دروس عن الهجرة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 12 من 12

الموضوع: دروس عن الهجرة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,082

    افتراضي دروس عن الهجرة


    دروس عن الهجرة

    (1) الهجرة من دار الاستضعاف إلى دار التمكين والعزة


    عبد الحي يوسف




    أما بعد: أيها الإخوة الكرام! في هذا المقال -إن شاء الله- نتناول طرفاً من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بهجرته المباركة التي كانت انتقالاً من دار الكفر إلى دار الإسلام، وانتقالاً من مرحلة الاستضعاف والقلة إلى مرحلة العزة والكثرة، كما قال الله عز وجل في معرض الامتنان على نبيه عليه الصلاة والسلام وعباده المؤمنين: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال:26].
    أنواع العذاب الذي صبر عليه المصطفى وأصحابه
    لقد أرسل الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، فمكث في مكة ثلاثة عشر عاماً يدعو إلى الله، وكان يقول: {يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، قولوا: لا إله إلا الله تملكوا بها العرب والعجم، قولوا: لا إله إلا الله كلمة أشهد لكم بها عند الله} )، ولكن القوم: {جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} [نوح:7]، وكانوا يسخرون من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص:5]، وكانوا يقولون: {أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} [الأنبياء:36]، وكانوا يقولون: {أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} [الإسراء:49]
    ونحو ذلك من أنواع السخرية والاستهزاء بالنبي عليه الصلاة والسلام. ولم يكتفوا بذلك فحسب، بل سلطوا على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه رضوان الله عليهم نوعين من الحروب المؤذية الفتاكة: النوع الأول: الحرب الاقتصادية، وذلك حين كتبوا تلك الصحيفة الظالمة الخاطئة، وعلقوها في جوف الكعبة: ألا يبيعوا للمسلمين ولا يبتاعوا منهم، وألا يزوجوهم ولا يتزوجوا منهم، فحوصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في شعب بني هاشم ثلاث سنوات حتى اضطروا إلى أن يأكلوا أوراق الشجر، يقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: كان أحدنا يضع كما تضع الشاة! فإذا أراد أحدهم أن يقضي حاجته فإنه يخرج منه كالبعر الذي يخرج من الشاة من شدة الجوع وقسوة العيش التي كانوا يعانونها، وكل ذلك من أجل أن يردوهم عن دينهم! النوع الثاني: حرب التصفية الجسدية، فقد كانوا يأتون بالرجل ويجوعونه ويعطشونه، يلقونه في حر الشمس، ويضعون على صدره الصخرة العظيمة، ويضربونه بالسياط، ويدفعونه إلى صبيان مكة يتقاذفونه، ويقولون له: واللات والعزى! لا ندعك حتى تكفر بمحمد وإله محمد، حتى إن بعض الصحابة فقد بصره من شدة التعذيب والأذى، مثل زنيرة جارية رومية فقدت بصرها، فقال المشركون: أذهب بصرها اللات والعزى، فقالت رضي الله عنها: كذبتم وبيت الله! ما تنفع اللات والعزى وما تضر، ما أذهب بصري إلا الله وهو قادر على أن يرده إلي، فرد الله عليها بصرها.
    وسمية بنت خياط أم عمار بن ياسر رضي الله عنهما كانوا يعذبونها، حتى دخل عليها عدو الله أبو جهل وأفحش لها في القول، وقال لها: ما أسلمت إلا من أجل الرجال، فما ردت عليه وما أجابت؛ لأنها من عباد الرحمن الذين قال الله فيهم: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} [الفرقان:63]، فعمد عدو الله إلى حربته فطعنها في فرجها، فمضت شهيدة إلى ربها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم مواسياً لـ عمار: «قتل الله قاتل أمك يا عمار».


    وهكذا كان حال كثير من الصحابة رضوان الله عليهم، فقد كانوا يعانون الأذى الشديد والتعذيب من هؤلاء الكفار الفجار، ولم يسلم من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا النبي الكريم الذي ما آذى أحداً، ولا منه الناس كلمة لاغية، ولا لفظة فاحشة، فقد ناله عليه الصلاة والسلام شيء عظيم من الأذى، ومن ذلك: أنه كان ساجداً عند الكعبة، فقال المشركون بعضهم لبعض: من ينطلق إلى جزور بني فلان فيأتي بسلاها فيطرحه على رأس محمد، فانبعث أشقاهم وهو: عقبة بن أبي معيط، فأتى بالقذر والنتن وطرحه على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد.
    وأحياناً يكون ساجداً فيأتي المشركون بالتراب فيضعونه على رأسه.


    وأحياناً يكون ساجداً صلوات ربي وسلامه عليه فيأتي أحد المشركين فيضع رجله على عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كادت عيناه تندران، أي: تخرجان.


    ومرة أخرى يأتي الطارق إلى أبي بكر ويقول له: أدرك صاحبك فإن القوم قاتلوه، فيخرج أبو بكر رضي الله عنه الله عنه يجر إزاره، فيجد المشركين قد أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: فهذا يشتمه، وذاك يصفعه، وهذا يجذبه، فجاء أبو بكر مسرعاً فقال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} [غافر:28]، فردد الكلمات التي قالها مؤمن آل فرعون، فترك القوم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبلوا على أبي بكر يصفعونه ويضربونه، حتى كان عتبة بن ربيعة يضرب أبا بكر بالنعل على وجهه، حتى دمى وجه أبي بكر، وأغشي عليه رضي الله عنه، وحمل إلى بيته وهو لا يعقل شيئاً، فلما أفاق فتح عينيه فقُرب إليه طعام، فكان أول كلام نطق به أن قال: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: هو بخير يا أبا بكر! قال: والله! لا أذوق ذواقاً ولا أطعم طعاماً، حتى آتيه فأنظر إليه.
    هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في مثل هذا الجو المشحون بالأذى والكيد والمكر، فأذن النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه بأن يخرجوا إلى الحبشة، فخرجوا رضوان الله عليهم بالهجرة الأولى، ثم خرجوا بالهجرة الثانية، وما زال الأذى يشتد ويتفاقم، وما زال الكيد يعظم حول رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الأمر مداه، وذلك حين اجتمع القوم ليقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال:30].


    ومكر الله عز وجل هو بطشه وأخذه: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} [هود:102 - 103].


    فلما بلغ الأمر بالنبي عليه الصلاة والسلام ذلك المبلغ، أذن لأصحابه بأن يخرجوا إلى المدينة، وإلى خير دار مع خير جيران، وهذا كله بوحي وبأمر وبتدبير الله، فإن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي في التوراة والإنجيل هي: عبدي ونبيي محمد، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن أميته حتى أقيم به الملة العوجاء، وأفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً.
    ومن صفته صلى الله عليه وسلم أنه مهاجر إلى أرض سبخة، كثيرة الحجارة بين حرتين.
    وهذا الوصف ينطبق على المدينة المنورة التي كانت تسمى يثرب، فقد قيض الله عز وجل لبنيه صلى الله عليه وسلم جماعة أخياراً من الأوس والخزرج، فبايعوه البيعة الأولى وهي التي تسمى ببيعة النساء، والتي فيها الأمور الستة: ألا يشركوا بالله شيئاً، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصون رسول الله صلى الله عليه وسلم في معروف، هكذا كانت البيعة الأولى.


    ثم كانت البيعة الثانية التي شهدها ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان، وهي بيعة العقبة الثانية، وهي التي طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج مهاجراً إليهم على أن يمنعوه ما يمنعون منه نساءهم وأولادهم، وأن يدافعوا عنه بكل ما أوتوا.
    فلما ذهب النبي عليه الصلاة والسلام ليبايع القوم حرص عمه العباس أن يشهد تلك البيعة رضي الله عنه، وكان إذ ذاك على دين قومه، فقال للأنصار: (يا معشر الأوس والخزرج! إن محمداً ابن أخي منا حيث قد علمتم، قد فارق ديننا وعاب آلهتنا، لكنه منا بمقام عظيم، فإن كنتم مسلميه إن عضتكم الحرب فمن الآن فدعوه، فالتفت القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا له: يا رسول الله! اشترط لنفسك ولربك، فاشترط صلى الله عليه وسلم لربه أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، واشترط لنفسه أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأولادهم، قالوا: فما لنا إن وفينا؟ قال: لكم الجنة، قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل).
    فبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم تلك البيعة العظيمة التي ترتبت عليها الهجرة المباركة، كما يأتي تفصيله في درس آخر.
    أسأل الله أن ينفعني وإياكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,082

    افتراضي رد: دروس عن الهجرة

    دروس عن الهجرة

    (2) الإذن بالهجرة



    عبد الحي يوسف



    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.
    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.
    أما بعد: فقد سبق أن ذكرنا أن نبينا عليه الصلاة والسلام ما خرج مهاجراً إلى المدينة، ولا أمر أصحابه بالهجرة إلا إنفاذاً لأمر الله عز وجل، وعملاً بقوله سبحانه: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت:56].
    وعملاً بقوله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِ ينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء:97 - 99].


    ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن المسلم لا يدع عبادة ربه، ولا يرضى بالذل، ولا يرضى بالضيم، بل يخرج من أرض إلى أرض، ويهاجر من بلد إلى بلد، ويلتمس مكاناً يعبد فيه ربه، ويقيم فيه شعائر دينه، ويجاهد في سبيله، وهذا هو الذي نتعلمه من حادثة الهجرة النبوية المباركة.


    ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خرج من مكة بغضاً لها، ولا زهداً في الإقامة بها، بل هي منشؤه، ومرتع صباه، ومسقط رأسه، وبلد قومه، لكنه عليه الصلاة السلام لما ضاقت عليه مكة، وأبى أهلها أن ينقادوا لحكم الله، وأن يدخلوا في دين الله عز وجل، عند ذلك ضحى النبي عليه الصلاة والسلام بحبه لبلده، وبمقامه في أرضه، وخرج صلى الله عليه وسلم من مكة، ثم نظر إليها وقال: «والله إنك لأحب البلاد إلي، ولولاء أن قومك أخرجوني ما خرجت»، وأنزل الله عز وجل قوله: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص:85]، فالله عز وجل يبشره بأنه سيرجع إلى مكة فاتحاً منتصراً، وسيمكنه الله عز وجل من البلاد والعباد.


    إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خرج في تلك الرحلة المباركة إلا ليفتتح عهداً جديداً، وليقيم دولة، وليربي أمة، ولينشر ديناً.
    وهذه الرحلة -رحلة الهجرة- هي نوع من أنواع سفر رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول الإمام أبو عبد الله بن القيم رحمه الله: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما أكرمه ربه بالرسالة، ما خرج مسافراً إلا لأمور أربعة: إما هجرة في سبيل الله، فقد خرج من مكة إلى المدينة مهاجراً، وإما مجاهداًً صلوات ربي وسلامه عليه، فقد خرج في سبع وعشرين غزوة كلها في سبيل الله، وإما حاجاً، وهذا لم يحصل إلا مرة واحدة، وهي حجة الوداع، وحجة البلاغ، وحجة الإسلام، وإما معتمراً، وهذه حصلت أربع مرار كلهن في ذي القعدة، فاعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر كلهن في ذي القعدة.


    فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة مهاجراً، ولو تأملنا فيها لرأينا فيها دروساً عظيمة ينبغي للمؤمنين أن يتأملوا فيها.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,082

    افتراضي رد: دروس عن الهجرة


    دروس عن الهجرة

    (3) عناية الله تعالى بأوليائه الصالحين


    عبد الحي يوسف




    الدرس الأول: أن الله عز وجل كاف عبده، فهو لا يسلم أوليائه للأعداء، ولا يخذل الصالحين من عباده، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاط المشركون ببيته إحاطة السوار بالمعصم، وفي يد كل رجل منهم سيف صلت، يريدون أن يضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فيخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والقوم هكذا حالهم قد أحاطوا به ووقفوا على بابه، فيخرج ثابت القلب، رابط الجأش، مطمئن النفس، وهو يتلو صدر سورة ياسين، إلى قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُ مْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ} [يس:9]،
    والقوم وقوف على بابه، وأبو جهل يتكلم مع إخوانه في الكفر، ويقول لهم: أيعدكم محمد أنكم إذا تابعتموه على دينه دخلتم الجنة، وكانت لكم جنان خير من جنان الأردن، وإن عصيتموه وأبيتم دينه دخلتم النار! والله ما هذا إلا الكذب، فيأخذ رسول الله عليه وسلم حفنة من تراب ويضعها على رأس أبي جهل ومن معه وهم لا يعقلون شيئاً، ويخرج من بينهم صلوات ربي وسلامه عليه تصحبه عناية الله.

    وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالمخاوف كلهن أمان ثم وهو في طريق الهجرة صلوات ربي وسلامه عليه لحق بهم سراقة بن مالك الفارس المغوار، والبطل الضرغام، فدعا عليه النبي عليه الصلاة والسلام، فساخت قوائم فرسه في الأرض، قال سراقة: فعلمت أنه ممنوع، أي: أنني لن أصل إليه بأذى، ولن أستطيع أن أمد إليه يداً بسوء، فطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيل عثرته، فدعا صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل فنهض فرسه، وبشر سراقة بأنه سيلبس سواري كسرى بن هرمز، وحقق الله عز وجل تلك النبوءة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فتحت بلاد فارس واستولى المسلمون على أسورة كسرى بن هرمز، جاء سراقة فذكر عمر بن الخطاب بما قاله له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألبسه عمر سواري كسرى، وقال: الحمد لله الذي كسا سراقة بن مالك -أعرابياً بوالاً على عقبيه من بني جعشم- سواري كسرى بن هرمز، وحمد عمر رضي الله عنه ربه على هذه الآية العظيمة.
    فالمؤمن المقيم على طاعة الله العامل بأمر الله يطمئن إلى أن الله ناصره؛ لأنه لا يخلف الميعاد، وقد قال: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر:51].
    فنصر الله للمؤمنين في الدنيا والآخرة.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,082

    افتراضي رد: دروس عن الهجرة

    دروس عن الهجرة

    (4) الأخذ بالأسباب


    عبد الحي يوسف




    الدرس الثاني: ما قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأخذ بالأسباب، ومن هذه الأسباب: أنه أمر أبا بكر رضي الله عنه أن يبتاع راحلتين قبل الهجرة.

    وأنه صلى الله عليه وسلم أخذ بعوامل السِّرِّية، حتى أنه لما جاء ليخبر أبا بكر بأمر الهجرة جاءه في ساعة منكرة متنكراً بردائه فقال: (يا أبا بكر! أخرج من عندك.


    فقال: يا رسول الله! إنما هو ابنتاي) فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الله قد أمره بأن يهاجر.
    ومن الأخذ بالأسباب: أن رسول الله صلى الله عليه خرج من غير الطريق الذي اعتاده الناس من أجل أن يلبس على القوم، ويعمي عليهم الآثار.


    ومن الأخذ بالأسباب: أنه استأجر عبد الله بن أريقط -رجلاً من بني الديل- هادياً خريتاً خبيراً بالصحراء؛ من أجل أن يدلهم على الطريق.


    ومن الأخذ بالأسباب كذلك: ما صنعته أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما من إعداد الزاد لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه.


    ومن الأخذ بالأسباب: ما كان من أمر دخولهما في غار ثور ومكثهما فيه أياماً ثلاثة إلى أن خف الطلب، وأيس القوم من اللحاق بهما، وعند ذلك خرجا.

    ما بالنا نحن مسلمون مؤمنون مصدقون برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فإن أهل الكفر قد تحكموا في رقابنا، وأديلوا علينا، وطاروا فوق رءوسنا، لِمَ ونحن مسلمون وهم كفار؟! فنقول: لأننا لم نأخذ بأسباب القوة التي أمرنا أن نأخذ بها، وانتظرنا أن ينزل علينا نصر من السماء دون أن نعد العدة، ونأخذ الأهبة، ونعمل بأسباب القوة، ولذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم أنه موعود من الله بأن يحفظه، وأن يكلؤه ويرعاه إلا أنه أخذ بالأسباب.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,082

    افتراضي رد: دروس عن الهجرة

    دروس عن الهجرة


    (5) إنزال الله الطمأنينة والسكينة على قلب المؤمن في الشدائد



    عبد الحي يوسف




    الدرس الثالث من دروس الهجرة النبوية: طمأنينة القلب، وسكينة النفس التي يرزقها الله عز وجل عبده المؤمن عند الشدائد، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو بشركما قال الله عز وجل: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [الكهف:110]- وهو في الغار، والقوم قد وقفوا على رأس الغار، وأبو بكر رضي الله عنه بحكم بشريته تدمع عيناه، ويرجف فؤاده حذراً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما شأنك يا أبا بكر»؟! قال: يا رسول الله! لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا، فقال صلى الله عليه وسلم -تلك الكلمة الخالدة-: «يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما»، وخلد الله تلك المقولة في القرآن فقال: {إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة:40].

    وهنا قد يحلو لبعض أهل الشغب أن يقولوا: بكاء أبي بكر دليل على ضعف إيمانه.
    نقول: لا والله حاشاه ذلك،

    أولاً: أن أبا بكر لو كان خائفاً على نفسه فلا حرج، فالقرآن الكريم ذكر عن موسى أنه خاف، وموسى نبي مكلَّم، قال الله عز وجل عنه: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص:21] أي: من فرعون، وموسى عليه السلام قال مثل ذلك لفرعون: {فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:21].

    ثانياً: والله ما خاف أبو بكر على نفسه، وإنما كان خوفه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودليل ذلك: أن أبا بكر في طريق الهجرة -كما تواترت الأخبار- تارة كان يمشي أمام النبي عليه الصلاة والسلام، وتارة خلفه، وتارة عن يمينه، وتارة عن شماله، فقال له صلى الله عليه وسلم: «ما تصنع يا أبا بكر»؟! قال: يا رسول الله! أتذكر الرصد -أن هناك إنساناً يرصدك- فأمشي أمامك، وأتذكر الطلب -الذي كان يطلبك- فأمشي من ورائك، وأتذكر العدو عن يمينك وعن شمالك، فأمشي عن يمينك وعن شمالك، فقال له صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر! أتحب أن ينزل بك المصاب دوني»؟! قال: نفسي لنفسك الفداء يا رسول الله.


    ثم لما وصلوا إلى غار ثور قال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم: على رسلك، فدخل رضي الله عنه وتحسس جبال الغار، فما وجد فتحة إلا قطع من ردائه وسدها، حتى أمَّن الغار، ثم طلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يدخل.
    أهذا صنيع من يخاف؟! لا والله! ثم لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم الغار توسد قدم أبي بكر، فلدغته عقرب عدة مرات وهو لا يتحرك من مكانه؛ كراهة أن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما استيقظ عليه الصلاة والسلام ورأى ما في أبي بكر من الأذى والألم تفل على موضع الألم فكأنه لم يكن.
    لذلك ينبغي لنا أن ننزل أبا بكر منزلته وأن نثبت له ما أثبته القرآن من الفضل، فقد أثبت له الصحبة قال تعالى: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ} [التوبة:40].


    فهناك نبي الله موسى عليه السلام قال: {قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء:62]، وهنا الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله معنا» معي ومعك يا أبا بكر! أسأل الله عز وجل أن يرزقنا الاقتداء بـ أبي بكر، وأن يرزقنا محبته، وأن يوفقنا لنصنع ما صنع.
    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,082

    افتراضي رد: دروس عن الهجرة

    دروس عن الهجرة

    (6) اتخاذ الصاحب الطيب



    عبد الحي يوسف




    ومن الدروس المستفادة: اتخاذ الرفيق الصالح الطيب المؤمن التقي،
    كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي».

    فقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الهجرة، ويريد منه أن يأذن له في الهجرة،

    فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول له: «يا أبا بكر! اصبر، لعل الله يجعل لك صاحباً»،
    فيغيب أبو بكر أياماً ثم يأتي يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم حاله كحال العبد الصالح الذي قال: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه:84]،
    ويريد أن يعجل بالهجرة إرضاءً لله عز وجل، فكان صلى الله عليه وسلم يقول له: «اصبر، لعل الله يجعل لك صاحباً»، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر وقال له: «يا أبا بكر! إن الله أمرني بالهجرة»، قال أبو بكر: الصحبة الصحبة يا رسول الله! -أي: اجعلني لك صاحباً ورفيقاً- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «بلى يا أبا بكر»! فبكى رضي الله عنه).


    تقول أمنا عائشة: والله! ما ظننت أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي في ذلك اليوم.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,082

    افتراضي رد: دروس عن الهجرة

    دروس عن الهجرة

    (7) الدعوة إلى الله بالأقوال والأفعال


    عبد الحي يوسف



    ومن الدروس المستفادة من هذه الرحلة:
    أن العبد الصالح يدعو إلى الله عز وجل بأقواله وفعاله وسمته وهيئته، وهذا الأمر نستدل عليه من مرور النبي صلى الله عليه وسلم بخيمة أم معبد الخزاعية، وهي امرأة برزة جلدة، تحتبي بفناء الخيمة، وتطعم وتسقي من يمر بها، فإذا مر بها قوم مسافرون فإنها تطعمهم وتسقيهم، وهي امرأة معروفة بالكرم، فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه صاحباه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وعبد الله بن أريقط فسلم عليها صلى الله عليه وسلم، ثم سألها: «هل من لبن فنشربه»؟ أو لحم فنشتريه؟ فقالت له المرأة: فداك أبي وأمي، لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى، والشاة عازب، ولا حلوبة في البيت)،
    تقول له: لو كان عندنا طعام أو شراب ما نحوجكم إلى أن تطلبوا، وإنما نكرمكم ابتداءً، لكن لا حلوبة في البيت، أي: ليس في البيت شاة تحلب، ثم إن الشاة التي تحلب هي في المرعى عازب، أي: بعيدة، (فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في ستر الخيمة -أي: في جانب الخيمة- فقال لها: ما هذه الشاة؟ قالت له: خلفها الجهد عن الغنم -يعني: هي مريضة- فقال لها: هل بها من حلب؟ -أي: هل فيها شيء يحلب؟ - قالت له: هي أجهد من ذلك، فقال: أتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: فداك أبي وأمي! إن كان بها حلب فاحلب -يعني: طالما أنك لا تريد أن تصدق فجرب-، فدعا صلى الله عليه وسلم بإناء يربض الرهط -يعني: إناء كبير- فسمَّى النبي صلى الله عليه وسلم الله عز وجل، ومسح على الضرع فتفاجت -أي: هذه الشاة فرجت بين رجليها-، فحلب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاً حتى علته الرغوة، ثم دفع الإناء إلى المرأة -إلى أم معبد أولاً- فشربت ثم سقى صاحبيه، ثم سمى الله عز وجل وشرب آخر القوم عليه الصلاة والسلام، ثم حلب فيه ثانية، فشربوا عللاً بعد نهل، ثم حلب فيه صلى الله عليه وسلم وخمره وقال: ارفعي هذا لـ أبي معبد، ثم سلم وانصرف،
    قال: فما لبثت إلا قليلاً، حتى أقبل أبو معبد يسوق أعنزاً عجافاً يتساوقن هزالاً لا نقي فيهن، فقال: ما هذا اللبن -يا أم معبد - والشاة عازب، ولا حلوبة في البيت؟! قالت: لا والله! إلا أنه مر بنا رجل مبارك)، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما تلا عليها قرآناً، ولا ألقى عليها خطبة، وإنما وصفته بالبركة بما رأت من حاله وكلامه وسمته وهيئته وفعاله صلوات ربي وسلامه عليه، فوصفته بأنه رجل مبارك، وكان من خبره كيت وكيت،
    فقال أبو معبد: صفيه لي يا أم معبد! فقالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، حسن الخلق، أبلج الوجه، في عينه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي عنقه سطع، وفي صوته صهل، وسيم قسيم، لم تعبه ثجلة، ولم تزريه صعلة، أجمل الناس وأحلاهم من بعيد، وأحسنهم وأبهاهم من قريب، إذا تكلم علاه البهاء، وإذا سكت علاه الوقار، كأن منطقه خرزات نظم ينحدرن، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً، له أصحاب يحفون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر ابتدروا أمره، محفود محشود، غير عابس ولا مفنَّد، فقال لها زوجها: والله! إنه لصاحب قريش الذي تطلب، ولأجهدن حتى ألحق به، ولأتابعنه على دينه.

    أي: بمجرد أن رأوا من حاله وأفعاله صلوات ربي وسلامه عليه هذا الحال قال: لأجهدن حتى ألحق به، ولأتابعنه على دينه، فرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة المباركة يعلمنا أن الإنسان يدعو إلى الله عز وجل بقوله وفعله وسمته وهيئته صلوات ربي وسلامه عليه.


    ومما يستفاد من هذه القصة: حسن رعايته صلى الله عليه وسلم لأصحابه في السفر، فلما حلب الشاة ما شرب اللبن صلى الله عليه وسلم، وما آثر نفسه، بل آثر أصحابه رضوان الله عليهم، وسقى أم معبد من أجل أن تزداد يقيناً، وأن تعلم حقاً أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,082

    افتراضي رد: دروس عن الهجرة

    دروس عن الهجرة

    (8) لابد للنصر من بذل وتضحية


    عبد الحي يوسف




    ومن الدروس المستفادة من هذه الرحلة المباركة:
    أن دين الله عز وجل لا ينتصر إلا ببذل جهد، ولا ينتصر إلا بعناء، ولا ينتصر إلا ببذل المال والنفس والوقت، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج مع أبي بكر رضي الله عنه، ويسلك طريقاً غير الطريق، ويعاني عليه الصلاة والسلام من الحر والقر والشمس وظلمة الليل، ويستغرق في الطريق خمسة عشر يوماً، وهو مع هذا كله مطارد، صلوات الله وسلامه عليه، فيطارده المشركون، ويعرضون العروض لمن يأتي به حياً أو ميتاً، كل هذا والنبي صلى الله عليه وسلم واثق بربه، فبذل هذا الجهد، وترك الأهل والمال والوطن، وترك بناته صلوات ربي وسلامه عليه في مكة، وخرج مهاجراً إلى الله يريد أن ينتصر لدين الله، فهذه غايته، وهذا هدفه صلوات الله وسلامه عليه.

    ولذلك لا يظنن ظان بأن الدين ينتصر والناس قعود، وهم في هجوع، والناس في كسل ونعاس، فلا يجتهد الواحد في أن يطلب علماً، ولا أن يحصل عملاً،

    بل إن بعض الناس يمنّ على ربه أنه يصلي الفريضة في وقتها، وبعضهم يمن على ربه أنه يخرج الفريضة من ماله، وبعض الناس يمنّ على ربه أنه يأمر بالمعروف أو ينهى عن منكر، أو يدعو إلى هدى، أو يقيم أمر الله في بيته، فلا ينتصر الدين بمثل هذا،
    ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحقق أنواع الجهاد كلها، فيجاهد نفسه، ويجاهد الشيطان والهوى، ويجاهد بماله، ويجاهد الكفار والمنافقين، وكل هذه الأنواع من الجهاد مارسها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذلك قرن الله عز وجل بين الهجرة والجهاد في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال:72]،

    فإيمان وهجرة وجهاد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى في هذه الأنواع كلها.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,082

    افتراضي رد: دروس عن الهجرة


    دروس عن الهجرة

    (9) حسن اختيار الله لأصحاب رسول الله


    عبد الحي يوسف




    ومما يستفاد من هذه الهجرة المباركة: أن الله عز وجل قد اختار لنبيه صلى الله عليه وسلم أصحاباً هم خير الأصحاب، وأنصاراً هم خير الأنصار، فقد مضى معنا خبر أبي بكر وماذا كان يصنع في طريق الهجرة، وإلى أن وصل صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأبو بكر معه كالخادم الأمين،
    يقول الأنصار رضي الله عنهم: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومعه أبو بكر وأكثرنا ما رآه، ما عرفنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أبا بكر حتى زال الظل وجاءت الشمس، فخلع أبو بكر رداءه وظلل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلمنا أن الجالس هو رسول الله وأن القائم عليه هو أبو بكر.

    وكذلك علي رضي الله عنه نام في فراش النبي عليه الصلاة والسلام وقد أحاطت به الأخطار، وأسماء بنت أبي بكر،

    يأتي جدها أبا قحافة فيقول لها: لقد خدعكم أبوكم في نفسه وماله، فتعمد رضي الله عنها إلى حجارة تجمعها، ثم تأخذ بيدي جدها وقد كان أعمى، فيتحسس تلك الأحجار، تقول له: ترك لنا مالاً كثيراً، من أجل أن تطمئنه وتصرف الوسواس عنه.

    ويأتي عدو الله أبو جهل يدق باب أبي بكر ويقول: يا أسماء! أين أبوك، تقول: ما أدري، فيلطمها عدو الله لطمة حتى يطير قرطها، أي: الحلق الذي في أذنها.


    وقل مثل ذلك في عامر بن فهيرة، وفي عبد الله بن أبي بكر، وهؤلاء جميعاً رضوان الله عليهم، كانت لهم قدم صدق في الإسلام.


    نسأل الله عز وجل أن يرزقنا الاقتداء بهم، والسير على نهجهم، والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,082

    افتراضي رد: دروس عن الهجرة

    دروس عن الهجرة

    (10) الهجرة فريضة شرعية باقية إلى يوم القيامة


    عبد الحي يوسف




    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.
    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.


    أما بعد: لقد كانت هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة نصراً للإسلام وأهله، وإيذاناً للانتقال من حال إلى حال، ومن فترة إلى فترة، فبعدما كان المسلمون قلة مستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس، صار لهم في المدينة دولة وصولة وجولة، وصاروا أهل جهاد وغزو وفتح ونصر، وتمت نعمة الله عليهم، حيث أمنوا في دارهم، وعبدوا ربهم، وقاموا بدينهم خير قيام.


    إن هذه الهجرة لا ينبغي أن نسرد أحداثها، ولا أن نذكر تفاصيلها على أنها كانت حدثاً من الأحداث ثم انقضى ومر، كلا؛ إن الهجرة صفحة في سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم لها أحكام وآداب، وهي باقية لا تنقطع؛

    كما ثبت عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها».

    وكل مسلم في أي أرض لا يستطيع أن يُظْهِر فيها شعائر دينه، ولا أن يعبد ربه حق العبادة، وهو بها ذليل مستضعف، فإنه يجب عليه أن يهاجر إلى إخوانه الذين يستعز ويستكثر بهم، ويجب عليه أن يهاجر إلى الأرض التي يعبد فيها ربه، ويقيم فيها شعائر دينه، ويأمن على نفسه وماله وعرضه.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,082

    افتراضي رد: دروس عن الهجرة

    دروس عن الهجرة


    (11) الهجرة سنة الأنبياء



    عبد الحي يوسف






    إن هجرة نبينا لم تكن بدعاً في سيرة الأنبياء والمرسلين، بل لقد هاجر الأنبياء والمرسلون صلوات الله وسلامه عليهم قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم،
    كإبراهيم خليل الرحمن على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، فبعد أن دعا قومه إلى الله وقال:{إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [العنكبوت:25].


    وأبى قومه أن يؤمنوا به، قال تعالى: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت:24].


    بعد هذا قال إبراهيم عليه السلام: {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [العنكبوت:26].


    فترك تلك الأرض التي أبى أهلها إلا الكفر والإلحاد والشرك به جل جلاله، وهاجر إلى الله عز وجل.
    وكذلك نوح عليه السلام لما دعا قومه إلى الله فأبوا الإيمان بالله تعالى، فقال له قومه: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ } [الشعراء:116].
    قيل المراد بالمرجومين: المخرجين.


    وكذلك لوط عليه السلام قال له قومه: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنْ الْمَرْجُومِينَ } [الشعراء:116].


    وكذلك نبي الله موسى عليه السلام لما خاف على نفسه من فرعون اللئيم أن يصيبه بسوء خرج من مصر، كما قال الله عز وجل: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص:21].


    وهذا المعنى أيضاً عرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ اليوم الأول للدعوة، وذلك عندما نزل عليه جبريل في غار حراء، فرجع عليه الصلاة والسلام إلى خديجة رضي الله عنها يرتجف فؤاده،

    فطمأنته رضي الله عنها بتلك الكلمات العِذاب: كلا والله يا ابن العم! لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، وما اكتفت رضي الله عنها بذلك، بل أخذته إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وكان شيخاً كبيراً قد قرأ الكتاب الأول، وله علم بالعبرانية لغة أهل الكتاب، فقص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى،
    فقال له ورقة بن نوفل: إنه الناموس الذي كان ينزل على موسى عليه السلام، وقال له: ليتني فيها جذعاً إذ يخرجك قومك، فقال له النبي صلى الله عليه الصلاة والسلام متعجباً: «أومخرجي هم»،
    أي: هل قومي يجرءون على إخراجي وأنا فيهم من أنا! أنا الصادق الأمين! وأنا العزيز الكريم! وأنا البر التقي؟! فقال له ورقة -وهو العارف العالم-: نعم؛ ما أتى أحد بمثل ما جئت به إلا عاداه قومه وأخرجوه؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام كان متهيئاً لذلك اليوم،

    ولكنه كان ينتظر أمر الله عز وجل، وكل نبي من الأنبياء كانت الهجرة له ديناً وديدناً، وسبيلاً لنشر الدعوة، وإحقاق الحق، والانتصار لدين الله عز وجل، وهداية الناس، والتماس الأرض التي ينتشر فيها الخير والنور.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,082

    افتراضي رد: دروس عن الهجرة

    دروس عن الهجرة


    (12) لمن ليس متمكناً من إقامة دينه



    عبد الحي يوسف



    الهجرة ليست خاصة بفئة معينة، ولا بقوم من الناس معلومة، وإنما هي شريعة ماضية إلى يوم القيامة، ولذلك أثنى الله عز وجل على المهاجرين الذين يتركون الأوطان التي ألفوها، والبلاد التي نشأوا فيها، يخرجون منها طلباً للهداية، وللصلاح، وللسداد، وللانتصار لدين الله عز وجل، يقول ربنا سبحانه في سورة البقرة: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:218].

    ويقول في سورة الأنفال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال:72].


    ويقول في سورة التوبة: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [التوبة:20].


    وفي سورة النساء نجد أن الله عز وجل يعد هؤلاء المهاجرين بسعة الأرزاق، وسلامة الأبدان، وطمأنينة القلوب، فيقول الله سبحانه: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء:100]، وقال تعالى:{وَالَّذِي نَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال:74].


    إن هذا المعنى الذي تضمنته هذه الآيات المباركات، والذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «لا يقبل الله من مشرك عملاً بعدما أسلم أو يفارق المشركين»

    أي: حتى يفارق المشركين، وهذا المعنى نحن المسلمون اليوم بحاجة إلى تأكيده ومعرفته، فإن كثيراً من المسلمين ممن يقيمون في ديار الكفر، أو الأرض التي تكون الغلبة فيها للكفار والشريعة السائدة هي شريعة الكفر، والأرض التي لا يسمع فيها أذان، ولا يسمع فيها قرآن، ولا يؤمر فيها بمعروف، ولا ينهى فيها عن منكر، وتمارس فيها الفواحش جهاراً نهاراً في الشوارع والطرقات، وأعني بذلك بلاد أوروبا وأمريكا وما أشبه ذلك، فكثير من المسلمين هنالك -نسأل الله السلامة العافية- رضي بأن يعطي الدنية في دينه، وأن يرضى بالذل، وأن يعيش في ذلك الجو المأفون والمليء بالموبقات والفواحش والكبائر والذنوب والمعاصي، والتي لا يسمع فيها لآمر ولا لناهي، فهو قد رضي بأن يقيم في تلك الأرض من أجل دراهم معدودة أو من أجل رغد عيش يطلبه أو نحو ذلك من الأسباب.

    إن هؤلاء توعدهم الله عز وجل في القرآن، فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء:97].
    ثم استثنى ربنا جل جلاله برحمته وعدله وفضله من ألجأتهم الضرورة، ومن أحاطت بهم الحاجة الملحة، فقال سبحانه: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِ ينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء:98 - 99].

    فهؤلاء ممن أقاموا؛ لأنهم لا يجدون داراً يلجأون إليها، ولا بلداً يهاجرون إليها، أو كانوا مستضعفين لكونهم نساء أو أطفالاً، فهؤلاء عسى الله أن يعفو عنهم.

    يقول الضحاك بن قيس رحمه الله ورضي عنه في هذه الآية: نزلت هذه الآية عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكناً من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حراماً بالإجماع.


    فمن كان مقيماً في تلك الأرض، وزوجه وبناته لا يستطعن أن يرتدين الحجاب الشرعي، أو كان مقيماً في تلك البلاد، ولكن لا أمر له على أولاده من بنين وبنات لم تجز له الإقامة، والآن بعض الناس يقيم في بلاد أوروبا وأمريكا وهو لا يستطيع أن يأمر ابنته ولا أن ينهاها، وربما تأتي ابنته بصديقها إلى البيت، ولو تكلم اتصلت للشرطة، وكذلك لو أنه وبخ ولده أو ضربه فللولد أن يشكوه، وبعد ذلك تأتي الشرطة وتنتصف من هذا الأب الذي أراد أن يربي ولده، فهناك شعار الحرية المرفوع يكفل لكل إنسان أن يفعل ما يريد، فلا يستطيع والد أن يوجه ولده ولا أن يأمره، ولا أن ينهاه، ولا أن يربيه،

    فمثل هؤلاء نقول لهم: الهجرة واجبة عليكم، نعم أن بلاد المسلمين أغلب الشريعة فيها غائبة، وأحكام الله فيها إما مبدلة، وإما ليست مطبقة، أو تطبيقها ضعيف، لكن نقول: ما زالت بلاد المسلمين الحياء فيها غالب، والأدب فيها ظاهر، وما زلنا في بلاد المسلمين يملك الوالد أن يوجه ولده وأن يأمره وينهاه، وتملك الأم أن تربي ابنتها على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، ولا يتدخل في ذلك أحد، لكن كثيراً من الناس -نسأل الله السلامة والعافية- استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، رضي بلعاعة من الدنيا، ففتن بتلك المظاهر وبتلك البهارج، لكنه لم يفكر في هذه القوارع التي نزلت في كتاب الله عز وجل، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين المشركين»، وقال صلى الله عليه وسلم: «من أقام بين المشركين فقد برئت منه الذمة».
    فهذا الحكم واجب علينا أن نتذكره حين نتدارس هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    نسأل الله سبحانه أن يحيينا مسلمين، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يلحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •