مقالات مختارة من فتوح الغيب للشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله ورضي عنه:
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 5 من 5
1اعجابات
  • 1 Post By محمدعبداللطيف

الموضوع: مقالات مختارة من فتوح الغيب للشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله ورضي عنه:

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    الدولة
    المغرب
    المشاركات
    166

    افتراضي مقالات مختارة من فتوح الغيب للشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله ورضي عنه:



    بسم الله الرحمان الرحيم.
    الحمد لله،
    والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،


    هذه مقالات مختارة من فتوح الغيب للشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله ورضي عنه:





    فـيمـا لا بـدّ لـكـل مـؤمـن:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    لا بد لكل مؤمن في سائر أحواله من ثلاثة أشياء : أمر يمتثله، ونهي يجتنبه، وقدر يرضى به، فأقل حالة المؤمن لا يخلو فيها من أحد هذه الأشياء الثلاثة، فينبغي له أن يلزم همها قلبه، وليحدث بها نفسه، ويؤاخذ الجوارح بها في سائر أحواله.




    فـي الابـتـلاء:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    إذا ابتلي العبد ببلية تحرك أولاً في نفسه بنفسه, فإن لم يتخلص منها استعان بالخلق كالسلاطين وأرباب المناصب وأرباب الدنيا وأصحاب الأحوال وأهل الطب في الأمراض والأوجاع، فإن لم يجد في ذلك خلاصاً رجع إلى ربّه بالدعاء والتضرع والثناء.
    ما دام يجد بنفسه نصرة لم يرجع إلى الخلق، وما دام يجد به نصرة عند الخلق لم يرجع إلى الخالق, ثم إذا لم يجد عند الخلق نصرة استطرح بين يديه مديماًً للسؤال والدعاء والتضرع والثناء والافتقار مع الخوف والرجاء, ثم يعجزه الخالق عزَّ وجلَّ عن الدعاء, ولم يجبه حتى ينقطع عن جميع الأسباب، فحينئذ ينفذ فيه القدر ويفعل فيه الفعل، فيفنى العبد عن جميع الأسباب والحركات، فيبقى روحاً فقط, فلا يرى إلا فعل الحق فيصير موقناً موحداً ضرورة يقطع أن لا فاعل في الحقيقة إلا الله; لا محرك ولا مسكن إلا الله ولا خير ولا ضر ولا نفع ولا عطاء ولا منع, ولا فتح ولا غلق، ولا موت ولا حياة، ولا عزّ ولا ذل إلا بيد الله، فيصير في القدَر كالطفل الرضيع في يد الظئر والميت الغسيل في يد الغاسل والكرة في صولجان الفارس، يقلب ويغير ويبدل, ويكون ولا حراك به في نفسه ولا في غيره، فهو غائب عن نفسه في فعل مولاه, فلا يرى غير مولاه وفعله, ولا يسمع ولا يعقل من غيره إن بصر وإن سمع وعلم, فلكلامه سمع، ولعلمه علم، وبنعمته تنعم، وبقربه تسعد، وبتقريبه تزين وتشرف, وبوعده طاب وسكن, به اطمأن, وبحديثه أنس, وعن غيره استوحش ونفر, وإلى ذكره التجأ وركن, وبه عزَّ وجلَّ وثق وعليه توكل، وبنور معرفته اهتدى وتقمص وتسربل, وعلى غرائب علومه اطلع، وعلى أسرار قدرته أشرف، ومنه سمع ووعي, ثم على ذلك حمد وأثنى وشكر ودعا.




    فـي الـمـوت الـمـعـنـوي:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    إذا مت عن الخلق قيل لك رحمك الله وأماتك عن الهوى، وإذا مت عن هواك قيل رحمك الله وأماتك عن إرادتك ومناك، وإذا مت عن الإرادة قيل رحمك الله وأحياك حياة لا موت بعدها، وتغنى غنى لا فقر بعده، وتعطى عطاء لا منع بعده, وتراح براحة لا شقاء بعدها، وتنعم بنعمة لا بؤس بعدها، وتعلم علماً لا جهل بعده، وتؤمن أمناً لا خوف بعده، وتسعد فلا تشقى, وتعز فلا تذل, وتقرب فلا تبعد, وترفع فلا توضع, وتعظم فلا تحقر, وتطهر فلا تدنس, لتحقق فيك الأماني, وتصدق فيك الأقاويل, فتكون كبريتاً أحمر فلا تكاد ترى, وعزيزاً فلا تماثل, وفريداً فلا تشارك, ووحيداً فلا تجانس, فرداً بفرد ووتراً بوتر, وغيب الغيب, وسر السر, فحينئذ تكون وارث كل نبي وصديق ورسول، بك تختم الولاية وإليك تصير الأبدال وبك تنكشف الكروب, وبك تسقى الغيوث, وبك تنبت الزروع, وبك يدفع البلاء والمحن عن الخاص والعام وأهل الثغور والراعي والرعايا, والأئمة والأمة وسائر البرايا, فتكون شحنة البلاد والعباد, فتنطلق إليك الرجل بالسعي, والرجال والأيدي بالبذل والعطاء والخدمة بإذن خالق الأشياء في سائر الأحوال, والألسن بالذكر الطيب والحمد والثناء وجميع المجال, ولا يختلف فيك اثنان من أهل الإيمان, يا خير من سكن البراري وجال بها (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).




    فـي الـفـنـاء عـن الـخـلـق:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    افن عن الخلق بإذن الله تعالى, عن هواك بأمر الله تعالى (وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) وعن إرادتك بفعل الله تعالى. وحينئذ تصلح أن تكون وعاء لعلم الله تعالى.
    فعلامة فنائك عن خلق الله تعالى انقطاعك عنهم وعن التردد إليهم واليأس مما في أيديهم، وعلامة فنائك عن هواك ترك التكسب والتعلق بالسبب في جلب النفع والضرر, فلا تتحرك فيك بك ولا تعتمد عليك لك ولا تذب عنك ولا تنتصر لنفسك، تكل ذلك كله إلى الله تعالى لأنه تولاه اولاً فيتولاه آخراً, كما كان موكولاً إليه في حال كونك مغيباً في الرحم، وكونك رضيعاً طفلاً في مهدك.
    وعلامة فنائك عن إرادتك بفعل الله أنك لا تريد مراداً قط , ولا يكون لك غرض, ولا يبقى لك حاجة ولا مرام, فإنك لا تريد مع إرادة الله سواها, بل يجري فعل الله فيك, فتكون أنت عند إرادة الله وفعله ساكن الجوارح مطمئن الجنان منشرح الصدر منور الوجه عامر البطن غنياً عن الأشياء بخالقها, تقلبك يد القدرة, ويدعوك لسان الأزل, ويعلمك ربُّ الْمِلَلْ, ويكسوك أنواراً منه والحلل, وينزلك من أولي العلم الأول, فتكون منكسراً أبداً, فلا يثبت فيك شهوة وإرادة كالإناء المنثلم الذي لا يثبت فيه مائع وكدر, فتنقى عن أخلاق البشرية, فلن يقبل باطنك شيئاً غير إرادة الله عزَّ وجلَّ, فحينئذ يضاف إليك التكوين وخرق العادات, فيرى ذلك منك في ظاهر الفعل والحكم, وهو فعل الله وإرادته حقاً في العالم, فتدخل حينئذ في زمرة المنكسرة قلوبهم الذين كسرت إرادتهم البشرية وأزيلت شهواتهم الطبيعية فاستؤنفت لهم إرادة ربانية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (حبب إليّ من دنياكم ثلاث : الطيب ، والنساء , وجعلت قرة عيني في الصلاة) فأضيف ذلك بعد أن خرج منه وزال عنه تحقيقاً بما أشرنا وتقدم. قال الله تعالى في حديثه القدسي : "أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي" فإن الله تعالى لا يكون عندك حتى تنكسر جملة هواك وإرادتك, فإذا انكسرت ولم يثبت فيك شيء ولم يصلح فيك شيء, أنشأك الله فجعل فيك إرادة, فتريد بتلك الإرادة, فإذا صرت في الإرادة المنشأة فيك كسرها الربّ تعالى بوجودك فيها, فتكون منكسر القلب أبداً, فهو لا يزال يجدد فيك إرادة ثم يزيلها عند وجودك فيها هكذا إلى أن يبلغ الكتاب أجله, فيحصل اللقاء, فهذا هو معنى "عند المنكسرة قلوبهم من أجلي" ومعنى قولنا عند وجودك فيها هو ركونك وطمأنينتك إليها. قال الله تعالى في حديثه القدسي الذي يرويه صلى الله عليه وسلم : (لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه , فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها) وفي لفظ آخر "فبي يسمع ، وبي يبطش وبي يعقل". وهذا إنما يكون في حالة الفناء لا غير, فإذا فنيت عنك وعن الخلق, والخلق إنما هو خير وشر, فلم ترج خيرهم ولا تخاف شرهم بقي الله وحده كما كان, ففي قدر الله خير وشر, فيؤمنك من شر القدر ويغرقك في بحار خيره, فتكون وعاء كل خير, ومنبعاً لكل نعمة وسرور وحبور وضياء أمن وسكون، فالفناء والمنى والمبتغى والمنتهى حد ومرد ينتهي إليه مسير الأولياء, وهو الاستقامة التي طلبها من تقدم من الأولياء والأبدال أن يفنوا عن إرادتهم وتبدل بإرادة الحق عزَّ وجلَّ, فيريدون بإرادة الحق أبداً إلى الوفاة، فلهذا سموا أبدالاً رضي الله عنهم, فذنوب هؤلاء السادة أن يشركوا إرادة الحق بإرادتهم على وجه السهو والنسيان وغلبة الحال والدهشة, فيدركهم الله تعالى برحمته بالتذكرة واليقظة, فيرجعوا عن ذلك ويستغفروا ربهم, إذ لا معصوم عن الإرادة إلا الملائكة, عصموا عن الإرادة، والأنبياء عصموا عن الهوى, وبقية الخلق من الإنس والجن المكلفين لم يعصموا منها غير أن الأولياء بعضهم يحفظون عن الهوى, والأبدال عن الإرادة, ولا يعصمون منهما على معنى يجوز في حقهم الميل إليهما في الأحيان, ثم يتداركهم الله عزَّ وجلَّ باليقظة برحمته.




    فـي إذهـاب غـمـم الـقـلـب:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    أخرج من نفسك وتنح عنها, وانعزل عن ملكك وسلم الكل إلى الله, فكن بوّابه على باب قلبك، وامتثل أمره في إدخال من يأمرك بإدخاله، وانته بنهيه في صد من يأمرك بصده، فلا تدخل الهوى قلبك بعد أن خرج منه، فإخراج الهوى من القلب بمخالفته، وترك متابعته في الأحوال كلها، وإدخاله في القلب بمتابعته وموافقته، فلا ترد إرادة غير إرادته, وغير ذلك منك تمن وهو وادي الحمقى, وفيه حتفك وهلاكك وسقوطك من عينه وحجابه عنك, إحفظ أبداً أمره, وانته أبداً بنهيه، وسلم لمقدوره, ولا تشركه بشيء من خلقه, فإرادتك وهواك وشهواتك كلها خلقه, فلا ترد ولا تهوى ولا تشته كيلا تكون مشركاً. قال الله تعالى : (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً).
    ليس الشرك عبادة الأصنام فحسب, بل هو متابعتك هواك، وأن تختار مع ربك شيئاً سواه من الدنيا وما فيها والآخرة وما فيها،, فما سواه عزَّ وجلَّ غيره، فإذا ركنت إلى غيره فقد أشركت به عزَّ وجلَّ غيره, فاحذر ولا تركن, وخف ولا تأمن, وفتش فلا تغفل فتطمئن, ولا تضف إلى نفسك حالاً ومقاماً, ولا تدع شيئاً من ذلك, فإن أعطيت حالاً أو أقمت في مقام فلا تختر شيئاً واحداً من ذلك, فإن الله (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) في تغيير وتبديل, وإنه يحول بين المرء وقلبه, فيزيلك عما أخبرت به, ويغيرك عما تخيلت ثباته وبقاءه, فتخجل عند من أخبرته بذلك، بل أحفظ ذلك فيك ولا تعده إلى غيرك فإنه كلي الثبات والبقاء, فتعلم أنه موهبة وتسأل التوفيق للشكر واستر رؤيته وإن كان غير ذلك كان فيه زيادة علم ومعرفة ونور وتيقظ وتأديب. قال الله عزَّ وجلَّ : (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فلا تعجز الله في قدرته، ولا تتهمه في تقديره ولا تدبيره، ولا تشك في وعده, فليكن لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة, نسخت الآيات والسور النازلة عليه المعمولة بها المقروءة في المحاريب المكتوبة في المصاحف, ورفعت وبدلت وأثبت غيرها مكانها, ونقل صلى الله عليه وسلم إلى غيرها, هذا في ظاهر الشرع، وأما في الباطن والعلم والحال فيما بينه وبين الله عزَّ وجلَّ فكان يقول : (إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في كل يوم سبعين مرة) ويروى (مائة مرة) وكان صلى الله عليه وسلم ينقل من حالة إلى أخرى ويسير به في منازل القرب وميادين الغيب، ويغير عليه خلع الأنوار، فتبين الحالة الأولى عند ثانيها ظلمة ونقصاناً وتقصيراً في حفظ الحدود، فيلقن الاستغفار لأنه أحسن حال العبد، والتوبة في سائر الأحوال لأن فيها اعترافه بذنبه وقصوره، وهما صفتا العبد في سائر الأحوال، فهما وراثة من أبي البشر آدم عليه السلام إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم حين اعترت صفاء حاله ظلمة النسيان للعهد والميثاق، وإرادة الخلود في دار السلام, ومجاورة الحبيب الرحمن المنان، ودخول الملائكة الكرام عليه بالتحية والسلام, فوجد هناك مشاركة إرادته لإرادة الحق, فانكسرت لذلك تلك الإرادة, وزالت تلك الحالة, وانعزلت تلك الولاية, فانهبطت تلك المنزلة وأظلمت تلك الأنوار وتكدر ذلك الصفاء, ثم تنبه وذكر صفي الرحمن، فعرف الاعتراف بالذنب والنسيان, ولقن الإقرار فقال : (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ). فجاءت أنوار الهداية وعلوم التوبة ومعارفها، والمصالح المدفونة فيها ما كان غائباً من قبل, فلم تظهر إلا بها، فبدلت تلك الإرادة بغيرها والحالة الأولى بأخرى, وجاءته الولاية الكبرى والسكون في الدنيا ثم في العقبى, فصارت الدنيا له ولذريته منزلاً, والعقبى لهم موئلاً ومرجعاً وخلداً, فلك برسول الله وحبيبه المصطفى وأبيه آدم صفي الله عليهم الصلاة والسلام عنصر الأحباب والأخلاء أسوة في الاعتراف بالقصور والاستغفار في الأحوال كلها.




    فـي الـتــقــرب إلــى الله:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    إذا كنت في حالة لا تختر غيرها أعلى منها ولا أدنى، فإذا كنت على باب الملك لا تختر الدخول إلى الدار حتى تدخل إليها جبراً لا اختياراً, وأعني بالجبر أمراً عنيفاً متأكداً متكرراً, ولا تكف بمجرد إذن بمجرد الدخول, لجواز أن يكون ذلك منكراً وخديعة من الملك, لكن اصبر حتى تجبر على الدخول فتدخل الدار جبراً محضاً وفضلاً من الملك, فحينئذ لا يعاقب الملك على فعله, إنما تتعرض العقوبة لك لشؤم تخيرك وشرهك، وقلة صبرك وسوء أدبك, وترك الرضي بحالتك التي أقمت فيها, فإذا حصلت فكن مطرقاً غاضاً لبصرك متأدباً, محافظاً لما تؤمر به من الشغل والخدمة فيها غير طالب للترقي إلى الذروة العليا. قال الله عزَّ وجلَّ : (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى). فهذا تأديب منه عزَّ وجلَّ لنبيه المختار صلى الله عليه وسلم في حفظ الحال والرضا بالعطاء بقوله : (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) أي ما أعطيتك من الخبر والنبوة والعلم والقناعة والصبر وولاية الدين, والعروة فيه أولى مما أعطيت وأحرى, فالخير كله في حفظ الحال والرضا بها وترك الالتفات إلى ما سواها, لأنه لا يخلو إما أن يكون قسمك أو قسم غيرك, أو أنه لا قسم لأحد بل أوجده الله فتنة, فإن كان قسمك وصل إليك شئت أم أبيت فلا ينبغي أن يظهر منك سوء الأدب والشره في طلبه, فإن ذلك غير محمود في قضية العلم والعقل, وإن كان قسم غيرك فلا تتعب فيما لم تناوله ولا يصل إليك أبداً, وإن كان ليس بقسم لأحد بل هو فتنة فكيف يرضى للعاقل ويستحسن أن يطلب لنفسه فتنة ويستجلبها لها, فقد ثبت أن الخير كله والسلامة في حفظ الحال, فإذا رقيت إلى الغرفة ثم إلى السطح فكن كما ذكرنا من الحفظ والإطراق والأدب, بل يتضاعف ذلك منك, لأنك أقرب إلى الملك وأدنى بالخطر, فلا تتمن الانتقال منها إلى أعلى منها ولا إلى أدنى, وثباتها وبقائها, ولا تغير وصفها وأنت فيها, ولا يكون لك اختيار ألبته, فإن ذلك كفر في نعمة الحال والكفر يحل بصاحبه الهوان في الدنيا والآخرة. فاعمل على ما ذكرناه أبداً حتى ترقى إلى حالة تصير لك مقاماً تقام فيه فلا تزال عنه، فتعلم حينئذ أنه موهبة ظهر بيانها فتمسكه ولا تزل، فالأحوال للأولياء والمقامات للأبدال والله يتولى هداك .




    فـي الـكـشــف و الـمـشـاهـدة:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    يكشف للأولياء والأبدال من أفعال الله ما يبهر العقول ويخرق العادات والرسوم فهي على قسمين : جلال وجمال, فالجلال والعظمة يورثان الخوف المقلق والوجل المزعج, والغلبة العظيمة على القلب بما يظهر على الجوارح, كما روي عن أن النبي صلى الله عليه وسلم " كان يسمع من صدره أزيز كأزيز المرجل في الصلاة من شدة الخوف " لما يرى من جلال الله عزَّ وجلَّ وينكشف له من عظمته، ونقل مثل ذلك عن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليه وعمر الفاروق رضي الله عنه.
    أما مشاهدة الجمال : فهو التجلي للقلوب بالأنوار والسرور والألطاف, والكلام اللذيذ والحديث الأنيس, والبشارة بالمواهب الجسام والمنازل العالية, والقرب منه عزَّ وجلَّ مما سيئول أمرهم إلى الله عزَّ وجلَّ, وجف به القلم من أقسامهم في سابق الدهور فضلاً منه ورحمة, وإثباتاً منه لهم في الدنيا إلى بلوغ الأجل وهو الوقت المقدور, لئلا تفرط بهم المحبة من شدة الشوق إلى الله تعالى فتنفطر مرائرهم, فيهلكون ويضعفون عن القيام بالعبودية إلى أن يأتيهم اليقين الذي هو الموت، فيفعل ذلك بهم لطفاً منه ورحمة ومداراة لها (إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيم) لطيف بهم (رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ). ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول لبلال المؤذن رضي الله عنه (أرحنا بها يا بلال) أي بالإقامة لندخل في الصلاة لمشاهدة ما ذكرناه من الحال, ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : (وجعلت قرة عيني في الصلاة).




    فـي الـنـفـس و أحــوالـهـا:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    إنماهو الله ونفسك وأنت المخاطب، والنفس ضد الله وعدوه, والأشياء كلها تابعة لله, والنفس له خلقاً ومُلكاً, وللنفس ادعاء وتمن وشهوت ولذة بملابستها, فإذا وافقت الحق عزَّ وجلَّ في مخالفة النفس وعدوانها فكنت لله خصماً على نفسك كما قال الله عزَّوجلَّ لداود عليه السلام : "يا داود أنا بدك اللازم فألزم بدك، العبودية أن تكون خصماً على نفسك" فتحققت حينئذٍ موالاتك وعبوديتك لله عزَّ وجلَّ, وأتتك الأقسام هنيئاً مريئاً مطيباً وأنت عزيز ومكرم, وخدمتك الأشياء وعظمتك وفخمتك, لأنها بأجمعها تابعة لربّها موافقة له إذ هو خالقها ومنشئها, وهي مقرة له بالعبودية. قال الله تعالى : (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّتَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ).. (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ). فالعبادة كل العبادة في مخالفة نفسك. قال الله تعالى : (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ). وقال لداود عليه السلام : "أهجر هواك فإنه منازع".
    والحكاية المشهورة عن أبي يزيد البسطامي رحمه الله لما رأى ربّ العزة في المنام فقال له : كيف الطريق إليك ؟ قال : اترك نفسك وتعال, فقال : فانسلخت كما تنسلخ الحية من جلدها, فإذا الخير كله في معادتها في الجملة في الأحوال كلها.
    فإن كنت في حال التقوى فخالف النفس, بأن تخرج من حرام الخلق وشبهتهم ومنتهم والاتكال عليهم والثقة بهم والخوف منهم, والرجاء لهم والطمع فيما عندهم من أحكام الدنيا, فلا ترج عطاياهم على طريق الهدية والزكاة والصدقة أو النذر, فاقطع همّك منهم من سائر الوجوه والأسباب حتى إن كان لك نسب ذو مال لا تتمن موته لترث ماله, فاخرج من الخلق جاداً واجعلهم كالباب يرد ويفتح، وشجرة توجد فيها ثمر تارة وتختل أخرى وكل ذلك بفعل فاعل وتدبير مدبر وهو الله جلَّ وعلا, لتكون موحداً للربّ، ولاتنس مع ذلك كسبهم لتخلص من مذهب الجبرية, واعتقد أن الأفعال لا تتم بهم دون الله لا تعبدهم وتنسى الله. ولا تقل فعلهم دون فعل الله فتكفر فتكون قدرياً, لكن قل هي لله خلقاً وللعباد كسباً كما جاءت به الآثار, لبيان موضع الجزاء من الثواب والعقاب, وامتثل أمر الله فيهم, وخلص قسم منهم بأمره ولا تجاوزه فحكم الله قائم بحكمه عليك وعليهم, فلا تكن أنت الحاكم, وكونك معهم قدر والقدر ظلمة فادخل بالظلمة في المصباح وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, لا تخرج عنهما، فإن خطر خاطر أو وجد إلهام فاعرضه على الكتاب والسنة, فإن وجدت فيها تحريم ذلك مثل أن تلهم بالزنا والرياء ومخالطة أهل الفسق والفجور وغير ذلك من المعاصي, فادفعه عنك واهجره ولاتقبله ولا تعمل به, واقطع بأنه من الشيطان اللعين نعوذ بالله منه. وإن وجدت فيها إباحة كالشهوات المباحة من الأكل أو الشرب أو اللبس أو النكاح فاهجره أيضاً ولاتقبله, واعلم أنه من إلهام النفس وشهواتها وقد أمرت بمخالفتها وعداوتها. وإن لم تجد في الكتاب والسنة تحريمه وإباحته, بل هو أمر لا تعقله مثل القائل لك ائت موضع كذاوكذا, الق فلاناً صالحاً, ولا حاجة لك هناك ولا في الصالح لاستغنائك عنه بما أولاك الله من نعمته من العلم والمعرفة، فتوقف في ذلك ولا تبادر إليه فتقول هذا إلهام من الحق جلَّ وعلا فأعمل به بل انتظر، الخير كله في ذلك وفعل الحق عزَّ وجلَّ بأن يتكررذلك الإلهام وتؤمر بالسعي, أو علامة تظهر لأهل العلم بالله عزَّ وجلَّ يعقلها العقلاء من الأولياء والمؤيدون من الأبدال, وإنما لم يتبادر إلى ذلك لأنك لا تعلم عاقبته وما يؤول الأمر إليه, وما كان فيه فتنة وهلاك ومكر من الله وامتحان فاصبرحتى يكون هو عزَّ وجلَّ الفاعل فيك, فإذا تجرد الفعل وحملت إلى هناك واستقبلتك فتنة كنت محمولاً محفوظاً فيها, لأن الله تعالى لا يعاقبك على فعله وإنما تتطرق العقوبة نحوك لكونك في الشيء, وإن كنت في حالة الحقيقة وهي حالة الولاية فخالف هواك واتبع الأمر في جملة.
    واتباع الأمر على قسمين : أحدهما أن تأخذ من الدنيا القوت الذي هو حق النفس وتترك الحظ , وتؤدي الفرض وتشتغل بترك الذنوب ما ظهر منها وما بطن.
    والقسم الثاني ما كان بأمر باطن, وهو أمر الحق عزَّ وجلَّ, يأمر عبده وينهاه, وإنما يتحقق بهذا الأمر في المباح الذي ليس له حكم في الشرع على معنى ليس من قبيل النهي ولا من قبيل الأمر الواجب, بل هو مهمل ترك العبد يتصرف فيه باختياره فسمي مباحاً فلا يحدث للعبد فيه شيئاً من عنده بل ينتظر الأمر فيه, فإذا أمر امتثل فتصير حركاته وسكناته بالله عزَّ وجلَّ, ما في الشرع حكمه فبالشرع، وما ليس له حكم في الشرع فبالأمر الباطن فحينئذ يصير محقاً من أهل الحقيقة, وما ليس فيه أمر باطن فهو مجرد الفعل حاله التسليم, وإن كنت في حالة حق الحق وهي حالة المحو والفناء وهي حالة الأبدال المنكسري القلوب لأجله الموحدين العارفين أرباب العلوم والعقل السادة الأمراء الشحن خفراء الخلق خلفاء الرحمن وأخلائه وأعيانه وأحبائه عليهم السلام, فإتباع الأمر فيها بمخالفتك إياك بالتبري من الحول والقوة, وأن لا يكون لك إرادة وهمة في شيء البتة دنيا وعقبى, فتكون عبد المَلك لا عبد الْمُلْك وعبد الأمر لا عبد الهوى كالطفل مع الظئر, والميت الغسيل مع الغسل, والمريض المقلوب على جنبيه بين يدي الطبيب فيما سوى الأمر والنهي والله أعلم.




    فـي الــشــــهـوة:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    إذا ألقيت عليك شهوة النكاح في حالة الفقر وعجزت عن مؤنته فصبرت عنه منتظر الفرج من الباري عزَّ وجلَّ, إما بزوالها وإقلاعها عنك بقدرته التي ألقاها عليك وأوجدها فيك فيعينك أو يصونك وحياتك عن حمل مؤنتها أيضاً، أو بإيصالها إليك موهبة مهنئاً مكفياً من غير ثقل في الدنيا ولا تعب في العقبى, وسماك الله عزَّ وجلَّ صابراً شاكراً لصبرك عنها راضياً بقسمته فزادك عصمة وقوة، فإن كان قسماً لك ساقها إليك مكفياً مهنئاً فينقلب الصبر شكراً, وهو عزَّ وجلَّ وعد الشاكرين بالزيادة في العطاء قال الله عزَّ وجلَّ : (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)، وإن لم تكن قسماً لك فالغنى عنها بقلعها من القلب إن شاءت النفس أو أبت, فلازم الصبر وخالف الهوى وعانق الأمر وارض بالقضاء, وارج بذلك الفضل والعطاء, وقد قال الله تعالى : (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ)




    فـي الـنـهـي عـن حـب الـمـال:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    إذا أعطاك الله عزَّ وجلَّ مالاً فاشتغلت به عن طاعته حجبك به عنه دنيا وأخرى, وربما سلبك إياه وغيرك وأفقرك لاشتغالك بالنعمة عن المنعم, وإن اشتغلت بطاعته عن المال جعله موهبة ولم ينقص منه حبة واحدة وكان المال خادمك وأنت خادم المولى, فتعيش في الدنيا مدللاً وفي العقبى مكرماً مطيباً في جنة المأوى مع الصديقين والشهداء والصالحين.
    الرَّد على الزَّنادقة والجهمية لللإمام أحمد بن محمد بن حنبل:
    http://www.ajurry.com/vb/attachment....8&d=1370176387

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    الدولة
    المغرب
    المشاركات
    166

    افتراضي رد: مقالات مختارة من فتوح الغيب للشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله ورضي عنه:

    فـي الـتـســلـيـم لأمــر الله:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    لا تختر جلب النعماء ولا دفع البلوى، فالنعماء واصلة إليك إن كانت قسمك استجلبتها أو كرهتها, والبلوى حالَّةٌ بك إن كانت قسمك مقضية عليك سواء كرهتها أو رفعتها بالدعاء أو صبرت وتجلدت لرضى المولى, بل سلم في الكل, فيفعل الفعل فيك، فإن كانت النعماء فاشتغل بالشكر, وإن كانت البلوى فاشتغل بالتصبر والصبر, أو الموافقة والتنعم بها أو العدم أو الفناء فيها على قدر ما تعطى من الحالات وتنتقل فيها, وما تسير في المنازل في طريق المولى الذي أمرت بطاعته والموالاة, لتصل إلى الرفيق الأعلى, فتقام حينئذ مقام من تقدم ومضى من الصديقين والشهداء والصالحين, لتعاين من سبقك إلى المليك ومنه دنا, ووجد عنده كل طريفة وسروراً وأمناً, وكرامة ونعما.
    دع البلية تزورك, خل من سبيلها, ولا تقف ولا تجزع من مجيئها وقربها, فليس نارها أعظم من نار جهنم ولظى, فقد ثبت في الخبر المروي عن خير البرية, وخير من حملته الأرض وأظلته السماء محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه قال : (إن نار جهنم تقول للمؤمن جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي) فهل كان نور المؤمن الذي أطفأ لهب النار في لظى إلا الذي صحبه في الدنيا الذي لن يمر من أطاعها وعصى, فليطفئ هذا النور لهب البلوى, ولتجد برد صبرك وموافقتك للمولى وهيج ما حل بك من ذلك ومنك دنا، فالبلية لم تأتك لتهلكك, لكنها تأتيك لتجربك وتحقق صحة إيمانك وتوثيق عروة يقينك ويبشرك باطنها من مولاك بمباهاته بك, قال الله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنّ كُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ). فإذا ثبت مع الحق إيمانك ووافقته في فعله بيقينك كل ذلك بتوفيق منه ومنة, فكن حينئذ أبداً صابراً موافقاً مُسَلِّمَاً لا تحدث فيك ولا في غيرك حادثة ما خرج عن الأمر والنهي.
    فإذا كان أمره عزَّ وجلَّ فتسامع وتسارع وتحرك ولا تسكن ولا تسلم للقدر والفعل, بل ابذل طوقك وجهودك لتؤدي الأمر, فإن عجزت فدونك الالتجاء إلى مولاك عزَّ وجلَّ, فالتجئ إليه وتضرع واعتذر, وفتش عن سبب عجزك عن أداء أمره وصدك عن التشوق لطاعته لعل ذلك لشؤم دعائك وسوء أدبك في طاعته, ورعونتك واتكالك على حولك وقوتك, وإعجابك بعلمك وشركك إياك بنفسك وخلقه, فصدك عن بابه, وعزلك عن طاعته وخدمته, وقطع عنك مدد توفيقه, وولى عنك وجهه الكريم, ومقتك وقلاك, وشغلك ببلائك دنياك وهواك، وإرادتك ومناك. أما تعلم أن كل ذلك مشغول عن ذلك, وقاطعك عن عين الذي خلقك ورباك، وخوّلك وأعطاك وأحياك.
    احذر لا يلهيك عن مولاك غير مولاك, وكل من سوى مولاك غيره, فلا تؤثر عليه غيره فإنه خلقك له, فلا تظلم نفسك فتشغل بغيره عن أمره فيدخلك النار التي وقودها الناس والحجارة فتندم, فلا ينفعك الندم, وتعتذر فلا تعذر, وتستعتب فلا تعتب, وتسترجع إلى الدنيا لتستدرك وتصلح فلا ترجع.
    ارحم نفسك وأشفق عليها, واستعمل الآلات والأدوات التي أعطيتها في طاعة مولاك من الفعل والإيمان والمعرفة والعلم. استضيء بنورهما في ظلمات الأقدار, وتمسك بالأمر والنهي, وسيرهما في طريق مولاك وسلم ما سواهما إلى الذي خلقك وأنشأك, فلا تكفر بالذي خلقك من تراب ورباك, ثم من نطفة ثم رجلاً سواك، ولا ترد غير أمره, ولا تكره غير نهيه.
    اقنع من الدنيا والأخرى بهذا المراد واكره فيهما هذا المكروه, فكل ما يراد تبع لهذا المراد, وكل مكروه تبع لهذا المكروه. إذا كنت مع أمره كانت الأكوان في أمرك, وإذا كرهت نهيه فرت منك المكاره أين كنت وحللت.
    قال الله عزَّ وجلَّ في بعض كتبه : (يا ابن آدم أنا الله لا إله إلا أنا أقول للشيء كن فيكون ، أطعني أجعلك تقول للشيء كن فيكون) وقال عزَّ وجلَّ : (يا دنيا من خدمني فاخدميه ومن خدمك فأتعبيه).
    فإذا جاء نهيه عزَّ وجلَّ فكن كأنك مسترخي المفاصل, مسكن الحواس, مضيق الذرع، متماوت الجسد، زائل الهوى, منطمس الوسوم، منمحي الرسوم، منسي الأثر, مظلم القنا, متهدم البناء، خاوي البيت, ساقط العرش, لا حس ولا أثر, فليكن سمعك كأنه أصم وعلى ذلك مخلوق، وبصرك كأنه معصب أو مرمود أو مطموس, وشفتاك كأن بهما قرحة وبثوراً, ولسانك كأنه به خرساً وكلولاً، وأسنانك كأن بهما ضرياناً وألماً ونشورا, ويداك كأن بهما شللاً وعن البطش قصورا, ورجلاك كأن بهما رعدة وارتعاشاً وجروحاً, وفرجك كأن به عنة وبغير ذلك الشأن مشغولا, وبطنك كأن به امتلاء وارتواء وعن الطعام غنى, وعقلك كأنك مجنون ومخبول, وجسدك كأنك ميت وإلى القبر محمول, فالتسامع والتسارع في الأمر, والتعاقد والتجاعد والتقاصر في النهي, والتماوت والتعادم والتفاني في القدر, فاشرب هذه الشربة, وتداو بهذا الدواء, وتغذ بهذا الغذاء، تنجح وتشفى, وتعافى من أمراض الذنوب وعلل الأهواء, بإذن الله تعالى إن شاء الله.




    فـي إتـبـاع أحـوال الـقــوم:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    لا تدّع حالة القوم يا صاحب الهوى، أنت تعبد الهوى وهم عبيد المولى, أنت رغبتك في الدنيا ورغبة القوم في العقبى, أنت ترى الدنيا وهم يرون ربّ الأرض والسماء, وأنت أنسك بالخلق وأنس القوم بالحق، أنت قلبك متعلق بمن في الأرض وقلوب القوم بربّ العرش, أنت يصطادك من ترى وهم لا يرون من ترى بل يرون خالق الأشياء وما يرى, فاز القوم به وحصلت لهم النجاة, وبقيت أنت مرتهناً بما تشتهي من الدنيا وتهوى، فنوا عن الخلق والهوى والإرادة والمنى فوصلوا إلى الملك الأعلى, فأوقفهم على غاية ما رام منهم من الطاعة والجد والثناء (ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) فلازموا ذلك وواظبوا بتوفيق منه وتيسير بلا عناء, فصارت الطاعة لهم روحاً وغذاء, وصارت الدنيا إذ ذاك في حقهم نقمة وخزياً، فكأنها لهم جنة المأوى إذ ما يرون شيئاً من الأشياء حتى يروا قبله فعل الذي خلق وأنشأ فيهم ثبات الأرض والسماء, وقرار الموت والإحياء إذ جعلهم مليكهم أوتاداً للأرض الذي دحى, فكل كالجبل الذي رسى, فتنح عن طريقهم ولا تزاحم من لم يفده عن قصده الآباء والأبناء، فهم خير من خلق ربي وبث في الأرض وذرأ, فعليهم سلام الله وتحياته ما دامت الأرض والسماء.




    فـي الـخــوف و الـرجــاء:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    رأيت في المنام كأني في موضع شبه مسجد وفيه قوم منقطعون, فقلت : لو كان لهؤلاء فلان يؤدبهم ويرشدهم, فأشرت إلى رجل من الصالحين فاجتمع القوم حولي فقال واحد منهم : فأنت لأي شيء لا تتكلم ؟ فقلت : إن رضيتموني ذلك, ثم قلت : إذا انقطعتم من الخلق إلى الحق فلا تسألوا الناس شيئاً بألسنتكم, فإذا تركتم ذلك فلا تسألوهم بقلوبكم, فإن السؤال بالقلب كالسؤال باللسان.
    ثم اعلموا أن الله (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ). في تغيير وتبديل ورفع وخفض, فقوم يرفعهم إلى عليين, وقوم يحطهم إلى أسفل سافلين, فخوف الذين رفعهم إلى عليين أن يحطهم إلى أسفل سافلين, ورجاؤهم أن يبقيهم ويحفظهم على ما هم عليه من الرفع, وخوف الذين حطهم إلى أسفل سافلين, أن يبقهم ويخلدهم على ما هم فيه من الحط, ورجاؤهم أن يرفعهم إلى عليين, ثم انتبهت.




    فـي الـتـوكـل و مـقـامـاتـه:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    ما حجبت عن فضل الله ونعمه إلا لاتكالك على الخلق والأسباب والصنائع والاكتساب, فالخلق حجابك عن الأكل بالسنة وهو المكسب, فما دمت قائماً مع الخلق راجياً لعطاياهم وفضلهم سائلاً لهم متردداً إلى أبوابهم فأنت مشرك بالله خلقه, فيعاقبك بحرمان الأكل بالسنة الذي هو الكسب من حلال الدنيا, ثم إذا تبت عن القيام مع الخلق وشركك بربّك عزَّ وجلَّ إياهم ورجعت إلى الكسب فتأكل بالكسب وتتوكل على الكسب وتطمئن إليه وتنسى فضل الرب عزَّ وجلَّ, فأنت مشرك أيضاً، إلا أنه شرك خفي أخفى من الأول, فيعاقبك الله عزَّ وجلَّ ويحجبك عن فضله والبداءة به, فإذا تبت عن ذلك وأزلت الشرك عن الوسط, ورفعت اتكالك عن الكسب والحول والقوة, ورأيت الله عزَّ وجلَّ هو الرزاق, وهو المسبب والمسهل والمقوي على الكسب, والموفق لكل خير والرزق بيده, تارة يواصلك به بطريق الخلق على وجه المسألة لهم في حالة الابتلاء أو الرياضة أو عند سؤالك له عزَّ وجلَّ, وأخرى بطريق الكسب معاوضة، وأخرى من فضله مبادأة من غير أن ترى الواسطة والسبب, فرجعت إليه واستطرحت بين يديه, ورفع الحجاب بينك وبين فضله, وباداك وغذاك بفضله, عند كل حاجة على قدر ما يوافق حالك, كفعل الطبيب الشفيق الرقيق الحبيب للمريض حماية منه عزَّ وجلَّ, وتنزيهاً لك عن الميل إلى من سواه, يرضيك بفضله, فإذاً ينقطع عن قلبك كل إرادة وكل شهوة ولذة ومطلوب ومحبوب, فلا يبقى في قلبك سوى إرادته عزَّ وجلَّ, فإذا أراد أن يسوق إليك قسمك الذي لابدّ من تناوله وليس هو رزقاً لأحد من خلقه سواك, أوجد عندك شهوة ذلك القسم وساقه إليك, فيواصلك به عند الحاجة, ثم يوفقك ويعرفك أنه منه وهو سائقه إليك ورازقه لك, فتشكره حينئذٍ وتعرف وتعلم, فيزيدك خروجاً من الخلق وبعداً من الأنام, وأخليت الباطن عما سواه عزَّ وجلَّ, ثم إذا قوي علمك ويقينك, وشرح صدرك ونور قلبك, وزاد قربك من مولاك ومكانتك لديه عنده، وأهليتك لحفظ الأسرار علمت متى يأتيك قسمك كرامة لك وإجلالاً لحرمتك فضلاً منه ومنة وهداية, قال الله تعالى : (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ). وقال الله تعالى : (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُ مْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين) وقال تعالى : (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ). ثم يرد عليك التكوين فتكون بالإذن الصريح الذي هو لا غبار عليه والدلالات اللائحة كالشمس المنيرة, وبكلامه اللذيذ الذي هو ألذ من كل لذيذ, وإلهام صدق من غير تلبس مصفى من هواجس النفس ووساوس الشيطان الرجيم.
    قال الله تعالى في بعض كتبه : (يا ابن آدم أنا الله الذي لا إله إلا أنا أقول للشيء كن فيكون, أطعني أجعلك تقول للشيء كن فيكون), وقد فعل ذلك بكثير من أنبيائه وأوليائه وخواصه من بني آدم.




    فـي كـيـفـيـة الـوصـول إلـى الله بـواســطـة الـمـرشــد:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    إذا وصلت إلى الله قربت بتقريبه وتوفيقه، ومعنى الوصول إلى الله عزَّ وجلَّ خروجك عن الخلق والهوى والإرادة والمنى, والثبوت مع فعله ومن غير أن يكون منك حركة فيك ولا في خلقه بك، بل بحكمه وأمره وفعله, فهي حالة الفناء يعبر عنها بالوصول، فالوصول إلى الله عزَّ وجلَّ ليس كالوصول إلى أحد من خلقه المعقول المعهود (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ). جلَّ الخالق أن يشبه بمخلوقاته أو يقاس على مصنوعاته, فالواصل إليه عزَّ وجلَّ معروف عند أهل الوصول بتعريفه عزَّ وجلَّ لهم كل واحد على حدة لا يشاركه فيه غيره, وله عزَّ وجلَّ مع كل واحد من رسله وأنبيائه وأوليائه سر من حيث هو لا يطلع على ذلك أحد غيره, حتى أنه قد يكون للمريد سر لا يطلع عليه شيخه, وللشيخ سر لا يطلع عليه مريده الذي قد دنا سيره إلى عتبة باب حالة شيخه, فإذا بلغ المريد حالة شيخه أفرد عن الشيخ وقطع عنه، فيتولاه الحق عزَّ وجلَّ فيفطمه عن الخلق جملة, فيكون الشيخ كالضئر والداية, لا رضاع بعد الحولين, ولا خلق بعد زوال الهوى والإرادة. الشيخ يحتاج إليه ما دام ثَم هوى وإرادة لكسرهما, وأما بعد زوالهما فلا, لأنه لا كدورة ولا نقصان, فإذا وصلت إلى الحق عزَّ وجلَّ على ما بينا فكن آمناً أبداً من سواه عزَّ وجلَّ فلا ترى لغيره وجوداً البتة, لا في الضر ولا في النفع, ولا في العطاء ولا في المنع, ولا في الخوف ولا في الرجاء, هو عزَّ وجلَّ (أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ). فكن أبداً ناظراً إلى فعله مترقباً لأمره، مشتغلاً بطاعته, مبايناً عن جميع خلقه دنيا وأخرى.
    لا تعلق قلبك بشيء منهم واجعل الخليقة أجمع كرجل كَتَّفَهُ سلطان عظيم ملكه شديد أمره, مهولة صولته وسطوته, ثم جعل الغل في رقبته ورجليه, ثم صلبه على شجرة الأرزة، على شاطىء نهر عظيم موجه, فسيح عرضه, عميق غوره, شديد جريه, ثم جلس السلطان على كرسيه, عظيم قدره, عال سماؤه, بعيد مرامه ووصوله, وترك إلى جنبه أحمالاً من السهام والرماح والنبل وأنواع السلاح والقسى ومما لا يبلغ قدرها غيره, فجعل يرمي إلى المصلوب بما شاء من ذلك السلاح, فهل يحسن لمن يرى ذلك أن يترك النظر إلى السلطان والخوف منه والرجاء له وينظر إلى المصلوب ويخاف منه ويرجوه, أليس من فعل ذلك يسمى في قضية العقل عديم العقل والحس مجنونا. بهيمة غير إنسان؟؟ نعوذ بالله من العمى بعد البصيرة, ومن القطيعة بعد الوصول, ومن الصدود بعد الدنو والقرب, ومن الضلالة بعد الهداية, ومن الكفر بعد الإيمان, فالدنيا كالنهر العظيم الجاري الذي ذكرناه كل يوم في زيادة ماء وهي شهوات بني آدم ولذاتهم فيها, والدواهي التي تصيبهم منها, وأما السهام وأنواع السلاح فالبلايا التي يجري بها القدر إليهم, فالغالب على بني آدم في الدنيا البلايا والآلام والمحن, وما يجدون من النعم واللذات فيها فمشوبة بالآفات إذا اعتبرها كل عاقل لا حياة له ولا عيش ولا راحة إلا في الآخرة إن كان مؤمناً, لأن ذلك خصوصاً في حق المؤمن. قال النبي صلى الله عليه وسلم : (لا عيش إلا عيش الآخرة) وقال عليه الصلاة والسلام : (لا راحة للمؤمن دون لقاء ربه) ذلك في حق المؤمنين . وقال صلى الله عليه وسلم : (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) . وقال عليه الصلاة والسلام : (التقي ملجم) فمع هذه الأخبار والعيان كيف يدعي طيب العيش في الدنيا. فالراحة كل الراحة في الانقطاع إلى الله عزَّ وجلَّ وموافقته, والاستطراح بين يديه, فيكون العبد بذلك خارجاً عن الدنيا، فحينئذ يكون الدلال رأفة ورحمة ولطفاً وفضلاً, والله أعلم.




    فـي الـنـهـي عـن الـشـكـوى:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    الوصية لا تشكون إلى أحد ما نزل بك من خير كائناً من كان صَديقاً أو عدواً، ولا تتهمن الرب عزَّ وجلَّ فيما فعل فيك وأنزل بك من البلاء, بل أظهر الخير والشكر, فكذبك باظهارك للشكر من غير نعمة عندك خير من صدقك في إخبارك جلية الحال بالشكوى, من الذي خلا من نعمة الله عزَّ وجلَّ؟؟ قال الله تعالى : (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا). فكم من نعمة عندك وأنت لا تعرفها؟؟ لا تسكن إلى أحد من الخلق, ولا تستأنس به, ولا تطلع أحداً على ما أنت فيه, بل يكون أنسك بالله عزَّ وجلَّ، وسكونك إليه وشكواك منه وإليه لا ترى ثانياً, فإنه ليس لأحد ضر ونفع, ولا جلب ولا دفع, ولا عزَّ ولا ذل, ولا رفع ولا خفض, ولا فقر ولا غنى, ولا تحريك ولا تسكين, الأشياء كلها خلق الله عزَّ وجلَّ وبيد الله عزَّ وجلَّ، بأمره وإذنه جريناها, وكل يجري لأجل مسمى, وكل شيء عنده بمقدار, لا مقدم لما أخر, ولا مؤخر لما قدم, قال الله عزَّ وجلَّ : (وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). فإن شكوت منه عزَّ وجلَّ وأنت معافى وعندك نعمة طالباً الزيادة وتعامياً عن مالَه عندك من النعمة والعافية استهزاءً بها, غضب عليك وأزالهما عنك, وحقق شكواك, وضاعف بلواك، وشدد عقوبتك ومقتك وقلاك, وأسقطك من عينه. احذر الشكوى جداً ولو قطعت وقرض لحمك بالمقاريض.
    إيَّاك إيَّاك ثم إيَّاك, الله الله ثم الله, النجاة النجاة, الحذر الحذر, فإن أكثر ما ينزل بابن آدم من أنواع البلاء بشكواه من ربِّه عزَّ وجلَّ. كيف يشتكى منه عزَّ وجلَّ وهو أرحم الراحمين, وخير الحاكمين, حكيم خبير, رؤوف رحيم, لطيف بعباده, وليس بظلام للعبيد, كطبيب حكيم حبيب شفيق لطيف قريب، هل تتهم الوالدة الرحيمة, قال النبي صلى الله عليه وسلم : (الله أرحم بعبده من الوالدة بولدها). أحسن الأدب يا مسكين, تصبّر عند البلاء إن ضعفت على الصبر, ثم اصبر إن ضعفت عن الرضا والموافقة, ثم أرض ووافق إن وجدت, ثم أفن إذا فقدت, أيها الكبريت الأحمر أين أنت أين توجد وترى؟؟ أما تسمع إلى قوله عزَّ وجلَّ : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) طوى عنك علم حقيقة الأشياء وحجبك عنه, فلا تسيء الأدب فتكره بك أو تحب بك, بل اتبع الشرع في جميع ما ينزل بك إن كنت في حالة التقوى التي هي القدم الأولى, واتبع الأمر في حالة الولاية وخمود وجود الهوى ولا تجاوزه وهي القدم الثانية, وأرض بالفعل ووافق, وافن في حالة البدلية والغوثية والقطبية والصديقية, وهي المنتهى, تنح عن طريق القدَر, خل عن سبيله, رد نفسك وهواك, كف لسانك عن الشكوى, فإذا فعلت ذلك, إن كان خيراً زادك المولى طيبة وسروراً ولذة, وإن كان شراً حفظك في طاعته فيه, وأزال عنك الملامة, وأفقدك فيه حتى يتجاوز عنك, ويرحل عند انقضاء أجله, كما ينقضي الليل فيسفر عن النهار, والبرد في الشتاء فيسفر عن الصيف, ذلك أنموذج عندك, فاعتبر بهم, ثَم ذنوب وآثام وإجرام وتلويثات بأنواع المعاصي والخطيئات ولا يصلح لمجالسة الكريم إلا الطاهر عن أنجاس الذنوب والزلات, ولا يقبل على سدته إلا طيباً من درن الدعاوى والوهوسات، كما لا يصلح لمجالسة الملوك إلا الطاهر من الأنجاس وأنواع النتن والأوساخ، فالبلايا مكفرات مطهرات قال النبي صلى الله عليه وسلم : (حمى يوم كفارة سنة) صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.




    فـي الأمـر بـوفـاء الـعـهـد و الـنـهـي عـن خـلـفـه:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    إذا كنت ضعيف الإيمان واليقين ووعدت بوعد وفِّ بوعدك, ولا تخلف كيلا يزول إيمانك ويذهب يقينك.
    وإذا قوي ذلك في قلبك وتمكنت خوطبت بقوله : (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ) وتكرر هذا الخطاب لك حالاً بعد حال فكنت من الخواص بل من خواص الخواص، ولم يبق لك إرادة ولا مطلب, ولا عمل تعجب به ولا قربة تراها, ولا منزلة تلمحها فتسمو همتك إليها, فصرت كالإناء المنثلم الذي لا يثبت فيه مائع, فلا يثبت فيك إرادة ولا خلق ولا همة إلى شيء من الأشياء دنيا وأخرى, وطهرت مما سوى الله تعالى, وأعطيت رضاك عن الله عزَّ وجلَّ, ووعدت برضوانه عزَّ وجلَّ عنك, ولذذت ونعمت بأفعال الله عزَّ وجلَّ أجمع, فحينئذ توعد بوعد, فإذا اطمأننت إليه ووجدت فيه إمارة إرادة ما نقلت عن ذلك الوعد إلى ما هو أعلى منه, وصرفت إلى أشرف منه, وعوضت عن الأول بالغنى عنه, وفتحت لك أبواب المعارف والعلوم وأطلعت على غوامض الأمور وحقائق الحكمة والمصالح المدفونة في الانتقال من الأول إلى ما يليه ويزاد حينئذ في مكانتك في حفظ الحال ثم المقال, وفي أمانتك في حفظ الأسرار وشرح الصدور وتنوير القلب وفصاحة اللسان والحكمة البالغة في إلقاء المحبة عليك, فجعلت محبوب الخليقة أجمع الثقلين وما سواهما دنيا وأخرى، إذ صرت محبوب الحق عزَّ وجلَّ, والخلق تابع للحق جلَّ وعلا, ومحبتهم مندرجة في محبته, كما أن بغضهم يندرج في بغضه عزَّ وجلَّ. فإذا بلغت المقام الذي ليس فيه إرادة شيء البتة جعلت لك إرادة شيء من الأشياء, فإذا تحققت إرادتك لذلك الشيء أزيل الشيء وأعدم, وصرفت عنه فلم تعطه في الدنيا, وعوضت عنه الأخرى بما يزيدك قربة وزلفى إلى العلي الأعلى, وما تقر به عيناك في الفردوس الأعلى وجنة المأوى, وإن كنت لم تطلب ذلك وتأمله وترجوه وأنت في دار الدنيا التي هي دار الفناء والتكاليف والعناء, بل رجاؤك وأنت فيها وجه الذي خلق وبرأ ومنع وأعطى, وبسط الأرض ورفع السماء إذ ذاك هو المراد والمطلوب والمنى, وربما عوضت عن ذلك بما هو أدنى منه أو مثله في الدنيا بعد انكسار قلبك وبصرك, حينئذ يصدك عن ذلك المطلوب والمراد, وتحقيق العوض في الأخرى على ما ذكرنا وبينا, والله سبحانه أعلم.




    فـي قـولـه صـلـى الله عـلـيـه و ســلـم :( دع مـا يُـريـبـك إلـى مـا لا يـريـبـك ):


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    دع ما يريبك إذا اجتمع مع مالا يريبك, فخذ بالعزيمة الذي لا يشوبها ريب ولا شك, ودع ما يريبك, فأما إذا تجرد المريب المشوب الذي لم يصف عن حز القلب وحكه فتوقف فيه وانظر الأمر فيه, فإن أمرت بتناوله تناوله فدونك وإن أمرت بالكف عنه ومنعت فكف, فليكن ذلك عندك كأنه لم يكن ولم يوجد, ارجع إلى الباب وابتغ عند ربّك الرزق, وإن ضعفت عن الصبر أو الموافقة أو الرضا أو الفنا فهو عزَّ وجلَّ لا يحتاج أن يذكر فليس بغافل عنك وعن غيرك, وهو عزَّ وجلَّ يطعم الكفار والمنافقين والمدبرين عنه فكيف ينساك؟؟ أيها المؤمن الموحد المقبل على طاعته والقائم بأمره في آناء الليل وأطراف النهار.
    ( وجه آخر ) دع ما في أيدي الخلق فلا تطلبه ولا تعلق قلبك به, ولا ترجو الخلق ولا تخافهم, وخذ من فضل الله عزَّ وجلَّ وهو ما لا يريبك, وليكن لك مسؤول واحد ومرجو واحد ومخوف واحد وموجود واحد وهمة واحدة وهو ربك عزَّ وجلَّ الذي نواصي الملوك بيده وقلوب الخلق بيده التي هي أمراء الأجساد, وأموال الخلق له عزَّ وجلَّ, وهم وكلاؤه وأمناؤه, وحركة أيديهم بالعطاء لك بإذنه عزَّ وجلَّ وأمره وتحريكه, وكفها عن عطائك ذلك, قال الله عز وجل : (وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ) وقال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ). وقال سبحانه : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ). وقال تعالى : (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) وقال تعالى : (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ). وقال تعالى : (إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ).




    فـي مـكـالـمـة إبـلـيـس نـعـوذ بالله مـنـه:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    رأيت إبليس اللعين في المنام وأنا في جمع كثير فهمّمت بقتله, فقال لي لعنه الله لم تقتلني وما ذنبي؟؟ إن جرى القدر بالشر فلا أقدر أغيره إلى خير وأنقله إليه, وإن جرى بالخير فلا أقدر أغيره إلى شر وأنقله إليه, فأي شيء بيدي؟؟ وكانت صورته على صورة الخناثي لين الكلام مشوه الوجه طاقات شعر في ذقنه حقير الصورة دميم الخلقة, ثم تبسم في وجهي تبسم خجل ووجل وذلك في ليلة الأحد ثاني عشر من ذي الحجة من سنة ستة عشر وخمسمائة, والله الهادي لكل خير.




    فـي ابـتـلاء الـمـؤمـن عـلـى قـدر إيـمـانـه:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    لا يزال الله يبتلى عبده المؤمن على قدر إيمانه، فمن عظم إيمانه وكثر وتزايد عظم بلاؤه، الرسول بلاؤه أعظم من بلاء النبي، لأن إيمانه أعظم، والنبي بلاؤه أعظم من بلاء البدل، وبلاء البدل أعظم من بلاء الولي، كل واحد على قدر إيمانه ويقينه. وأصل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : (إنا معشر الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل) فيديم الله تعالى البلاء لهؤلاء السادات الكرام حتى يكونوا أبداً في الحضرة ولا يغفلوا عن اليقظة، لأنه يحبهم، فهم أهل المحبة يحبون الحق، والمحب أبداً لا يختار بعد محبوبه، فالبلاء خطاف لقلوبهم وقيد لنفوسهم، يمنعهم عن الميل إلى غير مطلوبهم والسكون والركون إلى غير خالقهم، فإذا دام ذلك في حقهم ذابت أهويتهم وانكسرت نفوسهم وتميز الحق من الباطل فتنزوي الشهوات والإرادات، والميل إلى اللذات والراحات دنيا وأخرى بأجمعها إلى ما يلي النفس، ويصير السكون إلى وعد الحق عزَّ وجلَّ، والرضا بقضائه، والقناعة بعطائه، والصبر على بلائه، والأمن من شر خلقه إلى ما يلي القلب، فتقوى شوكة القلب، فتصير الولاية على الجوارح إليه، لأن البلاء يقوى القلب واليقين، ويحقق الإيمان والصبر، ويضعف النفس والهوى، لأنه كلما وصل الألم ووجد من المؤمن الصبر والرضا والتسليم لفعل الرب عزَّ وجلَّ، رضي الرب تعالى عنه وشكره، فجاءه المدد والزيادة والتوفيق. قال الله تعالى : (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ) وإذا تركت النفس بطلب شهوة من شهواتها ولذة من لذاتها من القلب فأجابها القلب إلى مطلوبها ذلك من غير أمر من الله تعالى وإذن منه حصلت بذلك غفلة عن الحق تعالى وشرك ومعصية، فعمهما الله تعالى بالخذلان والبلايا وتسليط الخلق،والأوجاع والأمراض والإيذاء والتشويش، فينال كل واحد من القلب والنفس حظ، وإن لم يجب القلب والنفس إلى مطلوبها حتى يأتيه الإذن من قبل الحق عزَّ وجلَّ بإلهام في حق الأولياء، ووحي صريح في حق المرسلين والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فعمل ذلك عطاء ومنعاً، وعمهما الله بالرحمة والبركة، والعافية والرضا، والنور والمعرفة، والقرب والغنى والسلامة من الآفات، والنصر على الأعداء، فاعلم ذلك وأحفظه وأحذر البلاء جداً في المسارعة إلى إجابة النفس والهوى، بل توقف وترقب في ذلك إذن المولى جلَّ جلاله، فتسلم في الدنيا والعقبى إن شاء الله تعالى.




    فـي الـرضـا بـما قـســم الله تـعـالـى:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    إرض بالدون وألزمه جداً حتى يبلغ الكتاب أجله فتنقل إلى الأعلى والأنفس، وبه تهنأ وفيه تبقى وتحفظ بلا عناء دنيا وأخرى ولا تبعة ولا عدوى، ثم تترقى من ذلك إلى ما هو أقر عيناً منه وأهنأ.
    وأعلم أن القسم لا يفوتك بترك الطلب، وما ليس بقسم لا تناله بحرصك في الطلب والجد والاجتهاد، فاصبر وألزم الحال وأرض به، لا تأخذ بك حتى تؤمر، ولا تعطى بك حتى تؤمر، ولا تتحرك بك ولا تسكن بك، فتبتلى بك وبمن هو شر منك من الخلق لأنك بذلك تظلم والظالم لا يغفل عنه قال الله عزَّ وجلَّ : وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً) لأنك في دار ملك عظيم أمره شديدة شوكته، كثير جنده نافذة مشيئته قاهر حكمه باق ملكه دائم سلطانه دقيق علمه بالغة حكمته عدل قضاؤه (لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) لا يجاوزه ظلم ظالم، فأنت أعظمهم ظلماً وأكبرهم جريمة، لأنك أشركت بتصرفك فيك وفى خلقه عزَّ وجلَّ بهواك. قال الله تعالى : (لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) وقال تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) إتق الشرك جداً ولا تقربه، واجتنبه في حركاتك وسكناتك وليلك ونهارك، في خلوتك وجلوتك. وأحذر المعصية في الجملة في الجوارح والقلب واترك الإثم ما ظهر منه وما بطن. لا تهرب منه عزَّ وجلَّ فيدركك، ولا تنازعه في قضائه فيقصمك، وتتهمه في حكمه فيخذلك، ولا تغفل عنه فينبهك ويبتليك، ولا تحدث في داره حادثة فيهلكك، ولا تقل في دينه بهواك فيرديك ويظلم قلبك، ويسلب إيمانك ومعرفتك، ويسلط عليك شيطانك ونفسك وهواك وشهواتك وأهلك وجيرانك وأصحابك وأخلاءك وجميع خلقه حتى عقارب دارك وحياتها وجنها وبقية هوامها فينغص عيشك في الدنيا ويطيل عذابك في العقبى.




    فـي الـحـث عـلـى مـلازمـة بـاب الله تـعـالـى:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    إحذر معصية الله عزَّ وجلَّ جداً، وألزم بابه حقاً وأبذل طوقك وجهدك في طاعته معتذراً متضرعاً مفتقراً خاضعاً، متخشعاً مطرقاً، غير ناظر إلى خلقه ولا تابع لهواك، ولا طالب للأعواض دنيا وأخرى، ولا ارتقاء إلى المنازل العالية والمقامات الشريفة، واقطع بأنك عبده والعبد وما ملك لمولاه، لا يستحق عليه شيئاً من الأشياء، أحسن الأدب ولا تتهم مولاك، فكل شئ عنده بمقدار، لا مقدم لما أخر ولا مؤخر لما قدم، يأتيك ما قدر لك عند وقته وأجله إن شئت أو أبيت، لا تشره على ما سيكون لك، ولا تطلب وتلهف على ما هو لغيرك، فما ليس هو عندك لا يخلو إما أن يكون لك أو لغيرك، فإن كان لك فهو إليك صائر وأنت إليه مقاد ومسير، فاللقاء عن قريب حاصل، وما ليس لك فأنت عنه مصروف وهو عنك مول فأنى لكما التلاق، فاشغل بإحسان الأدب فيما أنت بصدده من طاعة مولاك عزَّ وجلَّ في وقتك الحاضر، ولا ترفع رأسك ولا تمل عنقك إلى ما سواه. قال الله تعالى : (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) فقد نهاك الله عزَّ وجلَّ عن الالتفات إلى غير ما أقامك فيه ورزقك من طاعته وأعطاك من قسمه ورزقه وفضله، ونبهك أن ما سوى ذلك فتنة افتتنهم به، ورضاك قسمك خير لك وأبقى وأبرك وأحرى وأولى، فليكن هذا دأبك ومتقلبك ومثواك، وشعارك ودثارك ومرادك ومرامك، وشهوتك ومناك، تنل به كل المرام، وتصل به إلى كل مقام وترقى به إلى كل خير ونعيم وطريف وسرور ونفيس. قال الله تعالى : (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ولا عمل بعد العبادات الخمس وترك الذنوب، ولا أجمع ولا أعظم ولا أشرف ولا أحب إلى الله عزَّ وجلَّ، ولا أرضى عنده مما ذكرنا لك، وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى بمنه.




    فـي شــجـرة الإيـمـان:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    لا تقولن يا فقير اليد، يا مولى عنه الدنيا وأبناؤها، يا خامل الذكر بين ملوك الدنيا وأربابها، يا جائع يا نايع يا عريان الجسد، يا ظمآن الكبد يا مشتتاً في كل زاوية من الأرض من مسجد وبقاع خراب، ومردوداً من كل باب، ومدفوعاً عن كل مراد، ومنكسراً ومزدحماً في قلبه كل حاجة مرام; إن الله تعالى أفقرني وذوى عنى الدنيا وغرني، وتركني وقلاني وفرقني ولم يجمعني، وأهانني ولم يعطني من الدنيا كفاية، وأخملني ولم يرفع ذكري بين الخليقة وإخواني، وأسبل على غيري نعمة منه سابغة يتقلب فيها في ليله ونهاره، وفضّله عليّ وعلى أهل دياري، وكلانا مسلمان مؤمنان ويجمعنا أبونا آدم وأمنا حواء عليهما السلام.
    أما أنت فقد فعل الله ذلك بك، لأن طينتك حرة وندى رحمة الله متدارك عليك من الصبر والرضا واليقين والموافقة والعلم وأنوار الإيمان والتوحيد متراكم لديك، فشجرة إيمانك وغرسها وبذرها ثابتة مكينة مورقة مثمرة متزايدة متشعبة غضة مظللة متفرعة، فهي كل يوم في زيادة ونمو، فلا حاجة بها إلى سباطة وعلف لتنمى بها وتربى، وقد فرغ الله عزَّ وجلَّ من أمرك على ذلك، وأعطاك في الآخرة دار البقاء وخولك فيها، وأجزل عطاءك في العقبى مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. قال الله تعالى: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي ما عملوا في الدنيا من أداء الأوامر، والصبر على ترك المناهى، والتسليم والتفويض إليه في المقدور، والموافقة له في جميع الأمور. وأما الغير الذي أعطاه الله عزَّ وجلَّ الدنيا وخوله ونعمه بها وأسبغ عليه فضله فعل به ذلك، لأن محل إيمانه أرض سبخة وصخر لا يكاد يثبت فيها الماء وتنبت فيها الأشجار، ويتربى فيها الزرع والثمار، فصب عليها أنواع سباطه وغيرها مما يربى به النبات والأشجار، وهى الدنيا وحطامها ليحفظ بها ما أنبت فيها من شجرة الإيمان وغرس الأعمال، فلو قطع ذلك عنها لجف النبات والأشجار، وانقطعت الثمار، فخربت الديار، وهو عزَّ وجلَّ مريد عمارتها، فشجرة إيمان الغنى ضعيفة المنبت وخال عما هو مشحون به منبت شجرة إيمانك يا فقير، فقوتها وبقاؤها بما ترى عنده من الدنيا وأنواع النعيم، فلو قطع ذلك عنه مع ضعف الشجرة جفت، فكان كفراً وجحوداً وإلحاقاً بالمنافقين والمرتدين والكفار، اللهمَّ إلا أن يبعث الله عزَّ وجلَّ إلى الغني عساكر الصبر والرضا واليقين والتوفيق والعلم وأنواع المعارف فيقوى الإيمان بها فحينئذ لا يبالى بانقطاع الغنى والنعيم، والله الهادي الموفق .
    الرَّد على الزَّنادقة والجهمية لللإمام أحمد بن محمد بن حنبل:
    http://www.ajurry.com/vb/attachment....8&d=1370176387

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    الدولة
    المغرب
    المشاركات
    166

    افتراضي رد: مقالات مختارة من فتوح الغيب للشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله ورضي عنه:

    الرَّد على الزَّنادقة والجهمية لللإمام أحمد بن محمد بن حنبل:
    http://www.ajurry.com/vb/attachment....8&d=1370176387

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,884

    افتراضي رد: مقالات مختارة من فتوح الغيب للشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله ورضي عنه:

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو المجد الفراتي مشاهدة المشاركة




    وعلامة فنائك عن هواك ترك التكسب والتعلق بالسبب في جلب النفع والضرر, فلا تتحرك فيك بك ولا تعتمد عليك لك ولا تذب عنك ولا تنتصر لنفسك، تكل ذلك كله إلى الله تعالى لأنه تولاه اولاً فيتولاه آخراً, كما كان موكولاً إليه في حال كونك مغيباً في الرحم، وكونك رضيعاً طفلاً في مهدك.
    وعلامة فنائك عن إرادتك بفعل الله أنك لا تريد مراداً قط , ولا يكون لك غرض, ولا يبقى لك حاجة ولا مرام, فإنك لا تريد مع إرادة الله سواها, بل يجري فعل الله فيك, فتكون أنت عند إرادة الله وفعله ساكن الجوارح مطمئن الجنان منشرح الصدر منور الوجه عامر البطن غنياً عن الأشياء بخالقها, تقلبك يد القدرة, ويدعوك لسان الأزل, ويعلمك ربُّ الْمِلَلْ, ويكسوك أنواراً منه والحلل, وينزلك من أولي العلم الأول, فتكون منكسراً أبداً, فلا يثبت فيك شهوة وإرادة كالإناء المنثلم الذي لا يثبت فيه مائع وكدر, فتنقى عن أخلاق البشرية, فلن يقبل باطنك شيئاً غير إرادة الله عزَّ وجلَّ, فحينئذ يضاف إليك التكوين وخرق العادات, فيرى ذلك منك في ظاهر الفعل والحكم, وهو فعل الله وإرادته حقاً في العالم, فتدخل حينئذ في زمرة المنكسرة قلوبهم الذين كسرت إرادتهم البشرية وأزيلت شهواتهم الطبيعية فاستؤنفت لهم إرادة ربانية .......... فإن الله تعالى لا يكون عندك حتى تنكسر جملة هواك وإرادتك, فإذا انكسرت ولم يثبت فيك شيء ولم يصلح فيك شيء, أنشأك الله فجعل فيك إرادة, فتريد بتلك الإرادة, فإذا صرت في الإرادة المنشأة فيك كسرها الربّ تعالى بوجودك فيها, فتكون منكسر القلب أبداً, فهو لا يزال يجدد فيك إرادة ثم يزيلها عند وجودك فيها هكذا إلى أن يبلغ الكتاب أجله, فيحصل اللقاء, .
    قال شيخ الاسلام بن تيمية ---
    قال الشيخ عبد القادر قدس اللّه روحه‏:‏ ‏(‏افن عن الخلق بحكم اللّه، وعن هواك بأمره، وعن إرادتك بفعله، فحينئذ يصلح أن تكون وعاء لعلم اللّه‏)‏‏. ‏‏ قلت‏:‏ فحكمه يتناول خلقه وأمره، أي‏:‏ افن عن عبادة الخلق والتوكل عليهم بعبادة اللّه والتوكل عليه، فلا تطعهم في معصية اللّه تعالى ولا تتعلق بهم في جلب منفعه ولا دفع مضرة‏.‏ وأما الفناء عن الهوى بالأمر وعن الإرادة بالفعل بأن يكون فعله موافقًا للأمر الشرعي لا لهواه، وأن تكون إرادته لما يخلق تابعة لفعل اللّه لا لإرادة نفسه، فالإرادة تارة تتعلق بفعل نفسه وتارة بالمخلوقات‏. ‏‏ فالأول‏:‏ يكون بالأمر، والثاني‏:لا تكون له إرادة‏.ولا بد في هذا أن يقيد بألا تكون له إرادة لم يؤمر بها، وإلا فإذا أمر بأن يريد من المقدورات شيئًا دون شيء فليرد ما أمر بإرادته، سواء كان موافقًا للقدر أم لا‏. ‏‏ وهذا الموضع قد يغلط فيه طائفة من السالكين‏. ‏‏ والغالب على الصادقين منهم أنهم لم يعرفوا الإرادة الشرعية في ذلك المعين وهم ليس لهم إرادة نفسانية فتركوا إرادتهم لغير المقدور‏. ‏‏ قال الشيخ‏:‏ ‏(‏فعلامة فنائك عن خلق اللّه انقطاعك عنهم وعن التردد إليهم واليأس مما في أيديهم‏)‏‏.‏ وهو كما قال‏. ‏‏ فإذا كان القلب لا يرجوهم، ولا يخافهم، لم يتردد إليهم لطلب شيء منهم وهذا يشبه بما يكون مأمورًا به من المشي إليهم لأمرهم بما أمر اللّه به، ونهيهم عما نهاهم اللّه عنه، كذهاب الرسل، وإتباع الرسل إلى من يبلغون رسالات اللّه، فإن التوكل إنما يصح مع القيام بما أمر به العبد‏.‏ ليكون عابدًا للّه متوكلًا عليه، وإلا فمن توكل عليه ولم يفعل ما أمر به؛ فقد يكون ما أضاعه من الأمر أولى به مما قام به من التوكل، أو مثله أو دونه، كما أن من قام بأمر ولم يتوكل عليه ولم يستعن به فلم يقم بالواجب، بل قد يكون ما تركه من التوكل والاستعانة أولى به مما فعله من الأمر أو مثله أو دونه‏. ‏‏ قال الشيخ‏:‏ ‏(‏وعلامة فنائك عنك وعن هواك‏:‏ ترك التكسب، والتعلق بالسبب في جلب النفع ودفع الضر، فلا تتحرك فيك بك ولا تعتمد عليك لك ولا تنصر نفسك، ولا تذب عنك، لكن تكل ذلك كله إلى من تولاه أولًا فيتولاه آخرًا‏.‏ كما كان ذلك موكولًا إليه في حال كونك مغيبًا في الرحم، وكونك رضيعًا طفلا في مهدك‏)‏‏.‏ قلت‏:وهذا لأن النفس تهوى وجود ما تحبه وينفعها ودفع ما تبغضه ويضرها، فإذا فنى عن ذاك بالأمر فعل ما يحبه اللّه وترك ما يبغضه اللّه فاعتاض بفعل محبوب اللّه عن محبوبه وبترك ما يبغضه اللّه عما يبغضه وحينئذ فالنفس لابد لها من جلب المنفعة ودفع المضرة، فيكون في ذلك متوكلًا على اللّه‏. ‏‏ والشيخ رحمه اللّه ذكر هنا التوكل دون الطاعة؛ لأن النفس لابد لها من جلب المنفعة ودفع المضرة، فإن لم تكن متوكلة على اللّه في ذلك واثقة به لم يمكن أن تنصرف عن ذلك فتمتثل الأمر مطلقًا، بل لابد أن تعصي الأمر في جلب المنفعة ودفع المضرة فلا تصح العبادة للّه وطاعة أمره بدون التوكل عليه، كما أن التوكل عليه لا يصح بدون عبادته وطاعته، قال تعالى‏:‏ ‏{ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ }‏‏ ‏[‏هود‏:‏ 123‏]‏، وقال تعالى‏:‏ {‏‏ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ‏.‏ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ }‏‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 2- 3‏]‏، وقال تعالى‏:‏{ وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ‏.‏ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا‏}‏‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 8- 9‏]‏ ‏. ‏‏ والمقصود أن امتثال الأمر على الإطلاق لا يصح بدون التوكل والاستعانة، ومن كان واثقًا باللّه أن يجلب له ما ينفعه ويدفع عنه ما يضره أمكن أن يدع هواه ويطيع أمره، وإلا فنفسه لا تدعه أن يترك ما يقول‏:‏ إنه محتاج فيه إلى غيره‏. ‏‏ قال الشيخ رضي اللّه عنه‏:وعلامة فناء إرادتك بفعل اللّه أنك لا تريد مرادًا قط، فلا يكن لك غرض، ولا تقف لك حاجة ولا مرام؛ لأنك لا تريد مع إرادة اللّه سواها، بل يجري فعله فيك فتكون أنت إرادة اللّه تعالي وفعله، ساكن الجوارح مطمئن الجنان، مشروح الصدر، منور الوجه، عامر الباطن، غنيا عن الأشياء بخالقها، تقلبك يد القدرة ويدعوك لسان الأزل، ويعلمك رب الملك ويكسوك نورًا منه والحلل، وينزلك منازل من سلف من أولى العلم الأول، فتكون منكسرًا أبدًا‏. ‏‏ فلا تثبت فيك شهوة ولا إرادة‏:‏ كالإناء المتثلـم الذي لا يثبت فيه مائع ولا كدر فتفنوا عـن أخلاق البشريـة، فلـن يقبـل باطنـك ساكنـًا غيـر إرادة اللّه، فحينئذ يضاف إليك التكوين وخرق العادات فيرى ذلك منك في ظاهر العقل والحكم وهو فعل اللّه تبارك وتعالى حقًا في العلم فتدخل حينئذ في زمـرة المنكـسرة قلوبهم الذين كسرت إرادتهم البشرية، وأزيلت شهواتهم الطبيعية واستوثقت لهم إرادات ربانيـة وشهوات إضافية ‏. ‏كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "حبب إلى من دنياكم‏:‏ النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة‏"‏‏ فأضيف ذلك إليه بعد أن خرج منه وزال عنه تحقيقًا لما أشرت إليه وتقدم، قال اللّه تعالى "أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي‏"‏‏ وساق كلامه‏.‏ وفيه "ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل‏"‏‏ الحديث....‏. ‏‏ قلت‏:‏ هذا المقام هو آخر ما يشير إليه الشيخ عبد القادر رضي اللّه عنه وحقيقته - أنه لا يريد كون شيء إلا أن يكون مأمورًا بإرادته‏. ‏‏ فقوله‏:‏ علامة فناء إرادتك بفعل اللّه أنك لا تريد مرادًا قط‏. ‏‏ أي لا تريد مرادًا لم تؤمر بإرادته، فأما ما أمرك اللّه ورسوله بإرادتك إياه، فإرادته إما واجب وإما مستحب، وترك إرادة هذا إما معصية وإما نقص ‏.‏ وهذا الموضع يلتبس على كثير من السالكين، فيظنون أن الطريقة الكاملة ألا يكون للعبد إرادة أصلًا، وإن قول أبي يزيد‏: أريد ألا أريد لما قيل له‏:‏ ماذا تريد‏؟‏ نقص وتناقض؛ لأنه قد أراد، ويحملون كلام المشائخ الذين يمدحون بترك الإرادة على ترك الإرادة مطلقًا، وهذا غلط منهم على الشيوخ المستقيمين، وإن كان من الشيوخ من يأمر بترك الإرادة مطلقًا، فإن هذا غلط ممن قاله، فإن ذلك ليس بمقدور ولا مأمور‏. ‏‏ فإن الحي لابد له من إرادة، فلا يمكن حيًا ألا تكون له إرادة، فإن الإرادة التي يحبها اللّه ورسوله ويأمر بها أمر إيجاب أو أمر استحباب لا يدعها إلا كافر أو فاسق أو عاص إن كانت واجبة، وإن كانت مستحبة كان تاركها تاركًا لما هو خير له‏.‏ واللّه تعالى قد وصف الأنبياء والصديقين بهذه الإرادة، فقال تعالى‏:‏ {‏‏ وَلَا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ‏}‏‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 52‏]‏، وقال تعالى‏:‏ {‏‏ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ‏.‏ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى‏}‏‏ ‏[‏الليل‏:‏ 19- 20‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏ {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا‏}‏‏ ‏[‏الإنسان‏:‏ 9‏]‏، وقال تعالى‏:‏ {وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا}‏‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 29‏]‏، وقال تعالى‏:{‏‏ ‏ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا‏}‏‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 19‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏ { فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ّ‏.‏ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ‏}‏‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 2- 3‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏ { قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي‏}‏‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 14‏]‏، وقال تعالى‏:{‏‏ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا‏}‏‏ ‏[‏النساء‏:‏ 36‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏} ‏‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 56‏]‏‏. ‏‏ ولا عبادة إلا بإرادة اللّه، ولما أمر به، وقال تعالى‏:‏{ ‏بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ}‏‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 112‏]‏، أي أخلص قصده للّه‏. ‏‏ وقال تعالى‏:‏{ ‏ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}‏‏‏[‏البينة‏:‏ 5‏]‏، وإخلاص الدين له هو إرادته وحده بالعبادة‏. وقال تعالى - يحبهم ويحبونه - وقال تعالى‏:‏{ ‏ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ‏}‏‏‏[‏البقرة‏:‏ 165‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏ { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ‏}‏‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 31‏]‏، وكل محب فهو مريد، وقال الخليل عليه السلام‏:لا احب الافلين‏، ثم قال‏:‏{ ‏ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ والارض‏‏. ‏‏ ومثل هذا كثير في القرآن؛ يأمر اللّه بإرادته، وإرادة ما يأمر به، وينهى عن إرادة غيره، وإرادة ما نهى عنه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه‏"،، فهما إرادتان‏:‏ إرادة يحبها اللّه ويرضاها، وإرادة لا يحبها اللّه ولا يرضاها، بل إما نهي عنها، وإما لم يأمر بها، ولا ينهي عنها والناس في الإرادة ثلاثة أقسام‏:‏ قوم يريدون ما يهوونه، فهؤلاء عبيد أنفسهم والشيطان‏.‏ وقوم يزعمون أنهم فرغوا من الإرادة مطلقًا، ولم يبق لهم مراد إلا ما يقدره الرب، وإن هذا المقام هو أكمل المقامات، ويزعمون أن من قام بهذا فقد قام بالحقيقة، وهي الحقيقة القدرية الكونية؛ وأنه شهد القيومية العامة، ويجعلون الفناء في شهود توحيد الربوبية هو الغاية؛ وقد يسمون هذا الجمع والفناء والاصطلام، ونحو ذلك‏.‏ وكثير من الشيوخ زلقوا في هذا الموضع‏.‏ وفي هذا المقام كان النزاع بين الجنيد بن محمد وبين طائفة من أصحابه الصوفية؛ فإنهم اتفقوا على شهود توحيد الربوبية، وأن اللّه خالق كل شيء وربه ومليكه، وهو شهود القدر، وسموا هذا مقام الجمع؛ فإنه خرج به عن الفرق الأول وهو الفرق الطبيعي بإرادة هذا وكراهة هذا، ورؤية فعل هذا وترك هذا، فإن الإنسان قبل أن يشهد هذا التوحيد يرى للخلق فعلًا يتفرق به قلبه في شهود أفعال المخلوقات؛ ويكون متبعًا لهواه فيما يريده، فإذا أراد الحق خرج بإرادته عن إرادة الهوى والطبع، ثم شهد أنه خالق كل شيء، فخرج بشهود هذا الجمع عن ذاك الفرق، فلما اتفقوا على هذا ذكر لهم الجنيد بن محمد الفرق الثاني، وهو بعد هذا الجمع، وهو الفرق الشرعي‏. ‏‏ ألا تري أنك تريد ما أمرت به، ولا تريد ما نهيت عنه‏؟‏‏!‏ وتشهد أن اللّه يستحق العبادة دون ما سواه، وأن عبادته هي بطاعة رسله، فتفرق بين المأمور والمحظور، وبين أوليائه وأعدائه، وتشهد توحيد الألوهية، فنازعوه في هذا الفرق‏. ‏‏ منهم من أنكره‏.‏ ومنهم من لم يفهمه‏.‏ ومنهم من ادعي أن المتكلم فيه لم يصل إليه‏.‏ ثم إنك تجد كثيرًا من الشيوخ إنما ينتهي إلى ذلك الجمع، وهو‏:‏ توحيد الربوبية، والفناء فيه‏. ‏‏ كما في كلام صاحب ‏[‏منازل السائرين‏]‏ مع جلالة قدره، مع أنه قطعًا كان قائمًا بالأمر والنهي المعروفين، لكن قد يدعون أن هذا لأجل العامة‏. ‏‏ ومنهم من يتناقض‏.‏ ومنهم من يقول‏:‏ الوقوف مع الأمر لأجل مصلحة العامة، وقد يعبر عنهم بأهل المارستان‏. ‏‏ ومنهم من يسمى ذلك مقام التلبيس‏. ‏‏ ومنهم من يقول‏:‏ التحقيق أن يكون الجمع في قلبك مشهودًا، والفرق على لسانك موجودًا، فيشهد بقلبه استواء المأمور والمحظور مع تفريقه بينهما‏.‏ ومنهم من يرى أن هذه هي الحقيقة التي هي منتهى سلوك العارفين، وغاية منازل الأولياء الصديقين‏. و منهم من يظن أن الوقوف مع إرادة الأمر والنهي يكون في السلوك والبداية، وأما في النهاية فلا تبقى إلا إرادة القدر‏. وهو في الحقيقة قول بسقوط العبادة والطاعة، فإن العبادة للّه والطاعة له ولـرسوله إنما تكون في امتثال الأمر الشرعي لا في الجري مع المقدور، وإن كان كفرًا أو فسوقًا أو عصيانًا، ومن هنا صار كثير من السالكين من أعوان الكفار والفجار وخفرائهم، حيث شهدوا القدر معهم؛ ولم يشهدوا الأمر والنهي الشرعيين‏. ‏‏ ومن هؤلاء من يقول‏:‏ من شهد القدر سقط عنه الملام، ويقولون إن الخضر إنما سقط عنه الملام لما شهد القدر‏.‏ وأصحاب شهود القدر قد يؤتي أحدهم ملكًا من جهة خرق العادة بالكشف والتصرف، فيظن ذلك كمالا في الولاية، وتكون تلك الخوارق إنما حصلت بأسباب شيطانية، وأهواء نفسانية، وإنما الكمال في الولاية أن يستعمل خرق العادات في إقامة الأمر والنهي الشرعيين مع حصولهما بفعل المأمور وترك المحظور، فإذا حصلت بغير الأسباب الشرعية فهي مذمومة، وإن حصلت بالأسباب الشرعية لكن استعملت ليتوصل بها إلى محرم كانت مذمومة، وإن توصل بها إلى مباح لا يستعان بها على طاعة كانت للأبرار دون المقربين‏. ‏‏ وأما إن حصلت بالسبب الشرعي واستعين بها على فعل الأمر الشرعي، فهذه خوارق المقربين السابقين‏. ‏‏ فلابد أن ينظر في الخوارق في أسبابها وغاياتها‏:‏ من أين حصلت، وإلى ماذا أوصلت كما ينظر في الأموال في مستخرجهـا ومصروفهـا ومن استعملها أعني الخوارق في إرادته الطبيعية كان مذمومًا، ومن كان خاليًا عن الإرادتين الطبيعية والشرعية فهذا حسبه أن يعفي عنه، لكونه لم يعرف الإرادة الشرعية‏. ‏‏ وأما إن عرفها وأعرض عنها فإنه يكون مذمومًا مستحقًا للعقاب إن لم يعف عنه، وهو يمدح بكون إرادته ليست بهواه، لكن يجب مع ذلك أن تكون موافقة لأمر اللّه تعالى ورسوله، لا يكفيه أن تكون لا من هذا ولا من هذا، مع أنه لا يمكن خلوه عن الإرادة مطلقًا؛ بل لابد له من إرادة، فإن لم يرد ما يحبه اللّه ورسوله، أراد مالا يحبه اللّه ورسوله، لكن إذا جاهد نفسه على ترك ما تهواه بقى مريدًا لما يظن أنه مأمور به، فيكون ضالًا‏.‏ فإن هذا يشبه حال الضالين من النصارى‏.‏ وقد قال تعالى‏:‏{ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ‏.‏ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضالين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم"اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون‏"‏‏‏. ‏‏ فاليهود لهم إرادات فاسدة منهي عنها‏. ‏‏ كما أخبر عنهم بأنهم عصوا وكانوا يعتدون‏.‏ وهم يعرفون الحق ولا يعملون به، فلهم علم، لكن ليس لهم عمل بالعلم، وهم في الإرادة المذمومة المحرمة يتبعون أهواءهم ليسوا في الإرادة المحمودة المأمور بها، وهي إرادة ما يحبه اللّه ورسوله‏. ‏‏ والنصارى لهم قصد وعبادة وزهد لكنهم ضلال، يعملون بغير علم، فلا يعرفون الإرادة التي يحبها اللّه ورسوله، بل غاية أحدهم تجريد نفسه عن الإرادات، فلا يبقى مريدًا لما أمر اللّه به ورسوله، كما لا يريد كثيرًا مما نهى اللّه عنه ورسوله، وهؤلاء ضالون عن مقصودهم فإن مقصودهم إنما هو في طاعة اللّه ورسوله، ولهذا كانوا ملعونين‏:‏ أي بعيدين عن الرحمة التي تنال بطاعة اللّه عز وجل‏. ‏‏ والعالم الفاجر يشبه اليهود‏. ‏‏ والعابد الجاهل يشبه النصارى‏.‏ ومن أهل العلم من فيه شيء من الأول، ومن أهل العبادة من فيه شيء من الثاني‏. ‏‏ وهذا الموضع تفرق فيه بنو آدم، وتباينوا تباينًا عظيمًا، لا يحيط به إلا اللّه‏.‏ ففيهم من لم يخلق اللّه خلقًا أكرم عليه منه، وهو خير البرية‏.‏ ومنهم من هو شر البرية، وأفضل الأحوال فيه حال الخليلين‏:‏ إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم ومحمد سيد ولد آدم، وأفضل الأولين والآخرين، وخاتم النبيين وإمامهم إذا اجتمعوا وخطيبهم إذا وفدوا، وهو المعروج به إلى ما فوق الأنبياء كلهم إبراهيم و موسى وغيرهما‏.‏ وأفضل الأنبياء بعده إبراهيم، كما ثبت في الصحيح عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم "إن إبراهيم خير البرية‏"‏‏، وقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه كان يقول في خطبة الجمعة "خير الكلام كلام اللّه، وخير الهدى هدي محمد صلى الله عليه وسلم‏"‏‏‏. ‏‏ وكذلك كان عبد اللّه بن مسعود يخطب بذلك يوم الخميس، كما رواه البخاري في صحيحه‏. ‏‏ وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت‏:‏ ما ضرب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خادمًا له ولا امرأة ولا دابة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل اللّه، وما نيل منه قط شيء فانتقم لنفسه، إلا أن تنتهك محارم اللّه، فإذا انتهكت محارم اللّه لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم للّه‏. ‏‏ وقال أنس‏:‏ خدمت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي‏:‏ أف قط، وما قال لي لشيء فعلته لم فعلته‏؟‏ ولا لشيء لم أفعله لم لا فعلته‏؟‏‏.‏ وكان بعض أهله إذا عنفني على شيء قال "دعوه، فلو قضى شيء لكان‏"‏‏‏. ‏‏ ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم هو أفضل الخلائق، وسيد ولد آدم، وله الوسيلة في المقامات كلها، ولم يكن حاله أنه لا يريد شيئًا، ولا أنه يريد كل واقع، كما أنه لم يكن حاله أنه يتبع الهوى، بل هو منزه عن هذا وهذا، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏ {وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى ‏.‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 3-4‏]‏، وقال تعالى‏:‏ {‏‏وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ‏}‏‏ ‏[‏الجن‏:‏ 19‏]‏ وقال تعالى‏:‏ {‏‏وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا‏}‏‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 23‏]‏، وقال‏:‏{ ‏سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا‏}‏‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 1‏]‏‏.‏ والمراد بعبده عابده المطيع لأمره، وإلا فجميع المخلوقين عباد بمعنى أنهم معبودون مخلوقون مدبرون‏. ‏‏ وقد قال اللّه لنبيه‏:‏{‏ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ‏}‏‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 99‏]‏ ‏.‏ قال الحسن البصري‏:‏ لم يجعل اللّه لعمل المؤمن أجلًا دون الموت، وقد قال اللّه تعالى له‏:{‏‏ ‏وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ‏}‏‏ ‏[‏القلم‏:‏ 4‏]‏ ‏. ‏قال ابن عباس ومن وافقه كابن عيينة وأحمد بن حنبل‏:‏ على دين عظيم‏.‏ والدين‏:‏ فعل ما أمر به‏.‏ وقالت عائشة‏:‏ كان خلقه القرآن‏.‏ رواه مسلم‏. ‏‏ وقد أخبرت أنه لم يكن يعاقب لنفسه، ولا ينتقم لنفسه، لكن يعاقب للّه وينتقم للّه، وكذلك أخبر أنس أنه كان يعفو عن حظوظه، وأما حدود اللّه فقد قال "والذي نفسي بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها‏"‏‏ أخرجاه في الصحيحين‏. ‏‏ وهذا هو كمال الإرادة؛ فإنه أراد ما يحبه اللّه ويرضاه من الإيمان و العمل الصالح، وأمر بذلك وكره ما يبغضه اللّه من الكفر والفسوق والعصيان، ونهى عن ذلك، كما وصفه اللّه تعالى بقوله‏:‏{‏ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ‏.‏ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ المفلحون - ‏‏ وأما لحظ نفسه فلم يكن يعاقب ولا ينتقم، بل يستوفى حق ربه، ويعفو عن حظ نفسه، وفي حظ نفسه ينظر إلى القدر، فيقول "لو قضى شيء لكان‏"‏‏، وفي حق اللّه يقوم بالأمر فيفعل ما أمر اللّه به، ويجاهد في سبيل اللّه أكمل الجهاد الممكن، فجاهدهم أولًا بلسانه بالقرآن الذي أنزل عليه، كما قال تعالى‏:‏{ ‏وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا ‏.‏ فَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا‏}‏‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 51- 52‏]‏‏. ‏‏ ثم لما هاجر إلى المدينة وأذن له في القتال، جاهدهم بيده‏. ‏‏ وهذا مطابق لما أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة، وهو معروف أيضًا من حديث عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث احتجاج آدم وموسى، لما لام موسى آدم لكونه أخرج نفسه وذريته من الجنة بالذنب الذي فعله، فأجابه آدم بأن هذا كان مكتوبًا علىَّ قبل أن أخلق بمدة طويلة، قال النبي صلى الله عليه وسلم "فحج آدم موسى‏"‏‏‏. ‏‏ وذلك لأن ملام موسى لآدم لم يكن لحق اللّه، وإنما كان لما لحقه وغيره من الآدميين من المصيبة بسبب ذلك الفعل، فذكر له آدم أن هذا كان أمرًا مقدرًا لابد من كونه، والمصائب التي تصيب العباد - يؤمرون فيها بالصبر؛ فإن هذا هو الذي ينفعهم، وأما لومهم لمن كان سببًا فيها فلا فائدة لهم في ذلك، وكذلك ما فاتهم من الأمور التي تنفعهم يؤمرون في ذلك بالنظر إلى القدر، وأما التأسف والحزن فلا فائدة فيه، فما جرى به القدر من فوت منفعة لهم، أو حصول مضرة لهم، فلينظروا في ذلك إلى القدر، وأما ما كان بسبب أعمالهم فليجتهدوا في التوبة من المعاصي، والإصلاح في المستقبل‏.‏[مهم جدا] فإن هذا الأمر ينفعهم، وهو مقدور لهم بمعونة اللّه لهم‏.‏ وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "المؤمن القوي خير وأحب إلى اللّه من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن باللّه ولا تعجزن‏.‏ وإن أصابك شيء فلا تقل‏:‏ لو أني فعلت لكان كذا وكذا؛ ولكن قل‏:‏ قدر اللّه وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان‏"‏‏‏. ‏‏ أمر النبي صلى الله عليه وسلم بحرص العبد على ما ينفعه، والاستعانة باللّه، ونهاه عن العجز، وأنفع ما للعبد طاعة اللّه ورسوله، وهي عبادة اللّه تعالى‏. وهذان الأصلان هما حقيقة قوله تعالى‏:{‏‏ ‏ إِيَّاكَ نَعْبُدُ - واياك نستعين - ‏ ونهاه عن العجز وهو الإضاعة والتفريط والتواني‏. ‏‏ كما قال في الحديث الآخر "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمني على اللّه الأماني‏"‏‏ رواه الترمذي‏. ‏‏ وفي سنن أبي داود‏:‏ أن رجلين تحاكما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى على أحدهما، فقال المقضي عليه‏:‏ حسبي اللّه ونعم الوكيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "إن اللّه يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل‏:‏ حسبي اللّه ونعم الوكيل‏" فالكيس ضد العجز‏.‏ وفي الحديث "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس‏"‏‏ رواه مسلم‏. ‏‏ وليس المراد بالعجز في كلام النبي صلى الله عليه وسلم ما يضاد القدرة؛ فإن من لا قدرة له بحال لا يلام، ولا يؤمر بما لا يقدر عليه بحال‏. ‏‏ ثم لما أمره بالاجتهاد والاستعانة باللّه ونهاه عن العجز، أمره إذا غلبه أمر أن ينظر إلى القدر ويقول‏:‏ قدر اللّه وما شاء فعل، ولا يتحسر ويتلهف ويحزن‏.‏ ويقول "لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان"‏‏‏. ‏‏ وقد قال بعض الناس في هذا المعنى‏:‏ الأمر أمران‏:‏ أمر فيه حيلة وأمر لا حيلة فيه؛ فما فيه حيلة لا يعجز عنه، وما لا حيلة فيه لا يجزع منه‏.وهذا هو الذي يذكره أئمة الدين‏.‏ كما ذكر الشيخ عبد القادر وغيره‏. ‏‏ فإنه لابد من فعل المأمور وترك المحظور، والرضا والصبر على المقدور‏. ‏‏ وقد قال تعالى حكاية عن يوسف‏:‏{ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أجر المحسنين - فالتقوى‏:‏ تتضمن فعل المأمور وترك المحظور‏.‏ والصبر‏:يتضمن الصبر على المقدور‏.‏ وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏يَاأَيُّهَ ا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا‏}‏‏ إلى قوله‏:‏{ ‏وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا‏}‏‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 118-120‏]‏، فبين سبحانه أنه مع التقوى والصبر لا يضر المؤمنين كيد أعدائهم المنافقين، وقال تعالى‏:‏{ ‏بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مسومين ، فبين أنه مع الصبر والتقوى يمدهم بالملائكة، وينصرهم على أعدائهم الذين يقاتلونهم‏.‏ وقال تعالى‏:‏{ ‏لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ‏}‏‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 186‏]‏ فأخبرهم أن أعداءهم من المشركين وأهل الكتاب لابد أن يؤذوهم بألسنتهم، وأخبر أنهم إن يصبروا ويتقوا فإن ذلك من عزم الأمور‏. ‏‏ فالصبر والتقوى يدفع شر العدو المظهر للعداوة، المؤذين بألسنتهم والمؤذين بأيديهم، وشر العدو المبطن للعداوة، وهم المنافقون‏.وهذا الذي كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم وهديه هو أكمل الأمور‏. ‏‏ فأما من أراد ما يحبه اللّه تارة وما لا يحبه تارة، أو لم يرد لا هذا ولا هذا، فكلاهما دون خلق رسول اللّه صلى الله عليه وسلم؛ وإن لم يكن على واحد منهما إثم، كالذي يريد ما أبيح له من نيل الشهوة المباحة والغضب والانتقام المباح كما هو خلق بعض الأنبياء والصالحين، فهو وإن كان جائزًا لا إثم فيه، فخلق رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أكمل منه‏. ‏‏ وكذلك من لم يرد الشهوات المباحة وإن كان يستعان بها على أمر مستحب، ولم يرد أن يغضب وينتقم ويجاهد إذا جاز العفو وإن كان الانتقام للّه أرضى للّه‏.‏ كما هو أيضًا خلق بعض الأنبياء والصالحـين فهـذا وإن كـان جائـزًا لا إثـم فيـه فخلـق رسـول اللّه صلى الله عليه وسلم أكمل منه‏. ‏‏ وهذا والذي قبله إذا كان شريعة لنبي فلا عيب على نبي فيما شرع اللّه له‏.لكن قد فضل اللّه بعض النبيين على بعض، وفضل بعض الرسل على بعض، والشريعة التي بعث اللّه بها محمدًا صلى الله عليه وسلم أفضل الشرائع؛ إذ كان محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء والمرسلين، وأمته خير أمة أخرجت للناس‏. ‏‏ قال أبو هريرة في قوله تعالى‏:‏{ ‏كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ‏}‏‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 110‏]‏‏:‏ كنتم خير الناس للناس، تأتون بهم في الأقياد والسلاسل حتى تدخلوهم الجنة، يبذلون أموالهم وأنفسهم في الجهاد لنفع الناس، فهم خير الأمم للخلق‏.‏ والخلق عيال اللّه، فأحبهم إلى اللّه أنفعهم لعياله، وأما غير الأنبياء فمنهم من يكون ذلك شرعة لاتباعه لذلك النبي، وأما من كان من أهل شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ومنهاجه فإن كان ما تركه واجبًا عليه وما فعله محرمًا عليه كان مستحقًا للذم والعقاب، إلا أن يكون متأولًا مخطئًا فاللّه قد وضع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وذنب أحدهم قد يعفو اللّه عنه بأسباب متعددة‏. ومن أسباب هذا الانحراف‏:‏ أن من الناس من تغلب عليه طريقة الزهد في إرادة نفسه، فيزهد في موجب الشهوة والغضب، كما يفعل ذلك من يفعله من عباد المشركين، وأهل الكتاب كالرهبان وأشباههم، وهؤلاء يرون الجهاد نقصًا لما فيه من قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال[ سبحان الله ما اشبه الليلة بالبارحة - ما اشبه الكثير فى زماننا بهذا - فانا لله وانا اليه راجعون كتبه محمد عبد اللطيف]، ويرون أن اللّه لم يجعل عمارة بيت المقدس على يد داود؛ لأنه جرى علي يديه سفك الدماء‏. ‏‏ ومنهم من لا يري ذبح شيء من الحيوان كما عليه البراهمة، ومنهم من لا يحرم ذلك لكنه هو يتقرب إلى اللّه بأنه لا يذبح حيوانًا ولا يأكل لحمه ولا ينكح النساء، ويقول مادحه‏:‏ فلان ما نكح، ولا ذبح‏. ‏‏ وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على هؤلاء كما في الصحيحين عن أنس‏:‏ أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر فقال بعضهم‏:‏ لا أتزوج النساء، وقال بعضهم‏:‏ لا آكل اللحم، وقال بعضهم‏:‏ لا أنام على فراش‏. ‏‏ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فحمد اللّه وأثني عليه وقال "ما بال أقوام قالوا‏:‏ كذا وكذا‏؟‏‏!‏ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني‏"‏‏‏. ‏‏ وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏يَاأَيُّهَ ا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ‏}‏‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 87‏]‏ نزلت في عثمان ابن مظعون وطائفة معه كانوا قد عزموا على التبتل، ونوع من الترهب‏. ‏‏ وفي الصحيحين عن سعد قال‏:‏ رد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل ولو أذن له لاختصينا‏.‏ والزهد النافع المشروع الذي يحبه اللّه ورسوله هو الزهد فيما لا ينفع في الآخرة، فأما ما ينفع في الآخرة وما يستعان به على ذلك، فالزهد فيه زهد في نوع من عبادة اللّه وطاعته، والزهد إنما يراد لأنه زهد فيما يضر، أو زهد فيما لا ينفع، فأما الزهد في النافع فجهل وضلال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم"احرص على ما ينفعك، واستعن باللّه ولا تعجزن‏"‏‏‏. ‏‏ والنافع للعبد هو عبادة اللّه وطاعته وطاعة رسوله، وكل ما صده عن ذلك فإنه ضار لا نافع، ثم الأنفع له أن تكون كل أعماله عبادة للّه وطاعة له، وإن أدى الفرائض وفعل مباحًا لا يعينه على الطاعة فقد فعل ما ينفعه وما لا ينفعه ولا يضره‏.‏ وكذلك الورع المشروع، هو الورع عما قد تخاف عاقبته وهو ما يعلم تحريمه، وما يشك في تحريمه، وليس في تركه مفسدة أعظم من فعله مثل محرم معين مثل من يترك أخذ الشبهة ورعًا مع حاجته إليها ويأخذ بدل ذلك محرما بينًا تحريمه، أو يترك واجبًا تركه أعظم فسادًا من فعله مع الشبهة، كمن يكون على أبية أو عليه ديون هو مطالب بها، وليس له وفاء إلا من مال فيه شبهة فيتورع عنها، ويدع ذمته أو ذمة أبيه مرتهنة‏. ‏‏ وكذلك من الورع الاحتياط بفعل ما يشك في وجوبه لكن على هذا الوجه‏. ‏‏ وتمام الورع أن يعلم الإنسان خير الخيرين، وشر الشرين، ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية فقد يدع واجبات ويفعل محرمات، ويرى ذلك من الورع كمن يدع الجهاد مع الأمراء الظلمة ويرى ذلك ورعًا، ويدع الجمعة والجماعة خلف الأئمة الذين فيهم بدعة أو فجور، ويرى ذلك من الورع، ويمتنع عن قبول شهادة الصادق وأخذ علم العالم لما في صاحبه من بدعة خفية، ويرى ترك قبول سماع هذا الحق الذي يجب سماعه من الورع‏. ‏‏ وكذلك الزهد والرغبة، من لم يراع ما يحبه اللّه ورسوله من الرغبة والزهد وما يكرهه من ذلك، وإلا فقد يدع واجبات ويفعل محرمات مثل من يدع ما يحتاج إليه من الأكل، أو أكل الدسم حتى يفسد عقله أو تضعف قوته عما يجب عليه من حقوق اللّه تعالى أو حقوق عباده، أو يدع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل اللّه، لما في فعل ذلك من أذى بعض الناس والانتقام منهم، حتى يستولى الكفار والفجار على الصالحين الأبرار فلا ينظر المصلحة الراجحة في ذلك‏.‏ وقد قال تعالى ويسألونك عن الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ‏}‏‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 217‏]‏‏.‏:‏ وإن كان قتل النفوس فيه شر فالفتنة الحاصلة بالكفر وظهور أهله أعظم من ذلك، فيدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما‏.‏ وكذلك الذي يدع ذبح الحيوان أو يرى أن في ذبحه ظلمًا له هو جاهل، فإن هذا الحيوان لابد أن يموت، فإذا قتل لمنفعة الآدميين وحاجتهم كان خيرًا من أن يموت موتًا لا ينتفع به أحد، والآدمي أكمل منه، ولا تتم مصلحته إلا باستعمال الحيوان في الأكل والركوب ونحو ذلك، لكن مالا يحتاج إليه من تعذيبه نهي اللّه عنه كصبر البهائم وذبحها في غير الحلق واللبة مع القدرة على ذلك، وأوجب اللّه الإحسان بحسب الإمكان فيما أباحه من القتل والذبح‏.‏ كما في صحيح مسلم عن شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال"إن اللّه كتب الإحسان على كل شيء‏:‏ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته‏"‏‏‏. ‏‏ وهؤلاء الذين زهدوا في الإرادات حتى فيما يحبه اللّه ورسوله من الإرادات بإزائهم طائفتان‏:‏ طائفة رغبت فيما كره اللّه ورسوله الرغبة فيه من الكفر والفسوق والعصيان‏.وطائفة رغبت فيما أمر اللّه ورسوله، لكن لهواء أنفسهم لا لعبادة اللّه تعالى، وهؤلاء الذين يأتون بصور الطاعات مع فساد النيات، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له‏ "يا رسول اللّه، الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل اللّه‏؟‏ فقال‏:‏ ‏‏من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا، فهو في سبيل اللّه‏"‏‏‏.‏ قال تعالى‏:‏{ ‏إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا‏}‏‏ ‏[‏النساء‏:‏ 142‏]‏ ‏.‏ وهؤلاء أهل إرادات فاسدة مذمومة، فهم مع تركهم الواجب فعلوا المحرم، وهم يشبهون اليهود، كما يشبه أولئك النصارى‏.‏ قال تعالى‏:{‏‏‏ضُر ِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يعتدون ‏، وقال تعالى‏:‏{‏ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا‏}‏‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 146‏]‏، وقال تعالى‏:‏{ ‏وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ ‏.‏ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا‏}‏‏ إلى قوله‏:‏{ ‏وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يتفكرون -‏‏. ‏‏ فهؤلاء يتبعون أهواءهم غيا مع العلم بالحق، وأولئك يتبعون أهواءهم مع الضلال والجهل بالحق‏.‏ كما قال تعالى‏:‏{ ‏وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ‏}‏‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 77‏]‏‏. ‏‏ وكلا الطائفتين تاركة ما أمر اللّه ورسوله به من الإرادات، والأعمال الصالحة، مرتكبة لما نهى اللّه ورسوله عنه من الإرادات والأعمال الفاسدة. ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - الجزء العاشر.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو المجد الفراتي

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    الدولة
    المغرب
    المشاركات
    166

    افتراضي رد: مقالات مختارة من فتوح الغيب للشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله ورضي عنه:

    فـي الـنـهـي عـن كـشــف الـبـرقـع عـن الـوجـه:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    لا تكشف البرقع والقناع عن وجهك حتى تخرج من الخلق وتوليهم ظهر قلبك في جميع الأحوال ويزول هواك، ثم تزول إرادتك ومناك، فتفنى عن الأكوان دنيا وأخرى، فتصير كإناء منثلم لا يبقى فيك غير إرادة ربك عزَّ وجلَّ فتمتلئ به عزَّ وجلَّ وبحكمه، إذا خرج الزور دخل النور، فلا يكون لغير ربك في قلبك مكان ولا مدخل وجعلت بواب قلبك، وأعطيت سيف التوحيد والعظمة والجبروت، فكل من رأيته دنا من ساحة صدرك إلى باب قلبك ندرت رأسه من كاهله فلا يكون لنفسك وهواك وإرادتك ومناك في دنياك وأخراك عندك رأس امتثال ولا كلمة مسموعة، لا أرى متبع إلا إتباع أمر الرب عزَّ وجلَّ، والوقوف معه والرضا بقضائه وقدره، بل الفناء في قضائه وقدره، فتكون عبد الرب عزَّ وجلَّ وأمره لا عبد الخلق وآرائهم، فإذا استمر الأمر فيك كذلك ضربت حول قلبك سرادقات الغيرة وخنادق العظمة وسلطان الجبروت، وحف بجنود الحقيقة والتوحيد، ويقام دون ذلك حراس من الحق عزَّ وجلَّ، كيلا يخلص الخلق إلى تطلب القلب من الشيطان والنفس والهوى، والإرادات والأماني الباطلة، والدعاوى الكاذبة الناشئة من الطباع والنفس الآمرة بالسوء، والضلالات الناشئة من الهوى، فحينئذ إن كان في القدر مجئ الخلق وتواترهم إليك وتتابعهم وتطابقهم عليك، ليصيبوا من الأنوار اللائحة والعلامات المنيرة والحكم البالغة، ويروا من الكرامات الظاهرة وخوارق العادة المستمرة، ويزدادوا بذلك من القربات والطاعات والمجاهدات والمكابدات في عبادة ربهم عزَّ وجلَّ، حفظت عنهم أجمعين وعن ميل النفس إلى هواها، وعجبها ومباهاتها، وتعاظمها بالتكبر بهم وبقبولهم لك وإقبال وجوههم إليك، وكذلك إن قدر مجئ زوجة حسناء جميلة بكفايتها وسائر مؤنتها حفظت من شرها وحمل أثقالها وأتباعها وأهلها، وصارت عندك موهبة مكفاة مهناة منقاة مصفاة من الغش والخبث والغل والحقد والغضب والخيانة في الغيب، فتكون لك مسخرة، وهى وأهلها محمولة عنك مؤنتها، مدفوعة عنك أذيتها، وإن قدر منها ولد كان صالحاً ذرية طيبة قرة عين. قال الله تعالى : (وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ). وقال تعالى: (هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَ ا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً). وقال تعالى: (وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً) فتكون هذه الدعوات التي في هذه الآيات معمولاً بها مستجابة في حقك إن دعوت بها أو لم تدع، إذ هي في محلها وأهلها، وأولى من يعامل بهذه النعمة ويقابل بها من كان أهلاً لهذه المنزلة، وأقيم في هذا المقام وقدر له من الفضل والقرب هذا المقدار، وكذلك إن قدر مجئ شئ من الدنيا وإقبالها لا يضر إذ ذاك، فما هو قسمك منها فلابدّ من تناوله وتصفيته لك بفعل الله عزَّ وجلَّ، وورود الأمر بتناوله وأنت ممتثل للأمر مثاب على تناوله، كما تثاب على فعل صلوات الفرض وصيام الفرض، وتؤمر فيما ليس بقسمك منها بصرفه إلى أربابه من الأصحاب والجيران والإخوان المستحقين الفقراء منهم وأصحاب الأقسام على ما يقتضى الحال، فالأحوال تكشفها وتميزها، ليس الخبر كالمعاينة. فحينئذ تكون مِن أمرك على بيضاء نقية لا غبار عليها ولا تلبيس ولا تخليط ولا شك ولا ارتياب، فالصبر الصبر، الرضا الرضا، حفظ الحال حفظ الحال، الخمول الخمول، الخمود الخمود، السكوت السكوت، الصموت الصموت، الحذر الحذر، النجا النجا، الوحا الوحا، الله الله ثم الله، الإطراق الإطراق الإغماض الإغماض الحياء الحياء إن يبلغ الكتاب أجله، فيؤخذ بيدك فتقدم وينزع عنك ما عليك ثم تغوص في بحار الفضائل والمنن والرحمة، ثم تخرج منها فتخلع عليك الأنوار والأسرار والعلوم والغرائب المدنية، ثم تقرب وتحدث فيه بإعلام وإلهام وتكلم وتعطى وتغنى وتشجع وترفع، وتخاطب بـ (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ) فحينئذ أعتبر حالة يوسف الصديق عليه السلام حين خوطب بهذا الخطاب على لسان ملك مصر وعظيمها وفرعونها، كان لسان الملك قائلاً معبراً بهذا الخطاب والمخاطب هو الله عزَّ وجلَّ على لسان المعرفة، سلم إليه المالك الظاهر وهو ملك مصر، وملك النفس وملك المعرفة والعلم والقربة والخصوصية وعلو المنزلة عنده عزَّ وجلَّ. قال تعالى في ملك الملك : (وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ) أي في أرض مصر (يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) قال تعالى في ملك النفس: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) وقال تعالى في ملك المعرفة والعلم: (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) فإذا خوطبت بهذا الخطاب يا أيها الصديق الأكبر، أعطيت الحظ الأوفر، من العلم الأعظم، ومنحت وهنيت بالتوفيق والمنن والقدرة والولاية العامة، والأمر النافذ على النفس وغيرها من الأشياء والتكوين، بإذن إله الأشياء في الدنيا قبل الآخرة. وأما في الأخرى في دار السلام والجنة العليا، فالنظر إلى وجه المولى الكريم زيادة ومنة، وهو المنى الذي لا غاية له ولا منتهى، والله الموفق لحقائق ذلك، إنه رؤوف رحيم.




    فـي أن الـخـيـر و الـشـّـر ثـمـرتـان:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    إجعل الخير والشر ثمرتين من غصنين من شجرة واحدة، أحد الغصنين يثمر حلوا والآخر مراً، فاترك البلاد والأقاليم ونواحي الأرض التي يحمل إليها هذه الثمار المأخوذة من هذه الشجرة، وابعد منها ومن أهلها واقترب من الشجرة وكن سائسها وخادمها القائم عندها، وأعرف الغصنين والثمرتين والجانبين، فكن إلى جانب الغصن المثمر حلواً، فحينئذ يكون غذاؤك وقوتك منها، واجتنب أن تقدم إلى جانب الغصن الآخر فتأكل من ثمرته فتهلك من مرارتها، فإذا دمت على هذا كنت في دعة وأمن وراحة وسلامة من الآفات كلها، إذ الآفات وأنواع البلايا تتولد من تلك الثمرة المرة، وإذا غبت عن تلك الشجرة وهمت في الآفاق وقدم بين يديك من تلك الثمرتين وهى مخلطة غير متميزة الحلوة من المرة هنا فتناولت منها، فربما وقعت يدك على المرة فأدنيتها من فيك فأكلت منها جزءاً ومضغته، فسرت المرة إلى أعماق لهواتك وباطن حلقك وخياشيمك، فعملت فيك وسرت في عروقك وأجزاء جسدك فهلكت بها، ولفظك الباقي من فيك وغسل أثره لا ينفع لا ويدفع عنك ما قد سرى في جسدك ولا ينفعك، وإن أكلت ابتداء من الثمرة الحلوة وسرت حلاوتها في أجزاء جسدك وانتفعت بها وسررت فلا يكفيك ذلك، فلابد تتناول غيرها ثانياً، فلا تأمن أن تكون الثانية من المرة فيحل بك ما ذكرته لك، فلا خير في البعد عن الشجرة والجهل بثمرتها والسلامة في قربها والقيام معها، فالخير والشر بفعل الله عزَّ وجلَّ، والله هو فاعلهما ومجريهما. قال الله عزَّ وجلَّ : (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (الله خلق الجازر وجزوره) وأعمال العباد خلق الله عزَّ وجلَّ وكسبهم. قال تعالى : (ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) سبحانه ما أكرمه وأرحمه أضاف العمل إليهم وأنهم استحقوا الدخول إلى الجنة بعملهم، وهو بتوفيقه ورحمته لهم في الدنيا والآخرة.
    قال صلى الله عليه وسلم : (لا يدخل الجنة أحد بعمله، فقيل له ولا أنت يا رسول الله؟ فقال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته، ووضع يده على رأسه) مروي ذلك في حديث عائشة رضي الله عنها، فإذا كنت طائعاً لله عزَّ وجلَّ ممتثلاً لأمره منتهياً لنهيه مسلماً له في قدره، حماك عن شره وتفضل عليك بخيره وحماك عن الأسواء جميعها ديناً ودنيا. أما دنيا فقوله تعالى: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) وأما ديناً فقوله عزَّ وجلَّ : (مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً عَلِيماً) مؤمن شاكر ما يفعل البلاء عنده وهو إلى العافية أقرب من البلاء، لأنه في حمل المزيد أيضاً لأنه شاكر. قال الله عزَّ وجلَّ : (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ) فإيمانك يطفئ لهب النار في الآخرة التي هي عقوبة كل عاص، فكيف لا يطفئ نار البلايا في الدنيا؟؟ اللهمَّ إلا أن يكون العبد من المجذوبين المختارين للولاية والاصطفاء والاجتباء، فلابد من البلاء ليصفى به من خبث الهوى والميل إلى الطباع، والركون إلى شهوات النفس ولذاتها، والطمأنينة إلى الخلق والرضا بقربهم، والسكون إليهم والثبوت معهم والفرح بهم، فيبتلى حتى يذوب جميع ذلك، ويتنظف القلب بخروج الكل، ويبقى توحيد الرب عزَّ وجلَّ ومعرفته وموارد الغيب من أنواع الأسرار والعلوم وأنوار القرب، لأنه بيت لا يسعه اثنان، قال الله عزَّ وجلَّ : (مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) وقال تعالى: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً) فأخرجوا الأعزة عن طيب المنازل ونعيم العيش، وكانت الولاية على القلب للشيطان والهوى والنفس والجوارح متحركة بأمرهم من أنواع المعاصي والأباطيل والترهات فزالت تلك الولاية فسكنت الجوارح وفرغت دار الملك التي هي القلب وتنظفت الساحة التي هي الصدر. فأما القلب فصار مسكناً للتوحيد والمعرفة والعلم. وأما الساحة فمهبط الموارد والعجائب من الغيب، كل ذلك نتيجة البلايا وثمراتها، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إنا معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل) وقال صلى الله عليه وسلم : (أنا أعرفكم بالله وأشدكم منه خوفاً) فكل من قرب من الملك اشتد خطره وحذره، لأنه في مرأى من الملك لا يخفى عليه تصاريفه وحركاته.
    فإن قلت: فالخليقة عند الله عزَّ وجلَّ بأجمعهم كشخص واحد لا يخفى عليه منهم شئ، فأي فائدة لهذا الكلام؟
    فنقول لك : لما علت منزلته وشرفت رتبته عظم خطره، لأنه وجب عليه شكر ما أولاه من جسيم نعمه وفضله فأدنى الآلتفات عن خدمته تقصير في شكره وذلك نقصان في طاعته. قال الله عزَّ وجلَّ : (يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْن). قال ذلك لهن لتمام نعمه عزَّ وجلَّ عليهن باتصالهن بالنبي صلى الله عليه وسلم فكيف من كان مواصلاً بالله عزَّ وجلَّ وقربه، تعالى الله علواً كبيراً عن التشبيه بخلقه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) والله الهادي.




    فـي تـفـصـيـل أحـوال الـمـريـد:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    أتريد الراحة والسرور والدعة والحبور، والأمن والسكون والنعيم والدلال، وأنت بعد في كير السبك والتذويب وتمويت النفس ومجانبة الهوى وإزالة المرادات والأعواض دنيا وأخرى، وقد بقيت فيك بقية من ذلك ظاهرة لائحة؟؟ على رسلك يا مستعجل مهلاً مهلا، يا مترقب، الباب مسدود إلى ذلك، وقد بقيت عليك منه وفيك ذرة ومنه المكاتب عبد ما بقى عليه درهم، أنت مصدود عن ذلك ما بقى عليك من الدنيا مقدار مص نواة، والدنيا هواك ومرادك، ورؤيتك بشئ من الأشياء أو طلبك بشئ من الأشياء وتشوق نفسك إلى شئ من الأعواض دنيا وأخرى، فما دام فيك شئ من ذلك فأنت في باب الإفناء، فاسكن حتى يحصل الفناء على التمام والكمال، فتخرج من الكير وتكمل صياغتك وتجلى وتكسى وتطيب وتبخر، ثم ترفع إلى الملك الأكبر فتخاطب : (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ) فتؤانس وتلاطف، وتطعم من الفضل ومنه وتسقى وتقرب وتدنى وتطلع على الأسرار وهى عنك لا تخفى، فتغتني بما نعطي من ذلك عن جميع الأشياء. ألا ترى إلى قراضة الذهب متفرقة مبتذلة متداولة غادية رائحة في أيدي العطارين والبقالين والقصابين والدباغين والنقاطين والكناسين والكفافين أصحاب الصنائع النفيسة والرذيلة الدنية الخبيثة، ثم تجمع فتجعل في كير الصائغ فتذوب هناك بإشعال النار عليها، ثم تخرج منه فتطرق وترقق وتطلع وتصاك فتجعل حلياً، ثم تجلى وتطيب فتترك في خير المواضع والأمكنة من وراء الأغلاق في الخزائن والصناديق والأحقاق وتحلى بها العروس وتزين وتكرم، وقد تكون العروس للملك الأعظم فتنقل القراضة من هذه إلى قرب الملك ومجلسه بعد السبك والدق، هكذا أنت يا مؤمن إذا صبرت على مجاري الأقدار فيك ورضيت بالقضاء في جميع الأحوال قربت إلى مولاك عزَّ وجلَّ في الدنيا، فتنعم بالمعرفة والعلوم والأسرار، وتسكن في الآخرة دار السلام مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين في جوار الله وداره وقربه عزَّ وجلَّ، فاصبر ولا تستعجل، وأرض بالقضاء ولا تتهم، فسينالك برد عفو الله ولطفه وكرمه بمنه تعالى .




    فـي الـنـهـي عـن قـول الـرجـل أي شــيء أعـمـل و مـا الـحـيـلـة:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه : ما أكثر ما نقول : أي شئ أعمل؟؟ وما الحيلة؟؟ فيقال لك : قف مكانك ولا تجاوز حدك حتى يأتيك الفرج ممن أمرك بالقيام فيما أنت فيه. قال الله عزَّ وجلَّ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). أمرك بالصبر يا مؤمن ثم بالمصابرة والمرابطة والمحافظة والملازمة له ثم حذرك تركه فقال : (واتقوا الله) في ترك ذلك، أي لا تتركوا الصبر فإن الخير والسلامة فيه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد). وقيل : كل شئ ثوابه بمقدار إلا ثواب الصبر فإنه جزاف غير مقدر لقوله تعالى : (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) فإذا اتقيت الله عزَّ وجلَّ حفظك للصبر ومحافظة الحدود وأنجز لك ما وعدك في كتابه وهو قوله عزَّ وجلَّ : (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، وكنت بصبرك حتى يأتيك الفرج من المتوكلين وقد وعدك الله عزَّ وجلَّ بالكفاية فقال : (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)، وكنت مع صبرك وتوكلك من المحسنين وقد وعدك بالجزاء فقال عزَّ وجلَّ : (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) ويحبك الله مع ذلك لأنه قال : (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فالصبر رأس كل خير وسلامة دنيا وأخرى، ومنه يترقى المؤمن إلى حالة الرضى والموافقة ثم الفناء في أفعال الله عزَّ وجلَّ حالة البدلية والغيبة، فاحذر أن تتركه فيخذلك في الدنيا والآخرة ويفوتك خيرهما، نعوذ بالله من ذلك.




    فـي الـبـغـض فـي الله:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    إذا وجدت في قلبك بغض شخص أو حبه فأعرض أعماله على الكتاب والسنة, فإن كانت فيهما مبغوضة و أنت تبغضه فأبشر بموافقتك الله عزَّ وجلَّ ورسوله، وإن كانت أعماله فيهما محبوبة وأنت تبغضه فاعلم بأنك صاحب هوى، تبغضه بهواك ظالماً له ببغضك إياه، وعاصٍ لله عزَّ وجلَّ ولرسوله تخالف لهما، فتب إلى الله عزَّ وجلَّ من بغضك واسأله عزَّ وجلَّ محبة ذلك الشخص وغيره من أحبائه وأوليائه وأصفيائه والصالحين من عباده، لتكون موافقاً له عزَّ وجلَّ. وكذلك أفعل فيمن تحبه، يعني أعرض أعماله على الكتاب والسنة فإن كانت محبوبة فيهما فأحبه، وإن كانت مبغوضة فابغضه. كيلا تحبه بهواك وتبغضه بهواك، وقد أمرت بمخالفة هواك، قال عزَّ وجلَّ : (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ).




    فـي عـدم الـمـشــاركـة فـي مـحـبـة الـحـق:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    ما أكثر ما تقول; كل من أحبه لا تدوم محبتي إياه فيحال بيننا إما بالغيبة أو بالموت أو بالعداوة وأنواع المال بالتلف والفوات من اليد، فيقال لك : أما تعلم يا محبوب الحق المعنى المنظور إليه المغار عليه، ألم تعلم أن الله عزَّ وجلَّ غيور خلقك وتروم أن تكون لغيره، أما سمعت قوله عزَّ وجلَّ : (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ). وقوله تعالى : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). أما سمعت قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (إذا أحب الله عبدا ابتلاه فإن صبر افتناه. قيل يا رسول الله و ما افتناه. قال لم يذر له مالا ولا ولدا). وذلك لأنه إذا كان له مال وولد أحبهما فتنقص وتجزي فتصير مشتركة بين الله عزَّ وجلَّ وبين غيره، والله تعالى لا يقبل الشريك، وهو غيور قاهر فوق كل شئ غالب لكل شئ، فيهلك شريكه ويعدمه ليخلص قلب عبده له من غير شريك، فيتحقق حينئذ قوله عزَّ وجلَّ : (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) حتى إذا تنظف القلب من الشركاء والأنداد من الأهل والمال والولد واللذات والشهوات وطلب الولايات والرياسات والكرامات والحالات والمنازل والمقامات والجنات والدرجات والقربات والزلفات فلا يبقى في القلب إرادة ولا أمنية يصير كالإناء المنثلم الذي لا يثبت فيه مائع، لأنه انكسر لفعل الله عزَّ وجلَّ، كلما تجمعت فيه إرادة كسرها فعل الله وغيرته، فضربت حوله سرادقات العظمة والجبروت والهيبة، وأحضرت من دونها خنادق الكبرياء والسطوة، فلم يخلص إلى القلب إرادة شئ من الأشياء والكرامات والحكم والعلم والعبادات فإن جميع ذلك يكون خارج القلب فلا يغار الله عزَّ وجلَّ، بل يكون جميع ذلك كرامة من الله لعبده ولطفا به ونعمة ورزقا ومنفعة للواردين عليه فيكرمون به ويرحمون ويحفظون لكرامته على الله عزَّ وجلَّ، فيكون خفيراً لهم وكنفا وحرزا وشفيعا دنيا وأخرى.




    فـي الـنـهـى عـن الـســخـط عـلـى الله تـعـالـى:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    ما أعظم تسخطك على ربّك و تهمتك له عزَّ وجلَّ، و اعتراضك عليه و انتسابك له عزَّ وجلَّ بالظلم، واستبطائك في الرزق والغنى وكشف الكروب والبلوى، أما تعلم أن لكل أجل كتاب، ولكل زيادة بلية وكربة غاية منتهى ونفاد، لا يتقدم ذلك ولا يتأخر، أوقات البلايا لا تقلب فتصير عوافى ووقت البؤس لا ينقلب نعيما، وحالة الفقر لا تستحيل غنى.
    أحسن الأدب وألزم الصمت والصبر والرضا والموافقة لربك عزَّ وجلَّ، وتب عن تسخطك عليه وتهمتك له في فعله، فليس هناك استيفاء وانتقام من غير ذنب، ولا عرض على الطبع كما هو في حق العبيد بعضهم في بعض، هو عزَّ وجلَّ منفرد بالأزل وسبق الأشياء، خلقها وخلق مصالحها ومفاسدها وعلم ابتداءها وانتهاءها وانقضاءها، وهو عزَّ وجلَّ حكيم في فعله متقن في صنعه لا تناقض في فعله، لا يفعل عبثاً ولا يخلق باطلاً لعباً، ولا تجوز عليه النقائص ولا اللوم في أفعاله، فانتظر الفرج حتى إن عجزت عن موافقته وعن الرضا والغنى في فعله حتى يبلغ الكتاب أجله، فتسفر الحالة عن ضدها بمرور الزمان وانقضاء الآجال، كما ينقضي الشتاء فيسفر عن الصيف، وينقضي الليل فيسفر عن النهار، فإذ طلبت نور ضوء النهار ونوره بين العشاءين لم تعطه، بل يزداد في ظلمة الليل حتى إذا بلغت الظلمة غايتها وطلع الفجر وجاء النهار بضوئه طلبت ذلك وأردته وسكت عنه وكرهته، فإن طلبت إعادة الليل حينئذ لم تجب دعوتك ولم تعطه لأنك طلبت الشئ في غير حينه ووقته فتبقى حسيراً منقطعاً متسخطاً خجلاً، فأرخ هذا كله وألزم الموافقة وحسن الظن بربك عزَّ وجلَّ والصبر الجميل، فما كان لك لا تسلبه، وما ليس لك لا تعطاه.
    لعمري إنك تدعو وتبتهل إلى ربك عزَّ وجلَّ بالدعاء والتضرع وهما عبادة وطاعة امتثالاً لأمره عزَّ وجلَّ في قوله تعالى : (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، وقوله تعالى : (وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ)، وغير ذلك من الآيات والأخبار، أنت تدعو وهو يستجيب لك عند حينه وأجله إذا أراد وكان لك في ذلك مصلحة في دنياك وأخراك ويوافق في ذلك قضاءه وانتهاء أجله، لا تتهمه في تأخير الإجابة ولا تسأم من دعائه، فإنك إن لم تربح لم تخسر، وإن لم يجبك عاجلاً أثابك آجلاً، فقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم : (والعبد يرى في صحائفه حسنات يوم القيامة لا يعرفها فيقال له إنها بدل سؤالك في الدنيا الذي لم يقدر قضاؤه فيها) أو كما ورد. ثم أقل أحوالك أنك تكون ذاكراً لربك عزَّ وجلَّ موحداً له حيث تسأله ولا تسأل أحداً غيره، ولا تترك حاجتك لغيره تعالى، فأنت بين الحالتين في زمانك كله ليلك ونهارك وصحتك وسقمك وبؤسك ونعمائك وشدتك ورخائك، وإما أن تمسك عن السؤال، وترضى بالقضاء وتوافق وتسترسل لفعله عزَّ وجلَّ، كالميت بين يدي الغاسل، والطفل الرضيع في يدي الظئر، والكرة بين يدي الفارس يقلبها بصولجانه، فيقلبك القدر كيف يشاء، إن كان النعماء فمنك الشكر والثناء ومنه عزَّ وجلَّ المزيد في العطاء، كما قال تعالى : (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ). وإن كان البأساء فالصبر والموافقة منك بتوفيقه والتثبت والنصرة والصلاة والرحمة منه عزَّ وجلَّ بفضله وكرمه، كما قال عزَّ من قائل: (إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) بنصره وتثبيته، وهو لعبده ناصر له على نفسه وهواه وشيطانه. وقال تعالى: (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ). إذا نصرت الله في مخالفة نفسك وهواك بترك الاعتراض عليه والسخط بفعله فيك وكنت خصماً لله على نفسك سيافاً عليها كلما تحركت بكفرها وشركها حززت رأسها بصبرك وموافقتك لربّك والطمأنينة إلى فعله ووعده والرضا بهما كان عزَّ وجلَّ لك معينا. وأما الصلاة والرحمة، فقوله عزَّ وجلَّ : (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) والحالة الأخرى أنك تبتهل إلى ربك عزَّ وجلَّ بالدعاء والتضرع إعظاماً له وامتثالاً لأمره، وفيه وضع الشئ في موضعه، لأنه ندبك إلى سؤاله والرجوع إليه، وجعل ذلك مستراحاً ورسولاً منك إليه وموصلة ووسيلة لديه بشرط ترك التهمة والسخط عليه عند تأخير الإجابة إلى حينها، اعتبر ما بين الحالتين ولا تكن ممن تجاوز عن حديهما، فإنه ليس هناك حالة أخرى، فاحذر أن تكون من الظالمين المعتدين فيهلكك عزَّ وجلَّ ولا يبالي كما أهلك من مضى من الأمم السالفة في الدنيا بتشديد بلائه وفى الآخرة بأليم عذابه.




    فـي بـيـان الـدنـيـا و الآخـرة و مـا يـنـبـغـي أن يـعـمـل فـيـهـمـا:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    إجعل آخرتك رأس مالك ودنياك ربحه، وأصرف زمانك أولاً في تحصيل آخرتك. ثم إن فضل من زمانك شئ اصرفه في دنياك وفى طلب معاشك، ولا تجعل دنياك رأس مالك وآخرتك ربحه، ثم إن فضل من الزمان فضلة صرفتها في آخرتك تقتضى فيها الصلوات تسبكها سبيكة واحدة ساقطة الأركان، مختلفة الواجبات من غير ركوع وسجود وطمأنينة بين الأركان، أو يلحقك التعب والإعياء فتنام عن القضاء جملة، جيفة في الليل بطالاً في النهار، تابعاً لنفسك وهواك وشيطانك، وبائعاً آخرتك بدنياك عند النفس ومطيتها، أمرت بركوبها وتهذيبها ورياضتها والسلوك بها في سبيل السلامة وهى طرق الآخرة وطاعة مولاها عزَّ وجلَّ فظلمتها بقوبلك منها وسلمت زمامها إليها وتبعتها في شهواتها ولذاتها وموافقتها وشيطانها وهواها ففاتك خير الدنيا والآخرة وخسرتهما، فدخلت القيامة أفلس الناس وأخسرهم ديناً ودنيا، وما وصلت بمتابعتها إلى أكثر من قسمك من دنياك، ولو سلكت بها طريق الآخرة وجعلتها رأس مالك ربحت الدنيا والآخرة ووصل إليك قسمك من الدنيا هنيئاً مرئياً وأنت مصون مكرم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن الله يعطى الدنيا على نية الآخرة ولا يعطى الآخرة على نية الدنيا) وكيف لا يكون كذلك ونية الآخرة هي طاعة الله لأن النية روح العبادات وذاتها.
    وإذا أطعت الله بزهدك في الدنيا أو طلبك دار الآخرة كنت من خواص الله عزَّ وجلَّ وأهل طاعته ومحبته، وحصلت لك الآخرة وهى الجنة وجوار الله عزَّ وجلَّ وخدمتك الدنيا فيأتيك قسمك الذي قدر لك منها، إذ الكل تبع لخالقها ومولاها وهو الله عزَّ وجلَّ، وإن اشتغلت بالدنيا وأعرضت عن الآخرة غضب الرب عليك ففاتتك الآخرة وتعاصت الدنيا عليك وتعسرت وأتعبتك في إيصال قسمك إليك لغضب الله عزَّ وجلَّ عليك لأنها مملوكته، تهين من عصاه وتكرم من أطاعه فيتحقق حينئذ قوله صلى الله عليه وسلم : (الدنيا والآخرة ضرتان، إن أرضيت إحداهما أسخطت عليك الأخرى). قال تعالى : (مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ)، يعنى به أبناء الآخرة، فانظر من أبناء أيهما أنت؟؟ ومن أي القبيلتين تحب أن تكون وأنت في الدنيا؟؟ ثم إذا صرت إلى الآخرة فالخلق فريقان فريق في طلب الدنيا وفريق في طلب الآخرة، وهم أيضاً يوم القيامة فريقان (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) فريق في الموقف قيام في طول الحساب (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) مما تعدون كما قال تعالى، وفريق في ظل العرش كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم : (إنكم تكونون يوم القيامة في ظل العرش عاكفون على الموائد، عليها أطايب الطعام والفواكه والشهد أبيض من الثلج). كما جاء في الحديث : (وينظرون منازلهم في الجنة حتى إذا فرغ من حساب الخلق دخلوا الجنة، يهتدون إلى منازلهم كما يهتدي أحد الناس في الدنيا إلى منزله). فهل وصلوا إلى هذه إلا بتركهم الدنيا واشتغالهم بطلب الآخرة والمولى. وهل وقعوا أولئك في الحساب وأنواع الشدائد والذل إلا لاشتغالهم بالدنيا ورغبتهم فيها وزهدهم في الآخرة وقلة المبالاة بأمرها ونسيان يوم القيامة وما سيصيرون إليه غداً مما ذكر في الكتاب والسنة.
    فانظر لنفسك نظر رحمة وشفقة، واختر لها خير القبيلتين وأفردها عن أقران السوء من شياطين الإنس والجن، وأجعل الكتاب والسنة أمامك وأنظر فيهما وأعمل بهما، ولا تغتر بالقال والقيل والهوس. قال الله تعالى : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ). ولا تخالفوه فتتركوا العمل بما جاء به وتخترعوا لأنفسكم عملاً وعبادة كما قال عزَّ وجلَّ في حق قوم ضلوا سواء السبيل (وَرَهْبَانِيَّ ً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ)، ثم إنه زكى هو عزَّ وجلَّ نبيه صلى الله عليه وسلم ونزهه عن الباطل والزور فقال عزَّ وجلَّ : (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) أي ما آتاكم به فهو من عندي لا من هواه ونفسه فاتبعوه، ثم قال تعالى : (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ) فبين أن طريق المحبة إتباعه قولاً وفعلاً، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال : (الاكتساب سنتي، والتوكل حالتي) أو كما قال، فأنت بين سنته وحالته، وإن ضعف إيمانك فالتكسب الذي هو سنته وإن قوى إيمانك فحالته التي هي التوكل قال الله تعالى : (وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) وقال تعالى : (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) وقال تعالى : (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِي نَ) فقد أمرك بالتوكل ونبهك عليه كما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم في قوله : (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ). فاتبع أوامر الله عزَّ وجلَّ في سؤاله في أعمالك فهي مردودة عليك قال النبي صلى الله عليه وسلم : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) هذا يعلم طلب الرزق والأعمال والأقوال، ليس لنا نبي غيره فنتبعه ولا كتاب غير القرآن فنعمل به، فيضلك هواك والشيطان. قال الله تعالى : (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ). فالسلامة مع الكتاب والسنة، والهلاك مع غيرهما، وبهما يترقى العبد إلى حالة الولاية والبدلية والغوثية،والله أعلم




    فـي ذم الـحـســد و الأمـر بـتـركـه:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    مالي أراك يا مؤمن حاسداً لجارك في مطعمه ومشربه وملبسه ومنكحه ومسكنه وتقلبه في غناه ونعم مولاه عزَّ وجلَّ وقسمه الذي قسم له؟؟ أما تعلم أن هذا مما يضعف إيمانك ويسقطك من عين مولاك عزَّ وجلَّ ويبغضك إليه؟؟ أما سمعت الحديث المروى على النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (قال الله تعالى في بعض ما تكلم به: الحسود عدو نعمتي) وما سمعت قول النبي صلى الله عليه وسلم : (إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب) ثم على أي شئ تحسده يا مسكين؟؟ أعلى قسمه أم على قسمك؟؟ فإن حسدته على قسمه الذي قسمه الله له في قوله تعالى : (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) فقد ظلمته، رجل يتقلب في نعمة مولاه التي تفضل بها عليه وقدرها له ولم يجعل لأحد فيها حظاً ولا نصيباً، فمن يكون أظلم وأبخل وأرعن وأنقص عقلاً منك؟؟ وإن حسدته على قسمك فقد جهلت غاية الجهل، فإن قسمك لا يعطى غيرك ولا ينتقل منك إليه، حاش لله. قال الله عزَّ وجلَّ : (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) إن الله عزَّ وجلَّ لا يظلمك فيأخذ ما قسم وقدر لك فيعطى غيرك، فهذا جهل منك وظلم لأخيك، ثم حسدك للأرض التي هي معدن الكنوز والذخائر من أنواع الذهب والفضة والجواهر مما جمعته الملوك المتقدمة من عاد وثمود وكسرى وقيصر أولى من حسدك لجارك المؤمن أو الفاجر، فإن ما في بيته لا يكون جزءاً من أجزاء ألف ألف جزء مما هناك، فما حسدك لجارك إلا كمثل رجل رأى ملكاً مع سلطانه وجنوده وحشمه وملكه وعلى أراضى واجباته خراجها وارتفاعها لديه وتنعمه بأنواع النعم واللذات والشهوات فلم يحسده على ذلك، ثم رأى كلباً برياً يخدم كلباً من كلاب ذلك الملك يقوم ويقعد ويصيح فيعطى من مطبخ الملك بقايا الطعام ورداءته فيتقوت به فأخذ يحسده ويعاديه ويتمنى موته وهلاكه وكونه مكانه وأن يخلفه في ذلك خسة ودناءة لا زهداً وديناً وقناعة، فهل يكون في الزمان رجل أحمق منه وأرعن وأجهل؟
    ثم لو علمت يا مسكين ما سيلقى جارك غداً من طول الحساب يوم القيامة إن لم يكن أطاع الله فيما حوله وأدى حقه فيها، وامتثال أمره وانتهاء نهيه فيها، واستعان بها على عبادته وطاعته ما يتمنى انه لم يعط من ذلك ذرة ولا رأى نعيماً يوماً قط،أما سمعت ما قد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (ليتمنين أقوام يوم القيامة أن تقرض لحومهم بالمقاريض مما يرون لأصحاب البلاء من الثواب) فيتمنى جارك غداً مكانك في الدنيا لما يرى من طول حسابه ومناقشته وقيامه خمسين ألف سنة في حر الشمس في القيامة، لأجل ما يمتنع به من النعيم في الدنيا، وأنت في معزل عن ذلك في ظل العرش آكلاً شارباً متنعما فرحاً مسروراً مستريحاً، لصبرك على شدائد الدنيا وضيقها وآفاتها وبؤسها وفقرها، ورضاك وموافقتك لربك عزَّ وجلَّ فيما دبر وقضى من فقرك وغناء غيرك، وسقمك وعافية غيرك، وشدتك ورخاء غيرك، وذُلّك وعز غيرك، جعلنا الله وإياك ممن صبر عند البلاء، وشكر على النعماء، وفوض الأمور إلى رب السماء.




    فـي الـصـــدق و الـنـصـيـحـة:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    من عامل مولاه بالصدق والنصاح، استوحش مما سواه في المساء والصباح.
    يا قوم لا تدعوا ما ليس لكم، ووحدوا، ولا تشركوا، والله إن سهام القدر تصيبكم خدشاً لا قتالاً، من كان في الله تلفه فعلى الله خلفه.




    فـي تـفـســيـر الـشــقـاق و الـوفـاق و الـنـفـاق:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    الأخذ مع وجود الهوى من غير الأمر عناد وشقاق، الأخذ مع عدم الهوى وفاق واتفاق وتركه رياء ونفاق.




    فـي مـتـى يـصـح لـلـسـالـك أن يـكـون في زمـرة الـروحـانـيـيـن :


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    لا تطمع أن تدخل في زمرة الروحانيين حتى تعادى جملتك، وتباين جميع الجوارح والأعضاء، وتنفرد عن وجودك وحركاتك وسكناتك وسمعك وبصرك وكلامك وبطشك وسعيك وعملك وعـقلك، وجميع ما كان منك قبل وجود الروح فيك وما أوجد فيك بعد نفخ الروح، لأن جميع ذلك حجابك عن ربك عزَّ وجلَّ، فإذا صرت روحاً منفردة، سر السر،غيب الغيب، مبايناً للأشياء في سرك، متخذاً للكل عدواً وحجاباً وظلمة كما قال إبراهيم الخليل عليه السلام (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ) قال ذلك للأصنام، فجعل أنت جملتك وأجزاءك أصناماً مع سائر الخلق، فلا تطع شيئاً من ذلك ولا تتبعه جملة، فحينئذ تؤمن على الأسرار والعلوم أللدنية وغرائبها، ويرد إليك التكوين وخرق العادات التي هي من قبيل القدرة التي تكون للمؤمنين في الجنة، فتكون في هذه الحالة كأنك أحييت بعد الموت في الآخرة، فتكون كليتك قدرة، تسمع بالله، وتنطق بالله، وتبصر بالله، وتبطش بالله وتسعى بالله، وتقل بالله، وتطمئن وتسكن بالله، فتعمى عن سواه وتصم عنه فلا ترى لغيره وجوداً مع حفظ الحدود والأوامر والنواهي، فإن أنخرم فيك شيء من الحدود فاعلم أنك مفتون متلاعبة بك الشياطين، وأرجع إلى حكم الشرع ودع عنك رأى الهوى، لأن كل حقيقة لم تشهد لها الشريعة فهي زندقة، والله أعلم.






    مـثـل فـي الـفـنـاء و كـيـفـيـتـه:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    نضرب لك مثلاً في الفناء فنقول: ألا ترى أن الملك يولى رجلاً من العوام ولاية على بلدة من البلاد، ويخلع عليه ويعقد له ألوية ورايات، ويعطيه الكؤوس والطبل والجند فيكون على برهة من الزمان، حتى إذا اطمأن واعتقد بقاءه وثباته، وعجب به ونسي حالته الأولى ونقصانه وذله وفقره وخموله، وداخلته النخوة والكبرياء جـاءه العزل من الملك في أشر ما كان من أمره، ثم طالبه الملك بجرائم صنعها وتعدى أمره ونهيه فيها، فحبسه في أضيق الحبوس وأشدها، وطال حبسه ودام ضره له وذله وفقره، وذابت نخوته وكبرياؤه، وانكسرت نفسه وخمدت نار هواه، وكل ذلك في عين الملك، ثم تعطف الملك عليه فنظره بعين الرأفة والرحمة، فأمر بإخراجه من الحبس والإحسان إليه، والخلعة عليه وردَّ الولاية إليه ومثلها معها وجعلها له موهبة، فدامت له وبقيت مصفاة مكفاة مهنأة، وكذلك المؤمن إذا قربه الله إليه واجتباه فتح قبالة عين قلبه باب الرحمة والمنة والإنعام، فيرى بقلبه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، من مطالعة الغيوب من ملكوت السموات والأرض وتقريب وكلام لذيذ لطيف ووعد جميل، ووفاء به، وإجابة دعاء وكلمات حكمة وتصديق وعد، فإنها ترمى إليه قلبه قذفاً من مكان بعيد فتظهر على لسانه، ومع ذلك يسبغ عليه نعمة ظاهرة على جسده وجوارحه، في المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح الحلال والمباح وحفظ الحدود والعبادات الظاهرة، فيديم الله عزّ وجلّ ذلك لعبده المؤمن المجذوب برهة من الزمان، حتى اطمأن العبد إلى ذلك واغتر به واعتقد دوامه فتح عليه أبواب البلايا وأنواع المحن في النفس والمال والأهل والولد والقلب فينقطع عنه جميع ما كان أنعم الله عليه من قبل، فيبقى متحيراً حسيراً منكسراً مقطوعاً به، إن نظر إلى ظاهره رأى ما يسوؤه، وإن نظر إلى قلبه وباطنه رأى ما يحزنه، وإن سأل الله تعالى كشف ما به من الضر لم ير إجابته، وإن طلب وعداً جميلاً لم يجده سريعاً وإن وعد بشئ لم يعثر على الوفاء به، وإن رأى رؤيا لم يظفر بتعبيرها وتصديقها، وإن رام الرجوع إلى الخلق لم يجد إلى ذلك سبيلاً، وإن ظهرت له في ذلك رخصة فعمل بها تسارعت العقوبات نحوه وتسلطت أيدي الخلق على جسمه وألسنتهم على عرضه، وإن طلب الإقالة مما قد أدخل فيه من الحالة الأولى قبل الاجتباء لم يُقل، وإن طلب الرضا أو الطيبة والتنعم بما به من البلاء لم يعط، فحينئذ يأخذ النفس في الذوبان والهوى في الزوال والإرادة والأماني في الرحيل والأكوان في التلاشي، فيدام له ذلك بل يزداد تشديداً وعصراً وتأكيداً، حتى إذا فني العبد من الأخلاق الإنسانية والصفات البشرية وبقى روحاً فقط يسمع نداء في باطنه (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ) كما قيل لسيدنا أيوب عليه السلام، فيمطر الله عزّ وجلّ في قلبه بحار رحمته ورأفته ولطفه ومنته، ويحييه بروحه ويطيبه بمعرفته ودقائق علومه، ويفتح عليه أبواب رحمته ونعمته ودلاله، وأطلق إليه الأيدي بالبذل والعطاء والخدمة في سائر الأحوال والألسن بالحمد والثناء، والذكر الطيب في جميع المحال، والأرجل بالترحال، وذلك له وسخر له الملوك والأرباب، وأسبغ عليه نعمة ظاهرة وباطنة، تربيته ظاهرة بخلقه ونعمه، ويستأثره تربيته باطنة بلطفه وكرمه، وأدام له ذلك إلى اللقاء، ثم يدخله فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، كما قال جلّ وعلا : (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).




    فـي بـيـان حـالـتـي الـنـفـس:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    النفس لها حالتان لا ثالث لهما: حالة عافية، وحالة بلاء، فإذا كانت في بلاء فالجزع والشكوى والسخط والاعتراض والتهمة للحق جل وعلا لا صبر ولا رضى ولا موافقة، بل سوء الأدب والشرك بالحق والأسباب والكفر، وإذا كانت في عافية فالشره والبطر وإتباع الشهوات واللذات، كلما نالت شهوة طلبت أخرى، واستحقرت ما عندها من النعم من مأكول ومشروب وملبوس ومنكوح ومسكون ومركوب، فتخرج لكل واحدة من هذه النعم عيوباً ونقصاً، وتطلب أعلى منها وأسنى مما لم يقسم لها، وتعرض عما قسم لها، فتوقع الإنسان في تعب طويل، ولا ترضى بما في يديها وما قسم لها، فيرتكب الغمرات ويخوض المهالك في تعب طويل لا غاية له ولا منتهى في الدنيا، ثم في العقبى، كما قيل: إن من أشد العقوبات طلب ما لا يقسم. وإذا كانت في بلاء لا تتمنى سوى انكشافها وتنسى كل نعيم وشهوة ولذة ولا تطلب شيئاً منها، فإذا عوفيت منها رجعت إلى رعونتها وشرها وبطرها وإعراضها عن طاعة ربها وانهماكها في معاصيه، وتنسى ما كانت فيه من أنواع البلاء والضر وما حل بها من الويل، فترد إلى أشد ما كانت عليه من أنواع البلاء والضر، لما اجترحت وركبت من العظائم فطماً لها وكفاً عن المعاصى في المستقبل، إذ لا تصلح لها العافية والنعمة بل حفظها في البلاء والبؤس، فلو أحسنت الأدب عند انكشاف البلية ولازمت الطاعة والشكر والرضى بالمقسوم لكان خيراً لها دنيا وأخرى، وكانت تجد زيادة في النعيم والعافية والرضى من الله عز وجل والطيبة والتوفيق، فمن أراد السلامة في الدنيا والأخرى فعليه بالصبر والرضا، وترك الشكوى إلى الخلق وإنزال حوائجه بربه عز وجل ولزوم طاعته وانتظار الفرج منه و الانقطاع إليه عز وجل، إذ هو خير من غيره ومن جميع خلقه، حرمانه عطاء، عقوبته نعماء، بلاؤه دواء، وعده نفذ، قوله فعل مشيئة حاله (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، كل أفعاله حسنة وحكمة ومصلحة، غير أنه طوى على المصالح من عباده وتفرد به، فالأولى واللائق بحاله الرضى والتسليم، واشتغاله بالعبودية من أداء الأوامر وانتهاء النواهي والتسليم في القدر، وترك الاشتغال في الربوبية التي هي علة الأقدار ومحاربتها، والسكوت عن لم وكيف ومتى؟ والتهمة للحق عز وجل في جميع حركاته وسكناته، وتستند هذه الجملة إلى حديث بن عباس رضي الله عنهما، وهو ما روى عن عطاء بن عباس رضي الله عنهما قال: بينما أنا رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال لي : يا غلام (أحفظ الله يحفظك، أحفظ الله تجده أمامك، فإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، جف القلم بما هو كائن" فلو جهد العباد أن يضروك بشئ لم يقضه الله عليك لم يقدروا عليه فإن استطعت أن تعامل الناس بالصدق واليقين فاعمل، وإن لم تستطع فإن الصبر على ما تكره خيراً كثيراً. وأعلم أن النصرة بالصبر والفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسراً)، فينبغي لكل مؤمن أن يجعل هذا الحديث مرآة لقلبه وشعاره ودثاره وحديثه، فيعمل به في جميع حركاته وسكناته حتى يسلم في الدنيا والآخرة ويجد العزة فيهما، برحمة الله عزَّ وجلَّ.




    فـي ســبـب عـدم اســتـجـابـة دعـاء الـعـارف بـالله تـعـالـى:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    إنما لم يستجب للعارف كلما يسأل ربه عز وجل ويوفى له بكل وعد لئلا يغلب عليه الرجاء فيهلك، لأن ما من حالة ومقام إلا ولذاك خوف ورجاء هما جناحي طائر لا يتم الإيمان إلا بهما، وكذلك الحال والمقام، غير أن خوف كل حالة ورجاءها بما يليق بها، فالعارف مقرب وحالته ومقامه أن لا يريد شيئاً سوى مولاه عز وجل ولا يركن ولا يطمئن إلى غيره عز وجل، ولا يستأنس بغيره، فطلبه لإجابة سؤاله والوفاء بعهده غير ما هو بصدده ولائق بحاله، ففي ذلك أمران اثنان : أحدهما لئلا يغلب عليه الرجاء والغرة بمكر ربه عز وجل فيغفل عن القيام بالأدب فيهلك، والآخر شركه بربه عز وجل بشئ سواه، إذ لا معصوم في العالم في الظاهر بعد الأنبياء عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، فلا يجيبه ولا يوفى له كيلا يسأل عادة ويريده طبعاً لا امتثالا للأمر، لما في ذلك من الشرك، والشرك كبيرة في الأحوال كلها والأقدام جميعها والمقامات بأسرها.
    وأما إذا كان السؤال بأمر فذلك مما يزيده قرباً كالصلاة والصيام وغيرهما من الفرائض والنوافل، لأنه يكون في ذلك ممتثلاً للأمر.




    فـي الـنـعـمـة و الابـتـلاء:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    إن الناس رجلان: منعم عليه، ومبتلى بما قضى ربه عز وجل ، فالمنعم لا يخلو من المعصية والتكدر فيما أنعم عليه، فهو في أنعم ما يكون من ذلك إذ جاء القدر بما يكدره عليه من أنواع البلايا من الأمراض والأوجاع والمصائب في النفس والمال والأهل والأولاد فيتعظ بذلك، فكأنه لم ينعم عليه قط وينسى ذلك النعيم وحلاوته، وإن كان الغني قائماً بالمال والجاه والعبيد والإماء والأمن من الأعداء فهو في حال النعماء كأن لا بلاء في الوجود، كل ذلك لجهله بمولاه عزَّ وجلَّ (فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) يبدل، ويحلى ويمر، ويغنى ويفقر، ويرفع ويخفض، ويعز ويذل ويحيى ويميت، ويقدم ويؤخر، لما اطمأن إلى ما به من النعيم، ولما اغتر به، ولما أيس من الفرج في حالة البلاء، وبجهله أيضاً بالدنيا اطمأن إليها وطلب بها صفاء لا يشوبه كدر، ونسى أنها دار بلاء وتنغيص، وتكاليف وتكدير، وأن أصلها بلاء وطارفها نعماء، فهي كشجرة الصبر أول ثمرتها مر وآخرها شهد حلو، لا يصل المرء إلى حلاوتها حتى يتجرع مرارتها، فلن يبلغ إلى الشهد إلا بالصبر على المر، فمن صبر على بلائها حلى له نعيمها، إنما يعطى الأجير أجره بعد عروق جبينه وتعب جسده وكرب روحه وضيق صدره وذهاب قوته وإذلال نفسه وكسر هواه في خدمة مخلوق مثله، فلما تجرع هذه المرائر كلها أعقبت له طيب طعام وإدام وفاكهة ولباس وراحة وسرور ولو أقل قليل، فالدنيا أولها مرة كالصحفة العليا من عسل في ظرف مشوبة بمرارة، فلا يصل الآكل إلى قرار الظرف ويتناول الخالص منه إلا بعد تناول الصحفة العليا، فإذا صبر العبد على أداء أوامر الرب عز وجل وانتهاء نواهيه والتسليم والتفويض فيما يجرى به القدر، وتجرع مرائر ذلك كله وتحمل أثقاله، وخالف هواه وترك مراده. أعقبه الله عز وجل بذلك طيب العيش في آخر عمره والدلال والراحة والعزة، ويتولاه ويغذيه كما يغذى الطفل الرضيع من غير تكلف منه وتحمل مؤنة وتبعة في الدنيا والأخرى كما يتلذذ آكل المر من الصحفة العليا من العسل يأكله من قرار الظرف، فينبغي للعبد المنعم عليه أن لا يأمن مكر الله عز وجل فيغتر بالنعمة ويقطع بدوامها، ويغفل عن شكرها ويرخى قيدها بتركه لشكرها، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (النعمة وحشية فقيدوها بالشكر)، فشكر نعمة المال الاعتراف بها للمنعم المتفضل وهو الله عز وجل والتحدث بها لنفسه في سائر الأحوال ورؤية فضله ومنته عز وجل وأن لا يتملك عليه ولا يتجاوز حده فيه، ولا يترك أمره فيه، ثم بأداء حقوقه من الزكاة والكفارة والنذر والصدقة، وإغاثة الملهوف، وافتقاد أرباب الحاجات وأهلها في الشدائد عند تقلب الأحوال وتبدل الحسنات بالسيئات، أعنى ساعات النعيم والرخاء بالبأساء والضراء. وشكر نعمة العافية في الجوارح والأعضاء في الاستعانة بها على الطاعات والكف عن المحارم والسيئات والمعاصي والآثام فذلك قيد النعم عن الرحلة والذهاب، وسقى شجرتها وتنمية أغصانها وأوراقها، وتحسين ثمرتها، وحلاوة طعمها وسلامة عاقبتها، ولذة مضغها، وسهولة بلها، وتعقب عافيتها وريعها في الجسد، ثم ظهور بركتها على الجوارح من أنواع الطاعات والقربات والأذكار، ثم دخول العبد بعد ذلك في الآخرة في رحمة الله عز وجل، والخلود في الجنان مع – النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً – فإن لم يفعل ذلك واغتر بما ظهر من زينة الدنيا وبما ذاق من لذتها، واطمأن إلى بريق سرابها وما لاح من بريقها وما هب من نسيم أول نهار قيظها، ونعمومة جلود حياتها وعقاربها، وغفل وعمى عن سمومها القاتلة المودعة في أعماقها، ومكامنها ومصايدها المنصوبة لأخذه وحبسه وهلاكه، فليهنأ للردى وليستبشر بالفقر العاجل، مع الذل والهوان في الدنيا والعذاب الآجل في النار ولظى.
    وأما المبتلى; فتارة يبتلى عقوبة ومقابلة لجريمة ارتكبها ومعصية اقترفها، وأخرى يبتلى تكفيراً وتحميصاً، وأخرى يبتلى لارتفاع الدرجات وتبليغ المنازل العاليات ليلحق بأولى العالم من أهل الحالات والمقامات، مما سبقت لهم عناية من رب الخليقة والبريات، وسيرهم مولاهم ميادين البليات على مطايا الرفق والألطاف، وروحهم بنسيم النظرات واللحظات في الحركات والسكنات، إذ لم يكن ابتلاهم للإهلاك والإهواء في الدركات، ولكن ابتلاهم بها للاصطفاء والاجتباء واستخراج بها منهم حقيقة الإيمان وصفاها وميزها من الشرك والدعاوى والنفاق، ونحلهم بها أنواع العلوم والأسرار والأنوار، فجعلهم من اخلص الخواص، ائتمنهم على أسراره، وارتضاهم لمجالسته، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (الفقراء الصبر جلساء الرحمن يوم القيامة) دنيا وأخرى، في الدنيا بقلوبهم وفى الآخرة بأجسادهم، فكانت البلايا مطهرة لقلوبهم من دون الشرك، والتعلق بالخلق والأسباب والأماني والإرادات، وذوابة لها وسباكة من الدعاوى والهوسات، وطلب الأعواض بالطاعات من الدرجات والمنازل العاليات في الآخرة في الفردوس والجنات.
    فعلامة الابتلاء على وجه المقابلة والعقوبات; عدم الصبر عن وجودها والجزع والشكوى إلى الخليقة والبريات.
    وعلامة الابتلاء تكفيراً وتمحيصاً للخطيات وجود الصبر الجميل من غير شكوى وإظهار الجزع إلى الأصدقاء والجيران والتضجر بأداء الأوامر والطاعات.
    وعلامة الابتلاء لارتفاع الدرجات وجودُ الرضا والموافق، وطمأنينة النفس والسكون بفعل إله الأرض والسموات، والفناء فيها إلى حين الانكشاف بمرور الأيام والساعات.




    فـي الـتـقـرب إلـى الله تـعـالـى:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    سألني رجل شيخ في المنام فقال : أي شئ يقرب العبد إلى الله عزَّ وجلَّ ؟؟ فقلت : لذلك ابتداء وانتهاء فابتداؤه الورع وانتهاؤه الرضى والتسليم والتوكل.




    فـي مـا يـنـبـغـي لـلـمـؤمـن أن يـشــتـغـل بـه:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    ينبغي للمؤمن أن يشتغل أولاً بالفرائض، فإذا فرغ منها اشتغل بالسنن، ثم يشتغل بالنوافل والفضائل، فما لم يفرغ من الفرائض فالاشتغال بالسنن حمق ورعونة، فإن اشتغل بالسنن والنوافل قبل الفرائض لم يقبل منه وأهين، فمثله مثل رجل يدعوه الملك إلى خدمته فلا يأتي إليه ويقف في خدمة الأمير الذي هو غلام الملك وخادمه وتحت يده وولايته.
    عن أمير المؤمنين سيدنا على بن أبى طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن مثل مصلى النوافل قبل الفرائض مثل حبلى حملت فلما دنا نفاسها أسقطت فلا هي ذات حمل ولا هي ذات ولادة) كذلك المصلى لا يقبل الله له نافلة حتى يؤدى الفريضة. ومثل المصلى كمثل التاجر لا يخلص له ربحه حتى يأخذ رأس ماله، وكذلك المصلى بالنوافل لا تقبل له نافلة حتى يؤدى الفريضة، وكذلك من ترك السنة واشتغل بنافلة لم ترتب مع الفرائض ولم ينص عليها ويؤكد أمرها، فمن الفرائض ترك الحرام والشرك بالله عز وجل في خلقه، والاعتراض عليه في قدره وقضائه وإجابة الخلق وطاعتهم، والإعراض عن أمر الله عز وجل وطاعته، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (لا طاعة لملخوق في معصية خالق).



    فـي بـيـان كـيـفـيـة الـتـقـرب مـنـه تـعـالـى:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه : لا يخلو أمرك من قسمين:
    إما أن تكون غائباً عن القرب من الله أو قريباً منه واصلاً إليه، فإن كنت غائباً عنه فما قعودك وتوانيك عن الحظ الأوفر والنعيم والعز الدائم والكفاية الكبرى والسلامة والغنى والدلال في الدنيا والأخرى؟ فقم وأسرع في الطيران إليه عز وجل بجناحين: أحداهما: ترك اللذات والشهوات الحرام منها والمباح والراحات أجمع، والآخر: احتمال الأذى والمكاره وركوب العزيمة والأشد، والخروج من الخلق والهوى والإرادات والمنى دنيا وأخرى حتى تظفر بالوصول والقرب، فتجد عند ذلك جميع ما تتمنى، وتحصل لك الكرامة العظمى والعزة الكبرى، فإن كنت من المقربين الواصلين إليه عز وجل ممن أدركتهم العناية وشملتهم الرعاية وجذبتهم المحبة ونالتهم الرحمة والرأفة; فأحسن الأدب ولا تغتر بما أنت فيه، فتقصر في الخدمة، ولا تخلد إلى الرعونة الأصلية من الظلم والجهل والعجل في قوله تعالى : (وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)، وقوله تعالى : (وكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً) وأحفظ قلبك من الالتفات إلى ما تركته من الخلق والهوى والإرادة والتخير وترك الصبر والموافقة والرضا عند نزول البلاء، واستطرح بين يدي الله عز وجل كالكرة بين يدي الفارس يقلبها بصولجانه، والميت بين يدي الغاسل، والطفل الرضيع في حجر أمه وظئره، تعامى عمن سواه عز وجل فلا ترى لغيره وجوداً ولا ضراً ولا نفعاً ولا عطاء ولا منعاً، أجعل الخليقة والأسباب عند الأذية والبلية كسوطه عز وجل يضربك به، وعند النعمة والعطية كيده يلقمك بها.




    فـي الـــزهــــــد:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    الـزاهـد يثاب بسبب الأقسام مرتين: يثاب في تركها أولاً، فلا يأخذها بهواه و موافقة النفس، بل يأخذها بمجرد الأمر، فإذا تحققت عداوته لنفسه و مخالفته لهواه عُد من المحقين و أهل الولاية و أدخل في زمرة الأبدال و العارفين أُمر حنيئذ بتناولها و التلبس بها، إذ هي قسمة لابد له منها لم تخلق لغيره، جف بها القلم و سبق بها العلم، فإذا امتثل الأمر فتناول أو أطلع بالعلم فتلبس بها بجريان القدر و الفعل فيه من غير أن يكون هو فيه لا هوى و لا إرادة و لا همة أثيب بذلك ثانياً، هو ممتثل للأمر بذلك أو موافق لفعل الحق عز و جل فيه.
    فإن قال قائل : كيف أطلقت القول بالثواب لمن هو في المقام الأخير الذي ذكرته من أنه أدخل في زمرة الإبدال و العارفين المفعول فيهم، الفانين عن الخلق و الأنفس و الأهوية و الإرادات و الحظوظ و الأماني و الأعواض على العمال الذين يرون جميع طاعاتهم و عباداتهم فضلاً من الله عز و جل و نعمة و رحمة و توفيقا و تيسيراً منه عز و جل ويعتقدون أنهم عبيد الله عز و جل ، و العبد لا يستحق على مولاه حقاً، إذ هو برمته مع حركاته و سكناته و أكسابه ملك لمولاه، فكيف يقال في حقه يثاب و هو لا يطلب ثواباً و لا عوضاً على فعله و لا يرى له عملاً، بل يرى نفسه من البطالين و أفلس المفلسين من الأعمال؟
    فتقول : صدقت، غير أن الله عز و جل يواصله بفضله و يدلـله بنعمه و يربيه بلطفه و رأفته و بره و رحمته و كرمه، إذ كف يده عن مصالح نفسه و طلب الحظوظ لها و جلب النفع إليها و دفع الضر عنها، فهو كالطفل الرضيع الذي لا حراك له في مصالح نفسه، وهو مدلل بفضل الله عز وجل و رزقه الدارّ على يدي والديه الوكيلين الكفيلين، فلما سلب عنه مصالح نفسه عطف قلوب الخلق عليه و أوجد رحمة و شفقة له في القلوب حتى كل واحد يرحمه و يتعطف عليه و يبره، فهكذا الكل فانٍ عن سوى الله الذي لا يحركه غير أمره أو فعله، مواصل بفضل الله عز وجل دنيا و أخرى مدلل فيهما مدفوع عنه الأذى متولى، قال تعالى : (إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ).






    فـي سبب ابتلاء طائفة من المؤمنين:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    إنما يبتلى الله طائفة من المؤمنين الأحباب من أهل الولاية ليردهم بالبلاء إلى السؤال فيحب سؤالهم، فإذا سألوا يحب إجابتهم فيعطى الكرم والجود حقهما لأنهما يطالبان لأنه عز وجل عند سؤال المؤمنين من الإجابة، وقد تحصل الإجابة ولا يحصل النقد والنقاد لتعويق القدر لا على وجه عدم الإجابة والحرمان، فليتأدب العبد عند نزول البلاء، وليفتش عن ذنوبه في ترك الأوامر وارتكاب المناهى ما ظهر منا وما بطن، والمنازعة في القدر إذا تعاقب عليه، إنما يبتلى بذلك مقابلة، فان انكشف البلاء، وإلا فليتخذ إلى الدعاء والتضرع والاعتذار فيديم بالسؤال لجواز أن يكون ابتلاه ليسأله، ولا يتهمه لتأخير الإجابة لما بيناه، والله أعلم.




    فـي الأمـر بـطـلـب الرضا مـن الله و الـفـنـاء بـه تـعـالـى:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    أطلبوا من الله عزَّو جلَّ الرضا أو الفناء، لأنه هو الراحة الكبرى والجنة العالية المنفرة في الدنيا، وهو باب الله الأكبر وعلة محبة الله لعبده المؤمن، فمن أحبه الله لم يعذبه في الدنيا والآخرة فيه اللحوق بالله عزَّ و جلَّ والوصول إليه، ولا تشتغلوا بطلب الحظوظ وأقسام لم تقسم أو قسمت، فإن كانت لم تقسم فالاشتغال بطلبها حمق ورعونة وجهالة، وهو أشد العقوبات، كما قيل: من أشد العقوبات طلب ما لا يقسم، وإن كانت مقسومة فالاشتغال بها شره وحرص وشرك من باب العبودية والمحبة والحقيقية، لأن الاشتغال بغير الله عزَّ و جلَّ شرك، وطالب الحظ ليس بصادق في محبته وولايته، فمن احتال مع الله غيره فهو كذاب وطالب العوض على عمله غير مخلص، وإنما المخلص من عبدالله ليعطى الربوبية حقها للمالكية والحقيقة، لأن الحق عزَّ و جلَّ يملكه ويستحق عليه العمل والطاعة له بحركاته وسكناته وسائر أكسابه، والعبد وما في يده ملك لمولاه، كيف وقد بينا في غير موضع أن العبادات بأسرها نعمة من الله وفضل منه على عبده إذوفقه لها وأقدره عليها، فالاشتغال بالشكر لربه خير وأولى من طلبه من الأعواض أوالجزاء عليها، ثم كيف تشتغل بطلب الحظوظ، وقد ترى خلقاً كثيراً كلما كثرت الحظوظ عندهم وتواترت وتتابعت اللذات والنعم والأقسام إليهم زاد سخطهم على ربهم وتضجرهم وكفرهم بالنعمة وكثرة هموهم وغمومهم وفقرهم إلى أقسام لم تقسم غير ما عندهم وحقرت وصغرت وقبحت أقسامهم عندهم وعظمت وكبرت وحسنت أقسام غيرهم وأنحلت قواهم، وكبرت سنهم وشتت أحوالهم وتعبت أجسادهم وعرقت جباههم وسودت صحائفهم بكثرة آثامهم وارتكاب عظائم الذنوب في طلبها وترك أوامر ربهم فلم ينالوها وخرجوا من الدنيا مفاليس لا إلى هؤلاءولا إلى هؤلاء، لا شكروا ربهم فيما قسم لهم من اقسامهم فاستعانوا بها على طاعته، وما نالوا ما طلبوا من أقسام غيرهم، بل ضيعوا دنياهم وآخرتهم، فهم أشر الخليقة وأجهلهم وأحمقهم وأخسهم عقولاً وبصيرة، فلو أنهم رضوا بالقضاء وقنعوا بالعطاء وأحسنوا طاعة المولى لأتتهم أقسامهم من الدنيا من غير تعب ولا عناء، ثم نقلوا إلى جوار العلي الأعلى فوجدوا عنده كل مراد ومنى، جعلنا الله وإياكم ممن رضي بالقضاء، وجعل سؤاله ذلك والفناء وحفظ الحال والتوفيق بما يحبه ويرضى.




    فــي تــرك الـحــظــوظ:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    ترك الحظوظ ثلاث مرات: الأولى; يكون العبد ماراً في عشواه متخبطاً فيه متصرفاً بطبعه في جميع أحواله من غير تعبد لربه و لازم في الشرع يرده ولا جده من جدود ينتهي إليه عن حكمه، فبينما هو على ذلك ينظر الله إليه يعنى يرحمه، فيبعث الله إليه واعظاً من خلقه من عباده الصالحين فينبهه، و يثنيه بواعظ من نفسه، فيتضافر الواعظان على نفسه و طبعه، فتعمل الموعظة عملها، فتبين عندها عيب ما هي فيه من ركوب مطية الطبع و المخافة فتميل إلى الشرع في جميع تصرفاتها فيصير العبد مسلماً قائماً مع الشرع فانياً عن الطبع، فيترك حرام الدنيا و شبهاتها و منن الخلق، فيأخذ مباح الحق عز و جل و حلال الشرع في مأكله و مشربه و ملبسه و منكحه و جميع ما لابد منه، لتحتفظ البنية و يتقوى على طاعة الرب عز و جل، و ليستوفى قسمه المقسوم له الذي لا يتجاوزه و لا سبيل إلى الخروج من الدنيا قبل تناوله و التلبس به و استيفائه، فيسير على مطية المباح والحلال في الشرع في جميع أحواله تنتهي به هذه المطية إلى عتبة الولاية و الدخول في زمرة المحققين و الخواص أهل العزيمة مريدي الحق، فيأكل بالأمر، فحينئذ يسمع نداء من قبل الحق عز وجل من باطنه: أترك نفسك و تعال، أترك الحظوظ و الخلق إن أردت الخالق، و أخلع نعليك، و دنياك و آخرتك، و تجرد عن الأكوان و الموجودات و ما سيوجد و الأماني بأسرها، و تعر عن الجميع وافن عن الكل و تطيب بالتوحيد و أترك الشرك و صدق الإرادة، ثم وطء البساط بالأدب مطرقاً، لا تنظر يميناً إلى الآخرة و لا شمالاً إلى الدنيا و لا إلى الخلق و لا إلى الحظوظ، فإذا دخل في هذا المقام، و تحقق الوصول جاءت الخلعة من قبل الحق عز و جل، و غشيته أنواع المعارف و العلوم و أنواع الفضل، فيقال له: تلبس بالنعم و الفضل و لا تسئ الأدب بالرد وترك التلبس، لأن رد نعم الملك افتئاتا على الملك و استخفافاً بحضرته، و حينئذ يتلبس بالفضل و القسمة بالله من غير أن يكون هو فيه، ومن قبل كأن يتلبس بهواه و نفسه، فله أربع حالات في تناول الحظوظ و الأقسام: الأولى بالطبع هو الحرام. و الثانية بالشرع و هو المباح و الحلال. و الثالثة بالأمر و هي حالة الولاية و ترك الهوى. و الرابعة بالفضل و هي حالة زوال الإرادة و حصول البدلية و كونه مراداً قائماً مع القدر الذي هو فعل الحق و هي حالة العلم و الاتصاف بالصلاح، فلا يسمى صالحاً على الحقيقة إلا وصل إلى هذا المقام، و هو قوله تعالى: (إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ). فهو العبد الذي كفت يده عن جلب مصالحه و منافعه و عن رد مضاره و مفاسده، كالرضيع مع الظئر، و الميت الغسيل مع الغاسل، فتتولى يد القدر تربيته من غير أن يكون له اختيار و تدبير، فان عن جميع ذلك لا حالاً و لا مقاماً و لا إرادة، بل القيام مع القدرة، تارة يبسط و تارة يغنى و تارة يفقر، و يختار و لا يتمنى زوال ذلك و تغيره، بل الرضى الدائم و الموافقة الأبدية، فهو آخر ما تنتهي أحوال الأولياء قدست أسرارهم.






    فـي عـدم الـمـنـازعـة فـي الـقــدر و الأمــر بـحـفـظ الـرضـا بـه:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    الأحوال قبض كلها، لأنه يؤمر الولي بحفظها وكل ما يؤمر بحظفه فهو قبض، والقيام مع القدر بسط كله، لأنه ليس هناك شئ يؤمر بحفظه سوى كونه موجوداً في القدر، فعليه أن لا ينازع في القدر بل يوافق ولا ينازع في جميع ما يجرى عليه مما يحلو ويمر، الأحوال معدودة فأمر بحفظ حدوده، والفضل الذي هو القدر غير محدود فيحفظ.
    وعلامة أن العبد دخل في مقام القدر والفعل والبسط أنه يؤمر بالسؤال في الحظوظ بعد أن أمر بتركها والزهد فيها، لأنه لما خلا باطنه من الحظوظ ولم يبق غير الرب عزَّ و جلَّ بوسط فأمر بالسؤال والتشهي وطلب الأشياء التي هي قسمه، ولابد من تناولها والتوصل إليه بسؤاله، ليتحقق كرامته عند الله عزَّ و جلَّ ومنزلته، وامتنان الحق عزَّ و جلَّ عليه بإجابته إلى ذلك، والإطلاق بالسؤال في عطاء الحظوظ من أكثر علامات البسط بعد القبض، والإخراج من الأحوال والمقامات والتكليف في حفظ الحدود.
    فإن قيل : هذا يدل على زوال التكلف والقول بالزندقة والخروج من الإسلام، ورد قوله عزَّ و جلَّ : (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ).
    قيل: لا يدل على ذلك ولا يؤدى إليه، بل الله أكرم و وليه أعز عليه من أن يدخله في مقام النقص والقبيح في شرعه ودينه، بل يعصمه من جميع ما ذكر ويصرفه عنه ويحفظه وينبهه ويسدده لحفظ الحدود، فتحصل العصمة وتتحفظ الحدود من تكليف منه ومشقة، وهو عن ذلك في غيبة في القرب قال عزَّ و جلَّ : (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) وقال عزَّ و جلَّ : (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)، وقال تعالى: (إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) يا مسكين هو محمول الرب وهو مراده، وهو يربيه في حجر قربه ولطفه، أنى يصل الشيطان إليه وتتطرق القبائح والمكاره في الشرع نحوه؟ أبعدت النجعة وأعظمت الفرية وقلت قولاً فظيعاً، تباً لهذه الهمم الخسيسة الدنية والعقول الناقصة البعيدة و الآراء الفاسدة المتخلخلة، أعاذنا الله والإخوان من الضلالة المختلفة بقدرته الشاملة ورحمته الواسعة، وسترنا بأستاره التامة المانعة الحامية، وربانا بنعمه السابغة وفضائله الدائمة بمنه وكرمه تعالى شأنه.








    فـي صـرف الـنـظـر عـن كـل الـجـهـات و طـلـب جـهـة فـضـل الله تـعـالـى:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    تقام عن الجهات كلها ولا تبصبص على شئ منها، فما دمت تنظر إلى واحدة منها لايفتح لك جهة فضل الله عز وجل وقربه، فسد الجهات جميعا بتوحيده وإمحاء نفسك ثم فنائك ومحوك وعلمك، فحينئذ يفتح عين قلبك جهة فضل الله العظيم، فتراها بعيني رأسك إذا ذاك شعاع نور قلبك وإيمانك ويقينك فيظهر عند ذلك النور من باطنك على ظاهرك كنور الشمعة التي في البيت المظلم في الليلة الظلماء، يظهر من كوى البيت ومنافذه فيشرق ظاهر البيت بنور باطنه، فتسكن النفس و الجوارح إلى وعد الله وعطائه عن عطاء غيره و وعد غيره عز و جل. و ارحم نفسك ولا تظلمها ولا تلقها في ظلمات جهلك ورعونتك، فتنظر إلى الجهات وإلى الخلق والحول والقوة والكسب والأسباب فتوكل إليها، فتسد عنك الجهات ولم تفتح لك جهة فضل الله عز وجل عقوبة ومقابلة لشركك بالنظر إلى غيره عز وجل، فإذا وجدته ونظرت إلى فضله ورجوته دون غيره وتعاميت عما سواه، قربك وأدناك، ورحمك ورباك وأطعمك وسقاك، وداواك وعفاك، وأعطاك وأغناك، فلا ترى بعد ذلك لا فقرك ولا غناك.






    فـي الـرضـا عـلـى الـبـلـيـة و الـشــكـر عـلـى الـنـعـمـة:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    لا تخلو حالتك إما أن تكون بلية أونعمة. فإن كانت بلية فتطالب فيها بالصبر، وهو الأدنى، والصبر وهو أعلى منه. ثم الرضا والموافقة، ثم الفناء، وهو للإبدال.
    وإن كانت نعمة فتطالب فيها بالشكر عليها. والشكر باللسان والقلب والجوارح. أما باللسان فالاعتراف بالنعمة أنها من الله عز وجل، وترك الإضافة إلى الخلق لا إلى نفسك وحولك وقوتك وكسبك ولا إلى غيرك من الذين جرت على أيدهم، لأنك وإياهم أسباب وآلات وأداة لها، وإن قاسمها ومجريها وموجدها والشاغل فيها والمسبب لها هو الله عز وجل والقاسم هو الله، والمجرى هو والموجد هو، فهو أحق بالشكر من غيره.
    لا نظر إلى الغلام الحمال للهدية إنما النظر إلى الأستاذ المنفذ المنعم بها، قال الله تعالى في حق من عدم هذا المنظر : (يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) فمن نظر إلى الظاهر والسبب ولم يجاوز علمه ومعرفته فهو الجاهل الناقص قاصر العقل، إنما سمى العاقل عاقلاً لنظره في العواقب.
    وأما الشكر بالقلب، فبالاعتقاد الدائم والعقد الوثيق الشديد المتبرم أن جميع ما بك من النعم والمنافع واللذات في الظاهر والباطن في حركاتك وسكناتك من الله عز وجل لا من غيره، ويكون شكرك بلسانك معبراً عما في قلبك. وقد قال عز وجل : (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ)، وقال تعالى : (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ً) وقال تعالى: (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا) فمع هذا لا يبقى لمؤمن منعم سوى الله تعالى.
    وأما الشكر بالجوارح فبأن تحركها وتستعملها في طاعة الله عز وجل دون غيره من الخلق، فلا تجيب أحداً من الخلق فيما فيه إعراض عن الله تعالى، وهذا يعم النفس والهوى والإرادة والأماني وسائر الخليقة، كجعل طاعة الله أصلاً ومتبوعاً وإماماً وما سواها فرعاً وتابعاً ومأموماً، فإن فعلت غير ذلك كنت جائراً ظالماً حاكماً بغير حكم الله عز وجل الموضوع لعباده المؤمنين، وسالكاً غير سبيل الصالحين. قال الله عز وجل : (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) وفى آية أخرى : (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) وفى أخرى : (همُ الْفَاسِقُونَ) فيكون انهاؤك إلى التي وقودها الناس والحجارة، وأنت لا تصبر على حمى ساعة في الدنيا وأقل بسطة وشرارة من النار فيها، فكيف صبرك على الخلود في الهاوية مع أهلها، النجا النجا، الوحا الوحا، الله الله، أحفظ الحالتين وشروطهما، فإنك لا تخلو في جميع عمرك من أحديهما إما البلية وإما النعمة فأعط كل حالة حظها وحقها من الصبر والشكر على ما بينت لك، فلا تشكون في حالة البلية إلى أحد من خلق الله، ولا تظهرن الضجر لأحد ولا تتهمن ربك في باطنك. ولا تشكن في حكمته واختر الأصلح لك في دنياك، وآخرتك، فلا تذهبن بهمتك إلى أحد من خلقه في معافاتك فذاك إشراك منك به عز وجل، لا يملك معه عز وجل في ملكه أحد شيئاً لا ضار ولا نافع ولا دافع، ولا جالب ولا مسقم، ولا مبلي، ولا معاف ولا مبرئ غيره عز وجل، فلا تشتغل بالخلق لا في الظاهر ولا في الباطن، فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً، بل ألزم الصبر والرضا والموافقة والفناء في فعله عز وجل، فإن حرمت ذلك كله فعليك بالاستغاثة إليه عز وجل، والتضرع من شؤم النفس، ونزاهة الحق عز وجل والاعتراف له بالتوحيد بالنعيم، والتبرى من الشرك، وطلب الصبر والرضا والموافقة، إلى حين يبلغ الكتاب أجله، فتزول البلية وتنكشف الكربة، وتأتى النعمة والسعة والفرحة والسرور، كما كان في حق نبي الله أيوب عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأشرف السلام، كما يذهب سواد الليل ويأتي بياض النهار، ويذهب برد الشتاء ويأتي نسيم الصيف وطيبه لأنه لكل شئ ضداً وخلافاً وغاية وبدءاً ومنتهى، فالصبر مفتاحه وابتداؤه وانتهاؤه وجماله كما جاء في الخبر ( الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد ) وفى لفظ ( الصبر الإيمان كله ) وقد يكون الشكر هو التلبس بالنعم وهى أقسامه المقسومة لك، فشكر التلبس بها في حال فنائك، وزوال الهوى والحمية والحفظ، وهذه حالة الأبدال وهى المنتهى، اعتبر ما ذكرت لك ترشد إن شاء الله تعالى.









    فـي الـبـدايـة و الـنـهـايـة:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    البداية : هي الخروج من المعهود إلى المشروع ثم المقدور، ثم الرجوع للمعهود، ويشترط حفظ الحدود، فتخرج من معهودك من المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح والمسكون والطبع والعادة إلى أمر الشرع ونهيه، فتتبع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه و سلم كما قال الله تعالى : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا). وقال تعالى : (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ)، فتفنى عن هواك ونفسك ورعونتها في ظاهرك وباطنك، فلا يكون في باطنك غير توحيدك له وفى ظاهرك غير طاعة الله وعبادته مما أمر ونهى، فيكون هذا دأبك وشعارك ودثارك في حركتك وسكونك، في ليلك ونهارك، وسفرك وحضرتك، وشدتك ورخائك، وصحتك وسقمك، وأحوالك كلها، ثم تحمل إلى وادي القدر فيتصرف فيك القدر، فتفنى عن جدك واجتهادك وحولك وقوتك، فتساق إليك الأقسام التي جف بها القلم وسبق بها العلم، فتلبس بها وتعطى منها الحفظ والسلامة، فتحفظ فيها الحدود ويحصل فيها الموافقة لفعل المولى، ولا تتخرق قاعدة الشرع على الزندقة وإباحة المحرم قال تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) وقال تعالى : (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) فتصحب الحفظ والحمية وإنما هي أقساماً معدة لك، فحبسها عنك في حال سيرك وطريقك وسلوكك فيافي الطبع ومفاوز الهوى المعهود، لأنها أثقال أحمال ما زيحت عنك، لئلا يثقلك فتضعفك إلى حين الوصول إلى عتبة الفناء، وهو الوصول إلى قرب الحق عز وجل والمعرفة به، والاختصاص بالأسرار والعلوم الدينية، والدخول في بحار الأنوار، حيث لا تضر ظلمة الطبائع والأنوار، فالطبع باق إلى أن تفارق الروح الجسد لاستيفاء الأقسام، إذ لو زال الطبع من الآدمي لالتحق بالملائكة وبطلت الحكمة، فبقى الطبع يستوفى الأقسام والحظوظ، فيكون ذلك وظائفاً لا أصلياً كما قال النبي صلى الله عليه و سلم: ( حبب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة ) فلما فني النبي صلى الله عليه و سلم عن الدنيا وما فيها ردت إليه أقسامه المحبوسة عنه في حال سيره إلى ربه عز وجل ، فاستوفاها موافقة لربه تعالى والرضا بفعله ممتثلاً لأمره، قدست أسمائه وعمت رحمته، شمل فضله لأوليائه وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، فهكذا الولي في هذا الباب ترد إليه أقسامه وحظوظه مع حفظ الحدود، فهو الرجوع من النهاية إلى البداية، والله أعلم.




    فـي الـتـوقـف عـنـد كـل شـئ حـتـى يـتـبـيـن لـه إبـاحـة فـعـلـه:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    كل مؤمن مكلف بالتوقف و التفتيش عند حضور الأقسام عن التناول و الأخذ، حتى يشهد له الحكم بالإجابة، و العلم بالقسمة، و المؤمن فتاش و المنافق لقاف. و قال صلى الله عليه و سلم ( المؤمن وقاف ) و قال صلى الله عليه و سلم : ( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) فالمؤمن يقف عند كل قسم من مأكول و مشروب و ملبوس و منكوح و سائر الأشياء التي تفتح له فلا يأخذ حتى يحكم له بجواز الأخذ و التناول كحكمه إذا كان في حالة التقوى. أو حتى يحكم له بذلك الأمر إذا كان في حالة الولاية. أو حتى يحكم العلم في حالة البدلية و الغوثية، و الفعل الذي هو القدر المحض و هي حالة الفناء، ثم تأتيه حالة أخرى تتناول كل ما يأتيه و يفتح له ما لم يعترض عليه الحكم والأمر والعلم، فإذا اعترض أحد هذه الأشياء امتنع من التناول، فهي ضد الأولى.
    ففي الأولى الغالب عليه التوقف و التثبت. و في الثانية الغالب عليه التناول و الأخذ و التلبس بالفتوح. ثم تأتى الحالة الثالثة.
    فالتناول المحض و التلبس بما يفتح من النعم من غير اعتراض أحد الأشياء الثلاثة و هي حقيقة الفناء، فيكون المؤمن فيها محفوظاً من الآفات وخرق حدود الشرع مصاناً مصروفاً عنه الأسواء، كما قال الله تعالى : (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) فيصير العبد مع الحفظ عن خرق الحدود كالمقرض إليه المأذون له و المطلق له في الإباحات الميسر له الخير، ما يأتيه قسمه المصفى له من الآفات و التبعات في الدنيا و الآخرة، و الموافق لإرادة الحق و رضاه و فعله، و لا حالة فوقها و هي الغاية، و هي للسادة الأولياء الكبار الخلص أصحاب الأسرار، الذين أشرفوا على عتبة أحوال الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين.






    فـي الـمـحـبـة و الـمـحـبـوب و مـا يـجـب فـي حـقـهـمـا:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    ما أكثر ما يقول المؤمن; قرب فلان و بعدت، وأعطى فلان و حرمت، وأغنى فلان و أفقرت و وفى فلان و أسقمت، و عظم فلان و حقرت، و حمد فلان و ذممت، و صدق فلان و كذبت. أما يعلم أنه الواحد. وأن الواحد يحب الوحدانية في المحبة، و يحب الواحد في محبته.
    إذا قربك بطريق غيره نقصت محبتك له عز و جل و شعبت فربما دخلك الميل إلى من ظهرت المواصلة و النعمة على يديه، فتنقص محبة الله في قلبك، و هو عز و جل غيور لا يحب شريكه، فكف أيدي الغير عنك بالمواصلة و لسانه عن حمدك و ثنائك و رجليه عن السعي إليك كيلا تشتغل به عنه، أما سمعت قول النبي صلى الله عليه و سلم : ( جبلت القلوب على حب من أحسن إليها ) فهو عز و جل يكف الخلق عن الإحسان إليك من كل وجه و سبب حتى توحده و تحبه، و تصير له من كل وجه بظاهرك و باطنك في حركاتك و سكناتك، فلا ترى الخير إلا منه و لا الشر إلا منه عز و جل ، و تفنى عن الخلق و عن النفس، و عن الهوى و الإرادة و المنى، و عن جميع ما سوى المولى، ثم يطلق الأيدي إليك بالبسط و البذل و العطاء، و الألسن بالحمد و الثناء، فيدلك ابداً في الدنيا ثم في العقبى، فلا تسئ الأدب، انظر إلى من ينظر إليك، و اقبل على من أقبل إليك، و أحب من يحبك و استجب من يدعوك و أعط يدك من يثبتك من سقطك و يخرجك من ظلمات جهلك، و ينجيك من هلكك و يغسلك من نجاسك، و ينظفك من أوسخاك، و يخلصك من جيفك و نتنك، و من أوهامك الردية، و من نفسك الأمارة بالسوء و أقرانك الضلال المضلين شياطنيك، و أخلائك الجهال قطاع طريق الحق الحائلين بينك و بين كل نفيس و ثمين و عزيز.
    إلى متى المعاد، إلى متى الحق، إلى متى الهوى، إلى متى الرعونة، إلى متى الدنيا، إلى متى الآخرة، إلى متى سوى المولى؟ أين أنت من خالقك و الأشياء، و المكون الأول الآخر الظاهر الباطن، و المرجع و المصدر إليه، و له القلوب و طمأنينة الأرواح و محط الأثقال و العطاء و الامتنان، عز شأنه.




    فــي نــوع مــن الــمــعــرفــة :


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    رأيت في المنام كأني أقول: يا مشرك بربه في باطنه بنفسه و في ظاهره بخلقه و في عمله بإرادته.
    فقال رجل إلى جنبي: ما هذا الكلام؟ فقلت هذا نوع من أنواع المعرفة.










    فــي الـمـوت الذي لا حـيـاة فـيـه و الـحـيـاة الـتـي لا مـوت فـيـهـا:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    ضاق بي الأمر يوماً فتحرك في النفس، فقيل لي : ماذا تريد؟؟ فقلت: أريد موتاً لا حياة فيه و حياة لا موت فيها؟؟
    فقيل لي: ما الموت الذي لا حياة فيه و ما الحياة التي لا موت فيها؟؟ قلت: الموت الذي لا حياة فيه موتى عن جنسي من الخلق فلا أراهم في الضر و النفع، و موتي عن نفسي و هوائي و إرادتي و منائي في الدنيا و الأخرى فلا أحس في جميع ذلك و لا أجد.
    وأما الحياة التي لا موت فيها: فحياتي بفعل ربى عزّ و جلّ بلا وجودي فيه، و الموت في ذلك وجودي معه عزّ و جلّ، فـكـانـت هـذه الإرادة أنـفـس إرادة أردتـهـا مـنـذ عـقـلـت.


    فـي الـنـهـي عـن الـتـســخـط عـلـى الله فـي تـأخـيـر إجـابـة الـدعـاء:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    ما هذا التسخط على ربك عزَّ و جلّ من تأخير إجابة الدعاء؟؟ تقول حرم على السؤال للخلق و أوجب على السؤال و أنا أدعوه و هو لا يجبيبنى، فيقال لك: أحر أنت أم عبد؟ فإن قلت: أنا حر، فأنت كافر، وإن قلت: أنا عبد لله، فيقال لك: أمتهم أنت لوليك في تأخير إجابة دعائك و شاك في حكمته و رحمته بك و بجميع خلقه وعلمه بأحوالهم أو غير متهم له عزَّ و جلّ ؟؟ فإن كنت غير متهم له و مقر بحكمته و إرادته و مصلحته لك و تأخير ذلك فعليك بالشكر له عزَّ و جلّ، لأنه اختار لك الأصلح و النعمة و دفع الفساد، و إن كنت متهماً له في ذلك فأنت كافر بتهمتك له، لأنك بذلك نسبت له الظلم و هو ليس بظلام للعبيد، لا يقبل الظلم و يستحيل عليه أن يظلم إذ هو مالكك و مالك كل شئ فلا يطلق عليه اسم الظالم، و إنما الظالم من يتصرف في ملك غيره بغير إذنه، فانسد عليك سبيل التسخط عليه في فعله فيك بما يخالف طبعك و شهوة نفسك و إن كان في الظاهر مفسدة لك.
    فعليك بالشكر و الصبر و الموافقة، و ترك السخط و التهمة و القيام مع رعونة النفس و هواها الذي يضل عن سبيل الله.
    وعليك بدوام الدعاء و صدق الالتجاء، و حسن الظن بربك عزَّ و جلّ، و انتظار الفرج منه، و التصديق بوعده، و الحياء منه، و الموافقة لأمره، و حفظ توحيده و المسارعة إلى أداء أوامره، و التماوت عن نزول قدره بك و بفعله فيك، و إن كان لابد أن تتهم و تسئ الظن فنفسك الأمارة بالسوء العاصية لربها عزَّ و جلَّ أولى بهما، و نسبتك الظلم إليها أحرى من مولاك. فاحذر موافقتها و موالاتها، و الرضى بفعلها و كلامها في الأحوال كلها، لأنها عدوة الله و عدوتك، و موالية لعدو الله و عدوك الشيطان الرجيم، هي خليلته و جاسوسته و مصافيته، الله الله ثم الله، الحذر الحذر النجا النجا، أتهمها و أنسب الظلم إليها و اقرأ عليها قوله عزَّ و جلّ : (مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ)، وقوله عزَّ و جلّ : (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) و غيرها من الآيات و الأخبار.
    كن مخاصماً لله على نفسك مجادلاً لها عنه عزَّ و جلّ، و محارباً و سيافاً و صاحب جنده و عسكره، فإنها أعدى عدو الله عزَّ و جلّ، قال الله تعالى : " يا داود أهجر هواك فإنه لا منازع ينازعني في ملكي غير الهوى ".




    فـي الأمـر بـالـدعـاء و الـنـهـى عـن تـركـه:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    لا تقل: لا أدعو الله; فإن كان ما أسأله مقسوماً فسيأتي إن سألته أو لم أسأله، و إن كان غير مقسوم فلا يعطيني بسؤال، بل اسأله عزَّ و جلَّ جميع ما تريد و تحتاج إليه من خير الدنيا و الآخرة ما لم يكن فيه محرم و مفسدة لأن الله تعالى أمر بالسؤال له و حث عليه. قال تعالى : (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، و قال عزَّ و جلَّ : (وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) (وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ)، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اسألوا الله و أنتم موقنون بالإجابة ) و قال صلى الله عليه وسلم : ( اسألوا الله ببطون أكفكم ) و غير ذلك من الأخبار. و لا تقل إني أسأله فلا يعطيني فإذا لا أسأله، بل دم على دعائه، فإن كان ذلك مقسوماً ساقه إليك بعد أن تسأله، فيزيد ذلك إيماناً و يقيناً و توحيداً و ترك سؤال الخلق و الرجوع إليه في جميع أحوالك و إنزال حوائجك به عزَّ و جلَّ ، و إن لم يكن مقسوماً لك أعطاك الغناء عنه و الرضا عنه عزَّ و جلَّ بالقصص. فإن كان فقراً أو مرضاً أرضاك بهما و إن كان ديناً قلب الدائن من سوء المطالبة إلى الرفق و التأخير و التسهيل إلى حين ميسرتك أو إسقاطه عنك أو نقصه، فإن لم يسقط و لم يترك منه في الدنيا أعطاك عزَّ و جلَّ ثواباً جزيلاً ما لم يعطك بسؤالك في الدنيا، لأنه كريم غنى رحيم، فلا يخيب سائله في الدنيا و الآخرة فلابد من فائدة، و نائلة إما عاجلاً و إما آجلاً، فقد جاء في الحديث: ( المؤمن يرى في صحيفته يوم القيامة حسنات لم يعملها و لم يدر بها فيقال له أتعرفها ؟ فيقول ما أعرفها من أين لي هذه ؟ فيقال له إنها بدل مسألتك التي سألتها في دار الدنيا ) و ذلك أنه بسؤال الله عزَّ و جلَّ يكون ذاكراً الله و موحداً و واضعا الشئ في موضعه، و معطي الحق أهله، و متبرئاً من حوله و قوته، و تاركاً للتكبر و التعظيم و الأنفة، و جميع ذلك أعمال صالحة ثوابها عند الله عزَّ و جلَّ.






    فـي جـهـاد الـنـفـس و تـفـصـيـل كـيـفـيـتـه:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    كلما جاهدت نفسك و غلبتها و قتلتها بسيف المخالفة أحياها الله، و نازعتك و طلبت منك الشهوات و اللذات الجناح منها و المباح، لتعود إلى المجاهدة ليكتب لك ثواباً دائماً، و هو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ) أراد مجاهدة النفس لدوامها و استمرارها على الشهوات و اللذات، و إنهماكها في المعاصي، و هو معنى قوله عزَّ و جلَّ : (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)، أمر الله عزَّ و جلَّ لنبيه صلى الله عليه وسلم بالعبادة و هي مخالفة النفس، لأن العبادة كلها تأباها النفس و تريد ضدها إلى أن يأتيه اليقين يعنى الموت.
    فإن قيل : كيف تأبى نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم العبادة و هو عليه والصلاة و السلام لا هوى له (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) ؟
    فيقال: أنه عزَّ و جلَّ خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم ليتقرر به الشرع فيكون عاماً بين أمته إلى أن تقوم الساعة. ثم إن الله عزَّ و جلَّ أعطى نبيه عليه الصلاة و السلام القوة على النفس و الهوى، كيلا يضراه و يحوجاه إلى المجاهدة، بخلاف أمته، فإذا دام المؤمن على هذه المجاهدة إلى أن يأتيه الموت و يلحق بربه عزَّ و جلَّ بسيف مسلول ملطخ بدم النفس و الهوى أعطاه ما ضمن له من الجنة، لقوله عزَّ و جلَّ : (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) فإذا أدخله الجنة و جعلها داره و مقره و مصيره، أمِن من التحويل عنها و الانتقال إلى غيرها و العودة إلى دار الدنيا جدد له كل يوم و كل ساعة من أنواع النعيم و تغير عليه أنواع الحال و الحلى إلى ما لا نهاية و لا غاية و لا نفاد، كما جدد في الدنيا كل يوم و كل ساعة و لحظة مجاهدة النفس و الهوى.
    و أما الكافر و المنافق و العاصي لما تركوا مجاهدة النفس و الهوى في الدنيا و تابعوها و وافقوا الشيطان، تمرجوا في أنواع المعاصي من الكفر و الشرك و ما دونهما حتى أتاهم الموت من غير الإسلام و التوبة، أدخلهم الله النار التي أعدت للكافرين في قوله عزَّ و جلَّ : (وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) فإذا أدخلهم فيها و جعلها مقرهم و صيرهم، فأحرقت جلودهم و لحومهم جدد لهم عزَّ و جلَّ جلوداً و لحوماً كما قال عزَّ و جلَّ : (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا) يفعل عزَّ و جلَّ بهم ذلك كما وافقوا أنفسهم و أهواءهم في الدنيا في معاصيه عزَّ و جلَّ ، فأهل النار تجدد لهم كل وقت جلود و لحوم لإيصال العذاب و الآلام إليهم. و سبب ذلك مجاهدة النفس و عدم موافقتها في دار الدنيا و هذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( الدنيا مزرعة الآخرة ).






    فـي قـولـه تـعـالـى : ( كـل يـوم هـو فـي شــأن )


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    إذا أجاب الله عبداً ما سأله و أعطاه ما طلبه لم تنخرم إرادته و لا ما جف به القلم و سبق به العلم، لكنه يوافق سؤاله مراد ربه عزَّ و جلَّ في وقته، فتحصل الإجابة و قضاء الحاجة في الوقت المقدر الذي قدره له في السابقة لبلوغ القدر وقته كما قال أهل العلم قوله عزَّ و جلّ : (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) أي يسوق المقادير إلى المواقيت، يعطى الله أحداً شيئاً في الدنيا بمجرد دعائه، و كذلك لا يصرف عنه شيئاً بدعائه المجرد، و الذي ورد في الحديث ( و لا يرد القضاء إلا الدعاء ) قيل إن المراد به لا يرد القضاء إلا الدعاء الذي قضى أن يرد لقضائه، و كذلك لا يدخل أحد الجنة في الآخرة بعمله، بل برحمة الله عزَّ و جلَّ، لكنه يعطى العباد في الجنة الدرجات على قدر أعمالهم.
    و قد ورد في حديث عائشة رضي الله عنها ( أنها سألت النبي صلى الله عليه و سلم هل يدخل أحد الجنة بعمله؟ فقال لا برحمة الله، فقالت و لا أنت؟ فقال و لا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته و وضع يده على هامته ) و ذلك لأن الله عزَّ و جلَّ لا يجب عليه لأحد حق و لا يلزمه الوفاء بالعهد، بل يفعل ما يريد يعذب من يشاء و يغفر لمن يشاء، و يرحم من يشاء، فعال لما يريد و لا يسال عما يفعل و هم يسئلون، يرزق من يشاء بغير حساب بفضل رحمته و منته، و يمنع من شاء بعدله، و كيف لا يكون كذلك و الخلق من لدن العرش إلى الثرى التي هي الأرض السابعة السفلى ملكه و صنعه، لا مالك لهم غيره و لا صانع لهم غيره، قال عزَّ و جلَّ : (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) و قال تعالى : (أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ) و قال تعالى : (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً) و قال تعالى : (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ).


    فـي الأمـر بـطـلـب الـمـغـفـرة و الـعـصـمـة و الـتـوفـيـق و الـرضـا و الـصـبـر مـن الله تـعـالـى:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    لا تطلبنّ من الله شيئاً سوى المغفرة للذنوب السابقة و العصمة منها في الأيام الآتية اللاحقة، و التوفيق لحُسن الطاعة، و امتثال الأمر و الرضا بمر القضاء، و الصبر على شدائد البلاء، و الشكر على جزيل النعماء و العطاء، ثم الوفاة بخاتمة الخير، و اللحوق بالأنبياء و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقاً و لا تطلب منه الدنيا و لا كشف الفقر و البلاء إلى الغناء و العافية، بل الرضا بما قسم و دبر، و اسأله الحفظ الدائم على ما أقامك فيه و أحلك و ابتلاك، إلى أن ينقلك منه إلى غيره و ضده، لأنك لا تعلم الخير في أيهما، في الفقر أو في الغناء، في البلاء أو في العافية، طوى عنك علم الأشياء و تفرد هو عزّ و جلّ بمصالحها و مفاسدها.
    فقد ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لا أبالى على أي حال أصبح، على ما أكره أو على ما أحب، لأني لا أدرى الخير في أيهما. قال ذلك لحسن رضاه بتدبير الله عزّ و جلّ، و الطمأنينة على اختياره و قضائه. قال الله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ).
    كن على هذا الحال إلى أن يزول هواك و تنكسر نفسك فتكون ذليلة مغلوبة تابعة ثم تزول إرادتك و أمانيك، و تخرج الأكوان من قلبك و لا يبقى في قلبك شئ سوى الله تعالى، فيمتلئ قلبك بحب الله تعالى، و تصدق إرادتك في طلبه عزّ و جلّ فيرد إليك الإرادة بأمره بطلب حظ من الحظوظ دنيوية و أخروية، فحينئذ تسأله عزّ و جلّ بذلك و تطلبه ممتثلاً لأمره، إن أعطاك شكرته و تلبست به، و إن منعك لم تتسخط عليه و لم تتغير عليه في باطنك و لا تتهمه في ذلك ببخل، لأنك لم تكن طلبته بهواك و إرادتك، لأنك فارغ القلب عن ذلك غير مريد له، بل ممتثلاً لأمره بالسؤال و السلام.






    فـي الـشــكـر و الاعـتـراف بـالـتـقـصـيـر:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    كيف يحسن منك العجب في أعمالك و رؤية نفسك فيها و طلب الأعواض عليها، و جميع ذلك بتوفيق الله تعالى و عونه و قوته و إرادته و فضله، و إن كان ترك معصيته فبعصمته و حفظه و حميته.
    أين أنت من الشكر على ذلك و الاعتراف بهذه النعم التي أولاكها، ما هذه الرعونة و الجهل، تعجب بشجاعة غيرك و سخائه و بذل ماله إذا لم تكن قاتلاً بعودك إلا بعد معاونة شجاع ضرب في عدوك ثم تمنيت قتله، لولاه كنت مصروعاً مكانه و بدله، و لا باذلاً لبعض مالك إلا بعد ضمان صادق كريم أمين ضمن لك عوضه و خلفه، لولا قوله و طمعك فيما وعد لك و ضمن لك ما بذلت حبة منه، كيف تعجبك بمجرد فعلك ؟
    أحسن حالك الشكر و الثناء على المعين و الحمد لله الدائم و إضافة ذلك إليه في الأحوال كلها إلا الشر و المعاصي و اللوم، فإنك تضيفها إلى نفسك و تنسبها إلى الظلم و سوء الأدب و تتهمها به، فهي أحق بذلك لأنها مأوى لكل شر و أمارة بكل سوء و داهية وإن كان هو عزّ و جلّ خالقك و خالق أفعالك مع كسبك، أنت الكاسب و هو الخالق كما قال بعض العلماء بالله عزّ و جلّ : تجئ و لا بد منك، و قوله صلى الله عليه و سلم : ( اعملوا و قاربوا و سددوا فكل ميسر لما خلق له ).




    فـي الــمــريـــد والــمـــراد:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه : لا يخلو إما أن تكون مريداً أو مراداً.
    فإن كنت مريداً; فأنت محمل و حمال يحمل كل شديد و ثقيل، لأنك طالب و الطالب مشقوق عليه حتى يصل إلى مطلوبه و يظفر بمحبوبه و يدرك مرامه، و لا ينبغي لك أن تنفر من بلاء ينزل بك في النفس و المال و الأهل و الولد، إلى أن يحط عنك الأعمال، و يزال عنك الأثقال، و يرفع عنك الآلام و يزال عنك الأذى و الإذلال، فتصان عن جميع الرذائل و الأدران و الأوساخ و المهانات و الافتقار إلى الخليقة و البريات، فتدخل في زمرة المحبوبين المدللين المرادين.
    و إن كنت مراداً; فلا تتهمن الحق عزّ و جلّ في إنزال البلية بك أيضاً، و لا تشكن في منزلتك و قدرك عنده عزّ و جلّ، لأنه قد يبتليك ليبلغك مبلغ الرجل، و يرفع منزلتك إلى منازل الأولياء.
    أتحب ما يحط منزلتك عن منازلهم و درجاتك عن درجاتهم و أن تكون خلعتك و أنوارك و نعيمك دون ما لهم، فإن رضيت أنت بالدون فالحق عزّ و جلّ لا يرضى لك بذلك . قال تعالى : (وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) يختار لك الأعلى و الأسنى و الأرفع و الأصلح و أنت تأبى.
    فإن قلت: كيف يصلح ابتلاء المراد مع هذا النعيم و البيان مع أن الابتلاء إنما هو للمحب، و المدلل إنما هو المحبوب ؟
    يقال لك: ذكرنا الأغلب أولاً و سمرنا بالنادر الممكن ثانياً.
    لا خلاف أن النبي صلى الله عليه و سلم كان سيد المحبوبين أشد الناس بلاء، و قد قال صلى الله عليه و سلم ( لقد خفت في الله ما لا يخافه أحد، و لقد أوذيت في الله لم يؤذه أحد، و لقد أتى علي ثلاثون يوماً و ليلة و ما لنا طعام إلا شيء يواريه إبط بلال ) و قد قال صلى الله عليه و سلم ( إنا معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل ) و قد قال صلى الله عليه و سلم ( أنا أعرفكم بالله و أشدكم منه خوفاً ) فكيف يبتلى المحبوب و يخوف المدلل المراد و لم يكن ذلك إلا بما أشرنا إليه من بلوغ المنازل العالية في الجنة، لأن المنازل في الجنة لا تشيد و لا ترفع بالأعمال في الدنيا.
    الدنيا مزرعة الآخرة، و أعمال الأنبياء و الأولياء بعد أداء الأوامر و انتهاء النواهي و الصبر و الرضا و الموافقة في حالة البلاء يكشف عنهم البلاء و يواصلون بالنعيم و الفضل و الدلال و اللقاء أبد الآباد، و الله أعلم.




    فـي الـوقـوف مـع الله و الـفـنـاء عـن الـخـلـق:


    قـال رضـي الله تـعـالى عـنـه و أرضـاه :
    كن مع الله عزّ وجلّ كأن لا خلق، ومع الخلق كأن لا نفس، فإذا كنت مع الله عزّ وجلّ بلا خلق وجدت، وعن الكل فنيت، وإذا كنت مع الخلق بلا نفس عدلت وبقيت ومن التبعات سلمت، وأترك الكل على باب خلوتك، وأدخل وحدك تر مؤنسك في خلوتك بعين سرّك، وتشاهد ما وراء العيان، وتزول النفس ويأتي مكانها أمر الله وقربه، فإذن جهلك علم، وبعدك قرب، وصمتك ذكر، ووحشتك أنس.
    يا هذا : ما ثم إلا خلق وخالق، فإذا اخترت الخالق فقل لهم : (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ).
    الرَّد على الزَّنادقة والجهمية لللإمام أحمد بن محمد بن حنبل:
    http://www.ajurry.com/vb/attachment....8&d=1370176387

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •