الرواسي
صالح بن علي العمري


ذهبَ الزمانُ.. ودينُنا لنْ يذهبا *** وسَنا الرسالةِ لا ادْلّهمَّ ولا خَبَا


ولئنْ نبا سيفٌ، فسيفُ العلمِ ما *** فقَدَ المضاءَ ولا استكانَ ولا نَبـَا


ولئن مضى جيلٌ ففي أعقابِهِ *** جيلٌ يُمسّكُ بالكتابِ المُجْتَبى


والصحوةُ الكبرى يشيدُ كيانَها *** علمٌ يصونُ.. ويستجيلُ الغيهَبا


بعزائمِ العلماءِ.. في وجدانِهم *** نورٌ.. وفي أخلاقِهم سننُ الإبا


بالعلمِ يُخشى الله جلّ جلالُه *** فرضاهُ خيرُ منىً وأشرفُ مطلبا


والعلمُ كالغيثِ المُغيثِ إذا همى *** أحيا الرياضَ الظامئاتِ وأعشبا


والعلمُ بابُ الأمنِ في الدنيا إذا *** عصفَ الجهولُ بنا.. فجارَ وأرهبا


والعلمُ يجبرُ صرحَ وحدتِنا إذا *** صدعَ الخلافُ جدارها فتشعّبا


والعلمُ ساريةُ الجهادِ إذا عثَتْ *** أيدي الأعادي في المدائنِ والرُّبا


وإذا فضاءُ الأرضِ ضاق من الضنى *** فالعلمُ يبسطُها فضاءً أرحبا


والعلم يسمو بالقلوب إلى العُلا *** فالنفسُ تُشرقُ همّةً وتوثّبا


وإذا تقارعت العقولُ رأيتهُ *** أجلى بيانا في النفوسِ وأعذبا


وإذا تضاربت المعارفُ رُمْتهُ *** أعلى دليلا في الخطابِ وأصوبا


والعلمُ جندٌ.. كم جيوشٍ دُمّرتْ *** بالرأي.. كنت تخالها لن تُغلبا


والعلمُ ملكٌ لا حراسةَ حولَه *** يعلو العقولَ ديانةً وتمذْهُبا


هو روضةُ الأروح في حُللِ الرِّضا*** كالشهدِ.. كالزّهرِ المُعطِّرِ.. كالصَّبا


هو نزهةُ الوجدان في غدواتِهِ *** بين العصورِ مُشرِّقا ومُغرِّبا


هو كسوةُ النفسِ الزكيّةِ بالتقى *** إنْ غرَّ شخصا عطفُهُ فتجلبَبا


والعلمُ نورٌ واجتلاءُ بصيرةٍ *** إن أعجمتْ ظُلُمُ المصائبِ أعربا


أرأيتَ إبراهيمَ يبني للورى *** صرحَ العقيدةِ فاشمخرَّ وأطنبا!


أو أنبياءَ الله كيف تألقوا *** وتخيّروا الأخرى فنالوا المطلبا!


أرأيتَ يوسفَ إذ يديرُ خزائنا *** حين اجتباه الله حينا واجتبى!


ما علمُ داوودَ؟ وما فَهْمُ ابنهِ؟ *** سبحان من قَسَمَ العلومَ وأوجبا!


ما سورُ يأجوجَ؟ وما قطرانُهُ؟ *** ما قصّةُ الصرحِ المُمرّدِ في سبا؟


أرأيتَ ميراثَ النبي محمدٍ *** لمعارج الجنّاتِ قاد الموكبا


واذكر أبا بكرٍ ووثبةَ رأيهِ *** في رِدّةِ الأعرابِ حين تغلّبا


وانظر لحبرِ العلمِ في عين الردّى *** يسنقذُ الآلافِ ممن قد صَبا! (1)


وفتى بني شيبان حين تجهّمت *** في فتنة القرآن كان الأصلبا (2)


واذكر صلاحَ الدينِ في صولاتِهِ *** كم حرّضَ الصّيدَ الأُباةَ وألَّبا (3)


فتفجّر البركانُ في وجه العِدا *** وفلولُهم في البيد تبغي المهربا


واذكر فتى حرّان في عزماتِهِ(4) *** وفتى تميم.. معلّما ومؤدِّبا (5)


واذكر فتاوى الباز قيدَ أدّلة ٍ *** وابن العثيمين الجليلَ الأشيبا


وانهل من الجبرين أعذبَ موردٍ *** واسرج إلى عَلَم الحديثِ المركبا (6)


وارفع إلى العلماءِ ألف تحيّة ٍ *** أهلا بمن ركب الصعاب ومرحبا


هذا هو النسبُ المُعلّى في الورى *** أعلمتَ كالإسلامِ أمّا أو أبا؟!


واللهِ لولا العلم لم تسمعْ لهم *** مجدا.. وما بلغوا المقامَ الأصعبا


همْ كالجبالِ الشُّم أوتادِ الدّنا *** عن أن تميدَ الأرضُ أو تتذبذبا


فجزاهم اللهُ الكريمُ بفضلِهِ *** في جنّةِ الفردوسِ عيشا أرحبا..


يا طالب العلمِ ارتقيتَ منازلا *** وكفى بعلمِكَ طاعةً وتقرُّبا


تدعو لك الحيتانُ في أعماقها *** حُبّا.. وإن كنّ الخراس الغُيّبا


وعلى طريقِكَ للملائكِ مشهدٌ *** يُزجي لمركبكَ الثناءَ الأطيبا


لا تُبدِ في درب العلوم قناعةً *** واحذرْ من المُنبّت كيف تنكّبا!!


مهرُ المعالي عزمةٌ ومرارة ٌ *** لا مجد إلا أن تجدَّ وتتعبا


واستصحب الإخلاصَ خبرَ مطيّةٍ *** لا يُفسدُ الشيطانُ داخلةَ الخِبا!


في صدركَ النبأُ العظيمُ مسطّرٌ *** فأجب سؤال الحائرينَ عن النبا


واصدعْ بأمر اللهِ واخرس حاقدا *** فتلكؤُ الآسادِ يُغري الثعلبا!


وتجلَّ إن جنّ الظلامُ بأرِضنا *** نجما يؤم السائرينَ وكوكبا


أنت الطبيبُ بشرعِ من برأ الملا *** تهدي الحيارى.. أو تكفُّ المُذنبا


واسموا بوحدتكم على خُلْفِ الأنا *** ردّوا ظنونّ أولي الضلالةِ خُيّبا


لأبي رُغال غوايةٌ ووشايةٌ *** فارعوا بربّكم الإخاء الأقربا


هي أمّةٌ تشكو الجوى في ذلّةٍ.. *** عارٌ علينا أن تذلَّ وتُنكبا


والأرضُ من دون الشريعةِ غابةٌ *** والجيلُ من دون المباديء للهبا!!


أشباب أمتنا تحيّة مشفقٍ.. *** قوما إلى العليا سراعا وثّبا


العلمُ يُؤتى في شريعةِ من مضى *** واليوم شأنُ العلم أن يتغربا


ها قد أتانا العلمُ بين ظهورنا *** فلأنتمُ العلماءُ إلا من أبى..
_____________
(1) حبر العلم: ابن عباس في فتنة الخوارج.
(2) فتى بني شيبان: الإمام أحمد بن حنبل في فتنة القرآن.
(3) صلاح الدين: كان فقيها ومؤلفا في فقه الجهاد.
(4) فتى حرّان: الإمام ابن تيميّة.
(5) فتى تميم: الإمام محمد بن عبدالوهاب.
(6) عَلَم الحديث: الإمام الألباني