة الأمور، لذا فإنه لا يجوز إلا بإذنهم، حيث يجب استئذانهم فيه، فيقول لا يجوز غزو الجيش إلا بإذن الإمام مهما كان الأمر، لأن المخاطب بالغزو، والجهاد هم ولاة الأمور، وليس أفراد الناس، فأفراد الناس تبع لأهل الحل والعقد، فلا يجوز لأحد أن يغزو دون إذن الإمام إلا على سبيل الدفاع، وإذا فاجأهم عدو يخافون كَلَبَه فحينئذٍ لهم أن يدافعوا عن أنفسهم، لتعين القتال إذاً.
    وعلّل ذلك بقوله: وإنما لا يجوز ذلك لأن الأمر منوط بالإمام، فالغزو بلا إذنه افتيات، وتعدٍ على حدوده، ولأنه لو جاز للناس أن يغزوا بدون إذن الإمام لأصبحت المسألة فوضى، كل من شاء ركب فرسه وغزا، ولأنه لو مُكِّن الناس من ذلك لحصلت مفاسد عظيمة(38).
    وعن حكم خروج الرجل للجهاد بدون إذن الإمام يقول - رحمه الله -:
    إذا خرج بدون إذن الإمام فهو خارج عن الجماعة، ومخطئ على نفسه، خصوصاً في عصرنا هذا، لأنه إذا خرج مجاهداً، ثم عثر عليه، وعلمت دولته صار هناك مشاكل بينهما، فالواجب على الإنسان أن يأخذ بالنصوص من كل جانب، ولهذا قال العلماء: ويحرم الغزو بدون إذن الإمام.
    وبيّن - رحمه الله - أن إذن الإمام لا يشترط أن يكون صريحاً، أو مكتوباً، فكل ما دل على إذن فهو إذن شرعي، حيث يقول: وكون الدولة ترخص للناس، وتعطيهم جوازات سفر لمكان الجهاد، وهي تعلم فهذا إذن، وإن لم يكن إذناً لفظياً، فهو إذن باعتبار الواقع(39).
    الفرع الثاني: المستثنى من القتل في الجهاد:
    الجهاد هو قتال الأعداء، والعدو هو كل من بينه وبين المسلمين عداوة، ومحاربة، والأصل أن كل الأعداء يُقتلون، ولكن دين الإسلام دين الرحمة، والعدل، يميز بين الأعداء، فهناك أعداء يجب قتلهم لكونهم حملوا السلاح، وقاتلوا المسلمين، بينما هناك فئة لا يجوز قتلهم، بل يجب ترك قتلهم، وإبقائهم على قيد الحياة، يُجلّي هذه الأحكام ابن عثيمين - رحمه الله - فيقول: لا يجوز قتل صبي، ولا امرأة، وخنثى، وراهب، وشيخ فان، وأعمى إلا بواحدً من ثلاثة أمور:
    الأول: أن يكون لهم رأي وتدبير، فإن بعض كبار الشيوخ ولو كان شيخاً فانياً لا يستطيع أن يتحرك، فإن عنده من الرأي، والتدبير ما ليس عند الشباب المقاتل.
    الثاني: إذا قاتلوا كما لو اشترك النساء في القتال فإنهن يقتلن.
    الثالث: إذا حرضوا المقاتلين على القتال، وصاروا يغرونهم، بأن افعلوا كذا، اضربوا كذا، إلى آخره. لأنهم لهم تأثير في القتال.
    ثم بيّن- رحمه الله - أ نهم لا يُتركون إذا لم يتحقق منهم أحد الأمور الثلاثة التي ذكرها، بل إ نهم يسبون، فقال: وهؤلاء السبعة يكونوا أرقاء بسبي، أي بمجرد أخذهم يكونوا أرقاء في الحال، ولا يخير فيهم الإمام تبعاً للغنيمة، لأنهم صاروا مماليك(40).
    الفرع الثالث: قسمة الغنائم:
    لمّا كان مقصود الجهاد، وقتال الأعداء هو الفوز بنصر الله - تعالى -، أو الفوز بالشهادة في سبيل الله كان لا بد لعلماء الإسلام أن يتحدثوا عن مظهر من مظاهر المقصود الأول وهو الغنيمة المتحصلة من مال العدو المحارب.
    والغنيمة هي: ما نيل من أهل الشرك عنوة والحرب قائمة(41).
    ومن جملة أولئك العلماء الذين يبيتوا أحكام الغنائم ابن عثيمين - رحمه الله - حيث يقول:
    إذا تم الاستيلاء على الأموال في دار الحرب ملكها المسلمون في تلك البلاد، وجاز قسمتها هناك، وتكون لمن شهد الواقعة من أهل القتال، وهم الرجال الذين يقاتلون، فمن شهد منهم فإنه يقسم له، وأما من جاء بعد انتهاء الحرب فإنه لا شيء له منها، وكذلك من انصرف قبل بدء الحرب فإنه ليس له منها شيء.
    وبين - رحمه الله - كيفية قسمتها بقوله:
    يقوم الإمام أو نائبه كقائد الجيش مثلاً بإخراج الخمس، أي خمس الغنيمة، ويصرفه على ما ذكر الله بقوله: ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الفُرْقَانِ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (42). فيكون الخمس خمسة أسهم، لله ورسوله سهم، ولذوي القربى سهم، واليتامى سهم، وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم، ويكون سهم الله ورسوله في مصالح المسلمين، وما للرسول يكون للإمام، لأن الإمام نائب مناب الرسول في الأمة، ولكن الصحيح أن ما لله وللرسول يكون فيئاً يدخل في بيت المال، ويصرف في مصالح المسلمين(43).
    ثم بيّن - رحمه الله - أن سهم ذوي القربى مختلَف فيه بين أن يوزع على قرابة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهم بنو هاشم، وبنو عبد المطلب حسب حاجاتهم، وبين أن يعطوا خمس الخمس بالسوية، وبين أن يكون لذكرهم مثل حظي أنثاهم، ورجح أنهم يعطون حسب حاجاتهم، فإن كانوا سواء في الغنى، أو الحاجة أعطوا بالتساوي(44).
    وأما اليتامى فرجح أنهم يعطون من خمس الخمس من الغنيمة، ولو كانوا أغنياء جبراً للنقص الذي حصل لهم بفقد آبائهم(45).
    وبيّن أن المساكين، وهم الفقراء، وإذا قدّر أن خمسهم قليل فيبدأ بالأحق، وهم المساكين.
    وبيّن أن ابن السبيل هم المسافرون، فيعطون من هذا الخمس ما يوصلهم في سفرهم، تذكرة، أو متاعا، أو ما أشبه ذلك(46).
    ثم بيّن - رحمه الله - أن المتبقي بعد ذلك، وهو أربعة أخماس الغنيمة، يقسم بين المقاتلين للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، وقال: وإذا كانت الحرب بالطائرات، والدبابات فكلٌ يقاس على ما يشابهه، فالذي يشبه الخيل الطائرات لسرعتها، وتزيد أيضاً في الخطر، فهذا لصاحبها سهم ولها سهمان، والراجل الذي يمشي على رجله مثل القناصة لهم سهم واحد، ولما كانت الطائرة ليست للطيار إنما للدولة فإن سهم الطائرة يرجع لبيت المال، إلا إذا رأى ولي الأمر أن يعطي السهمين لقائد الطائرة فلا بأس، لأن في ذلك تشجيعاً له على هذا العمل الخطير.
    والذي يشبه الإبل: الدبابات والنقليات وما أشبهها.
    المعلم الثاني: التعامل مع الأسرى:
    غالباً ما يعقب الحروب والمعارك أسارى بين الطرفين المتحاربين: والأسير لغة هو: المشدود.
    واصطلاحاً: الرجال المقاتلون من الكفار إذا ظفر بهم المسلمون وهم أحياء. ويطلق على المسلم الذي به العدو (47).
    وهؤلاء الأسرى إما أن يكونوا كفاراً أسرهم المسلمون، وإما أن يكونوا مسلمين أسرهم العدو، وفي كلا الحالين بينت الشريعة أحكام هؤلاء الأسرى، وما واجب المسلمين تجاههم، وقد بيّن - رحمه الله - أن الأسارى الكفار إذا وقعوا في أيدي المسلمين فإن أمرهم إلى الإمام، وله فيهم أربعة أمور يختار منها ما يحقق المصلحة للمسلمين، لا ما يحقق المصلحة للأسير، والأمور الأربعة هي:
    القتل أو الاستعباد، أو المنّ مجاناً، أو المفاداة بمال، أو نفس، أو منفعة (48)
    ويرى ابن عثيمين - رحمه الله - أنه إذا كان عند المسلمين رهائن من الكفار، وكان عند الكفار رهائن من المسلمين، فيجوز مبادلة المسلمين بالكفار إذا خاف المسلمون أن ينقض العدو العهد، وخاف العدو نقض المسلمين للعهد، فإن قتل العدو رهائن المسلمين جاز للمسلمين قتل رهائن العدو، لأنهم طائفة واحدة، وجناية أحدهم جناية من الجميع، ولا يجوز أن يعطي المسلمون لعدوهم رهائن ضماناً لعدم نقض العهد، إلا إذا أعطوا المسلمين منهم رهائن كذلك (49).
    المعلم الثالث: العلاقات والمعاهدات الدولية: وتحته خمسة فروع:
    الفرع الأول: الأصل في العلاقة مع الأعداء
    يؤكد ابن عثيمين - رحمه الله - على أن طبيعة العلاقة بين الدولة المسلمة، وبين اليهود، والنصارى إنما هي علاقة عدائية، يجب أن تحذر الأمة المسلمة منها، حيث يقول:
    يجب الحذر من أهل الكتاب اليهود، والنصارى، لأنهم ما داموا ينقسمون إلى قسمين (أمين وخائن) فإننا لا ندري حين نعاملهم من أي القسمين هؤلاء؟ فيجب علينا الحذر، لا سيما إذا تبين لنا أنهم خونة، وأهل غدر، وأنهم لا يسعون لمصالحنا أبداً كما هو الواقع، فإن الواقع في الوقت الحاضر أن اليهود والنصارى لا يسعون أبداً لمصالح المسلمين، بل يسعون للإضرار بالمسلمين، والإفساد عليهم، حتى إنهم إذا رأوا الدولة متجهة إلى الإسلام من دول المسلمين فإنهم يحاولون إسقاطها، والتضييق عليها من الناحية الاقتصادية، والعسكرية، والسياسية، وهذا شيء يعرفه كل من تدبر وتأمل في الحوادث اليوم، إذن يجب علينا أن نحذر غاية الحذر من اليهود، والنصارى، وأن نعلم أن اليهود، والنصارى كل واحدٍ منهم ولي للآخر مهما طال الأمد، فهم أولياء ضد عدو مشترك وهم المسلمون(50).
    الفرع الثاني: الالتزام بالعهود والمواثيق الدولية:
    قد يضطر إمام المسلمين أن ينتقل من أصل العلاقة مع الأعداء من اليهود، والنصارى، والتي هي المحاربة، والعداء، إلى المسالمة، والمعاهدة، وترك المحاربة، وهي ما يسمى في الفقه بالهدنة مع الأعداء، والهدنة أصلها من هَدَن أي سكن هدوءاً، وفي اصطلاح الفقهاء هي عقد المسلم مع الحربي على المسالمة مدة ليس هو فيها تحت حكم الإسلام(51).
    أو قد يحتاج إمام المسلمين أن يتفق مع رؤساء العدو، وغير العدو من حكام البشر إلى معاهدات، واتفاقات بينهم في شؤون الحياة بأسرها، فما حكم الالتزام بهذه المواثيق؟ وهل يجوز نقضها، وتجاوزها؟ وقبل الإجابة على ذلك لا بد من القول بأن إجراء المعاهدات يكون بحسب الشيء المتعاهد عليه، فإن كان الاتفاق على شيء محرم فلا يجوز الدخول فيه ابتداءً بلا شك، أما إن كان جائزا فقد أكد فضيلة الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - في عدة مواضع على وجوب الالتزام بالعهد مع الغير إذا كان معقوداً من قبل الإمام أو نائبه.
    حيث يقول: والعهد كالعهد الذي بيننا وبين الكفار ألا نقاتلهم يعقده الإمام أو نائبه فيجب الالتزام به، كما جرى ذلك بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وقريش في مكة، وبينه وبين اليهود في المدينة.
    ومثلّ لذلك بحبس السفراء، فقد اتفقت الأمم أن السفراء بين الدول لا يعتدى عليهم، حيث يقول، فالسفراء الذين يأتوننا من الأعداء للمفاوضة، والمفاهمة لا يحبسون، لأن حبس هؤلاء الرسل خيانة، وفيه تفويت لمصلحة عظيمة، لأنه قد يكون هناك خير من التفاوض، ولو قتل الرسل ما حصل تفاوض.
    وحذر من نقض هذه المواثيق، والخيانة فيها حيث يقول: وإن غدرنا بالعهد فهذه وصمة عار في ديننا، يقولون: أمة الإسلام تغدر بالعهد(52).
    الفرع الثالث: حكم التطبيع مع اليهود:
    تطبيق العلاقات مصطلح دولي معاصر وهو: اتفاق، أو معاهدة ثنائية بين بلدين تهدف إلى جعل العلاقات بينهما طبيعية، ومتكيفة مع الوضع الجديد للبلدين، ويشمل التطبيع عدة نواحٍِ، وليس مقصوراً على الناحية السياسية فقط، إذ يشمل العلاقات الاقتصادية، والتمثيل الدبلوماسي، والتبادل التجاري والتعاون الإعلامي، وفتح المجال للسيّاح من البلدين(53).
    وقد بين ابن عثيمين - رحمه الله - أن الأصل في علاقة المسلمين مع اليهود والنصارى علاقة معاداة، انطلاقاً من قوله - تعالى-: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين)(54).
    ولكنّه - رحمه الله - توقف عن الإجابة عندما سئل في اللقاءات العلمية بينه وبين أئمة وخطباء جوامع محافظة البدائع عن حكم التطبيع، فقال: إن هذا الأمر ليس لي ولا لك إنما هو لأهل الاختصاص.
    وربما كان مقصود الشيخ - رحمه الله - توجيه السائل إلى ما هو معني به مباشرة من الاهتمام بخطبة الجمعة، ونشر فقه العبادات، والمعاملات المتعلقة بأعمال الناس على وجه الاعتياد، وترك هذه المسائل السياسية.
    الفرع الرابع: مقاطعة ما يرد من دول الأعداء:
    المقاطعة هي: الامتناع عن شراء السلع، سواء كان الشراء للاستهلاك، أو الاقتناء، والتي تنتج، وتصدر إلى بلاد المسلمين من الدول الغربية بعامة، والعدو الصهيوني بخاصة، والاستعاضة عنها بشراء السلع المنتجة في البلاد والإسلامية(55).
    وقد بيّن ابن عثيمين - رحمه الله - لما تحدث عن نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ووجوبها على المسلمين، قال: يجب على الأمة الإسلامية أن ترفض كل وارد إليها من أعداء الله إذا كان مخالفاً للسنة، كل شيء يرد إلينا من الكفار من عقائد، وأخلاق، وأعمال، ومعاملات، وغيرها إذا كان مخالفاً لسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإن أقل ما في النصرة أن يرفض هذا الشيء، وأن يضرب به وجه مورده، وألا يكون له مكان بين الأمة الإسلامية، لأنه كيف يكون نصره ونحن نستورد من أعداء النصرة ما يخالف هذه النصرة؟ من ادعى ذلك فهو كاذب(56).
    وبهذا يفهم منه - رحمه الله - أن المقاطعة إنما تكون للأشياء المخالفة للسنة دون ما سواها، حيث لم أجد لفضيلته كلاماً عن مقاطعة بضائع الكفار المباحة، ومنعها من دخول بلاد المسلمين.
    الفرع الخامس: إقامة الحدود على المعاهدين والمستأمنين:
    لا شك أن معاهدة الكافر، وتأمينه أثناء دخوله، وتنقله في بلاد المسلمين يستوجب حمايته، والمحافظة عليه، وعدم المساس به، والاعتداء عليه من قبل الدولة، وأفرادها حتى يبلغ مأمنه، وينتقض عهده.
    ولكن هذا العهد، والأمان لا يفهم منه أبداً رفع القلم عنه، والتجاوز عن أخطائه، وجرائمه، إذ إن عقد العهد يعني الالتزام بأحكام المسلمين، وخضوعه لأحكام الدولة المسلمة.
    وبهذا يبيّن ابن عثيمين - رحمه الله - أن المعاهد، والمستأمن إذا ارتكب جريمة تستوجب حداً فإنه إن كان الحد محرماً عندهم في عقيدتهم فإنه يقام عليهم الحد، كالزنا مثلاً، وإن كانوا لا يعتقدون حرمته فلا يقام عليهم الحد، كشرب الخمر مثلاً، إلا إذا جاهروا بذلك فيعزرون تغريراً، حيث يقول:
    فهؤلاء الذمّيون إذا فعلوا ما يوجب الحد، إن كانوا يعتقدون تحريمه أقمنا عليهم الحد، وإن كانوا لا يعتقدون تحريمه فإننا لا تقيم عليهم الحد، وإن كانوا يعتقدون التحريم دون إقامة الحد فنقول: إن ترافعوا إلينا ألزمناهم بحكم الإسلام، وإن لم يترافعوا إلينا تركناهم وشأنهم، وقال: يمنعون من شرب الخمر مجاهرة، فإن أظهروا ذلك فإننا نعزرهم بما يردعهم(57).
    المعلم الرابع: النصرة للمسلمين في العالم الإسلامي والأقليات المسلمة.
    اهتمام الشيخ - رحمه الله - بالمسلمين في العالم ولاسيما الأقليات المسلمة بارز، ومن ذلك ما حدث عنه الشيخ محمد بن عبد الله السيف - رحمه الله - قائلا: لقد كان شيخنا - رحمه الله تعالى -متابعاً لقضايا المسلمين، كثير السؤال عن أحوالهم، وأخبارهم، ومن ذلك دوره البارز في الجهاد الشيشاني، وهذا الجانب من شخصية شيخنا العلاَّمة - رحمه الله - لا يعرفه كثير من الناس؛ فقد كان - رحمه الله - متأثراً بالغ الأثر بما أصاب المسلمين هناك، محرضاً ومقوياً للمجاهدين في الشيشان؛ فقد حزن حزناً شديداً عندما استمع إلى تقارير تفصيلية عن القضية الشيشانية، ولا سيما عندما شاهد صوراً لجرائم القوات الروسية في حق النساء والرجال والأطفال في الشيشان، فكان يتابع أخبار المجاهدين وأحوالهم أولاً بأول، ويكثر من الاتصال بهم بنفسه، ويسأل أسئلة تفصيلية تدل على حرص واهتمام، ولا أعلم أحداً من العلماء المعاصرين سبقه في ذلك؛ فقد بدأ اهتمامه - رحمه الله - بقضية الجهاد في الشيشان من الحرب الأولى، فكان نعم المعين والمشير، ولمّا انتهت الحرب وهدأت الأمور، وقامت المحاكم الشرعية كان الشيخ هو مرجعنا فيما يشكل علينا من المسائل والمواقف، وكنا نلقى منه كل تجاوب وتفاعل وصبر؛ فقد كان يستقبل أسئلتنا في كل الأوقات بكل ترحيب وبشاشة وسعة صدر، بل أعطانا رقم هاتفه الخاص ليتيسر لنا الحديث معه في أي وقت.
    ولمَّا بدأت الحرب الشيشانية الثانية كان تفاعله أشد، ومتابعته أكثر، وكنا نتعاهده بآخر الأخبار، ونشرح له تفاصيل الواقع العسكري، وكان يسأل عن قتلى العدو، وعن السلاح المستخدم، وعن الغنائم، وعن حال المجاهدين وأسرهم ومعاناتهم. فإذا تأخرنا عنه اتصل بنا يسأل ويتابع، وقد يتصل أحياناً في ساعة متأخرة بعد الثانية عشرة ليلاً، وإذا تحدث معنا فإنك تشعر في كلامه بصدق التفاعل وبالحرقة والحزن والألم. كان يألم لألمنا، ويفرح لفرحنا، ويبشرنا بفضل الله - تعالى -وكرمه، وكان يتأسف كثيراً من تقصير
    الأمة بكافة فئاتها في نصرة إخوانهم.
    ومن أعظم وصاياه لنا: تذكيرنا بتقوى الله - تعالى -، وإخلاص العمل لوجهه - عز وجل -، وكان يوصينا بالثبات والصبر، ويذكرنا بفضل الجهاد في سبيل الله تعالى، وبفضل الشهداء، والمرابطين، وكان يحثنا على التآلف والتعاون على البر والتقوى، ويحذرنا من الفرقة والاختلاف.
    ومن جهة أخرى كان شيخنا - رحمه الله - يحث الناس على التبرع للمجاهدين في الشيشان، ويدفع زكاة ماله للمجاهدين، وقد حدثنا من نثق به من خاصة طلابه أنه كان يقرأ عليهم أخبار المجاهدين، ويطلعهم على أحوالهم، ويحثهم على نصرتهم والتعاون معهم.
    لقد كان لهذه النصرة والوقفة القوية مع الشعب الشيشاني في محنته أبلغ الأثر في نفوس المجاهدين الذين تتقوى قلوبهم وعزائمهم على مواصلة الطريق، وتحمُّل ما فيه من الشدائد والصعاب بمثل هذه المواقف والأعمال العظيمة (58).
    المعلم الخامس: التحذير من الأسباب المؤدية لانهزام الأمة وتسليط الأعداء:
    بيّن - رحمه الله - أن أمة الإسلام قد غُزيت من قبل أعدائها من جميع الجوانب العسكرية، والفكرية، والأخلاقية، والعاطفية، وبيّن أن غزوهم العسكري هو إعلانهم الحرب على المسلمين، وشنّهم الغارة عليهم بأقوى الأسلحة التي تمكنهم الفرصة من استعمالها، وأن غزوهم الفكري بإفسادهم أفكار المسلمين، وعقيدتهم، حيث يحاولون تشكيك المسلمين في دينهم، وزعزعة العقيدة من قلوبهم بما ينشرونه من كتب، ورسائل، وما يلقونه من خطب، ومقالات بالطعن في الإسلام، وقادته، وتزيين ما هم عليه من الباطل، وأما غزوهم الأخلاقي فمن خلال نشرهم بين المسلمين ما تفسد به أخلاقهم، وتسفل به آدابهم، وتكسد به قيمهم، و نشرهم ما يثير الغرائز، والشهوة بالأغاني، والقصص الماجنة، والصور الفاتنة، حتى يصبح المسلم فريسة لشهوته.
    وأمّا غزوهم العاطفي فهو بسلاحهم العاطفي، سلاح المحبة، والعاطفة، فيتظاهرون بمحبة المسلمين، والولاء لهم، والعطف عليهم، ومراعاة مصالحهم، حتى يغتر بهم من يغتر من المسلمين، فيميلون لهم بالمودة، والإخاء، والقرب، والولاء(59).
    وقد بيّن - رحمه الله - أن اجتماع أسباب انهزام الأمة في ثلاثة أمور، وهي: مخالفة ما أمروا به من قبل القادة، وكذلك الإعجاب بالذات، والكثرة، والاعتماد على ذلك دون التوكل على الله، وثالثها: التنازع، والتفرق، والاختلاف، والشقاق(60).
    كما أوضح - رحمه الله - أن أسباب انتصار الأمة هي: الإخلاص لله - سبحانه -، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر(61).
    وفصّل في الإخلاص قائلاً: أن ننوي بجهادنا إعلاء كلمة الله، وتثبيت شريعته، وتحكيم كتابه، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وبيّن أن من أسباب النصر كذلك، الصبر، والتقوى، فإن الله مع الصابرين، ومع المتقين، وأن تعرف قدر أنفسنا، وأن لا حول ولا قوة إلا بالله، فلا يأخذنا العجب بقوتنا، وكثرتنا، فإن الإعجاب بالنفس، والاعتزاز بها من دون الله سبب للخذلان.
    ومن الأسباب أيضاً: إعداد العدة، والقوة للأعداء، مستعملين في كل وقت، وفي كل حال ما يناسب من الأسلحة، والقوة لنرد على سلاح العدو بالمثل(62).
    الخاتمة:
    وفي ختام هذا الجهد المتواضع، يتبين الفقه السياسي الذي يتضلع به فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين - رحمه الله - لينضمّ مع منظومة الفنون العلمية التي ينثر دررها الشيخ - رحمه الله - ويبري نصالها، ناثراً كنانته المحشوة بالعلم، والمعرفة بين طلاب العلم، ومحبيه.
    وقد تبيّن من خلال هذا الورقات بعض المعالم في فقه الشيخ ابن عثيمين- رحمه الله - أجملها فيما يلي:
    أولاً: وجوب نصب الحاكم للدولة المسلمين، واختيار الأصلح لها.
    ثانياً: - عدم تولية من يطلب الولاية إلا إذا كان خليقاً بها، وخشي تولي غير الكفء لها في حالة تركها.
    ثالثاً: لا بد في كل حاكم من صفتين، القوة، والأمانة، وإذا لم تتحقق هاتين الصفتين فالقوة أولاً، ويضم إليه أمين.
    رابعاً: - لا بأس بتحديد سنوات الحكم، والولاية؛ لتكون حافزاً لصاحبها على العطاء، أو التنحي.
    خامساً: وجوب طاعة الحاكم في الواجبات، والمباحات دون المحرمات، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
    سادساً: مشروعية نصيحة الحكام، وزيارتهم لمن قدر على ذلك، وتحريم غيبتهم، والإنكار عليهم أمام العامة عن بعد، ونشر مساوئهم أمام الملأ.
    سابعاً: لا يجوز قتل إمام المسلمين، وإذا قتل الحاكم فليس لورثته الخيار بين العفو، وأخذ الدية، وبين القصاص، فيتحتّم القصاص لعظم المفسدة، واختلال الأمن، وتضرر الدولة بذلك.
    ثامناً: بين الحاكم والمحكوم حقوق وواجبات، أبرزها حق الحاكم بالسمع، والطاعة، والاحترام، والتقدير، والإعانة، وحق المحكوم على الحاكم إقامة الشرع، ونصرة الدين، وإصلاح أمور العباد دينياً، ودنيوياً، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة العدل ونصر المظلوم.
    تاسعاً: أن الحاكم وكيل للشعب، فلا يتصرف لهم إلا وفق المصلحة.
    عاشراً: يتعامل الحاكم مع أهل البغي، والفساد بالنصح، والمحاجّة، وإلا فالمقاتلة، والمحاربة.
    حادي عشر: مشروعية مشورة الحاكم لأهل الحل، والعقد، كل بحسب تخصصه، لما لذلك من الفوائد العظيمة.
    ثاني عشر: تحريم إقامة الجهاد إلا بإذن الإمام، إلا إذا داهم العدو بلاد المسلمين، ويستثنى من القتل المرأة، والطفل، والراهب، والأعمى، والشيخ الكبير، ومن اعتزل القتال.
    ثالث عشر: يخير الإمام في أسارى الحرب بين المن، أو الفداء، أو القتل وفق المصلحة العامة.
    رابع عشر: الأصل في العلاقة مع الأعداء، وخصوصاً اليهود، والنصارى الحذر، والبعد، وعدم المولاة، لكن يجوز المعاهدة معهم في المباحات، ويجب الالتزام بها، وعدم الغدر بهم.
    خامس عشر: مقاطعة ما يرد من بلاء الأعداء إن كان مخالفاً لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
    سادس عشر: أن المعاهد والمستأمن إذا ارتكب ما يوجب حداً عندنا، وعندهم فيقام عليه الحد، وأما إذا لم يكن محرماً في شريعتهم فلا يقام عليهم الحد، لكن يعزرون إذا أظهروا ذلك
    سابع عشر: أن سبب انهزام المسلمين هو بُعْدُهم عن الله، وعدم طاعتهم لقادة الحرب فيهم، واختلافهم، وإعجابهم بأنفسهم، وسبب انتصار الأمة المسلمة هي إخلاص القصد بالجهاد، واستعمال القوة، والصبر، والتقوى.
    ثامن عشر: قيام الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - بالنصرة، والمؤازرة للمسلمين في العالم، والاهتمام بالأقليات المسلحة.
    وبذلك ينتهي هذا الجهد المتواضع، وصلى الله، وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين،،،
    أهم المصادر والمراجع:
    1-القرآن الكريم
    2- صحيح الإمام البخاري
    3- صحيح الإمام مسلم
    4-تفسير القرآن الكريم آل عمران لابن عثيمين، ط: دار ابن الجوزي بإشراف مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين.
    5-الضياء اللامع من الخطب الجوامع لابن عثيمين، ط: مكتبة السوادي
    6-نظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان د: بكر بن عبد الله أبو زيد
    7- مجلة البيان الصادرة من المنتدى الإسلامي بلندن عدد 76
    8- تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي، ط: دار إحياء التراث العربي.
    9- معجم لغة الفقهاء محمد قلعجي
    10-الطرق الحكمية لابن القيم الجوزية، ط: مكتبة دار البيان.
    11- شرح ابن عثيمين لكتاب السياسة الشرعية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ط: دار ابن حزم والدار العثمانية.
    12- الأحكام السلطانية والولايات الدينية للماوردي، ط: دار الكتب العلمية.
    13-المنثور في القواعد الفقهية لبدر الدين الزركشي، ط: وزارة الأوقاف الكويتية.
    14- شرح حدود ابن عرفة للرصاع، ط: المكتبة العلمية.
    15-الموسوعة الفقهية الكويتية، ط: وزارة الأوقاف الكويتية.
    16-موقع الشيخ محمد بن عثيمين في الشبكة العنكبوتية
    17-شرح الشيخ ابن عثيمين لسورة الأحزاب مفرغ من أشرطة غير مطبوع-
    18- شرح الشيخ ابن عثيمين لكتاب الجهاد من بلوغ المرام مفرغ من أشرطة غير مطبوع-
    19-الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين، ط: مؤسسة آسام
    20-لقاء الباب المفتوح مع ابن عثيمين إعداد د: عبدالله بن محمد الطيار، ط: دار الوطن للنشر
    21-طلبة الطلبة لعمر بن أحمد النسفي، ط: دار الطباعة العامرة.
    22- المغرب في ترتيب المعرب لأبي الفتح المطرزي، ط: دار الكتاب العربي.
    23-القواعد الفقهية لابن رجب الحنبلي، ط:دار المعرفة.
    24-شريط: نظرات في أحداث التفجيرات، لابن عثيمين، إنتاج مؤسسة الإستقامة الإسلامية للشريط الإسلامي بعنيزة


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •