ولا يزالون مختلفين
إيمان الخولي



ما الحكمة من الاختلاف:
الاختلاف سنة كونية، الحكمة أن يكون هناك اختلاف وتباين بين الناس من أجل التعايش، إذ يقول الله - تعالى -: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض).
طبيعة الكون والحياة الاختلاف:
فالكون الذي نعيش في جزء صغير منه، خلقه الله - سبحانه - مختلف الأنواع والصور والألوان، وهذا الاختلاف ليس اختلاف تضارب وتناقض بل هو اختلاف تنوع.
وكذلك طبيعة الحياة، فهي أيضا تختلف وتتغير بحسب مؤثرات متعددة، في المكان والزمان.
فالخلاف سنة كونية اقتضتها الحكمة الإلهية، قال الله - عز وجل -: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً)(هود / 118).
طبيعة الدين الاختلاف:
فقد أراد الله أن يكون في أحكامه المنصوص عليه والمسكوت عنه، وأن يكون في المنصوص عليه: المحكمات والمتشابهات، والقطعيات والظنيات، والصريح والمؤول، لتعمل العقول في الاجتهاد والاستنباط، فيما يقبل الاجتهاد.
ولو شاء الله لأنزل كتابه كله نصوصًا محكمة قطعية الدلالة، لا تختلف فيها الأفهام، ولا تتعدد التفسيرات.
ولكنه لم يفعل ذلك، لتتفق طبيعة الدين مع طبيعة اللغة، وطبيعة الناس وضروريات الزمن.
الاختلاف نوعين
1. الاختلاف المحمود:
هذه الاختلافات مردها إلى أسباب فكرية، واختلاف وجهات النظر، في بعض القضايا العلمية، كالخلاف في فروع الشريعة، وبعض مسائل العقيدة التي لا تمس الأصول القطعية.
وكذلك الاختلافات في بعض الأمور العملية، كالخلاف في بعض المواقف السياسية، ومناهج الإصلاح والتغيير، ويدخل في الخلافات الفكرية: اختلاف الرأي في تقويم بعض المعارف والعلوم مثل: علم الكلام والمنطق والفلسفة والتصوف. والاختلاف في تقويم الأحداث التاريخية وبعض الشخصيات التاريخية والعلمية.
2. الاختلاف المذموم
وهو اختلاف تضاد، ويرجع إلى أسباب خلقية متعددة، ومن هذه الأسباب:
1- الغرور بالنفس والإعجاب بالرأي.
2- سوء الظن والمسارعة إلى اتهام الآخرين بغير بينة.
3- الحرص على الزعامة أو الصدارة أو المنصب.
4- اتباع الهوى وحب الدنيا.
5- التعصب لأقوال الأشخاص والمذاهب والطوائف.
6- العصبية لبلد أو إقليم أو حزب أو جماعة أو قائد.
7- قلة العلم في صفوف كثير من المتصدرين.
8- عدم التثبت في نقل الأخبار وسماعها.
الأنبياء والاختلاف:
سيدنا إبراهيم اختلف مع أبيه عندما دعاه للحنيفية السمحة عندما قال: (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا) وماذا كان رد الأب: (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا)، وماذا كان رد إبراهيم -عليه السلام - في النهاية لينهى هذا الحوار مع اختلاف العقائد: (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُم ْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا).
فلما انتهت غزوة الأحزاب -بفضل الله وكرمه- حينما أرسل الله الريح على الكافرين تهدم خيامهم وتقلب قدورهم.. وحينما قذف الله الهداية في قلب نعيم بن مسعود فقام بالموقف العظيم الذي فرق به بين المشركين واليهود..عند ذلك رجع المشركون من حيث جاءوا يجرون معهم أذيال الهزيمة.. وبقي بنو قريظة بخيانتهم للمسلمين، وقبل أن يستريح المسلمون من غزوة الأحزاب، وقبل أن يلتقطوا أنفاسهم، جاء جبريل - عليه السلام - إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقال له: أو قد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم. فقال جبريل: فما وضعت الملائكة السلاح بعد.. وإن الله -عز وجل- يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد –ذاهب- إليهم فمزلزل بهم. فأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - مناديًا ينادي في الناس: ((لا يصلِّينَّ أحدٌكم العصر إلا في بني قريظة)) ففهمها بعضهم أن لا يصلوا إلا عندما نصل إلى يهود بنى قريظة وفهمها الآخرين إن صلوا قبل وصول بنى قريظة فعلم النبي -صلى الله عليه وسلم- واقر الاثنين ولم يطلب منهم الإعادة.
جاء رجلان للنبي -صلى الله عليه وسلم- كل منهم قرأ بقراءة، فقال: "كلاكما محسن ولا تختلفوا فأن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا".
عن ابن الزبير ‏ ‏قال ‏ ‏له‏: حدثني بما كانت ‏ ‏تفضي ‏ ‏إليك أم المؤمنين ‏ ‏يعني ‏ ‏عائشة،‏ ‏فقال: حدثتني ‏ ‏أن رسول الله ‏ ‏- صلى الله عليه وسلم - ‏ ‏قال لها: ((‏ ‏لولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية لهدمت ‏ ‏الكعبة ‏ ‏وجعلت لها بابين)).
قال الحافظ ابن حجر: لأن قريشًا كانت تعظم الكعبة جدًا، فخشي - صلى الله عليه وسلم - أن يظنوا لأجل قرب عهدهم بالإسلام أنه غيَّر بناءها لينفرد بالفخر عليهم في ذلك، ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة. [فتح الباري].
فترك النبي - صلى الله عليه وسلم - مصلحة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم - عليه السلام - دفعًا لمفسدة راجحة.
لم يهدم النبي - صلى الله عليه وسلم - الأصنام إلا عندما فتح مكة في سنة الثامنة من الهجرة عندما مكن الله لدينه في الأرض
الخلاف في خير قرون الأمة
لقد كان الخلاف موجودًا في عصر الأئمة المتبوعين الكبار: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والثوري والأوزاعي وغيرهم. ولم يحاول أحد منهم أن يحمل الآخرين على رأيه أو يتهمهم في علمهم أو دينهم من أجل مخالفتهم.
ونجد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز يقول عن اختلاف الصحابة - رضي الله عنهم -: "ما يسرني أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لم يكن لنا رخصة"
صور مضيئة من أدب الخلاف عند السلف:
وإليك بعض الأمثلة التطبيقية من سيرة علمائنا الأجلاء؛ لتعرف كيف كان السلف يختلفون:
أ- لما كتب الإمام مالك الموطأ أراد أبو جعفر المنصور أن يحمل الناس جميعاً عليه، فأبى مالك - يرحمه الله - فقال: يا أمير المؤمنين أن أصحاب رسول الله قد تفرقوا في الأمصار، ومع كل منهم علم، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم. فقال الخليفة: وفقك الله يا أبا عبد الله " فأي رجل هذا الإمام الجليل الذي يأبى أن يحمل الناس على الكتاب الذي أودع فيه أحسن ما سمع من السنة، وأقوى ما حفظ وأدرك من العلم الذي لا اختلاف فيه عند أهل المدينة وذلك الحشد من علماء عصره.
ب - وورد عن الشافعي -رحمه الله - أنه صلى مع جماعة من الأحناف في مكان قرب قبر أبي حنيفة فترك القنوت في صلاة الصبح مع أنه سنة مؤكدة عنده.
ج- وكان يحيى بن سعيد يقول: أنا أدعو الله للشافعي حتى في صلاتي. وكان عبد الله بن عبد الحكم وولده على مذهب الإمام مالك، ولكن هذا لم يمنع عبد الله بن الحكم من أن يوصي ولده محمداً بلزوم الإمام الشافعي حيث قال له: الزم هذا الشيخ (يعني الشافعي) فما رأيت أحداً أبصر بأصول العلم - أو قال: أصول الفقه..
بين الإمام أحمـد والشـافعي:
عن عبد الله بن الإمام أحمد قال، قلت لأبي: أي رجل كان الشافعي، فإني أسمعك تكثر الدعاء له؟ فقال: يا بني: كان الشافعي - رحمه الله - كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف أو عوض؟. وعن صالح بن الإمام أحمد قال: لقيني يحيى بن معين فقال: أما يستحيي أبوك مما يفعل؟ فقلت: وما يفعل؟ قال: رأيته مع الشافعي والشافعي راكب، وهو راجل آخذ بزمام دابته. فقلت لأبي ذلك، فقال: إن لقيته فقل: يقول لك أبي: إذا أردت أن تتفقه فتعال فخذ بركابه من الجانب الآخر.
سمعت إسحاق بن راهويه يقول: لقيني أحمد بن حنبل بمكة فقال: تعال حتى أريك رجلاً لم تر عيناك مثله… فأراني الشافعي.
عن سفيان الثوري قوله: " إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه.
المسائل الاجتهادية: هي كل أمر لم يرد فيه أمر قاطع.
المسائل الخلافية: هي اعم من المسائل الاجتهادية لأنها تشمل كل ما وقع فيه خلاف.
فقد استحب الإمام أحمد لمن صلى بقوم لا يقنتون إلا يقنت تأليف لقلوبهم وبذلك يكون العمل بالمرجوح أو المفضول رعاية لمصلحة شرعية معتبرة.
أبو حنيفة يبعث ابنه حماد ليتعلم من فقه مالك ومالك يطلب كتب أبو حنيفة لينتفع بها.
يقول شيخ الإسلام بن تيمية: " ليس لأحد أن ينصب للأمة شخصا يدعو إلى طريقته ويوالى ويعادى عليها غير النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا ينصب لهم كلاما يوالى عليه ويعادى عليه غير كلام الله ورسوله الكريم وما اجتمعت عله الأمة".
قال الشافعي لرجل كان يناظره اختلف معه في مسألة يا فلان ألا يستقيم أن نكون إخوانا وإن اختلفنا في مسألة فيقول الرجل المناظر ما رأيت أكمل عقلا من الشافعي.
الاختلاف يحقق التكامل
قصة تخيلية يرويها لنا الإمام الغزالي:
يروي لنا هذه الحكاية: “اعلم أن جماعة من العميان قد سمعوا أنه حمل إلى البلدة حيوان عجيب يسمى الفيل، وما كانوا قط شاهدوا صورته ولا سمعوا اسمه. فقالوا لابد لنا من مشاهدته ومعرفته باللمس الذي نقدر عليه، فطلبوه، فلما وصلوا إليه لمسوه، فوقع يد بعض العميان على رجليه، ووقع يد بعضهم على نابه، ووقع يد بعضهم على أذنه، فقالوا قد عرفنا. فلما انصرفوا سألهم بقية العميان فاختلفت أجوبتهم، فقال الذي لمس الرجل: إن الفيل ما هو إلا مثل أسطوانة خشنة الظاهر، إلا أنه ألين منها. وقال الذي لمس الناب: ليس كما يقول، بل هو صلب لا لين فيه، وأملس لا خشونة فيه. وليس في غلظ الاسطوانة أصلا بل هو مثل عمود. وقال الذي لمس الأذن: لعمري هو لين، وفيه خشونة.. ولكن.. ما هو مثل عمود ولا هو مثل أسطوانة، وإنما هو مثل جلد عريض غليظ. فكل واحد من هؤلاء صدق من وجه، إذ أخبر كل واحد عما أصابه من معرفة الفيل، ولم يخرج واحد في خبره عن وصف الفيل، ولكنهم بجملتهم قصروا عن الإحاطة بكنه صورة الفيل.
ويعلق الغزالي على هذه القصة: فلولا أن هؤلاء الأربعة لم يتعصب كل منهم لرأيه وتركوا فرصة للتفاهم فيما بينهم ولا يكون التفاهم إلا إذا افترض كل منهم أن في رأى غيره بعض من الحقيقة ولو امتدت يد كل واحد منهم إلى موضوع لمسه الآخر لتكون الصورة الحقيقية كاملة عن الفيل.
الأصول والقواعد الرئيسة في أدب الخلاف
الأصل الأول: الوصول إلى الحق:
فلا بد من التجرد في طلب الحق، والحذر من التعصب والهوى، وإظهار الغلبة والمجادلة بالباطل.
يقول الإمام الغزالي عند ذكره لعلامات طلب الحق: "أن يكون في طلب الحق كناشد ضالة، لا يفرّق بين أن تظهر الضالة على يده، أو على يد من يعاونه، ويرى رفيقه معينًا لا خصمًا، ويشكره إذا عرفه الخطأ وأظهر له الحق".
الأصل الثاني: تحديد الهدف والقضية التي يدور حولها الحوار، فإن كثيرًا من الحوارات تتحول إلى جدل عقيم سائب ليس له نقطة محددة ينتهي إليها.
الأصل الثالث: الاتفاق على أصل يرجع إليه
والمرجعية العليا عند كل مسلم هي: الكتاب والسنة، والضوابط المنهجية في فهم الكتاب والسنة. وقد أمر الله بالرد إليهما فقال - سبحانه -: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)[النساء: 59].
فالاتفاق على منهج النظر والاستدلال قبل البدء في أي نقاش علمي يضبط مسار الحوار ويوجهه نحو النجاح، إذ إن الاختلاف في المنهج سيؤدي إلى الدوران في حلقة مفرغة لا حصر لها ولا ضابط.
الأصل الرابع: عدم مناقشة الفرع قبل الاتفاق على الأصل
فلا بد من البدء بالأهم من الأصول وضبطها والاتفاق عليها، ومن ثم الانطلاق منها لمناقشة الفروع والحوار حولها. ليست الغاية أن نتفق ولكن الغاية ألا نختلف د. محمد العريفي.
وفى النهاية: إن مشكلة المسلمين ليست فيمن يجهر بالبسملة أو يخفضها أو لا يقرؤها في الصلاة، ولا فيمن يرسل يديه في الصلاة أو يقبضهما، ومن يرفع يديه عند الركوع أو الرفع منه أو لا يرفعهما، إلى آخر هذه المسائل الخلافية الكثيرة المعروفة.
إنما مشكلة المسلمين فيمن لا ينحني يومًا لله راكعًا، ولا يخفض جبهته لله ساجدًا، ولا يعرف المسجد ولا يعرفه المسجد. مشكلة المسلمين ليست فيمن يأخذ بأحد المذاهب المعتبرة في إثبات هلال رمضان أو شوال، بل فيمن يمر عليه رمضان كما مر عليه شعبان وكما يمر عليه شوال، لا يعرف صيامًا ولا قيامًا، بل يفطر عمدًا جهارًا ونهارًا، بلا خشية ولا حياء.
مشكلة المسلمين ليست في عدم تغطية الوجه بالنقاب، واليدين بالقفازين، كما هو رأي بعض العلماء، بل في تعري الرؤوس والنحور، والظهور، ولبس القصير الفاضح، والشفاف الوصاف، إلى آخر ما نعرف مما يندى له الجبين.
إن المشكلة حقًّا هي وهن العقيدة، وتعطيل الشريعة، وانهيار الأخلاق وإضاعة الصلوات، ومنع الزكوات، واتباع الشهوات، وشيوع الفاحشة وانتشار الرشوة وخراب الذمم، وسوء الإدارة، وترك الفرائض الأصلية وارتكاب المحرمات القطعية وموالاة أعداء الله ورسوله والمؤمنين.
مشكلة الأمة المسلمة الحقيقية في إضاعة أركان الإسلام، ودعائم الإيمان، وقواعد الإحسان.
فالواجب على دعاة الإسلام أن ينبهوا على التركيز على مواطن الاتفاق قبل كل شيء، وأن يرفعوا شعار(التعاون فيما نتفق عليه) فإن هذا التعاون فريضة وضرورة، فريضة يوجبها الدين وضرورة يحتملها الواقع ولنرأب صدع هذه الأمة ونغلق أبواب الفتن ومداخلها حتى نصل بالمجتمع إلى بر الأمان وننتبه إلى المشكلات الأكبر من الاختلاف في الفرعيات ولننتبه للعدو الأكبر المتربص بالعالم الإسلامي. من أبحاث كثيرة عن أدب الخلاف