نظرات في آيتي الشورى وآل عمران
أ.د. سعود بن عبدالله الفنيسان



قال تعالى:( فبما رحمت من الله لنت لهم ولو كنت فضا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين) آل عمران :159

وقال تعالى:( والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) الشورى:38

الشورى مما جبل الله عليه الإنسان بعضهم لبعض وفطرهم على حب الخير والصلاح للغير والناظر المتأمل في آيات الله يجد الرب سبحانه لما خلق آدم أبا البشر خَلقْه حاور الملائكة وسمع مشورتهم وهو الغني عن كل خلقه. قال تعالى:(وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون * وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين* قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم) البقرة 30-33. وإنما حاور الله الملائكة وسمع مشورتهم ليكون الحوار والتشاور في بني آدم سنة فيما يصلح حالهم وفي هذه الآيات إشارة لطيفة وهي أن الشورى وحرية التعبير في شرع الله أصل مقترن بوجود الإنسان لا تتفكك عنه.


وحتى الطغاة المستبدون الذين فسدت فطرهم وحرفتهم الشياطين عن الحق- يستشيرون خواصهم عند النوازل والمصائب – فيما يظنونه يصلح حالهم- فهذا فرعون يستشير قومه في شأن نبي الله موسى (فماذا تأمرون..) الأعراف :110 . بعد أن زعم أن موسى عليه السلام- ساحر عليم يريد أن يفسد عليهم أمورهم ويخرجهم من ديارهم .
وهذه بلقيس ملكة سبأ تستشير قومها وجندها في شأن نبي الله سليمان:( قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون) النمل:32. بعد أن قالت فيما حكى الله عنها ( ..إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وكذلك يفعلون) النمل: 33.


أقوال العلماء في حكم الشورى:

اختلف العلماء في حكم الشورى على قولين:

الأول: ذهب المالكية والأحناف إلى القول بوجوب الشورى وعمومها في كل شيء من مصالح المجتمع ابتداء من رضاعة الطفل عند اختلاف الأبوين :(وإن أرادا فصالا عن تراضي وتشاور فلا جناح عليهما....) وانتهاء بأمور الأمة الهامة ( وأمرهم شورى بينهم.. ) قال بن عطية في تفسيره 4/249( الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب لا اختلاف فيه) وقد شاور الرسول أصحابه في الحرب يوم بدر وأحد وتشاور الصحابة في الخلافة من بعده ،وفي الحروب، وفي ميراث الجد، ونفقة المطلقة. الخ.

وقال ابن خويز منداد: (واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون وفيما أشكل عليهم من أمور الدين وفيما يتعلق بمصالح العباد والبلاد.) انظر تفسير القرطبي 4/250.


الثاني: ذهب الشافعية بـ(الأم 5/18) والحنابلة بـ(المغني 14/26) أن الشورى مستحبة للحاكم إن احتاج إلى الاجتهاد لقوله تعالى:( وشاورهم في الأمر) وإنما أُمِـر بها الرسول صلى الله عليه وسلم تطيبا لنفوس أصحابه. واستدلوا بحديث معاذ بن جبل لما بعثه الرسول إلى اليمن فسأله:( بم تحكم قال: بكتاب الله قال: فإن لم تجد قال بسنة رسول الله قال: فإن لم تجد قال :اجتهد رأي ولا ألوا قال رسول الله: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله إلى ما يحب رسوله).

والذي يظهر رجحان القول الأول القائل بالوجوب وما استدل به القائلون الآخرون غير وجيه فإن حديث معاذ مختلف في إسناده.

وعلى فرض صحته فلا دليل فيه لأن المنصوص عليه في الكتاب والسنة ليس محلا للتشاور وإنما التشاور فيما لا نص فيه وفيه للرأي مجال . والشورى جاء النص على الأمربها كما في سورتي آل عمران والشورى.

و يقال أيضا إن حديث معاوية ورد في مجال الحكم بين الخصمين وهذا أخص من الشورى.
ثم التعليل بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أُمر التشاور لمجرد تطييب خواطر أصحابه غير صحيح، فإن مشورة الأشخاص وعدم الأخذ بما أشاروا به يجلب لنفوسهم الاستيحاش وعدم معاودة الشورى مرة أخرى حيث لم يأخذ بقولهم. فمشاورتهم لم تفد شيئا.
ثم على الفرض والجدل بأن مشاورة الوالي لأهل العلم والرأي غير واجبة إنما هي في حق للوالي العالم المجتهد الذي يعرف الحكم بدليله. أما الحكام (السياسيون) اليوم فليسوا علماء بالشرع أصلا فكيف يقال بأن المشاورة في حقهم غير واجبة؟!! إن مثل هذا القول هو الذي جرأ حكام اليوم على الظلم والاستبداد.


(وأمرهم شورى) في آية الشورى خبر يراد به الأمر. ومجيء(شورى) بين إقامة الصلاة والإنفاق في سبيل الله فيه إشارة إلى معانا لطيفة منها:

1-الصلاة أقوال وأفعال وكذلك الشورى هي أقوال تعقبها أفعال .

2- الصلاة تؤدى جماعة وفرادى وفي حال انفراد المصلي له أن يؤديها كيف شاء من طول وقصر في القراءة والسجود والركوع والقيام. أما في حال أدائها جماعة فليس له أن يفارقهم قبل تمام الصلاة. وكذلك الشورى فلا يجوز للفرد أن يعتد برأيه ويستقل به عن جماعة أهل الشورى وله بمفرده أن يختار لنفسه أحد الآراء والأقوال ويعمل بها لنفسه.

3- والصلاة فريضة عامة تجب على الرجل والمرأة على السواء وكذلك الشورى. ولعل تنكير( الشورى) دليل على إطلاقها وعمومها يشمل كل شيء يحتاجه المسلمون مما لم ينص عليه في الشرع.

4- إذا كانت الصلاة يجب أن يسبقها الطهور والوضوء فإن الشورى يجب أن يسبقها القصد الحسن والنصيحة الصادقة ولا تكون النصيحة صادقة حتى تخرج من قلب سليم.

5- الصلاة لها وقت تؤدى فيها ولا يجوز تأخيرها عن وقتها بل توعد الله من آخرها عن وقتها بالنار فقال:( ويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون) وكذلك الشورى لا يجوز تأخيرها عن وقتها إذا طلبت أو حزب المسلمين أمر فتداعوا للنظر فيه. فإن تأخيرها سبب للإثم والفساد.


وتشبه الشورى الإنفاق من وجوه:

1- جعل الله الشورى نفقة ينفق المسلم والمسلمة لمصلحة المسلمين مما عنده من عقل وعلم ومعرفة وأدب وحكمة وفن كما ينفق الرجل من ماله على الضعيف المستحق.

2- عبرت الآية بـ(الأنفاق) دون (الزكاة) حيث لم يُجعل للشورى حد أو حال يوقف عنده- كما حدد الله للزكاة نصابا معلوما بل جعل الله الشورى كالصدقة المطلقة يثاب عليها صاحبها بكل وقت وعند كل مقولة.

3- وجاءت (ما) التبعيضية في قوله (مما رزقناهم) أي فكما أنه لا يجوز للإنسان أن يتصدق أو ينفق كل ما له وإنما يبقى لأهله وولده ما يكفيهم فكذلك في الشورى على المسلم أن لا يثير في مشورته ما لا يخدم الأمر المطروح للتشاور فيشوش الأمر أو يشتته.

4- من الإعجاز في مجيء الشورى بعد الصلاة في الآية – أن وقوعها عادة في عهد رسول صلى الله عليه وسلم قبل الصلاة أو بعدها – عادة- وكان ينادي للأمر المراد التشاور فيه بـ(الصلاة جامعة).

5- لم تشر الآية ولم تتعرض السنة لشكل أو آلية الشورى في الإسلام بل هو متروك للناس يختارون منهما ما يناسب الحال والزمان والمكان.


وعلى هذا فالمسلمون مطالبون ديانة كما هم مطالبون سياسة وتدبيرا - أن يتشاوروا بينهم في كل ما ينفعهم ويقويهم ويدفع عنهم الضعف والأذى في أمر الدين والدنيا.

وفي آية آل عمران أُمر الرسول بالمشاورة لمن يراه من آحاد الناس دون الشورى لأنها له غير ملزمة. والمؤمنون أمرهم الله بالشورى فيما بينهم وجوبا عينيا حينا كالصلاة والزكاة و استحبابا حينا آخر كالنفقة ( أي أن الله أمرهم بالشورى عامة نصا وبالمشاورة الخاصة ضمنا)


ووجه ذلك: أن الأنبياء لا يستمدون قيادتهم وسياستهم من الأمة وإنما يستمدون الأحكام من الله بالوحي . لأن ما جاء به الأنبياء أمر شرعي عقدي( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ....) فطاعتهم طاعة لله (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله ..) وبيعة الناس لهم على السمع والطاعة بيعة لله فيما يحبون ويكرهون (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ...) فولاية الأنبياء على الناس نص من الله لا يتطرق إليها نظر أو اجتهاد . وفي الحديث :(أما بعد فإني استعمل منكم رجالاً على أمور مما ولاّني الله فيأتي أحدكم فيقول وهذا أحب إلىَ...) ووجه الاستدلال: أن الرسول اسند ولايته مباشرة إلى الله جل جلاله لا إلى الأمة والشعب . أما غير الأنبياء فيستمدون حكمهم وشرعية سياستهم وإدارة شؤونهم من الخلق لا من الخالق. ومن ادعى منهم أنه يستمد قوته وصلاحياته من الله فهو دجال كذاب كما تقول الكنيسة وأهل التصوف والاتحاد .


وجاءت الدلالة الصرفية للفعل ( شاورهم ) على وزن ( فاعَلَ) تقول : شاور مشاورة وهذا ما تحمل عليه آية آل عمران .بخلاف كلمة (الشورى) في سورة الشورى فإنها تعني العموم لكل ما تشمله الكلمة (الشورى) ومما يدركه الناس بعقولهم في أمور مصالحهم ومعاشهم ( وأمرهم شورى بينهم) :الجملة أسمية تدل على الثبوت والدوام بخلاف (وشاروهم في الأمر) فهي جملة فعلية تدل على الحدوث والتجدد حسب الأحوال. واللام في (الأمر)في آية آل عمران للعموم وتدخل الاستشارة في أمر القتال دخولا أوليا. وكذلك الضمير في قوله(وشاورهم) يشمل عامة المسلمين ممن في مشورتهم ترضية للنفوس وفي رأيهم مصلحة للناس ولو كانوا منافقين كما هو معلوم من استشارة الرسول لعبد الله ابن أبي بن سلول يوم احد ..


والخلاصة :
- قال رسول الله لأبي بكر وعمر: ( لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما ) وهذا يشير إلى أن الأغلبية في الشورى هي الثلثان!

- قال علي بن أبي طالب في تفسير قوله تعالى :" فإذا عزمت فتوكل على الله " قال : (مشاورة أهل الرأي ثم إتباعهم ). ومعنى هذا إن عدم الأخذ بالأكثرية بالشورى – يلغيها.

- والشورى في بناء السلطة واجبة ابتداءً ملزمة انتهاء.

- أما مشاورة ولي الأمر لمن دونه فهي واجبة عليه وملزمة له في الأمور الكبيرة العظيمة. التي فيها صلاح المجتمع وقوته وغير ملزمة له في أمور وصلاحيات لا تضر بالمجتمع .

- قال بشار بن برد:

إذا بلغ الرأي المـــشورة فاستـعــن برأي نصيح أو نصيحة حازم
ولا تحسب الشورى عليك غضاضة مـكان الخــوافي قوة للقـــوادم

أ.د/ سعود بن عبد الله الفنيسان
المصدر/ لجينيات