مسائل مصطلح الحديث
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: مسائل مصطلح الحديث

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,627

    افتراضي مسائل مصطلح الحديث

    مسائل مصطلح الحديث
    محمد بن عبد اللّه القناص



    مقدمة:
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
    فإن الحافظ ابن عبد الهادي قد جادت قريحته، وسال قلمه في كتابه: "الصارم المنكي في الرد على السبكي"، فتناول مسائل عديدة في علوم الحديث، بسط القول فيها، وبذل جهداً كبيراً في تحريرها وتوضيحها، وقد منّ الله عليّ بقراءة الكتاب، وكان ذلك قبل بضع سنين، وكنت أسجل هذه المسائل والفوائد في طرة الكتاب، ثم رأيت أن ألم شعثها، وأضم متفرقها، وأستكمل دراستها في بحث مستقل، وذلك لسببين:
    1 - أن هذه المسائل متناثرة في ثنايا الكتاب، متفرقة في تضاعيفه، مما قلل الاستفادة منها والوقوف عليها، وجمعها في بحث واحد يسهل الرجوع إليها والاستفادة منها، والاطلاع على اختيارات الحافظ ابن عبد الهادي في قضايا عديدة من قضايا علوم الحديث.
    2 - أهمية القضايا التي تطرق إليها الحافظ ابن عبد الهادي في كتابه"الصارم المنكي في الرد على السبكي"، فهي قضايا جوهرية يحسن إبرازها وإظهارها، لا سيما والساحة العلمية تشهد إقبالاً على هذا العلم الشريف، ورغبة في فهم قواعده وأصوله، وهذا النهضة العلمية في حاجة إلى تسديد مسيرتها وترشيد خطواتها، وآراء الحافظ ابن عبد الهادي واختياراته تسهم في تحرير العديد من مسائل هذا العلم، فهو من الأئمة الذين رسخوا في هذا الفن، وجمعوا بين الإلمام بقواعده وأصوله، والممارسة العملية التطبيقية، مما يجعل آراءه مسددة واختياراته موفقة.
    وخصصت هذا البحث في مسائل مصطلح الحديث، وسوف أفرد قضايا مناهج المحدثين في بحث آخر، وقد قسمت هذا البحث إلى مقدمة وتمهيد وأربعة مباحث وخاتمة.
    المقدمة: وفيها بيان أهمية الموضوع، وسبب اختياره.
    التمهيد: وفيه تعريف موجز بالحافظ ابن عبد الهادي وكتابه: "الصارم المنكي في الرد على السبكي".
    المبحث الأول: التفرد.
    المبحث الثاني: حكم المرسل والاحتجاج به.
    المبحث الثالث: تقوية الحديث بالمتابعات والشواهد.
    المبحث الرابع: قاعدة: فلان لا يروي إلا عن ثقة غالبية.
    الخاتمة: وتتضمن أهم النتائج التي توصلت إليها.
    وأرجو أن أكون قد وفقت من خلال هذا البحث المتواضع في إبراز اختيارات وآراء الحافظ ابن عبد الهادي في العديد من قضايا علوم الحديث، إلى جانب استكمالها وتوضيحها، وأسأل الله أن يجعل فيما قدمت نفعاً، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به يوم لا ينفع مال ولا بنون، والحمد لله أولاً وأخيراً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
    تمهيد: تعريف موجز بالحافظ ابن عبد الهادي، وكتابه"الصارم المنكي في الرد على السبكي":
    ابن عبد الهادي: هو محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة بن مقدام المقدسي، الجماعيلي الأصل ثم الصالحي، الحنبلي، أبو عبد الله، شمس الدين، يقال له: "ابن عبد الهادي"نسبة إلى جده.
    ولد سنة (705هـ) بصالحية دمشق في جبل قاسيون على الراجح من أقوال العلماء، ونشأ في بيت علم وأدب، فكان أبوه وعمه وأجداده وإخوته من أهل العلم والفضل، فنشأ محباً للعلم مولعاً به، وصرف إليه جل عنايته واهتمامه، وقد تلقى ابن عبد الهادي العلم عن أعلام من شيوخ عصره مما كان له الأثر الواضح في تكوين شخصيته العلمية إلى جانب ما أوتي من قوة الحفظ وحدة الذكاء والرغبة في التحصيل، حتى أصبح عالماً بارعاً، ومحدثاً ناقداً، ومن العلماء الذين أخذ عنهم وتأثر بهم:
    1 - أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي (654 هـ - 742 هـ)، فقد لازمه نحوا من عشر سنين، وقرأ عليه كتابه "تهذيب الكمال"، وتخرج على يديه في علم الرجال والعلل حتى صار إماماً فيه، وظل يعترف بفضل شيخه عليه، وقد أشار ابن عبد الهادي إلى ذلك بقوله: "وهو شيخي الذي انتفعت به كثيرا في هذا العلم"[1].
    2 - أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، شيخ الإسلام (661 هـ - 728 هـ)، فقد لازمه ما يقرب من خمس سنين، وأحبه حباً عظيماً، وكان يتردد إليه كثيراً، وقد أشار إلى ذلك فقال: "وكنت أتردد إليه عندما كان يدرس بالحنبلية، وبمدرسته بالقصاصين، وقرأت عليه قطعة من الأربعين للرازي، وشرحها لي، وكتب لي على بعضها شيئا"[2]، وقد خصه ابن عبد الهادي بترجمة واسعة أسماها "العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية".
    تلاميذه:
    وتتلمذ على ابن عبد الهادي عدد من التلاميذ منهم:
    إسماعيل بن محمد بن يونس المقرئ (ت 764 هـ)، علي بن أبي بكر بن أحمد بن البالسي المصري (767 هـ)، أحمد بن يوسف بن مالك الغرناطي أبو جعفر الأندلسي (ت 779) وغيرهم.
    وقد وفق ابن عبد الهادي لنخبة من الأقران شاركوه في التلقي ومدارسة العلم، منهم: شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (673 هـ - 748 هـ)، وشمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي ابن القيم (691 هـ751 هـ)، وصلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي العلائي (694 هـ - 761 هـ)، وشمس الدين أبو عبد الله محمد بن مفلح (ت 763 هـ)، وعماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (700 هـ - 774 هـ).
    وحظي ابن عبد الهادي بمنزلة علمية مرموقة ومكانة رفيعة أهلته لتولي التدريس في أكبر المدارس الموجودة آنذاك ببلاد الشام، ومنها: المدرسة الصدرية، والمدرسة الضيائية، ويقال لها: دار الحديث المحمدية، والمدرسة العمرية، وهي من أشهر المدارس في عصره.
    وقد أثنى على ابن عبد الهادي عدد كبير من العلماء الذين عاصروه، والذين ترجموا له، وشهدوا له بسعة العلم وكثرة الاطلاع، والتفنن في العلوم، والتبحر في علم الرجال والعلل.
    وقال ابن كثير: "الشيخ الإمام العالم العلامة الناقد البارع في فنون العلم، حصل من العلوم ما لا يبلغه الشيوخ الكبار، وتفنن في الحديث والنحو والتصريف والفقه والتفسير والأصلين والتاريخ.."[3].
    وقال الذهبي: "الفقيه البارع المقرئ المجود المحدث الحافظ النحوي الحاذق صاحب الفنون، وعني بفنون الحديث ومعرفة الرجال... "[4]، وقال صلاح الدين الصفدي: "لو عاش كان آية، كنت إذا لقيته سألته عن مسائل أدبية وفوائد عربية، فينحدر كالسيل، وكنت أراه يوافق المزي في أسماء الرجال، ويرد عليه ويقبل منه".
    هذه مقتطفات من ثناء الأئمة على الحافظ ابن عبد الهادي، وهي تدل على علو شأنه، وعظيم مكانته، وسمو منزلته.
    وخلف ابن عبد الهادي مؤلفات كثيرة تزيد على سبعين كتاباً في كثير من العلوم والفنون، وهي ما بين أجزاء حديثية صغيرة، ومجلدات كبيرة، وبعضها لم يكمله؛ لهجوم المنية عليه في سن الأربعين، ومن أشهر مؤلفاته: تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق، المحرر في أحاديث الأحكام، العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية، شرح كتاب العلل لابن أبي حاتم الرازي.
    واتفقت الروايات على أن وفاته كانت في يوم الأربعاء عاشر جمادى الأولى سنة (744هـ)، وذكر ابن كثير أنه مرض قريباً من ثلاثة أشهر، وقال: "وأخبرني والده أن آخر كلامه أن قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين".
    وأما كتابه"الصارم المنكي في الرد على السبكي "، ويسميه بعضهم: "الكلام على أحاديث الزيارة"، فقد رد فيه ابن عبد الهادي على كتاب أبي الحسن تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي (ت 756هـ) المسمى: "شفاء السقام في زيارة خير الأنام"، أو"شن الغارة على من أنكر السفر للزيارة"، والذي رد فيه تقي الدين السبكي على شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة الزيارة وشد الرحال وإعمال المطي لمجرد زيارة القبور.
    وقد أبرز ابن عبد الهادي في مقدمة كتابه "الصارم المنكي" مجمل ملاحظاته وانتقاداته لكتاب تقي الدين السبكي، وهي تتلخص فيما يلي:
    1 - تصحيح الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وتقوية الآثار الواهية والمكذوبة.
    2 - تضعيف الأحاديث الصحيحة الثابتة والآثار القوية المقبولة، وتحريفها عن مواضعها، وصرفها عن ظاهرها بالتأويلات المستنكرة المردودة.
    3 - لم يكن المؤلف متجرداً فيما كتب، بل اتبع هواه، وذهب في كثير مما قرره إلى الأقوال الشاذة والآراء الساقطة، وخرق الإجماع في مواضع لم يسبق إليها، ولم يوافقه أحد من الأئمة عليها.
    وقد أخذ ابن عبد الهادي يرد على الكتاب باباً باباً، ويتكلم على الأحاديث التي استشهد بها السبكي ويبين عللها وضعفها، حتى وصل إلى الباب الخامس وهو في تقرير كون الزيارة قربة، فأدركته المنية قبل إكماله، وبقي في كتاب السبكي أبواب أخرى لم يرد عليها ابن عبد الهادي، منها: التوسل والاستغاثة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وحياة الأنبياء في قبورهم، والشفاعة....
    وكتاب "الصارم المنكي" يشهد للحافظ ابن عبد الهادي بسعة الاطلاع، وغزارة العلم، ورسوخ القدم في علم الحديث والعلل، والقدرة على النقد، ودقة الملاحظة.
    المبحث الأول: التفرد.
    المراد بالتفرد: أن يروي الراوي حديثاً عن شيخه لا يعرف عنه إلا من جهته، ثم قد يكون التفرد مطلقاً بحيث لا يحصل متابعة لأحد من رجال الإسناد، إلى أن يصل الإسناد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد يكون نسبياً، بحيث يكون للحديث طرق أخرى مشهورة، ووقع التفرد في أحد طرقه بالنسبة إلى شخص معين[5].
    وقد اعتنى الأئمة النقاد بأمر التفرد والغرابة، وذلك أن تفرد الراوي - وإن كان ثقة - مظنة للوقوع في الخطأ والوهم، ووجود متابع للراوي يخفف من هذا الاحتمال.
    وحرص الأئمة على النص على التفرد إذا وجدوه في الحديث، فيقولون بعد تخريجه أو عند الكلام عليه: "تفرد به فلان"، أو "أغرب به فلان" أو "لم يروه عن فلان إلا فلان" أو "حديث غريب" أو"هذا الحديث غريب من هذا الوجه" أو "لم يتابع عليه فلان" أو "لم نره إلا من حديث فلان" ونحو ذلك من الكلمات التي تدل على وجود التفرد والغرابة.
    وفي أثناء رد ابن عبد الهادي على السبكي حيث احتج بحديث تفرد به أحد الرواة ممن اتهم بالكذب والوضع، تحدث ابن عبد الهادي - رحمه الله - عن التفرد وموقف الأئمة النقاد من التفرد، فقال: "ومن المعلوم عند أدنى من له علم ومعرفة بالحديث أن تفرد مثل: محمد بن محمد بن النعمان بن شبل المتهم بالكذب والوضع عن جده النعمان بن شبل الذي لم يعرف بعدالة ولا ضبط ولم يوثقه إمام يعتمد عليه، بل اتهمه موسى بن هارون الحمال أحد الأئمة الحفاظ المرجوع إلى كلامهم في الجرح والتعديل الذي قال فيه عبد الغني بن سعيد المصري الحافظ: هو أحسن الناس كلاماً على حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وقته عن مالك عن نافع عن ابن عمر بمثل هذا الخبر المنكر الموضوع من أبين الأدلة وأوضح البراهين على فضيحته وكشف عورته، وضعف ما تفرد به وكذبه ورده وعدم قبوله، ونسخة مالك عن نافع عن ابن عمر محفوظة معروفة مضبوطة، رواها عنه أصحابه رواة الموطأ وغير رواة الموطأ، وليس هذا الحديث منها، بل لم يروه مالك قط ولا طرق سمعه، ولو كان من حديثه لبادر إلى روايته عنه بعض أصحابه الثقات المشهورين، بل لو تفرد بروايته عنه ثقة معروف من بين سائر أصحابه لأنكره الحفاظ عليه، ولعدوه من الأحاديث المنكرة الشاذة"[6].
    ويستفاد من كلام ابن عبد الهادي: أن الأئمة النقاد يستنكرون ما يتفرد به الثقة، وهذا معلوم من عملهم، فلا يحصى ما استنكره النقاد مما يتفرد به الثقات.
    ويؤخذ من كلام الأئمة في التفرد أن هناك حالات يتأكد فيها إعلان الحديث بالتفرد، منها:
    1 - أن يتفرد ثقة أو من في حكمه برواية الحديث عن أحد الأئمة من بين سائر أصحابه، وليس من المعروفين بالكثرة والإتقان لحديثه.
    قال الإمام مسلم: "فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما أو عن أحدهما العدد من الحديث، مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس، والله أعلم"[7].
    وهذا قريب مما أشار إليه ابن عبد الهادي، حيث ذكر أنه لو تفرد ثقة من بين سائر أصحاب مالك عنه لأنكره الحفاظ عليه، وقد أعل ابن عبد الهادي حديثاً رواه نعيم المجمر عن أبي هريرة –رضي الله عنه- في الجهر بالبسملة، فقال - رحمه الله -: "فهو حديث معلول، فإن ذكر البسملة فيه مما تفرد به نعيم المجمر من بين أصحاب أبي هريرة، وهم ثلاثمائة ما بين صاحب وتابع.. ".
    وقال أبو حاتم في حديث رواه إسماعيل بن رجاء: "أين كان الثوري وشعبة من هذا الحديث"[8]، ويقوي إعلال الحديث بالتفرد إذا كان الراوي المتفرد في حكم الراوي الثقة، ولكن ليس من الثقات المشهورين بالعدالة والضبط، وإن كان يشمله وصف العدالة والضبط، وقال أبو حاتم عن حديث رواه قران بن تمام عن أيمن بن نابل... قال: "لم يرو هذا الحديث عن أيمن إلا قران، ولا أراه محفوظاً، أين كان أصحاب أيمن بن نابل عن هذا الحديث؟ ".
    2 - إذا ترجح لدى الناقد وقوع الوهم والخطأ في الإسناد الذي تفرد به الثقة، ويستدل على هذا بقرائن، مثل: النكارة في المتن، وأمور أخرى تصاحب التفرد.
    قال ابن رجب: "وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد وإن لم يرو الثقات خلافه: إنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه؛ كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون تفردات الثقات الكبار أيضاً، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه"[9].
    ويستفاد من كلام ابن رجب أن الأئمة الحفاظ قد يستنكرون بعض تفرد الأئمة الكبار، وذلك - والله أعلم - إذا وجد ما يدعو إلى الاستنكار؛ مثل نكارة المتن، ويؤخذ من كلامه أيضاً: أن قوة الراوي واشتهاره بالحفظ والضبط والإتقان يجبر ما يحصل من تفرد، ويدل على هذا قول مسلم: "وللزهري نحو من تسعين حديثاً يرويه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يشاركه فيه أحد بأسانيد جياد"[10].
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,627

    افتراضي رد: مسائل مصطلح الحديث

    مسائل مصطلح الحديث
    محمد بن عبد اللّه القناص



    3 - أن يحصل التفرد في الطبقات المتأخرة بعد انتشار الراوية، وحرص الرواة ورغبتهم في تتبع المرويات وجمعها، والرحلة إلى البلدان لهذا الغرض، وقد أشار إلى هذا الذهبي، فقال بعد أن ذكر طبقات الحفاظ: "فهؤلاء الحفاظ الثقات، إذا انفرد الرجل منهم من التابعين فحديثه صحيح، وإن كان من الأتباع قيل: صحيح غريب، وإن كان من أصحاب الأتباع قيل: غريب فرد، ويندر تفردهم، فتجد الإمام منهم عنده مائتا ألف حديث لا يكاد ينفرد بحديثين أو ثلاثة ومن كان بعدهم، فأين ما ينفرد به؟ ما علمته، وقد يوجد... وقد يسمي جماعة من الحفاظ الحديث الذي ينفرد به، مثل: هشيم، وحفص بن غياث: منكراً. فإن كان المنفرد من طبقة مشيخة الأئمة، أطلقوا النكارة على ما انفرد به، مثل: عثمان بن أبي شيبة، وأبي سلمة التبوذكي، وقالوا: هذا منكر"[11].
    ويستفاد من كلام الذهبي: أنه يراعى في موضوع التفرد اعتبار طبقة الراوي، فيحتمل التفرد في طبقة التابعين وثقات أتباع التابعين، وأما ما بعد ذلك، فالغالب أن يكون خطأ أو وهماً من المتفرد، وقد يستنكره الأئمة.
    المبحث الثاني: حكم المرسل والاحتجاج به.
    المرسل هو: ما رواه التابعي كبيراً أو صغيراً - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قولاً أو فعلاً أو تقريراً، وهذا هو المشهور.
    وفي معرض رد الحافظ ابن عبد الهادي على السبكي في تقويته لبعض المراسيل الضعيفة تحدث ابن عبد الهادي - رحمه الله - عن المرسل، وقد تضمن كلامه على المرسل ثلاث نقاط:
    1 - حكم المرسل عند أئمة الحديث وتفاوت درجاته من حيث القبول والرد، قال - رحمه الله -: "ولو اطلع هذا المعترض على بعض كلام الشافعي وغيره من الأئمة في الاحتجاج ببعض المراسيل وترك الاحتجاج ببعضها لم يقل مثل هذا القول... وها أنا أذكر طرفاً من كلام الأئمة على حكم المرسل ليطلع عليه من أحب الوقوف عليه"[12].
    ثم ساق كلام ابن أبي حاتم في كتاب المراسيل: "باب ما ذكر في الأسانيد المرسلة أنها لا تثبت بها الحجة، حدثنا أحمد بن سنان قال: كان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئاً، ويقول: هو بمنزلة الريح، ويقول: هؤلاء قوم حفاظ كانوا إذا سمعوا الشيء علقوه، حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، حدثنا علي بن المديني، قال: قلت ليحيى بن سعيد: سعيد بن المسيب عن أبي بكر؟ قال: ذاك شبه الريح، وبه قال: حدثنا علي بن المديني قال: مرسلات مجاهد أحب إلي من مرسلات عطاء بكثير، كان عطاء يأخذ عن كل ضرب.
    وبه قال: حدثنا علي - يعني: ابن المديني - قال: سمعت يحيى يقول: مرسلات سعيد بن جبير أحب إلي من مرسلات عطاء، قلت: مرسلات مجاهد أحب إليك أو مرسلات طاووس؟ قال: ما أقربهما. وبه قال: سمعت يحيى يقول: مالك عن سعيد بن المسيب أحب إلي من سفيان عن إبراهيم، قال يحيى: وكل ضعيف.
    حدثنا صالح حدثنا علي قال: سمعت يحيى يقول: سفيان عن إبراهيم شبه لا شيء؛ لأنه لو كان فيه إسناد لصاح به، وبه قال: سمعت يحيى يقول: مرسلات أبي إسحاق - يعني: الهمداني - عندي شبه لا شيء، والأعمش والتيمي ويحيى بن أبي كثير - يعني: مثله -. وبه قال: سمعت يحيى يقول: مرسلات ابن أبي خالد - يعني: إسماعيل بن أبي خالد - ليس بشيء، ومرسلات عمرو بن دينار أحب إلي، وبه قال: سمعت يحيى يقول: مرسلات معاوية بن قرة أحب إلي من مرسلات زيد بن أسلم، وبه قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: مرسلات ابن عيينة شبه الريح، ثم قال: إي والله وسفيان بن سعيد، قلت: مرسلات مالك بن أنس؟ قال: هي أحب إلي، ثم قال: ليس في القوم أصح حديثاً من مالك، وبه قال: سمعت يحيى - يعني: ابن سعيد القطان - يقول: كان شعبة يضعف إبراهيم عن علي، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: لا يحتج بالمراسيل، ولا تقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح المتصلة..." [13].
    هذا ما نقله ابن عبد الهادي ليدلل على تفاوت المراسيل من حيث القوة والضعف، وغالب ما أورده عن يحيى بن سعيد القطان، وقد تضمن كلامه عن يحيى بن سعيد تضعيف مرسلات عطاء، وأبي إسحاق، والأعمش، والتيمي، ويحيى بن أبي كثير، والثوري، وابن عيينة، وأن مرسلات مجاهد، وطاووس، وسعيد بن المسيب، ومالك أحب إليه منها.
    قال الحافظ ابن رجب: "كلام يحيى بن سعيد في تفاوت مراتب المرسلات بعضها على بعض يدور على أربعة أسباب:
    أ - من عرف روايته عن الضعفاء ضعف مرسله بخلاف غيره.
    ب - من عرف له إسناد صحيح إلى من أرسل عنه فإرساله خير ممن لم يعرف له ذلك.
    ج - من قوي حفظه ويحفظ كل ما سمعه، ويثبت في قلبه، ويكون فيه ما لا يجوز الاعتماد عليه، يكون بخلاف من لم يكن له قوة الحفظ، وقد أنكر مرة يحيى بن معين على علي بن عاصم حديثاً، وقال: ليس هو من حديثك، إنما ذوكرت به فوقع في قلبك، فظننت أنك سمعته ولم تسمعه، وليس هو من حديثك.
    د - أن الحافظ إذا روى عن ثقة لا يكاد يترك اسمه، بل يسميه، فإذا ترك اسم الراوي دل إبهامه على أنه غير مرضي، وقد كان يفعل ذلك الثوري وغيره كثيراً، يكنون عن الضعيف ولا يسمون، بل يقولون: عن رجل"[14].
    2 - أورد كلام الشافعي في حكم المرسل والاحتجاج به.
    قال - رحمه الله -: "والمنقطع مختلف: فمن شاهد أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من التابعين، فحدث حديثاً منقطعاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتبر عليه بأمور، منها: أن ينظر إلى ما أرسل من الحديث، فإن شركه الحفاظ المأمونون فأسندوه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمثل معنى ما روي كانت هذه دلالة على صحة ما قيل عنه وحفظه.
    وإن انفرد بإرسال حديث لم يشركه فيه من يسنده قبل ما ينفرد به من ذلك، ويعتبر عليه بأن ينظر: هل يوافقه مرسل غيره ممن قبل العلم عنه من غير رجاله الذين قبل عنهم؟ فإن وجد ذلك كانت دلالة تقوي له مرسله، وهي أضعف من الأولى.
    وإن لم يوجد ذلك نظر إلى بعض ما يروى عن بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولاً له، فإن وجد يوافق ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في هذا دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح إن شاء الله - تعالى -.
    وكذلك إن وجد عوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
    ثم يعتبر عليه: بأن يكون إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولاً ولا مرغوباً عن الرواية عنه، فيستدل بذلك على صحته فيما روى عنه.
    ويكون إذا شرك أحداً من الحفاظ في حديث لم يخالفه، فإن خالفه ووجد حديثه أنقص كانت في هذا دلائل على صحة مخرج حديثه.
    ومتى خالف ما وصفت أضر بحديثه حتى لا يسع أحداً منهم قبول مرسله، قال: وإذا وجدت الدلائل بصحة حديثه بما وصفت أحببنا أن نقبل مرسله ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة ثبتت بها ثبوتها بالمتصل.
    وذلك أن معنى المنقطع مغيب، يحتمل أن يكون حمل عمن يرغب عن الرواية عنه إذا سمي، وأن بعض المنقطعات - وإن وافقه مرسل مثله - فقد يحتمل أن يكون مخرجها واحداً من حيث لو سمي لم يقبل، وإن قول بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قال برأيه لو وافقه - لم يدل على صحة مخرج الحديث دلالة قوية إذا نظر فيها، ويمكن أن يكون إنما غلط به حين سمع قول بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوافقه، ويحتمل مثل هذا فيمن وافقه من بعض الفقهاء.
    قال الشافعي: فأما من بعد كبار التابعين فلا أعلم واحداً منهم يقبل مرسله؛ لأمور:
    أحدها: أنهم تجوزوا فيمن يروون عنه، والآخر: أنهم تؤخذ عليهم الدلائل فيما أرسلوا لضعف مخرجه، والآخر: كثرة الإحالة في الأخبار، وإذا كثرت الإحالة كان أمكن للوهم وضعف من يقبل عنه"[15].
    3 - وضح الحافظ ابن عبد الهادي خلاصة ما تضمنه كلام الشافعي، ثم ذكر اختياره في حكم المرسل والاحتجاج به، قال - رحمه الله -: "وقد تضمن - يعني كلام الشافعي - أموراً:
    أحدهما: أن المرسل إذا أسند من وجه آخر دل ذلك على صحة المرسل.
    الثاني: أنه إذا لم يسند من وجه آخر، نظر هل يوافقه مرسل آخر أم لا، فإن وافقه مرسل آخر قوي لكنه يكون أنقص درجة من المرسل الذي أسند من وجه آخر.
    الثالث: أنه إذا لم يوافقه مرسل آخر ولا أسند من وجه، لكنه وجد عن بعض الصحابة قول له يوافق هذا المرسل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - دل على أن له أصلاً ولا يطرح.
    الرابع: أنه إذا وجد خلق كثير من أهل العلم يفتون بما يوافق المرسل دل على أن له أصلاً.
    الخامس: أن ينظر في حال المرسل، فإن كان إذا سمى شيخه سمى ثقة وغير ثقة، لم يحتج بمرسله، وإن كان إذا سمى لم يسم إلا ثقة لم يسم مجهولاً ولا ضعيفاً مرغوباً عن الرواية عنه، كان ذلك دليلاً على صحة المرسل، وهذا فصل النزاع في المرسل، وهو من أحسن ما يقال فيه.
    السادس: أن ينظر إلى هذا المرسل له، فإن كان إذا شرك غيره من الحفاظ في حديث وافقه فيه ولم يخالف، دل ذلك على حفظه، وإن خالفه ووجد حديثه أنقص إما نقصان رجل يؤثر في اتصاله، أو نقصان رفعه بأن يقفه، أو نقصان شيء من متنه، كان في هذا دليل على صحة مخرج حديثه، وأن له أصلاً، فإن هذا يدل على حفظه وتحريه، بخلاف ما إذا كانت مخالفته بزيادة، فإن هذا يوجب التوقف والنظر في حديثه.
    وهذا دليل من الشافعي على أن زيادة الثقة عنده لا يلزم أن تكون مقبولة مطلقاً كما يقوله كثير من الفقهاء من أصحابه وغيرهم، فإنه اعتبر أن يكون حديث هذا المخالف أنقص من حديث من خالفه، ولم يعتبر المخالف بالزيادة، وجعل نقصان هذا الراوي من الحديث دليلاً على صحة مخرج حديثه، وأخبر أنه متى خالف ما وصف أضر ذلك بحديثه، ولو كانت الزيادة عنده مقبولة مطلقاً لم يكن مخالفته بالزيادة مضراً بحديثه..
    السابع: أن المرسل العاري عن هذه الاعتبارات والشواهد التي ذكرها ليس بحجة عنده.
    الثامن: أن المرسل الذي حصلت فيه هذه الشواهد أو بعضها يسوغ الاحتجاج به، ولا يلزم لزوم الحجة بالمتصل، وكأنه - رضي الله عنه - سوغ الاحتجاج به ولم ينكر على مخالفه.
    التاسع: أن مأخذ رد المرسل عنده إنما هو احتمال ضعف الواسطة، وأن المرسل لو سماه لبان أنه لا يحتج به، وعلى هذا المأخذ فإذا كان المعلوم من عادة المرسل أنه إذا سمى لم يسم إلا ثقة ولم يسم مجهولاً كان مرسله حجة، وهذا أعدل الأقوال في المسألة، وهو مبني على أصل، وهو أن رواية الثقة عن غيره هل هي تعديل له أم لا؟ وفي ذلك قولان مشهوران هما روايتان عن الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه -، والصحيح: حمل الروايتين على اختلاف حالين، فإن الثقة إذا كان من عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كانت روايته عن غيره تعديلاً له، إذ قد علم ذلك من عادته، وإن كان يروي عن الثقة وغيره لم تكن روايته تعديلاً لمن روى عنه، وهذا التفصيل اختيار كثير من أهل الحديث والفقه والأصول، وهو صحيح [16]..
    العاشر: أن مرسل من بعد كبار التابعين لا يقبل، ولم يحك الشافعي عن أحد قبوله؛ لتعدد الوسائط" [17].
    تضمنت الفقرة التاسعة ترجيح ابن عبد الهادي في حكم المرسل التفصيل، وهو: أن المرسل إذا عرف من عادته أنه لا يرسل إلا عن ثقة، فمرسله مقبول، ومن لم يكن عادته ذلك فلا يقبل مرسله، وذكر أن هذا الترجيح مبني على قاعدة: أن من عرف عنه أنه لا يروي إلا عن ثقة، فإن روايته تعديل لمن روى عنه، ولكن يرد على هذا القول: أن هذه القاعدة ليست مطردة، فمن ذكر في حقه أنه لا يروي إلا عن ثقة وجد روايته عن الضعفاء، وقد بين الحافظ ابن عبد الهادي نفسه أن هذا محمول على الغالب، كما سيأتي.
    ولعل الراجح في قبول المرسل: أنه بحسب الاعتضاد، فإذا جاء من وجه آخر ودلت القرائن على أن له أصلاً، ترجح قبول، وقد تقدم ما نقل عن الشافعي من التفصيل في ذلك.
    قال الحافظ ابن رجب: "واعلم أنه لا تنافي بين كلام الحفاظ وكلام الفقهاء في هذا الباب، فإن الحفاظ إنما يريدون صحة الحديث المعين إذا كان مرسلاً، وهو ليس بصحيح على طريقهم؛ لانقطاعه وعدم اتصال إسناده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأما الفقهاء فمرادهم صحة ذلك المعنى الذي دل عليه الحديث، فإذا عضد ذلك المرسل قرائن تدل على أن له أصلاً، قوي الظن بصحة ما دل عليه، فاحتج به مع ما احتف به من القرائن" [18].
    ـــــــــــــــ ـــــــ
    * أحد البحوث المنشورة بمجلة البحوث الإسلامية العدد (78).
    [1] طبقات علوم الحديث (4 / 276).
    [2] العقود الدرية في مناقب ابن تيمية، (ص:326، 327).
    [3] البداية والنهاية (18 / 466).
    [4] نقله ابن رافع في الوفيات (2 / 458) من المعجم الملخص للذهبي.
    [5] نزهة النظر (ص: 56، 57)، فتح المغيث (1 / 253).
    [6] الصارم المنكي (ص: 119)
    [7] صحيح مسلم (1 / 7).
    [8] العلل لابن أبي حاتم (1 / 92).
    [9] شرح علل الترمذي (1 / 352).
    [10] صحيح مسلم (3 / 1268)، تدريب الراوي (1 / 234).
    [11] الموقظة (ص: 77، 78).
    [12] الصارم المنكي (ص: 141).
    [13] الصارم المنكي (ص: 141 143)، وينظر: كتاب المراسيل لابن أبي حاتم (ص: 3)
    [14] ينظر: شرح علل الترمذي (1 / 283)
    [15] الصارم المنكي (ص: 143)، وينظر: الرسالة للشافعي (ص: 461 – 465).
    [16] ينظر: شرح علل الترمذي لابن رجب (1 / 80).
    [17] الصارم المنكي (ص: 145 - 1417)
    [18] شرح علل الترمذي (1 / 297)
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •