مبحث في بيع الدمى (لعب الأطفال المجسمة)
يحتاج الطفل ذكراً كان أو أنثى إلى اللعب، واللعب بالنسبة إلى الطفل لا يعتبر ضرورة بدنية فحسب، بل هو نوع من التعليم، ويعرف هذا جيداً من زاول مهنة التعليم في رياض الأطفال، بحيث يستوعب الطفل عن طريق الألعاب المجسمة ما لا يستوعبه عن طريق العبارات المنمقة، ومن ذلك الألعاب بصور مجسمة لحيوانات وآدميين، وقد كانت في السابق تعمل هذه الصور من الخرق، والعهن (الصوف) ثم تطورت بسبب تطور الصناعة، ودخول الآلة في الصناعة، فصارت تصنع من البلاستك، وصارت من الدقة بحيث تحاكي الصور الحية، فما حكم بيع هذه الدمى لهذا الغرض؟
وللإجابة على هذا السؤال نذكر خلاف العلماء المتقدمين في حكم صناعة الصور من العهن والخرق، ثم نذكر كلام المعاصرين في حكمها من البلاستك ونحوها، فمن أباح صناعتها أباح بيعها، ومن منع من صناعتها، فقد منع من بيعها.
الفرع الأول: في صناعة الصور من الخرق والرقاع
[م - 295] اختلف العلماء في حكم صناعة اللعب من الخرق والرقاع على قولين:
القول الأول:
يجوز، وهو قول في مذهب الحنفية[1]، ومذهب المالكية[2]، والشافعية[3]، وبعض المتأخرين من الحنابلة[4]، ورجحه ابن حزم[5]، وذكر القاضي عياض بأنه قول الجمهور[6].وقال النسائي: باب إباحة الرجل اللعب لزوجته بالبنات[7].
وقال ابن تيمية: يرخص فيه للصغار ما لا يرخص فيه للكبار [8].
القول الثاني:
لا يجوز، وهو قول في مذهب الحنفية [9]، واختاره بعض المالكية[10]، وبعض الشافعية [11]، وبعض الحنابلة [12]، وهو المنصوص عن الإمام أحمد رحمه الله [13].واعتبر المناوي القول بالمنع قولاً شاذاً[14].وروي عن مالك كراهة شرائها، قال القاضي عياض: "وهذا عندي محمول على كراهة الاكتساب بها للبائع، وتنزيه أولي المروءات عن تولي ذلك من بيع وشراء، لا كراهة اللعب بهن" [15].دليل من قال: يجوز صناعة صور الأطفال:
الدليل الأول:
(ح-182) ما رواه البخاري ومسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كنت ألعب بالبنات عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل يتقمعن منه، فيسربهن إلي فيلعبن معي[16].
وجه الاستدلال:

قولها: "كنت ألعب بالبنات" وقد اطلع الرسول - صلى الله عليه وسلم - على وجود هذه الصور، وأقر اللعب بها، فدل على تخصيص لعب الأطفال من عموم النهي من اتخاذ الصور.
وأجيب عن ذلك:
بأن ذلك كان قبل تحريم الصور، ثم نسخ الأمر بعد ذلك.
أو أن قول عائشة: "ألعب بالبنات" أي ألعب مع البنات، فتكون الباء بمعنى مع، فيكون المقصود بالبنات ليست اللعب.
ورد هذا الجواب:

أما الجواب عن دعوى النسخ، فيقال: إنه لا يصار إلى النسخ إلا عند تعارض الأدلة، ومعرفة المتأخر من المتقدم، لأن في النسخ إبطالاً لأحد الدليلين، بينما في الجمع إعمال لهما، وهنا لم يعرف التاريخ، ولم يتعذر الجمع، بل يحمل الإذن للصغار حديثي السن، ويحمل النهي للكبار، ولذلك:(ح-183) قالت عائشة كما في الصحيحين: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا التي أسأم، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو[17].
وأما الجواب عن قولهم "كنت ألعب بالبنات" أي بمعنى مع البنات، كما قال ابن مالك:
بالباء استعن وعد عوض ألصق ♦♦♦ ومثل مع ومن وعن بها انطق
فيقال: إن هذا مع كونه خلاف الظاهر ترده الألفاظ الأخرى للحديث، ففي صحيح مسلم من طريق جرير، عن هشام به بلفظ: كنت ألعب بالبنات في بيته، وهن اللعب.
وروى الحميدي عن سفيان، قال: حدثنا هشام بن عروة به، بلفظ: كنت ألعب بهذه البنات، وكن جواري يأتيني يلعبن معي بها.... الحديث
[18].

وفي سنن النسائي الكبرى من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هشام به، بلفظ: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسرب إلي صواحبي يلعبن معي باللعب البنات الصغار
[19].
وفي طريق آخر لحديث عائشة من غير طريق هشام بن عروة، فكشف ناحية الستر على بنات لعائشة لعب، وسوف أسوق إسناده بالدليل التالي.
الدليل الثاني:
(ح-184) ما رواه أبو داود من طريق محمد بن إبراهيم، حدثه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة - رضي الله عنها -، قالت: قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سهوتها ستر، فهبت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لعب، فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي. ورأى بينهن فرساً له جناحان من رقاع، فقال: ما هذا الذي أرى وسطهن؟ قالت: فرس. قال: وما هذا الذي عليه؟ قالت: جناحان. قال: فرس له جناحان! قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلاً لها أجنحة، قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه[20].[ إسناده صحيح ] [21].
وجه الاستدلال من الحديث كالاستدلال من الحديث السابق.
الدليل الثالث:
(ح-185) ما رواه البخاري من طريق خالد بن ذكوان، عن الربيع بنت معوذ، قالت: أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم، قالت: فكنا نصومه بعد، ونصوم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار[22].
وجه الاستدلال:
ظاهر قوله: "اللعبة من العهن" تنصرف في الغالب إلى اللعب المصنوعة من صور الآدميين والحيوانات، على شاكلة لعب عائشة - رضي الله عنها -.وقد يقال: إن الحديث ليس صريحاً بأن اللعب من الصور، فقد تكون اللعب من صور الأشجار أو نحوها مما ليس فيه روح، وهذا لا إشكال فيه، والله أعلم.
الدليل الرابع:

الصور المهانة في الوسائد والفرش ذهب جماهير العلماء إلى جوازها ؛ لأنها ليست محلاً للتعظيم، وليست ذريعة إلى الشرك، فاللعب أولى بالجواز لأنها مما تختص بالصغار، ويتسلى بها، فليست محلاً للتعظيم والتقديس.
الدليل الخامس:
من النظر اتخاذ اللعب للأولاد تمليه الحاجة الماسة إلى تعليم الأطفال، وتدريب البنات على ممارسة رعاية أولادهن بالمستقبل، وتدريب الأولاد على القيام بواجب الأبوة، مع ما فيه من إدخال السرور عليهم وكف أذاهم، وشغلهم بما ينفع بدلاً من أن يكون نشاطهم في العبث والتخريب.
دليل من قال: لا يجوز اتخاذ اللعب من الصور:
الدليل الأول:
عمومات النهي الواردة في الصور والمصورين، وهي كثيرة، منها:(ح-186) ما رواه البخاري من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أخبره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم[23].
فلم يفرق بين ما يصنعونه للصغار أو يصنعونه للكبار.(ح-187) ومنها ما رواه البخاري من طريق عوف، عن سعيد بن أبي الحسن، قال:كنت عند ابن عباس - رضي الله عنهما -، إذ أتاه رجل، فقال: يا أبا عباس إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير، فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول، سمعته يقول: من صور صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبداً، فربا الرجل ربوة شديدة، واصفر وجهه، فقال: ويحك إن أبيت إلا أن تصنع، فعليك بهذا الشجر، كل شيء ليس فيه روح.(ح-188) وفي لفظ لمسلم: "قال ابن عباس: أنبئك بما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفساً، فتعذبه في جهنم، وقال: إن كنت لا بد فاعلاً، فاصنع الشجر، وما لا نفس له[24].
وجه الاستدلال:
أن ابن عباس لم يأذن له إلا بالشجر، أو ما ليس له روح، ولو كانت صور الأطفال داخلة في المباح لذكرها له، فلما لم يذكرها كانت داخلة في عموم النهي، وقوله في لفظ مسلم (كل مصور في النار) كل من ألفاظ العموم، فيدخل فيه ما يصوره للأطفال، وما يصوره للكبار.
الراجح:
الذي أميل إليه أن القول بإباحة صور الأطفال أقرب إلى الصحة، فهم يستدلون بأحاديث خاصة، والقائلون بالتحريم يستدلون بأحاديث عامة، والأحاديث الخاصة مقدمة على الأحاديث العامة، والنصوص العامة في الشريعة قد تخصص، والمطلق قد يقيد، ومنه مسألتنا هذه، والله أعلم.
الفرع الثاني: هل يختلف الحكم إذا كانت هذه الصور من البلاستيك:[م - 296] تطورت الصناعة في هذا العصر، ودخلت الآلة في صناعة الألعاب، فصارت الصورة تحاكي الحقيقة، وكأنك وأنت تنظر إلى لعب الأطفال اليوم، كأنك تنظر إلى صورة حقيقية، بل إنهم جعلوها تبكي، وتضحك، وتغني، وتتكلم، فهل هذه الصورة بهذه المثابة داخلة في لعب عائشة، أو أن صور عائشة لم يوجد فيها هذه المضاهاة لخلق الله، فقد يكون الوجه مطموساً أصلاً، فليس لها عينان، ولا أنف، ولا أسنان، في هذا خلاف بين أهل العلم في عصرنا.فمنع من ذلك طائفة من أهل العلم في عصرنا، على رأسهم سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله[25]، وفضيلة الشيخ حمود بن عبد الله التويجري[26].
وحجتهم في ذلك:
أن الأصل المنع، وإنما الرخصة جاءت بمثل اللعب التي كانت على زمن عائشة - رضي الله عنها -، فيجب الاقتصار على ما ورد، ويبقى ما عدا ذلك على أصل التحريم، وأما اللعب البلاستيكية فلا تشملها الرخصة الشرعية؛ لشدة مشابهتها، ومضاهاتها لخلق الله، وخروجها عن جنس اللعب التي جاءت الشريعة باستثنائها.
وذهب آخرون إلى إلحاق العب البلاستيكية باللعب القديمة، من ذلك السيد سابق في كتابه فقه السنة[27]، والشيخ يوسف القرضاوي [28] وغيرهم.
وحجتهم:

أن الأحاديث التي فيها إذن باتخاذ لعب البنات جاءت مطلقة، ولم تتعرض للقيد صراحة، وأضيف على ذلك بأنه لو طمس الوجه لم يختلف أحد في إباحتها، واختلاف العلماء المتقدمون في لعب البنات إنما هو في صورة لها وجه، ولها يدان، ورجلان، ولذلك قال الإمام أحمد في عصره: قال أبو عبد الله: "فقد يصيرون لها صدراً، و عيناً، وأنفاً وأسناناً..." [29].
مما يدل أن كلام المتقدمين ليس في صورة لها وجه مطموس، أو صورة من عودين معترضين يشكلان على هيئة مخلوق صغير، ثم يلبس بالقماش، فإن هذا ليس منهياً عنه مطلقاً في حق الجميع من كبار وصغار، فعندما يقول العلماء المتقدمون: إن لعب الأطفال مخصوصة من النهي فذلك يعني صورة منهياً عنها، ولا تكون صورة منهي عنها إلا ولها عينان، وأنف، وأسنان، كما أن لها يدين ورجلين، وإلا فما معنى قولهم: إن لعب الأطفال مخصوصة من النهي، إذا كانت ليست على شكل صورة، وإنما هي صورة قد طمس وجهها.قال القاضي عياض رحمه الله، وهو يتكلم على حديث: "كنت ألعب بالبنات عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم-" قال: " فيه جواز اللعب بهن، وتخصيصهم من الصور المنهي عنها لهذا الحديث، ولما في ذلك من تدريب النساء في صغرهن على النظر لأنفسهن وبيوتهن، وأبنائهن، وقد أجاز العلماء بيعهن وشراءهن.... وعلى الجواز بلعب الجواري بهن جمهور العلماء.." [30].
فقوله: وتخصيصه من الصور المنهي عنها دليل على أنه يتكلم عن صورة منهي عنها، لا عن صورة مأذون فيها، فالصورة التي يتكلمون عليها، وهي الصورة المطموسة الوجه لا أحد يجادل أنه ليس منهياً عنها أصلاً، ولذلك ذكر شيخنا ابن عثيمين رحمه الله للخروج من الشبهة بأن يطمس وجهها - يعني الصورة البلاستيكية- وإذا طمس وجهها أبيحت على كل حال، ولم تكن مخصوصة من النهي، وسوف أسوق كلامه بتمامه إن شاء الله تعالى.
وقال الحافظ ابن حجر: "واستدل بهذا الحديث - يعني: حديث لعب عائشة - على جواز اتخاذ صور البنات واللعب من أجل لعب البنات، وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور" [31].
فتأمل كلام الحافظ ابن حجر، وقوله: "وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور".وقال الخطابي: "أرخص لعائشة - رضي الله عنها - ؛ لأنها إذ ذاك كانت غير بالغ"[32].فقوله: (أرخص لعائشة) دليل على أنه في حق صورة محرمة، لا في حق وسادة كبيرة خيط في أعلاها وسادة صغيرة، ولا في أعواد ربط بعضها ببعض.
وقال المناوي في فيض القدير: "ويستثنى من تحريم التصوير لعب البنات، فيجوز عند المالكية، والشافعية، لورود الترخيص فيه، وشذ بعضهم فمنعها، ورأى أن حلها منسوخ"[33].
وذهب آخرون إلى التوقف عن القول بالتحريم، وهو اختيار شيخنا ابن عثيمين رحمه الله.
قال في كتابه الشرح الممتع:"قسم من البلاستك، وتكون على صورة الإنسان الطبيعي إلا أنها صغيرة، يكون لها حركة، وقد يكون له صوت، فقد يقول قائل: إنها حرام؛ لأنها دقيقة التصوير، وعلى صورة الإنسان تماماً، أي ليست صورة إجمالية، ولكن صورة تفصيلية، ولها أعين تتحرك، وقد نقول: إنها مباحة؛ لأن عائشة كانت تلعب بالبنات، ولم ينكر عليها النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكن إذا استدللنا بحديث عائشة، فقد يقول قائل: بأن الصور التي عند عائشة ليست بهذه الصور الموجودة الآن، بينهما فرق عظيم، فمن نظر إلى عموم الرخصة، وأنه قد يرخص للصغار ما لا يرخص للكبار، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في باب السبق لما ذكر بعض آلات اللهو، قال: إنه يرخص للصغار ما لا يرخص للكبار؛ لأن طبيعة الصغار اللهو، ولهذا تجد هذه الصور عند البنات الصغار كالبنات حقيقة، كأنها ولدتها، وربما تكون وسيلة لها لتربي أولادها في المستقبل، وتجدها تسميها أيضاً، هذه فلانة، وهذه فلانة، فقد يقول قائل: إنه يرخص لها فيها، فأنا أتوقف في تحريمها في الواقع، لكن يمكن التخلص من الشبهة بأن يطمس وجهها بالنار." اهـ كلام شيخنا رحمه الله.
والملاحظ أن شيخنا لم يتوقف في إباحتها، بل توقف عن القول بالتحريم، وبينهما فرق، وهذا من فقهه رحمه الله تعالى.

ولذلك حين وجه للشيخ سؤالان عن هذه اللعب في اللقاء المفتوح معه، لم يشدد فيها. وإليك نص جوابه رحمه الله:
السؤال الأول: ما حكم اقتناء لعب الأطفال التي على شكل تمثال، من حصان، أو حمار، أو طير، أو غير ذلك؟
الجواب: الألعاب التي يلعب بها الصبيان نتسامح فيها قليلاً ؛ لأن عائشة - رضي الله عنها - كان عندها لعب بنات تلعب بها، ويسامح للصغار ما لم يسامح للكبار، لكن الأفضل في هذه الحالة أن يشتري لهم لعبة من هذه اللعب التي بدأت تصدر حديثاً، وهي ألعاب من القطن، أو من الإسفنج، على شكل آدمي أو على شكل حصان، أو على شكل بعير، إلا أنها ليست بينة، أي: ما فيها أنف بارزة، ولا شفتان، ولا شيء من الأشياء البارزة، يتلهى بها الصبي، وهو أحسن وأحوط. اهـ جوابه رحمه الله.وأما السؤال الثاني في اللقاء المفتوح، فجاء فيه: بالنسبة للعبة الأطفال التي تسمى العروسة، سمعنا أنك أفتيت فيها بالجواز؟
فكان جوابه رحمه الله: أي نعم، لعب الأطفال، أنا لا أشدد فيها.
أولاً: لأن حديث عائشة (أنها كانت تلعب بالبنات) صحيح ثابت في البخاري وغيره، في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، لا نعلم أن الصناعة وصلت إلى هذا الحد المعروف الآن.
فنقول: ما دام المعنى الذي من أجله أبيح للبنات اللعب، هو موجود الآن حتى في هذه الصور، ولذلك تجد الصبية إذا صار لها بنت من هذه الصور تعتني بها اعتناءً كاملاً، تلبسه الثياب، وتغسله، وتضعه أمام المكيف، وتقول له: يا حلالي، ويا حبيبتي، وما أشبه ذلك، فالحكمة من ذلك اعتياد البنت على تربية أبنائها، فما دامت هذه العلة، فهي موجودة، لكن مع ذلك لا نحبذ هذا الشيء، ونقول: من الممكن تأتي بالصورة هذه، وتقلع وجهها بالسكين، وتجعلها شيئاً آخر، وتكون كأنها بنت متغللة عليها غلال واحد. اهـ جوابه.


[1] الدر المختار (5/ 226)، حاشية ابن عابدين (1/ 650)، عمدة القارئ (12/ 40)، و (11/ 70).
[2] مواهب الجليل (4/ 267)، تفسير القرطبي (14/ 275)، إكمال المعلم (7/ 447)، شرح الزرقاني للموطأ (4/ 469)، الفواكه الدواني (2/ 315).
[3] شرح النووي على صحيح مسلم (11/ 82)، مغني المحتاج (4/ 247-248)، إعانة الطالبين (3/ 363)، أسنى المطالب (3/ 226).
[4] فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (1/ 180-183).
[5] المحلى (مسألة: 1910).
[6] نسب القاضي عياض القول بالجواز إلى الجمهور، قال في إكمال المعلم (7/ 447)وهو يتكلم على حديث (كنت ألعب بالبنات عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "فيه جواز اللعب بهن، وتخصيصهم من الصور المنهي عنها لهذا الحديث، ولما في ذلك من تدريب النساء في صغرهن على النظر لأنفسهن، وبيوتهن، وأبنائهن، وقد أجاز العلماء بيعهن وشراءهن.... وعلى الجواز بلعب الجواري بهن جمهور العلماء.." وانظر فتح الباري (10/ 527)، وشرح النووي على صحيح مسلم (14/ 82)، والموسوعة الكويتية (12/ 121).
[7] السنن الكبرى للنسائي (5/ 305)، قال الحافظ في الفتح (10/ 527): "فلم يقيد بالصغر، وفيه نظر ".
[8] قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (5/ 415): "روى الإمام أحمد , والبخاري , ومسلم: أن عائشة - رضي الله عنها - وجواري كن معها يلعبن بالبنات، وهو اللعب، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يراهن. فيرخص فيه للصغار ما لا يرخص فيه للكبار ". فقوله: يرخص فيه:لا أعتقد أنه يعني من اللهو واللعب، لأن ذلك ليس بحرام على الكبار، فيتجه أن الترخيص للصور، وإذا كان ذلك على سبيل الرخصة كان ذلك في صور محرمة في حق الكبار، والله أعلم.
[9] الدر المختار (5/ 226)، حاشية ابن عابدين (1/ 650)، مرقاة المفاتيح (6/ 407).
[10] جاء في البيان والتحصيل (18/ 573): "وسئل أصبغ عن اللعب المصورة يلعب بها النساء والجواري، أيحل لهن ذلك؟
قال: ما أرى به بأساً ما لم تكن تماثيل مصورة مخروطة، فلا يجوز؛ لأن هذا يبقى، ولو كانت فخاراً أو عيداناً تنكسر وتبلى رجوت أن تكون خفيفة إن شاء الله... " وعلق عليه ابن رشد بكلام يحسن بك أن تراجعه تركته لطوله.
[11] جاء في معالم القربة في طلب الحسبة (ص: 56): "وكذلك بيع الصور المصنوعة من الطين كالحيوانات التي تباع في الأعياد للعب الصبيان فإن كسرها واجب شرعاً". وانظر سنن البيهقي (10/ 219).
[12] كشف المشكل لابن الجوزي (4/ 321).
[13] جاء في كتاب الورع رواية المروزي (ص: 154): "قيل لأبي عبد الله: ترى للرجل الوصي تسأله الصبية أن يشتري لها لعبة؟ فقال: إن كانت صورة فلا، وذكر شيئاً. قلت: الصورة أليس إذا كانت لها يد أو رجل؟ فقال: عكرمة يقول: كل شيء له رأس فهو صورة. قال أبو عبد الله: فقد يصيرون لها صدراً، و عيناً، وأنفاً وأسناناً، قلت: فأحب إليك أن يجتنب شراؤها؟ قال: نعم. قلت: أفليس عائشة تقول: كنت ألعب بالبنات؟ قال: نعم، هذا محمد بن إبراهيم يرفعه، وأما هشام فلا أراه يذكر فيه كلاماً، في حديث محمد بن إبراهيم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسرحهن إلي ".
وجاء في الآداب الشرعية لابن مفلح (3/ 509-510): "وظاهر كلام الإمام أحمد المنع منها وإنكارها إذا كانت على صورة ذوات الأرواح. قال في رواية المروذي وقد سئل عن الوصي يشتري للصبية لعبة إذا طلبت؟ فقال: إن كانت صورة فلا. وقال في رواية بكر بن محمد، وقد سئل عن حديث عائشة: كنت ألعب بالبنات , قال لا بأس بلعب اللعب، إذا لم يكن فيه صورة، فإذا كان فيه صورة فلا, وظاهر هذا أنه منع من اللعب بها إذا كانت صورة. وقد روى أحمد بإسناده عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على عائشة، وهي تلعب بالبنات، ومعها جوار فقال ما هذه يا عائشة؟ فقالت هذا خيل سليمان فجعل يضحك من قولها - صلى الله عليه وسلم -.
قال أحمد: وهو غريب لم أسمعه من غيرهم عن يحيى بن سعيد انتهى كلام القاضي، وفي الصحيح أنها كانت في متاع عائشة - رضي الله عنها - لما تزوجها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فمن العلماء من جعله مخصوصاً من عموم الصور, ومنهم من جعله في أول الأمر قبل النهي عن الصور ثم نسخ ".
[14] فيض القدير (1/ 518).
[15] إكمال المعلم (7/ 448).
[16] صحيح البخاري (6130)، ومسلم (2440).
[17] صحيح البخاري (5236)، ومسلم (892).
[18] مسند الحميدي (260).
[19] السنن الكبرى (8948).
[20] سنن أبي داود (4932).
[21] ورواه النسائي في الكبرى (8950) والبيهقي في السنن (10/ 219) من طريق محمد ابن إبراهيم به. وصححه الغزالي في إحياء علوم الدين (2/ 278).
وقد نقلت فيما تقدم من كتاب الورع رواية المروزي (ص: 154): "قيل لأبي عبدالله:... أفليس عائشة تقول: كنت ألعب بالبنات؟ قال: نعم، هذا محمد بن إبراهيم يرفعه، وأما هشام فلا أراه يذكر فيه كلاماً. في حديث محمد بن إبراهيم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسرحهن إلي ".
وجاء في الآداب الشرعية لابن مفلح (3/ 509-510): "قال - يعني أحمد - في رواية بكر ابن محمد، وقد سئل عن حديث عائشة: كنت ألعب بالبنات , قال لا بأس بلعب اللعب إذا لم يكن فيه صورة، فإذا كان فيه صورة فلا, وظاهر هذا أنه منع من اللعب بها إذا كانت صورة. وقد روى أحمد بإسناده عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على عائشة وهي تلعب بالبنات ومعها جوار فقال ما هذه يا عائشة؟ فقالت هذا خيل سليمان فجعل يضحك من قولها - صلى الله عليه وسلم -.
قال أحمد: وهو غريب لم أسمعه من غيرهم عن يحيى بن سعيد انتهى كلام القاضي".
وقد رواه ابن حبان في صحيحه (5864) من طريق أبي النضر، عن عروة، عن عائشة بنحوه، وليس فيه ذكر ( بنات لعائشة ) وإنما فيه وأنا ألعب باللعب، فقال: ما هذا يا عائشة، فقالت: لعب. ولم تقل: بناتي. فإن كان استنكار الإمام أحمد أن يكون فيه ذكر للصور، وإنما فيه ذكر للعب، ولا يلزم من اللعب أن يكون فيها صورة، فإن الحديث من طريق هشام صريح بذكر بنات عائشة، كما أن الفرس الذي له أجنحة هو صورة أيضاً. وإلا فإن كلام الإمام أحمد يحتاج مني إلى تأمل أكثر لفهمه، ومعرفة المراد منه، فإن كلام الأئمة في العلل يحتاج قبل الاعتراض عليه إلى فهمه فهماً صحيحاً وإلا فقد يقع الباحث إذا تسرع في سوء فهمه، وإذا لم يفهمه الإنسان فلا مانع أن يطلب فهمه من إخوانه من أهل الطلب، والله المستعان، وأنصح إخواني وأبنائي الطلاب ألا يتجرأ أحد على الاستدراك على كلام الأئمة في العلل خاصة، وحصرياً من تقدم منهم، فإنك لا تجد أحداً أكثر من الاستدراك عليهم إلا رأيته قد أتي من سوء فهمه، وكما قال الشاعر:
وكم من عائب قولاً صحيحاً ♦♦♦ وآفته من الفهم السقيم.
[22] البخاري (1960)، ورواه مسلم (1136).
[23] البخاري (5951)، ومسلم (2108).
[24] البخاري (2225)، ورواه مسلم بنحوه (2110).
[25] فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم (1/ 180-183).
[26] إعلان النكير (ص: 97).
[27] فقه السنة (3/ 500).
[28] الحلال والحرام (ص: 103-104).
[29] الورع (ص: 154) وقد نقلنا النص بتمامه.
[30] إكمال المعلم (7/ 447).
[31] الفتح (10/ 527).
[32] عمدة القارئ (22/ 170).
[33] فيض القدير (1/ 518).