تعليقاتي على شرح الحافظ ابن حجر لحديث (إنما الأعمال بالنيات)
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: تعليقاتي على شرح الحافظ ابن حجر لحديث (إنما الأعمال بالنيات)

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    أتريب, بنها, القليوبية, مصر
    المشاركات
    19

    افتراضي تعليقاتي على شرح الحافظ ابن حجر لحديث (إنما الأعمال بالنيات)

    هذه هي تعليقاتي على شرح الحافظ ابن حجر للحديث الأول من صحيح البخاري (إنما الأعمال بالنيات) أكتبها في صورة الحاشية.
    أدعو الله عز وجل الأجر والقبول والثواب وأن ينفع بها. آمين.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    أتريب, بنها, القليوبية, مصر
    المشاركات
    19

    افتراضي رد: تعليقاتي على شرح الحافظ ابن حجر لحديث (إنما الأعمال بالنيات)

    بسم الله الرحمن الرحيم
    1- كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
    قَالَ الْبُخَارِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى وَرَضِيَ اللهُ عَنْهُ -:
    (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كَيْفَ(1) كَانَ بَدْءُ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
    هكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَالْأَصِيلِيِّ بِغَيْرِ (بَابٍ)(2)، وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِمَا، فَحَكَى عِيَاضٌ(3) وَمَن تَبِعَهُ فِيهِ التَّنْوِينَ وَتَرْكَهُ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ (4): يَجُوزُ فِيهِ الْإِسْكَانُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْدَادِ لِلْأَبْوَابِ؛ فَلَا يَكُونُ لَهُ إِعْرَابٌ.
    وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَفْتَتِحِ الْكِتَابَ بِخُطْبَةٍ تُنْبِئُ عَن مَقْصُودِهِ مُفْتَتَحَةٍ بِالْحَمْدِ وَالشَّهَادَةِ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللهِ فَهُوَ أَقْطَعُ)(5)، وَقَوْلِهِ: (كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا شَهَادَةٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ)(6) أَخْرَجَهُمَا أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
    وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْخُطْبَةَ لَا يَتَحَتَّمُ فِيهَا سِيَاقٌ وَاحِدٌ يَمْتَنِعُ الْعُدُولُ عَنْهُ بَلِ الْغَرَضُ مِنْهَا الِافْتِتَاحُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ وَقَدْ صَدَّرَ الْكِتَابَ بِتَرْجَمَةِ بَدْءِ الْوَحْيِ، وَبِالْحَدِيثِ الدَّالِّ عَلَى مَقْصُودِهِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ دَائِرٌ مَعَ النِّيَّةِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: قَصَدْتُ جَمْعَ وَحْيِ السُّنَّةِ الْمُتَلَقَّى عَنْ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ عَلَى وَجْهٍ سَيَظْهَرُ حُسْنُ عَمَلِي فِيهِ مِن قَصْدِي، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَاكْتَفَى بِالتَّلْوِيحِ عَنِ التَّصْرِيحِ، وَقَدْ سَلَكَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ فِي مُعْظَمِ تَرَاجِمِ هَذَا الْكِتَابِ عَلَى مَا سَيَظْهَرُ بِالِاسْتِقْرَا ءِ.
    وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي: أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ لَيْسَا عَلَى شَرْطِهِ، بَلْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَقَالٌ، سَلَّمْنَا صَلَاحِيَّتَهُم َا لِلْحُجَّةِ لَكِن لَيْسَ فِيهِمَا أَنَّ ذَلِكَ يَتَعَيَّنُ بِالنُّطْقِ وَالْكِتَابَةِ مَعًا، فَلَعَلَّهُ حَمِدَ وَتَشَهَّدَ نُطْقًا عِندَ وَضْعِ الْكِتَابِ وَلَمْ يَكْتُبْ ذَلِكَ اقْتِصَارًا عَلَى الْبَسْمَلَةِ لِأَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَجْمَعُ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ ذِكْرُ اللَّهِ وَقَدْ حَصَلَ بِهَا.
    وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ (اقرأ باسم ربك)(7)، فَطَرِيقُ التَّأَسِّي بِهِ الِافْتِتَاحُ بِالْبَسْمَلَةِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا لَا سِيَّمَا وَحِكَايَةُ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْبَابُ الْأَوَّلُ بَلْ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ مِنْ أَحَادِيثِهِ.
    وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا وُقُوعُ كُتُبِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُلُوكِ، وَكُتُبِهِ فِي الْقَضَايَا مُفْتَتَحَةً بِالتَّسْمِيَةِ دُونَ حَمْدَلَةٍ وَغَيْرِهَا؛ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ فِي هَذَا الْبَابِ(8)، وَكَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ فِي قِصَّةِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ (9)، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ لَفْظَ الْحَمْدِ وَالشَّهَادَةِ إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْخُطَبِ دُونَ الرَّسَائِلِ وَالْوَثَائِقِ، فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمَّا لَمْ يَفْتَتِحْ كِتَابَهُ بِخُطْبَةٍ أَجْرَاهُ مَجْرَى الرَّسَائِلِ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ لِيَنتَفِعُوا بِمَا فِيهِ تَعَلُّمًا وَتَعْلِيمًا.
    وَقَدْ أَجَابَ مَن(10) شَرَحَ هَذَا الْكِتَابَ بِأَجْوِبَةٍ أُخَرَ فِيهَا نَظَرٌ، مِنْهَا:
    أَنَّهُ تَعَارَضَ عِندَهُ الِابْتِدَاءُ بِالتَّسْمِيَةِ وَالْحَمْدَلَةِ ، فَلَوِ ابْتَدَأَ بِالْحَمْدَلَةِ لَخَالَفَ الْعَادَةَ، أَوْ بِالتَّسْمِيَةِ لَمْ يُعَدَّ مُبْتَدِئًا بِالْحَمْدَلَةِ ، فَاكْتَفَى بِالتَّسْمِيَةِ .
    وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا لَكَانَ مُبْتَدِئًا بِالْحَمْدَلَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا بَعْدَ التَّسْمِيَةِ، وَهَذِهِ هِيَ النُّكْتَةُ فِي حَذْفِ الْعَاطِفِ، فَيَكُونُ أَوْلَى لِمُوَافَقَتِهِ الْكِتَابَ الْعَزِيزَ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ افتتحوا كِتَابَة الإِمَام الْكَبِير بالتسمية والحمدلة َتِلْوَهَا(11)، وَتَبِعَهُمْ جَمِيعُ مَنْ كَتَبَ الْمُصْحَفَ بَعْدَهُمْ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ؛ مَن يَقُولُ بِأَنَّ الْبَسْمَلَةَ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، وَمَن لَا يَقُولُ ذَلِكَ.
    وَمِنْهَا(12): أَنَّهُ رَاعَى قَوْلَهُ تَعَالَى:(يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله)(13) فَلَمْ يُقَدِّمْ عَلَى كَلَامِ اللهِ وَرَسُولِهِ شَيْئًا وَاكْتَفَى بِهَا عَن كَلَامِ نَفْسِهِ.
    وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِلَفْظِ الْحَمْدِ مِن كَلَامِ اللهِ تَعَالَى.
    وَأَيْضًا(12): فَقَدْ قَدَّمَ التَّرْجَمَةَ وَهِيَ مِن كَلَامِهِ عَلَى الْآيَةِ، وَكَذَا سَاقَ السَّنَدَ قَبْلَ لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَالْجَوَابُ(14) عَن ذَلِكَ: بِأَنَّ التَّرْجَمَةَ وَالسَّنَدَ وَإِن كَانَا مُتَقَدِّمَيْنِ لَفْظًا لَكِنَّهُمَا مُتَأَخِّرَانِ تَقْدِيرًا؛ فِيهِ نَظَرٌ.
    وَأَبْعَدُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ: قَوْلُ مَنِ(15) ادَّعَى أَنَّهُ ابْتَدَأَ بِخُطْبَةٍ فِيهَا حَمْدٌ وَشَهَادَةٌ فَحَذَفَهَا بَعْضُ مَنْ حَمَلَ عَنْهُ الْكِتَابَ.
    وَكَأَنَّ قَائِلَ هَذَا مَا رَأَى تَصَانِيفَ الْأَئِمَّةِ مِن شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَشُيُوخِ شُيُوخِهِ، وَأَهْلِ عَصْرِهِ كَمَـالِكٍ فِي (الْمُوَطَّأِ)، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي (الْمُصَـنَّفِ)، وَأَحْـمَدَ فِي (الْمُسْنَــدِ)، وَأَبِي دَاوُدَ فِي (السُّنَـنِ)، إِلَى مَا لَا يُحْصَى مِمَّن لَمْ يُقَدِّمْ فِي ابْتِدَاءِ تَصْنِيفِهِ خُطْبَةً وَلَمْ يَزِدْ عَلَى التَّسْمِيَةِ، وَهُمُ الْأَكْثَرُ، وَالْقَلِيلُ مِنْهُم مَنِ افْتَتَحَ كِتَابَهُ بِخُطْبَةٍ، أَفَيُقَالُ فِي كُلٍّ مِنْ هَؤُلَاءِ: إِنَّ الرُّوَاةَ عَنْهُ حَذَفُوا ذَلِكَ؟!، كَلَّا، بَلْ يُحْمَلُ ذَلِكَ مِن صَنِيعِهِمْ عَلَى أَنَّهُمْ حَمِدُوا لَفْظًا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْخَطِيبُ فِي الْجَامِع(16) عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَتَلَفَّظُ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذا كتب الحَدِيث ولا يكتبها، وَالْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ إِسْرَاعٌ أَوْ غَيْرُهُ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالْخُطَبِ دُونَ الْكُتُبِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلِهَذَا مَنِ افْتَتَحَ كِتَابَهُ مِنْهُمْ بِخُطْبَةٍ حَمِدَ وَتَشَهَّدَ كَمَا صَنَعَ مُسْلِمٌ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
    وَقَدِ اسْتَقَرَّ عَمَلُ الْأَئِمَّةِ الْمُصَنِّفِينَ عَلَى افْتِتَاحِ كُتُبِ الْعِلْمِ بِالْبَسْمَلَةِ ، وَكَذَا مُعْظَمُ كُتُبِ الرَّسَائِلِ، وَاخْتَلَفَ الْقُدَمَاءُ فِيمَا إِذَا كَانَ الْكِتَابُ كُلُّهُ شِعْرًا، فَجَاءَ عَنِ الشَّعْبِيِّ(17) مَنْعُ ذَلِكَ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ(18) قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ لَا يُكْتَبَ فِي الشِّعْرِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَعَن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ(19) جَوَازُ ذَلِكَ وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ الْخَطِيبُ: هُوَ الْمُخْتَارُ.
    قَوْلُهُ: (بَدْءُ الْوَحْيِ)؛ قَالَ عِيَاضٌ(20): رُوِيَ بِالْهَمْزِ مَعَ سُكُونِ الدَّالِ مِنَ الِابْتِدَاءِ، وَبِغَيْرِ هَمْزٍ مَعَ ضَمِّ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ مِنَ الظُّهُورِ.
    قُلْتُ: وَلَمْ أَرَهُ مَضْبُوطًا فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا، إِلَّا أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِهَا: (كَيْفَ كَانَ ابْتِدَاءُ الْوَحْيِ)، فَهَذَا يُرَجِّحُ الْأَوَّلَ، وَهُوَ الَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَشَايِخِ، وَقَدِ اسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ كَثِيرًا؛ كَبَدْءِ الْحَيْضِ(21)، وَبَدْءِ الْأَذَانِ(22)، وَبَدْءِ الْخَلْقِ(23).
    وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى جَلَّ ذِكْرُهُ:(إنا أوحينا إليك كا أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده)(24)
    وَالْوَحْيُ لُغَةً: الْإِعْلَامُ فِي خَفَاءٍ، وَالْوَحْيُ أَيْضًا: الْكِتَابَةُ، وَالْمَكْتُوبُ، وَالْبَعْثُ، وَالْإِلْهَامُ، وَالْأَمْرُ، وَالْإِيمَاءُ، وَالْإِشَارَةُ، وَالتَّصْوِيتُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَقِيلَ: أَصْلُهُ التَّفْهِيمُ وَكُلُّ مَا دَلَّلْتَ بِهِ مِنْ كَلَامٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ رِسَالَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ فَهُوَ وَحْيٌ.
    وَشَرْعًا: الْإِعْلَامُ بِالشَّرْعِ، وَقَدْ يُطْلَقُ الْوَحْيُ وَيُرَادُ بِهِ اسْمُ الْمَفْعُولِ مِنْهُ أَيِ: الْمُوحَى وَهُوَ كَلَامُ اللهِ الْمُنَزَّلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
    وَقَدِ اعْتَرَضَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّيْمِيُّ(25) عَلَى هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فَقَالَ: لَوْ قَالَ كَيْفَ كَانَ الْوَحْيُ(26) لَكَانَ أَحْسَنَ لِأَنَّهُ تَعَرَّضَ فِيهِ لِبَيَانِ كَيْفِيَّةِ الْوَحْيِ لَا لِبَيَانِ كَيْفِيَّةِ بَدْءِ الْوَحْيِ فَقَطْ.
    وَتُعُقِّبَ(27) بِأَنَّ الْمُرَادَ مِن بَدْءِ الْوَحْيِ حَالُهُ مَعَ كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِشَأْنِهِ أَيَّ تَعَلُّقٍ كَانَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
    قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللهِ)؛ هُوَ بِالرَّفْعِ عَلَى حَذْفِ الْبَابِ عَطْفًا عَلَى الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّهَا فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، وَكَذَا عَلَى تَنْوِينِ بَابٍ، وَبِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى كَيْفَ وَإِثْبَاتِ بَابٍ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وَالتَّقْدِيرُ بَابُ مَعْنَى قَوْلِ اللهِ كَذَا أَوْ الِاحْتِجَاجِ بِقَوْلِ اللهِ كَذَا، ولا يصح تَقْدِيرُ كَيْفِيَّةِ قَوْلِ اللهِ، لِأَنَّ كَلَامَ اللهِ لا يكيف؛ قَالَهُ عِيَاضٌ(28)، وَيَجُوزُ رَفْعُ وَقَوْلُ اللهِ عَلَى الْقطع وَغَيره.
    قَوْله: (إنا أوحينا إليك ...) الْآيَةَ؛ قِيلَ(29) قَدَّمَ ذِكْرَ نُوحٍ فِيهَا لِأَنَّهُ أَوَّلُ نَبِيٍّ أُرْسِلَ أَوْ أَوَّلُ نَبِيٍّ عُوقِبَ قَوْمُهُ، فَلَا يَرِدُ كَوْنُ آدَمَ أَوَّلَ الْأَنْبِيَاءِ مُطْلَقًا كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ(30).
    وَمُنَاسَبَةُ الْآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ وَاضِحٌ مِن جِهَةِ أَنَّ صِفَةَ الْوَحْيِ إِلَى نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوَافِقُ صِفَةَ الْوَحْيِ إِلَى مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ(31) ، وَمِن جِهَةِ أَنَّ أَوَّلَ أَحْوَالِ النَّبِيِّينَ فِي الْوَحْيِ بِالرُّؤْيَا كَمَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ(32) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ(33) عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ صَاحب ابن مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُؤْتَى بِهِ الْأَنْبِيَاءُ فِي الْمَنَامِ حَتَّى تَهْدَأَ قُلُوبُهُمْ، ثُمَّ يَنْزِلُ الْوَحْيُ بَعْدُ فِي الْيَقَظَةِ(34).

    1- حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ ابْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ، يَقُولُ:
    سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى المِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
    «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»(35). أطرافه [54، 2529، 3898، 5070، 6689، 6953].

    قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ) هُوَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ عِيسَى، مَنْسُوبٌ إِلَى حُمَيْدِ بْنِ أُسَامَةَ؛ بَطْنٍ مِن بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ؛ رَهْطِ خَدِيجَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَجْتَمِعُ مَعَهَا فِي أَسَدٍ، وَيَجْتَمِعُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قُصَيٍّ، وَهُوَ إِمَامٌ كَبِيرٌ مُصَنِّفٌ، رَافَقَ الشَّافِعِيَّ فِي الطَّلَبِ عَنِ ابن عُيَيْنَةَ وَطَبَقَتِهِ، وَأَخَذَ عَنْهُ الْفِقْهَ، وَرَحَلَ مَعَهُ إِلَى مِصْرَ(36)، وَرَجَعَ بَعْدَ وَفَاتِهِ إِلَى مَكَّةَ إِلَى أَن مَاتَ بِهَا سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ(37) ، فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ امْتَثَلَ قَوْلَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قَدِّمُوا قُرَيْشًا)(38) فَافْتَتَحَ كِتَابَهُ بِالرِّوَايَةِ عَنِ الْحُمَيْدِيِّ لِكَوْنِهِ أَفْقَهَ قُرَشِيٍّ أَخَذَ عَنْهُ، وَلَهُ مُنَاسَبَةٌ أُخْرَى: لِأَنَّهُ مَكِّيٌّ كَشَيْخِهِ(39)؛ فَنَاسَبَ أَنْ يُذْكَرَ فِي أَوَّلِ تَرْجَمَةِ بَدْءِ الْوَحْيِ لِأَنَّ ابْتِدَاءَهُ كَانَ بِمَكَّةَ، وَمِن ثَمَّ ثَنَّى بِالرِّوَايَةِ عَن مَالِكٍ لِأَنَّهُ شَيْخُ أَهْلِ الْمَدِينَةَ، وَهِيَ تَالِيَةٌ لِمَكَّةَ فِي نُزُولِ الْوَحْيِ وَفِي جَمِيع الْفضل، وَمَالك وابن عُيَيْنَةَ قَرِينَانِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوْلَاهُمَا لَذَهَبَ الْعِلْمُ من الْحجاز(40).
    قَوْله: (حَدثنَا سُفْيَان)؛ هُوَ ابن عُيَيْنَةَ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ الْهِلَالِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ، أَصْلُهُ وَمَوْلِدُهُ الْكُوفَةُ، وَقَدْ شَارَكَ مَالِكًا فِي كَثِيرٍ مِنْ شُيُوخِهِ، وَعَاشَ بَعْدَهُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ مِن سَبْعِينَ مِنَ التَّابِعِينَ(41) .
    قَوْلُهُ: (عَن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ )؛ اسْمُ جَدِّهِ: قَيْسُ بْنُ عَمْرٍو وَهُوَ صَحَابِيٌّ، وَيَحْيَى مِن صِغَارِ التَّابِعِينَ، وَشَيْخُهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ خَالِدٍ التَّيْمِيُّ مِنْ أَوْسَاطِ التَّابِعِينَ، وَشَيْخُ مُحَمَّدٍ؛ عَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيُّ مِن كِبَارِهِمْ، فَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ، وَفِي الْمَعْرِفَةِ(42) لِابْنِ مَنْدَهْ مَا ظَاهِرُهُ أَنَّ عَلْقَمَةَ صَحَابِيٌّ، فَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ فِيهِ تابعيان وصحابيان، وَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ يَكُونُ قَدِ اجْتَمَعَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ أَكْثَرُ الصِّيَغِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا الْمُحَدِّثُونَ ، وَهِيَ: التَّحْدِيثُ وَالْإِخْبَارُ وَالسَّمَاعُ وَالْعَنْعَنَةُ ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
    وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي إِدْخَالِهِ حَدِيثَ الْأَعْمَالِ هَذَا فِي تَرْجَمَةِ بَدْءِ الْوَحْيِ، وَأَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ أَصْلًا؛ بِحَيْثُ إِنَّ الْخَطَّابِيَّ فِي شَرْحِهِ(43)، وَالْإِسْمَاعِي لِيَّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ(4 4) أَخْرَجَاهُ قَبْلَ التَّرْجَمَةِ لِاعْتِقَادِهِم َا أَنَّهُ إِنَّمَا أَوْرَدَهُ لِلتَّبَرُّكِ بِهِ فَقَطْ، وَاسْتَصْوَبَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَنْدَهْ(45) صَنِيعَ الْإِسْمَاعِيلِ يِّ فِي ذَلِك، وَقَالَ ابن رَشِيدٍ(46): لَمْ يَقْصِدِ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِهِ سِوَى بَيَانِ حُسْنِ نِيَّتِهِ فِيهِ فِي هَذَا التَّأْلِيفِ، وَقَدْ تُكُلِّفَتْ مُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ، فَقَالَ كُلٌّ بِحَسَبِ مَا ظَهَرَ لَهُ. انْتَهَى.
    وَقَدْ قِيلَ(47): إِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَهُ مَقَامَ الْخُطْبَةِ لِلْكِتَابِ، لِأَنَّ فِي سِيَاقِهِ أَنَّ عُمَرَ قَالَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ بِمَحْضَرِ الصَّحَابَةِ، فَإِذَا صَلَحَ أَنْ يَكُونَ فِي خُطْبَةِ الْمِنْبَر صلح أَن يكون فِي خطْبَة الْكتاب، وَحَكَى الْمُهَلَّبُ(48) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ بِهِ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا فَنَاسَبَ إِيرَادَهُ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ؛ لِأَنَّ الْأَحْوَالَ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ كَانَتْ كَالْمُقَدِّمَة ِ لَهَا، لِأَنَّ بِالْهِجْرَةِ افْتُتِحَ الْإِذْنُ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَيَعْقُبُهُ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ وَالْفَتْحُ. انْتَهَى. وَهَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ إِلَّا أَنَّنِي لَمْ أَرَ مَا ذَكَرَهُ مِن كَوْنِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ بِهِ أَوَّلَ مَا هَاجَرَ مَنقُولًا.
    وَقَدْ وَقَعَ فِي بَابِ تَرْكِ الْحِيَلِ(49) بِلَفْظِ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ) الْحَدِيثَ، فَفِي هَذَا إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ، أَمَّا كَوْنُهُ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ قُدُومِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمْ أَرَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
    وَلَعَلَّ قَائِلَهُ اسْتَنَدَ إِلَى مَا رُوِيَ فِي قصَّة مهَاجر أم قيس، قَالَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ(50): نَقَلُوا أَنَّ رَجُلًا هَاجَرَ مِن مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ فَضِيلَةَ الْهِجْرَةِ، وَإِنَّمَا هَاجَرَ لِيَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تُسَمَّى أُمَّ قَيْسٍ، فَلِهَذَا خُصَّ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْمَرْأَةِ دُونَ سَائِرِ مَا يُنْوَى بِهِ. انْتَهَى. وَهَذَا لَوْ صَحَّ لَمْ يَسْتَلْزِمِ الْبَدَاءَةَ بِذِكْرِهِ أَوَّلَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ.
    وَقِصَّةُ مُهَاجِرِ أُمِّ قَيْسٍ رَوَاهَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَن شَقِيقٍ، عَن عَبْدِ اللهِ هُوَ بن مَسْعُودٍ، قَالَ: مَن هَاجَرَ يَبْتَغِي شَيْئًا فَإِنَّمَا لَهُ ذَلِكَ، هَاجَرَ رَجُلٌ لِيَتَزَوَّجَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا: أُمُّ قَيْسٍ، فَكَانَ يُقَالُ لَهُ مُهَاجِرُ أُمِّ قَيْسٍ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ (51) مِن طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الْأَعْمَشِ، بِلَفْظِ: كَانَ فِينَا رَجُلٌ خَطَبَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا: أُمُّ قَيْسٍ، فَأَبَتْ أَن تَتَزَوَّجَهُ حَتَّى يُهَاجِرَ، فَهَاجَرَ فَتَزَوَّجَهَا، فَكُنَّا نُسَمِّيهِ مُهَاجِرَ أُمِّ قَيْسٍ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ(52) عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ لَكِن لَيْسَ فِيهِ أَنَّ حَدِيثَ الْأَعْمَالِ سِيقَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ مَا يَقْتَضِي التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ(53).
    وَأَيْضًا فَلَوْ أَرَادَ الْبُخَارِيُّ إِقَامَتَهُ مَقَامَ الْخُطْبَةِ فَقَط أَوْ الِابْتِدَاءَ بِهِ تَيَمُّنًا وَتَرْغِيبًا فِي الْإِخْلَاصِ لَكَانَ سِيَاقه قَبْلَ التَّرْجَمَةِ كَمَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِ يُّ وَغَيْرُهُ، وَنَقَلَ ابن بَطَّالٍ(54) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ بْنِ النَّجَّارِ(55) قَالَ: التَّبْوِيبُ يَتَعَلَّقُ بِالْآيَةِ وَالْحَدِيثِ مَعًا؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى الْأَنْبِيَاءِ ثُمَّ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:(وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين)(56)، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ماوصى بِهِ نوحًا؛ قَالَ: وَصَّاهُمْ بِالْإِخْلَاصِ فِي عِبَادَتِهِ(57).
    وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ الْبَوْنِيِّ(58) قَالَ: مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ بَدْءَ الْوَحْيِ كَانَ بِالنِّيَّةِ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى فَطَرَ مُحَمَّدًا عَلَى التَّوْحِيدِ، وَبَغَّضَ إِلَيْهِ الْأَوْثَانَ، وَوَهَبَ لَهُ أَوَّلَ أَسْبَابِ النُّبُوَّةِ وَهِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَخْلَصَ إِلَى اللهِ فِي ذَلِكَ، فَكَانَ يَتَعَبَّدُ بِغَارِ حِرَاءَ، فَقَبِلَ اللهُ عَمَلَهُ، وَأَتَمَّ لَهُ النِّعْمَةَ.
    وَقَالَ الْمُهَلَّبُ(59) - مَا مُحَصِّلُهُ -: قَصَدَ الْبُخَارِيُّ الْإِخْبَارَ عَنْ حَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَالِ مَنْشَئِهِ، وَأَنَّ اللهَ بَغَّضَ إِلَيْهِ الْأَوْثَانَ وَحَبَّبَ إِلَيْهِ خِلَالَ الْخَيْرِ وَلُزُومَ الْوِحْدَةِ فِرَارًا مِن قُرَنَاءِ السُّوءِ، فَلَمَّا لَزِمَ ذَلِكَ أَعْطَاهُ اللهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ وَوَهَبَ لَهُ النُّبُوَّةَ، كَمَا يُقَالُ: الْفَوَاتِحُ عُنْوَانُ الْخَوَاتِمِ. وَلَخَّصَهُ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ.
    وَقَالَ ابن الْمُنِيرِ(60) - فِي أَوَّلِ التَّرَاجِمِ -: كَانَ مُقَدِّمَةُ النُّبُوَّةِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْهِجْرَةَ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِالْخَلْوَةِ فِي غَارِ حِرَاءَ، فَنَاسَبَ الِافْتِتَاحَ بِحَدِيثِ الْهِجْرَةِ.
    وَمِنَ الْمُنَاسَبَاتِ الْبَدِيعَةِ الْوَجِيزَةِ مَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ أَنَّ الْكِتَابَ لَمَّا كَانَ مَوْضُوعًا لِجَمْعِ وَحْيِ السُّنَّةِ صَدَّرَهُ بِبَدْءِ الْوَحْيِ، وَلَمَّا كَانَ الْوَحْيُ لِبَيَانِ الْأَعْمَالِ الشَّرْعِيَّةِ صَدَّرَهُ بِحَدِيثِ الْأَعْمَالِ، وَمَعَ هَذِهِ الْمُنَاسَبَاتِ لَا يَلِيقُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالتَّرْجَمَةِ أَصْلًا(61)، وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
    وَقَدْ تَوَاتَرَ النَّقْلُ عَنِ الْأَئِمَّةِ فِي تَعْظِيمِ قَدْرِ هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ(62): لَيْسَ فِي أَخْبَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ أَجْمَعَ وَأَغْنَى وَأَكْثَرَ فَائِدَةً مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، وَاتَّفَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ(63)، وَالشَّافِعِيُّ (64) - فِيمَا نَقَلَهُ الْبُوَيْطِيُّ عَنْهُ -، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ(65)، وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ(66) ، وَأَبُو دَاوُدَ(67)، وَالتِّرْمِذِيّ ُ(68)، وَالدَّارَقُطْن ِيُّ(69)، وَحَمْزَةُ الْكِنَانِيُّ(70) عَلَى أَنَّهُ ثُلُثُ الْإِسْلَامِ(71)، وَمِنْهُمْ(72) مَن قَالَ: رُبُعُهُ، وَاخْتلفُوا فِي تعْيين الْبَاقِي(73)، وَقَالَ ابن مَهْدِيٍّ(74) أَيْضًا: يَدْخُلُ فِي ثَلَاثِينَ بَابًا مِنَ الْعِلْمِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ(75) : يَدْخُلُ فِي سَبْعِينَ بَابًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَذَا الْعَدَدِ الْمُبَالَغَةَ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ(76) أَيْضًا: يَنْبَغِي أَن يُجْعَلَ هَذَا الْحَدِيثُ رَأْسَ كُلِّ بَابٍ، وَوَجَّهَ الْبَيْهَقِيُّ(7 7) كَوْنَهُ ثُلُثَ الْعِلْمِ؛ بِأَنَّ كَسْبَ الْعَبْدِ يَقَعُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَجَوَارِحِهِ، فَالنِّيَّةُ أَحَدُ أَقْسَامِهَا الثَّلَاثَةِ وَأَرْجَحُهَا لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ عِبَادَةً مُسْتَقِلَّةً وَغَيْرُهَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا، وَمِن ثَمَّ وَرَدَ: (نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ)(78)، فَإِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا كَانَتْ خَيْرَ الْأَمْرَيْنِ.
    وَكَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ يَدُلُّ على أَنه أَرَادَ بِكَوْنِهِ ثلث الْعلم أَنه أحد الْقَوَاعِد الثَّلَاث الَّتِي تُرَدُّ إِلَيْهَا جَمِيعُ الْأَحْكَامِ عِنْدَهُ، وَهِيَ: هَذَا(79)، (وَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ)(80)، (والحلال بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ)(81) الْحَدِيثَ.
    ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ الْمَشْهُورُونَ إِلَّا الْمُوَطَّأَ(82)، وَوَهِمَ مَن(83) زَعَمَ أَنَّهُ فِي الْمُوَطَّأِ مُغْتَرًّا بِتَخْرِيجِ الشَّيْخَيْنِ(84) لَهُ وَالنَّسَائِيُّ (85) مِن طَرِيقِ مَالِكٍ.
    وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ(86): قَدْ يَكُونُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى طَرِيقَةِ بَعْضِ النَّاسِ مَرْدُودًا لِكَوْنِهِ فَرْدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ إِلَّا مِن رِوَايَةِ عَلْقَمَةَ، وَلَا عَنْ عَلْقَمَةَ إِلَّا مِن رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَا عَن مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مِن رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ.
    وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا اشْتُهِرَ عَن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَتَفَرَّدَ بِهِ مَن فَوْقَهُ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ التِّرْمِذِيُّ(8 7)، وَالنَّسَائِيُّ (88)، وَالْبَزَّارُ(89) ، وابنُ السَّكَنِ(90) وَحَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِنَانِيُّ(91) .
    وَأَطْلَقَ الْخَطَّابِيُّ(9 2) نَفْيَ الْخِلَافِ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
    وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِن بِقَيْدَيْنِ:
    أَحَدُهُمَا: الصِّحَّةُ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ مِن طُرُقٍ مَعْلُولَةٍ ذَكَرَهَا الدَّارَقُطْنِي ُّ(93)، وَأَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَنْدَهْ(94)، وَغَيْرُهُمَا(95) .
    ثَانِيهُمَا: السِّيَاقُ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي مَعْنَاهُ عِدَّةُ أَحَادِيثَ صَحَّتْ فِي مُطْلَقِ النِّيَّةِ، كَحَدِيثِ عَائِشَةَ(96) وَأُمِّ سَلَمَةَ(97) عِنْدَ مُسْلِمٍ (يبعثون على نياتهم)، وَحَدِيث ابن عَبَّاسٍ (وَلَكِن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ)(98)، وَحَدِيثِ أَبِي مُوسَى (مَن قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)(99) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَحَدِيثِ ابن مَسْعُودٍ (رُبَّ قَتِيلٍ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ)(100) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَحَدِيثِ عُبَادَةَ (مَنْ غَزَا وَهُوَ لَا يَنْوِي إِلَّا عِقَالًا فَلَهُ مَا نَوَى)(101) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَسَّرُ حَصْرُهُ.
    وَعُرِفَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ غَلَطُ مَن زَعَمَ أَنَّ حَدِيثَ عُمَرَ مُتَوَاتِرٌ إِلَّا إِنْ حُمِلَ عَلَى التَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ فَيُحْتَمَلُ، نَعَمْ قَدْ تَوَاتَرَ عَن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فَحَكَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ(102) سَعِيدٍ النَّقَّاشُ(102) الْحَافِظُ أَنَّهُ رَوَاهُ عَن يَحْيَى مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ نَفْسًا(103)، وَسَرَدَ أَسْمَاءَهُم أَبُو الْقَاسِم بن مَنْدَه فجاوز الثلثمائة(104)، وَرَوَى أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ عَن بَعْضِ مَشَايِخِهِ(105) مُذَاكَرَةً عَنِ الْحَافِظِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيِّ الْهَرَوِيِّ، قَالَ: كَتَبْتُهُ مِنْ حَدِيثِ سَبْعِمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِ يَحْيَى. قُلْتُ: وَأَنَا أَسْتَبْعِدُ صِحَّةَ هَذَا، فَقَدْ تَتَبَّعْتُ طُرُقَهُ مِنَ الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةِ وَالْأَجْزَاءِ الْمَنْثُورَةِ مُنْذُ طَلَبْتُ الْحَدِيثَ إِلَى وَقْتِي هَذَا فَمَا قَدَرْتُ عَلَى تَكْمِيلِ الْمِائَةِ، وَقَدْ تَتَبَّعْتُ طُرُقَ غَيْرِهِ فَزَادَتْ عَلَى مَا نُقِلَ عَمَّنْ تَقَدَّمَ كَمَا سَيَأْتِي مِثَالٌ لِذَلِكَ فِي الْكَلَام على حَدِيث ابن عُمَرَ فِي غُسْلِ الْجُمُعَةِ(106) إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
    قَوْلُهُ: (عَلَى الْمِنْبَرِ)؛ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ، أَيْ: مِنْبَرِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ(107) وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَن يَحْيَى فِي تَرْكِ الْحِيَلِ(108) سَمِعْتُ عُمَرَ يَخْطُبُ(109).
    قَوْلُهُ: (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)؛ كَذَا أُورِدَ هُنَا، وَهُوَ مِن مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ، أَيْ: كُلُّ عَمَلٍ بِنِيَّتِهِ، وَقَالَ الخوبي(110): كَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ النِّيَّةَ تَتَنَوَّعُ كَمَا تَتَنَوَّعُ الْأَعْمَالُ، كَمَن قَصَدَ بِعَمَلِهِ وَجْهَ اللهِ أَوْ تَحْصِيلَ مَوْعُودِهِ أَوْ الِاتِّقَاءَ لِوَعِيدِهِ(111).
    وَوَقَعَ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ بِإِفْرَادِ النِّيَّةِ، وَوَجْهُهُ: أَنَّ مَحَلَّ النِّيَّةِ الْقَلْبُ وَهُوَ مُتَّحِدٌ، فَنَاسَبَ إِفْرَادَهَا بِخِلَافِ الْأَعْمَالِ فَإِنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالظَّوَاهِرِ وَهِيَ مُتَعَدِّدَةٌ فَنَاسَبَ جَمْعَهَا، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ تَرْجِعُ إِلَى الْإِخْلَاصِ وَهُوَ وَاحِدٌ لِلْوَاحِدِ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ.
    وَوَقع فِي صَحِيح ابن حِبَّانَ(112) بِلَفْظِ: (الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ) بِحَذْفِ (إِنَّمَا)، وَجَمْعِ الْأَعْمَالِ وَالنِّيَّاتِ، وَهِيَ مَا وَقَعَ فِي كِتَابِ الشهَاب للقضاعي وَوَصَلَهُ فِي مُسْنَدِهِ(113) كَذَلِكَ، وَأَنْكَرَهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ(114) وَأَقَرَّهُ، وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ بِرِوَايَة ابن حِبَّانَ، بَلْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ عَن يَحْيَى عِندَ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ(115) بِلَفْظِ: (الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ)، وَكَذَا فِي الْعِتْقِ مِن رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ(116) وَفِي الْهِجْرَةِ مِن رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ(117)، وَوَقَعَ عِندَهُ فِي النِّكَاحِ(118) بِلَفْظِ: (الْعَمَلُ بِالنِّيَّةِ) بِإِفْرَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَالنِّيَّةُ بِكَسْرِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّ ةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفِي بَعْضِ اللُّغَاتِ بِتَخْفِيفِهَا(1 19).
    قَالَ الْكِرْمَانِيُّ (120): قَوْلُهُ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ؛ هَذَا التَّرْكِيبُ يُفِيدُ الْحَصْرَ عِندَ الْمُحَقِّقِينَ ، وَاخْتُلِفَ فِي وَجْهِ إِفَادَتِهِ، فَقِيلَ: لِأَنَّ الْأَعْمَالَ جَمْعٌ مُحَلًّى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ مُفِيدٌ لِلِاسْتِغْرَاق ِ، وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْقَصْرِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: كُلُّ عَمَلٍ بِنِيَّةٍ فَلَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ، وَقِيلَ: لِأَنَّ (إِنَّمَا) لِلْحَصْرِ.
    وَهَلْ إِفَادَتُهَا لَهُ بِالْمَنطُوقِ، أَوْ بِالْمَفْهُومِ، أَوْ تُفِيدُ الْحَصْرَ بِالْوَضْعِ، أَوِ الْعُرْفِ، أَوْ تُفِيدُهُ بِالْحَقِيقَةِ، أَوْ بِالْمَجَازِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْإِمَامِ(121) وَأَتْبَاعِهِ أَنَّهَا تُفِيدُهُ بِالْمَنطُوقِ وَضْعًا حَقِيقِيًّا(122)، بَلْ نَقَلَهُ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ(123) عَن جَمِيعِ أَهْلِ الْأُصُولِ مِنَ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ إِلَّا الْيَسِيرَ كَالْآمِدِيِّ(124 )، وَعَلَى الْعَكْسِ مِن ذَلِكَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ(1 25).
    وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلْحَصْرِ لَمَا حَسُنَ (إِنَّمَا قَامَ زَيْدٌ) فِي جَوَابِ: (هَلْ قَامَ عَمْرٌو؟)، أُجِيبَ: بِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنَّهُ يَقَعُ فِي مِثْلِ هَذَا الْجَوَابِ: (مَا قَامَ إِلَّا زَيْدٌ) وَهِيَ لِلْحَصْرِ اتِّفَاقًا، وَقِيلَ لَوْ كَانَتْ لِلْحَصْرِ لَاسْتَوَى (إِنَّمَا قَامَ زَيْدٌ) مَعَ (مَا قَامَ إِلَّا زَيْدٌ)، وَلَا تَرَدُّدَ فِي أَنَّ الثَّانِيَ أَقْوَى مِنَ الْأَوَّلِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ هَذِهِ الْقُوَّةِ نَفْيُ الْحَصْرِ، فَقَدْ يَكُونُ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ أَقْوَى مِنَ الْآخَرِ مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي أَصْلِ الْوَضْعِ كَـ(سَوْفَ) وَ(السِّينِ)، وَقَدْ وَقَعَ اسْتِعْمَالُ إِنَّمَا مَوْضِعَ اسْتِعْمَالِ النَّفْيِ وَالِاسْتِثْنَا ءِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:(إنما تجزون ما كنتم تعملون)(126)، وَكَقَوْلِهِ: (وما تجزون إلا ما كنتم تعملون)(127)، وَقَوله:(فإنما على رسولنا البلاغ المبين)(128)، وَقَوله: (وما على الرسول إلا البلاغ المبين) (129).
    وَمِن شَوَاهِدِهِ قَوْلُ الْأَعْشَى(130):
    وَلَسْتَ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصَى(131)
    وَإِنَّمَا الْعِزَّةُ لِلْكَاثِرِ
    يَعْنِي: مَا ثَبُتَتِ الْعِزَّةُ إِلَّا لِمَن كَانَ أَكْثَرَ حَصًى.
    وَاخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ بَسِيطَةٌ أَوْ مُرَكَّبَةٌ، فَرَجَّحُوا الْأَوَّلَ، وَقَدْ يُرَجَّحُ الثَّانِي، وَيُجَابُ عَمَّا أُورِدَ عَلَيْهِ من قَوْلهم: إِن (إِن) للإثبات، وَ(مَا) لِلنَّفْيِ فَيَسْتَلْزِمُ اجْتِمَاعَ الْمُتَضَادَّيْ نِ عَلَى صَدَدٍ وَاحِدٍ بِأَن يُقَالَ - مَثَلًا -: أَصْلُهُمَا كَانَ لِلْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ لَكِنَّهُمَا بَعْدَ التَّرْكِيبِ لَمْ يَبْقَيَا عَلَى أَصْلِهِمَا بَلْ أَفَادَا شَيْئًا آخَرَ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْكِرْمَانِيُّ قَالَ(132): وَأَمَّا قَوْلُ مَن قَالَ: إِفَادَةُ هَذَا السِّيَاقِ لِلْحَصْرِ مِن جِهَةِ أَنَّ فِيهِ تَأْكِيدًا بَعْدَ تَأْكِيدٍ، وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ مِن إِنَّمَا وَمن الْجمع، فمتعقب بِأَنَّهُ مِن بَابِ إِيهَامِ الْعَكْسِ، لِأَنَّ قَائِلَهُ لَمَّا رَأَى أَنَّ الْحَصْرَ فِيهِ تَأْكِيدٌ عَلَى تَأْكِيدٍ ظَنَّ أَنَّ كُلَّ مَا وَقَعَ كَذَلِكَ يُفِيد الْحصْر.
    وَقَالَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ(133): اسْتُدِلَّ عَلَى إِفَادَةِ إِنَّمَا لِلْحَصْرِ بِأَن ابن عَبَّاسٍ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرِّبَا لَا يَكُونُ إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ بِحَدِيثِ (إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ)(134) وَعَارَضَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي الْحُكْمِ وَلَمْ يُخَالِفُوهُ فِي فَهْمِهِ فَكَانَ كَالِاتِّفَاقِ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهَا تُفِيدُ الْحَصْرَ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَن يَكُونُوا تَرَكُوا الْمُعَارَضَةَ بِذَلِكَ تَنَزُّلًا، وَأَمَّا مَن قَالَ: يُحْتَمَلُ أَن يَكُونَ اعْتِمَادُهُمْ عَلَى قَوْلِهِ: (لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ)(135) لِوُرُودِ ذَلِكَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، فَلَا يُفِيدُ ذَلِكَ فِي رَدِّ إِفَادَةِ الْحَصْرِ بَلْ يُقَوِّيهِ وَيُشْعِرُ بِأَنَّ مُفَادَ الصِّيغَتَيْنِ عِندَهُمْ وَاحِدٌ، وَإِلَّا لَمَا اسْتَعْمَلُوا هَذِهِ مَوْضِعَ هَذِهِ.
    وَأَوْضَحُ مِنْ هَذَا حَدِيثُ (إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ)(136) فَإِنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَيْهِ لَمْ يُعَارِضُهُمُ الْجُمْهُورُ فِي فَهْمِ الْحَصْرِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا عَارَضَهُمْ فِي الْحُكْمِ مِنْ أَدِلَّةٍ أُخْرَى كَحَدِيثِ (إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ)(13 7).
    وَقَالَ ابن عَطِيَّةَ(138): (إِنَّمَا) لَفْظُ لَا يُفَارِقُهُ الْمُبَالَغَةُ وَالتَّأْكِيدُ حَيْثُ وَقَعَ، وَيَصْلُحُ مَعَ ذَلِكَ لِلْحَصْرِ إِنْ دَخَلَ فِي قِصَّةٍ سَاعَدَتْ عَلَيْهِ(139).
    فَجَعَلَ وُرُودُهُ لِلْحَصْرِ مَجَازًا يَحْتَاجُ إِلَى قَرِينَةٍ، وَكَلَامُ غَيْرِهِ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ؛ وَأَنَّ أَصْلَ وُرُودِهَا لِلْحَصْرِ لَكِنْ قَدْ يَكُونُ فِي شَيْءٍ مَخْصُوصٍ، كَقَوْلِه تَعَالَى: (إنما الله إله واحد)(140)، فَإِنَّهُ سِيقَ بِاعْتِبَارِ مُنْكِرِي الْوَحْدَانِيَّ ةِ، وَإِلَّا فَللَّهِ سُبْحَانَهُ صِفَاتٌ أُخْرَى كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: (إنما أنت منذر)(141)، فَإِنَّهُ سِيقَ بِاعْتِبَارِ مُنْكِرِي الرِّسَالَةِ، وَإِلَّا فَلَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِفَاتٌ أُخْرَى كَالْبِشَارَةِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْثِلَةِ، وَهِيَ فِيمَا يُقَالُ: السَّبَبُ فِي قَوْلِ مَن مَنَعَ إِفَادَتَهَا لِلْحَصْرِ مُطْلَقًا.
    تَكْمِيلٌ: (الْأَعْمَالُ)؛ تَقْتَضِي عَامِلِيْنَ، وَالتَّقْدِيرُ؛ الْأَعْمَالُ الصَّادِرَةُ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ ، وَعَلَى هَذَا: هَلْ تَخْرُجُ أَعْمَالُ الْكُفَّارِ؟، الظَّاهِرُ الْإِخْرَاجُ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَعْمَالِ أَعْمَالُ الْعِبَادَةِ، وَهِيَ لَا تَصِحُّ مِنَ الْكَافِرِ وَإِن كَانَ مُخَاطَبًا بِهَا مُعَاقَبًا عَلَى تَرْكِهَا، [وَلَا يُرَدُّ الْعِتْقُ وَالصَّدَقَةُ لِأَنَّهُمَا بِدَلِيلٍ آخَرَ](142)(143).
    قَوْلُهُ: (بِالنِّيَّاتِ)؛ الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ بِمَعْنَى أَنَّهَا مُقَوِّمَةٌ لِلْعَمَلِ فَكَأَنَّهَا سَبَبٌ فِي إِيجَادِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهِيَ مِن نَفْسِ الْعَمَلِ فَيُشْتَرَطُ أَن لَا تَتَخَلَّفَ عَنْ أَوَّلِهِ،
    قَالَ النَّوَوِيُّ(144): النِّيَّةُ الْقَصْدُ وَهِيَ عَزِيمَةُ الْقَلْبِ، وَتَعَقَّبَهُ الْكِرْمَانِيُّ (145) بِأَنَّ عَزِيمَةَ الْقَلْبِ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ الْقَصْدِ.
    وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَلْ هِيَ رُكْنٌ أَوْ شَرْطٌ، وَالْمُرَجَّحُ أَنَّ إِيجَادَهَا ذُكْرًا(146) فِي أَوَّلِ الْعَمَلِ رُكْنٌ، وَاسْتِصْحَابَه َا حُكْمًا - بِمَعْنَى أَنْ لَا يَأْتِيَ بِمُنَافٍ شَرْعًا - شَرْطٌ.
    وَلَا بُدَّ مِنْ مَحْذُوفٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ، فَقِيلَ: تُعْتَبَرُ، وَقِيلَ: تُكَمَّلُ، وَقِيلَ: تَصِحُّ، وَقِيلَ: تَحْصُلُ، وَقِيلَ: تَسْتَقِرُّ.
    قَالَ الطِّيبِيُّ(147):ك َلَامُ الشَّارِعِ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ هُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ، فَكَأَنَّهُمْ خُوطِبُوا بِمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ إِلَّا مِنْ قِبَلِ الشَّارِعِ، فَيَتَعَيَّنُ الْحَمْلُ عَلَى مَا يُفِيدُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ.
    وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ (148): النِّيَّةُ عِبَارَةٌ عَنِ انْبِعَاثِ الْقَلْبِ نَحْوَ مَا يَرَاهُ مُوَافِقًا لِغَرَضٍ مِنْ جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ حَالًا أَوْ مَآلًا.
    وَالشَّرْعُ خَصَّصَهُ بِالْإِرَادَةِ الْمُتَوَجِّهَة ِ نَحْوَ الْفِعْلِ لِابْتِغَاءِ رِضَاءِ اللهِ وَامْتِثَالِ حُكْمِهِ، وَالنِّيَّةُ فِي الْحَدِيثِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ لِيَحْسُنَ تَطْبِيقُهُ عَلَى مَا بَعْدَهُ وَتَقْسِيمُهُ أَحْوَالَ الْمُهَاجِرِ فَإِنَّهُ تَفْصِيلٌ لِمَا أُجْمِلَ، وَالْحَدِيثُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ لِأَنَّ الذَّوَاتَ غَيْرُ مُنْتَفِيَةٍ إِذِ التَّقْدِيرُ؛ لَا عَمَلَ إِلَّا بِالنِّيَّةِ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيَ ذَاتِ الْعَمَلِ لِأَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، بَلِ الْمُرَادُ نَفْيُ أَحْكَامِهَا كَالصِّحَّةِ وَالْكَمَالِ، لَكِنَّ الْحَمْلَ عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَشْبَهَ بِنَفْيِ الشَّيْءِ نَفْسِهِ، وَلِأَنَّ اللَّفْظَ دَلَّ عَلَى نَفْيِ الذَّاتِ بِالتَّصْرِيحِ وَعَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ بِالتَّبَعِ، فَلَمَّا مَنَعَ الدَّلِيلُ نَفْيَ الذَّاتِ بَقِيَتْ دَلَالَتُهُ عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ مُسْتَمِرَّةً.
    وَقَالَ شَيْخُنَا(149) - شَيْخُ الْإِسْلَامِ -: الْأَحْسَنُ تَقْدِيرُ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْأَعْمَالَ تَتْبَعُ النِّيَّةَ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى آخِرِهِ)، وَعَلَى هَذَا يُقَدَّرُ الْمَحْذُوفُ كَوْنًا مُطْلَقًا مِنِ اسْمِ فَاعِلٍ أَوْ فِعْلٍ(150).
    ثُمَّ لَفْظُ الْعَمَلِ يَتَنَاوَلُ فِعْلَ الْجَوَارِحِ حَتَّى اللِّسَانِ فَتَدْخُلُ الْأَقْوَال، قَالَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ(151): وَأَخْرَجَ بَعْضُهُمُ الْأَقْوَالَ، وَهُوَ بَعِيدٌ، وَلَا تَرَدُّدَ عِنْدِي فِي أَنَّ الْحَدِيثَ يَتَنَاوَلُهَا.
    وَأَمَّا التُّرُوكُ فَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ فِعْلَ كَفٍّ لَكِن لايطلق عَلَيْهَا لَفْظُ الْعَمَلِ، وَقَدْ تُعُقِّبَ عَلَى مَنْ يُسَمِّي الْقَوْلَ عَمَلًا لِكَوْنِهِ عَمَلَ اللِّسَانِ بِأَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَعْمَلُ عَمَلًا، فَقَالَ قَوْلًا لَا يَحْنَثَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَرْجِعَ الْيَمِينِ إِلَى الْعُرْفِ، وَالْقَوْلُ لَا يُسَمَّى عَمَلًا فِي الْعُرْفِ وَلِهَذَا يُعْطَفُ عَلَيْهِ.
    وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْقَوْلَ لَا يَدْخُلُ فِي الْعَمَلِ حَقِيقَةً وَيَدْخُلُ مَجَازًا، وَكَذَا الْفِعْلُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (ولو شاء ربك ما فعلوه)(152) بعد قَوْله: (زخرف القول)، وَأَمَّا عَمَلُ الْقَلْبِ كَالنِّيَّةِ فَلَا يَتَنَاوَلُهَا الْحَدِيثُ لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّسَلْسُلَ وَالْمَعْرِفَةَ ، وَفِي تَنَاوُلِهَا نَظَرٌ، قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مُحَالٌ لِأَنَّ النِّيَّةَ قَصْدُ الْمَنَوِيِّ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ الْمَرْءُ مَا يَعْرِفُ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا قَبْلَ الْمَعْرِفَةِ، وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ سِرَاجُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ - بِمَا حَاصِلُهُ -: إِن كَانَ الْمُرَادُ بِالْمَعْرِفَةِ مُطْلَقَ الشُّعُورِ فَمُسَلَّمٌ، وَإِن كَانَ الْمُرَادُ النَّظَرَ فِي الدَّلِيلِ فَلَا، لِأَنَّ كُلَّ ذِي عَقْلٍ يَشْعُرُ مَثَلًا بِأَنَّ لَهُ مَنْ يُدَبِّرُهُ فَإِذَا أَخَذَ فِي النَّظَرِ فِي الدَّلِيلِ عَلَيْهِ لِيَتَحَقَّقَهُ لَمْ تكن النِّيَّة حِينَئِذٍ مُحَالًا.
    وَقَالَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ(153): الَّذِينَ اشْتَرَطُوا النِّيَّةَ قَدَّرُوا صِحَّةَ الْأَعْمَالِ، وَالَّذِينَ لَمْ يَشْتَرِطُوهَا قَدَّرُوا كَمَالَ الْأَعْمَالِ، وَرُجِّحَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الصِّحَّةَ أَكْثَرُ لُزُومًا لِلْحَقِيقَةِ مِنَ الْكَمَالِ، فَالْحَمْلُ عَلَيْهَا أَوْلَى.
    وَفِي هَذَا الْكَلَامِ إِيهَامٌ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ لَا يَرَى بِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ، وَلَيْسَ الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ إِلَّا فِي الْوَسَائِلِ(154) وَأَمَّا الْمَقَاصِدُ(155) فَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ لَهَا، وَمِنْ ثَمَّ خَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ(1 56) فِي اشْتِرَاطِهَا لِلْوُضُوءِ، وَخَالَفَ الْأَوْزَاعِيُّ (157) فِي اشْتِرَاطِهَا فِي التَّيَمُّمِ أَيْضًا، نَعَمْ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ اخْتِلَافٌ فِي اقْتِرَانِ النِّيَّةِ بِأَوَّلِ الْعَمَلِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي مَبْسُوطَاتِ الْفِقْهِ(158).
    تَكْمِيلٌ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي (النِّيَّاتِ) مُعَاقِبَةٌ لِلضَّمِيرِ، وَالتَّقْدِيرُ: الْأَعْمَالُ بِنِيَّاتِهَا، وَعَلَى هَذَا؛ فَيَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ نِيَّةِ الْعَمَلِ مِنْ كَوْنِهِ مَثَلًا صَلَاةً أَوْ غَيْرَهَا، وَمِنْ كَوْنِهَا فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، ظُهْرًا مَثَلًا أَوْ عَصْرًا، مَقْصُورَةً أَوْ غَيْرَ مَقْصُورَةٍ، وَهَلْ يُحْتَاجُ فِي مِثْلِ هَذَا إِلَى تَعْيِينِ الْعَدَدِ؟، فِيهِ بَحْثٌ وَالرَّاجِحُ الِاكْتِفَاءُ بِتَعْيِين الْعِبَادَة الَّتِي لا تنفك عَنِ الْعَدَدِ الْمُعَيَّنِ،كَ الْمُسَافِرِ مَثَلًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ إِلَّا بِنِيَّةِ الْقَصْرِ، لَكِنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةِ رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مُقْتَضَى الْقَصْرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
    قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى)؛ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ(1 59): (فِيهِ تَحْقِيقٌ لِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ، وَالْإِخْلَاصِ فِي الْأَعْمَالِ). فَجَنَحَ إِلَى أَنَّهَا مُؤَكَّدَةٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ تُفِيدُ غَيْرَ مَا أَفَادَتْهُ الْأُولَى، لِأَنَّ الْأُولَى نَبَّهَتْ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ يَتْبَعُ النِّيَّةَ وَيُصَاحِبُهَا فَيَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَى ذَلِكَ، وَالثَّانِيَةُ أَفَادَتْ أَنَّ الْعَامِلَ لَا يحصل لَهُ إِلَا مَا نَوَاه.
    وَقَالَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ(160): الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ تَقْتَضِي أَنَّ مَنْ نَوَى شَيْئًا يَحْصُلُ لَهُ - يَعْنِي: إِذَا عَمِلَهُ بِشَرَائِطِهِ، أَوْ حَالَ دُونَ عَمَلِهِ لَهُ مَا يُعْذَرُ شَرْعًا بِعَدَمِ عَمَلِهِ -، وَكُلُّ مَا لَمْ يَنْوِهِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ.
    وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: مَا لَمْ يَنْوِهِ، أَيْ: لَا خُصُوصًا وَلَا عُمُومًا، أَمَّا إِذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا مَخْصُوصًا لَكِنْ كَانَتْ هُنَاكَ نِيَّةٌ عَامَّةٌ تَشْمَلُهُ فَهَذَا مِمَّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ أَنْظَارُ الْعُلَمَاءِ، وَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَسَائِلِ مَا لَا يُحْصَى، وَقَدْ يَحْصُلُ غَيْرُ الْمَنْوِيِّ لِمُدْرَكٍ آخَرَ كَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى الْفَرْضَ أَوِ الرَّاتِبَةَ قَبْلَ أَنْ يَقْعُدَ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ نَوَاهَا أَوْ لَمْ يَنْوِهَا، لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالتَّحِيَّةِ شَغْلُ الْبُقْعَةِ وَقَدْ حَصَلَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَنِ الْجَنَابَةِ فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ غُسْلُ الْجُمُعَةِ عَلَى الرَّاجِحِ، لِأَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ يُنْظَرُ فِيهِ إِلَى التَّعَبُّدِ لَا إِلَى مَحْضِ التَّنْظِيفِ، فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْقَصْدِ إِلَيْهِ بِخِلَافِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
    وَقَالَ النَّوَوِيُّ(161): (أَفَادَتِ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ اشْتِرَاطَ تَعْيِينِ الْمَنْوِيِّ، كَمَنْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ فَائِتَةٌ لَا يَكْفِيهِ أَنْ يَنْوِيَ الْفَائِتَةَ فَقَطْ حَتَّى يُعَيِّنَهَا ظُهْرًا مَثَلًا أَوْ عَصْرًا). وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّهُ مَا إِذَا لَمْ تَنْحَصِر الْفَائِتَة.
    وَقَالَ ابن السَّمْعَانِيِّ (162) فِي أَمَالِيهِ: أَفَادَتْ أَنَّ الْأَعْمَالَ الْخَارِجَةَ عَنِ الْعِبَادَةِ لَا تُفِيدُ الثَّوَابَ إِلَّا إِذَا نَوَى بِهَا فَاعِلُهَا الْقُرْبَةَ،كَا لْأَكْلِ إِذَا نَوَى بِهِ الْقُوَّةَ عَلَى الطَّاعَةِ.
    وَقَالَ غَيْرُهُ(163): أَفَادَتْ أَنَّ النِّيَابَةَ لَا تَدْخُلُ فِي النِّيَّةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ، فَلَا يَرِدُ مِثْلُ نِيَّةِ الْوَلِيِّ عَنِ الصَّبِيِّ وَنَظَائِرهِ، فَإِنَّهَا عَلَى خِلَافِ الأَصْل(164).
    وَقَالَ ابن عَبْدِ السَّلَامِ(165): الْجُمْلَةُ الْأُولَى لِبَيَانِ مَا يُعْتَبَرُ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَالثَّانِيَةُ لِبَيَانِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا. وَأَفَادَ(166) (أَنَّ النِّيَّةَ إِنَّمَا تُشْتَرَطُ فِي الْعِبَادَةِ الَّتِي لَا تَتَمَيَّزُ بِنَفْسِهَا، وَأَمَّا مَا يَتَمَيَّزُ بِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ بِصُورَتِهِ إِلَى مَا وُضِعَ لَهُ كَالْأَذْكَارِ وَالْأَدْعِيَةِ وَالتِّلَاوَةِ لِأَنَّهَا لَا تَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالْعَادَةِ). وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى أَصْلِ الْوَضْعِ، أَمَّا مَا حَدَثَ فِيهِ عُرْفٌ كَالتَّسْبِيحِ لِلتَّعَجُّبِ فَلَا، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَوْ قُصِدَ بِالذِّكْرِ الْقُرْبَةُ إِلَى اللهِ تَعَالَى لَكَانَ أَكْثَرَ ثَوَابًا.
    وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْغَزَّالِيُّ(1 67): حَرَكَةُ اللِّسَانِ بِالذِّكْرِ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنْهُ تُحَصِّلُ الثَّوَابَ، لِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ حَرَكَةِ اللِّسَانِ بِالْغِيبَةِ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ مِنَ السُّكُوتِ مُطْلَقًا - أَيِ: الْمُجَرَّدِ عَنِ التَّفَكُّرِ -، قَالَ: وَإِنَّمَا هُوَ نَاقِصٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَمَلِ الْقَلْبِ. انْتَهَى.
    وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ)، ثُمَّ قَالَ فِي الْجَوَابِ عَنْ قَوْلِهِمْ: أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيُؤْجَرُ؟: (أَرَأَيْتَ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ)(168)، وَأُورِدَ عَلَى إِطْلَاقِ الْغَزَّالِيِّ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمَرْءَ يُثَابُ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ لِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ فِعْلِ الْحَرَامِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادَهُ، وَخُصَّ مِنْ عُمُومِ الْحَدِيثِ مَا يُقْصَدُ حُصُولُهُ فِي الْجُمْلَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ تَخُصُّهُ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَمَنْ مَاتَ زَوْجُهَا فَلَمْ يَبْلُغْهَا الْخَبَرُ إِلَّا بَعْدَ مُدَّةِ الْعِدَّةِ فَإِنَّ عِدَّتَهَا تَنْقَضِي لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حُصُولُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَقَدْ وُجِدَتْ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَحْتَجِ الْمَتْرُوكُ إِلَى نِيَّةٍ.
    وَنَازَعَ الْكِرْمَانِيُّ (169) فِي إِطْلَاقِ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ كَوْنَ الْمَتْرُوكِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ بِأَنَّ التَّرْكَ فِعْلٌ وَهُوَ كَفُّ النَّفْسِ، وَبِأَنَّ الْتُّرُوكَ إِذَا أُرِيدَ بِهَا تَحْصِيلُ الثَّوَابِ بِامْتِثَالِ أَمْرِ الشَّارِعِ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ قَصْدِ التَّرْكِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ: التَّرْكُ فِعْلٌ؛ مُخْتَلَفٌ فِيهِ(170)، وَمِنْ حَقِّ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى الْمَانِعِ أَنْ يَأْتِيَ بِأَمْرٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ الثَّانِي فَلَا يُطَابِقُ الْمَوْرِدَ، لِأَنَّ الْمَبْحُوثَ فِيهِ: هَلْ تَلْزَمُ النِّيَّةُ فِي التُّرُوكِ بِحَيْثُ يَقَعُ الْعِقَابُ بِتَرْكِهَا؟(171) وَالَّذِي أَوْرَدَهُ هَلْ يَحْصُلُ الثَّوَابُ بِدُونِهَا؟، وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ ظَاهِرٌ، وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ التَّرْكَ الْمُجَرَّدَ لَا ثَوَابَ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الثَّوَابُ بِالْكَفِّ الَّذِي هُوَ فِعْلُ النَّفْسِ، فَمَنْ لَمْ تَخْطُرِ الْمَعْصِيَةُ بِبَالِهِ أَصْلًا لَيْسَ كَمَنْ خَطَرَتْ فَكَفَّ نَفْسَهُ عَنْهَا خَوْفًا مِنَ اللهِ تَعَالَى، فَرَجَعَ الْحَالُ إِلَى أَنَّ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّةِ هُوَ الْعَمَلُ بِجَمِيعِ وُجُوهِهِ لَا التَّرْكُ الْمُجَرَّدُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
    تَنْبِيهٌ: قَالَ الْكِرْمَانِيُّ (172): إِذَا قُلْنَا إِنَّ تَقْدِيمَ الْخَبَرِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ يُفِيدُ الْقَصْرَ، فَفِي قَوْلِهِ: (وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) نَوْعَانِ مِنَ الْحَصْرِ؛ قَصْرُ الْمُسْنَدِ عَلَى الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ - إِذِ الْمُرَادُ إِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَاهُ -، وَالتَّقْدِيمُ الْمَذْكُورُ.
    قَوْلُهُ: (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا)؛ كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا عَنِ الْبُخَارِيِّ بِحَذْفِ أَحَدِ وَجْهَيِ التَّقْسِيمِ وَهُوَ قَوْلُهُ: (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَخْ).
    قَالَ الْخَطَّابِيُّ(1 73): وَقَعَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي رِوَايَتِنَا وَجَمِيعِ نُسَخِ أَصْحَابِنَا مَخْرُومًا قَدْ ذَهَبَ شَطْرُهُ، وَلَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ وَقَعَ هَذَا الْإِغْفَالُ؟، وَمِنْ جِهَةِ مَنْ عَرَضَ مِنْ رُوَاتِهِ؟، فَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْحُمَيْدِيِّ مُسْتَوْفًى، وَقَدْ رَوَاهُ لَنَا الْأَثْبَاتُ مِنْ طَرِيقِ الْحُمَيْدِيِّ تَامًّا.
    وَنَقَلَ ابن التِّينِ كَلَامَ الْخَطَّابِيِّ مُخْتَصَرًا وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: (مَخْرُومًا) أَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ أَنَّ فِي السَّنَدِ انْقِطَاعًا، فَقَالَ - مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ -: لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَلْقَ الْحُمَيْدِيَّ، وَهُوَ مِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْ إِطْلَاقِهِ مَعَ قَوْلِ الْبُخَارِيِّ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، وَتَكْرَارِ ذَلِكَ مِنْهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَجَزْمِ كُلِّ مَنْ تَرْجَمَهُ بِأَنَّ الْحُمَيْدِيَّ مِنْ شُيُوخِهِ فِي الْفِقْه والْحَدِيث.
    وَقَالَ ابن الْعَرَبِيِّ فِي مَشْيَخَتِهِ: لَا عُذْرَ لِلْبُخَارِيِّ فِي إِسْقَاطِهِ لِأَنَّ الْحُمَيْدِيَّ شَيْخُهُ فِيهِ قَدْ رَوَاهُ فِي مُسْنَدِهِ(174) عَلَى التَّمَامِ، قَالَ: وَذَكَرَ قَوْمٌ أَنَّهُ لَعَلَّهُ اسْتَمْلَاهُ مِنْ حِفْظِ الْحُمَيْدِيِّ فَحَدَّثَهُ هَكَذَا، فَحَدَّثَ عَنْهُ كَمَا سَمِعَ، أَوْ حَدَّثَهُ بِهِ تَامًّا فَسَقَطَ مِنْ حِفْظِ الْبُخَارِيِّ، قَالَ: وَهُوَ أَمْرٌ مُسْتَبْعَدٌ جِدًّا عِنْدَ مَنِ اطَّلَعَ عَلَى أَحْوَالِ الْقَوْمِ.
    وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ(175 ) الشَّارِحُ: الْإِسْقَاطُ فِيهِ مِنَ الْبُخَارِيِّ، فَوُجُودُهُ فِي رِوَايَةِ شَيْخِهِ وَشَيْخِ شَيْخِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. انْتَهَى.
    وَقَدْ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ مُوسَى(176)، وَأَبِي إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيِّ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ عَنِ الْحُمَيْدِيِّ تَامًّا، وَهُوَ فِي مُصَنَّفِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ، وَمُسْتَخْرَجَي ْ أبي نعيم، وَصَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ، مِنْ طَرِيقِ الْحُمَيْدِيِّ.
    فَإِنْ كَانَ الْإِسْقَاطُ مِنْ غَيْرِ الْبُخَارِيِّ فَقَدْ يُقَالُ: لِمَ اخْتَارَ الِابْتِدَاءَ بِهَذَا السِّيَاقِ النَّاقِصِ؟، وَالْجَوَابُ قَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ وَأَنَّهُ اخْتَارَ الْحُمَيْدِيَّ لِكَوْنِهِ أَجَلَّ مَشَايِخِهِ الْمَكِّيِّينَ إِلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ.
    وَإِنْ كَانَ الْإِسْقَاطُ مِنْهُ فَالْجَوَابُ مَا قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الْحَافِظُ(177) - فِي أَجْوِبَةٍ لَهُ عَلَى الْبُخَارِيِّ -: إِنَّ أَحْسَنَ مَا يُجَابُ بِهِ هُنَا أَنْ يُقَالَ: لَعَلَّ الْبُخَارِيَّ قَصَدَ أَنْ يَجْعَلَ لِكِتَابِهِ صَدْرًا يَسْتَفْتِحُ بِهِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِنِ اسْتِفْتَاحِ كُتُبِهِمْ بِالْخُطَبِ الْمُتَضَمِّنَة ِ لِمَعَانِي مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنَ التَّأْلِيفِ، فَكَأَنَّهُ ابْتَدَأَ كِتَابَهُ بِنِيَّةٍ رَدَّ عِلْمَهَا إِلَى اللهِ، فَإِنْ عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ أَرَادَ الدُّنْيَا أَوْ عَرَضَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ مَعَانِيهَا فَسَيَجْزِيهِ بِنِيَّتِهِ، وَنَكَبَ عَنْ أَحَدِ وَجْهَيِ التَّقْسِيمِ مُجَانَبَةً لِلتَّزْكِيَةِ الَّتِي لَا يُنَاسِبُ ذِكْرُهَا فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
    وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْجُمْلَةَ الْمَحْذُوفَةَ تُشْعِرُ بِالْقُرْبَةِ الْمَحْضَةِ، وَالْجُمْلَةَ الْمُبْقَاةَ تَحْتَمِلُ التَّرَدُّدَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَا قَصَدَهُ يحصل الْقرْبَة أَوْ لَا، فَلَمَّا كَانَ الْمُصَنِّفُ كَالْمُخْبِرِ عَنْ حَالِ نَفْسِهِ - فِي تَصْنِيفِهِ هَذَا - بِعِبَارَةِ هَذَا الْحَدِيثِ؛ حَذَفَ الْجُمْلَةَ الْمُشْعِرَةَ بِالْقُرْبَةِ الْمَحْضَةِ فِرَارًا مِنَ التَّزْكِيَةِ، وَبَقِي الْجُمْلَةُ الْمُتَرَدِّدَة ُ الْمُحْتَمِلَةُ تَفْوِيضًا لِلْأَمْرِ إِلَى رَبِّهِ الْمُطَّلِعِ عَلَى سَرِيرَتِهِ الْمُجَازِي لَهُ بِمُقْتَضَى نِيَّتِهِ.
    وَلَمَّا كَانَتْ عَادَةُ الْمُصَنِّفِينَ أَنْ يُضَمِّنُوا الْخُطَبَ اصْطِلَاحَهُمْ فِي مَذَاهِبِهِمْ وَاخْتِيَارَاتِ هِمْ، وَكَانَ مِنْ رَأْيِ الْمُصَنِّفِ جَوَازُ اخْتِصَارِ الْحَدِيثِ وَالرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى، وَالتَّدْقِيقُ فِي الِاسْتِنْبَاطِ ، وَإِيثَارُ الْأَغْمَضِ عَلَى الْأَجْلَى، وَتَرْجِيحُ الْإِسْنَادِ الْوَارِدِ بِالصِّيَغِ الْمُصَرِّحَةِ بِالسَّمَاعِ عَلَى غَيْرِهِ،
    اسْتَعْمَلَ جَمِيعَ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِعِبَارَةِ هَذَا الْحَدِيثِ مَتْنًا وَإِسْنَادًا، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ ابْنِ زَيْدٍ فِي بَابِ الْهِجْرَةِ(178) تَأَخُّرُ قَوْلِهِ: (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) عَنْ قَوْلِهِ: (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا)، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ رِوَايَةُ الْحُمَيْدِيِّ وَقَعَتْ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ كَذَلِكَ فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ الْمَحْذُوفَةُ هِيَ الْأَخِيرَةَ كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ مَنْ يَقْتَصِرُ عَلَى بَعْضِ الْحَدِيثِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ فَهُوَ مُصَيَّرٌ مِنَ الْبُخَارِيِّ إِلَى جَوَازِ الِاخْتِصَارِ فِي الْحَدِيثِ وَلَوْ مِنْ أَثْنَائِهِ، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
    وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ (179) - فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ -: إِنْ كَانَ الْحَدِيثُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ تَامًّا لِمَ خَرَمَهُ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ مَعَ أَنَّ الْخَرْمَ مُخْتَلَفٌ فِي جَوَازِهِ؟، قُلْتُ: لَا جَزْمَ(180) بِالْخَرْمِ لِأَنَّ الْمَقَامَاتِ مُخْتَلِفَةٌ، فَلَعَلَّهُ فِي مَقَامِ بَيَانِ أَنَّ الْإِيمَانَ بِالنِّيَّةِ وَاعْتِقَادِ الْقَلْبِ سَمِعَ الْحَدِيثَ تَامًّا، وَفِي مَقَامِ أَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْأَعْمَالِ إِنَّمَا يَصِحُّ بِالنِّيَّةِ سَمِعَ ذَلِكَ الْقَدْرَ الَّذِي رُوِيَ، ثُمَّ الْخَرْمُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَعْضِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ لَا مِنْهُ، ثُمَّ إِنْ كَانَ مِنْهُ فَخَرْمُهُ ثَمَّ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَتِمُّ بِذَلِكَ الْمِقْدَارِ، فَإِنْ قُلْتَ: فَكَانَ الْمُنَاسِبَ أَنْ يَذْكُرَ عِنْدِ الْخَرْمِ الشِّقَّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِمَقْصُودِهِ وَهُوَ أَنَّ النِّيَّةَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ للهِ وَرَسُولِهِ، قُلْتُ: لَعَلَّهُ نَظَرَ إِلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ الْكَثِيرُ بَيْنَ النَّاسِ. انْتَهَى.
    وَهُوَ كَلَامُ مَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَقْوَالِ مَنْ قَدَّمْتُ ذِكْرَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ عَلَى هَذَا الحَدِيث، وَلَا سِيمَا كَلَام ابن الْعَرَبِيِّ(181).
    وَقَالَ(182) - فِي مَوْضِعٍ آخَرَ -: إِنَّ إِيرَادَ الْحَدِيثِ تَامًّا تَارَةً وَغَيْرَ تَامٍّ تَارَةً إِنَّمَا هُوَ من اخْتِلَافُ الرُّوَاةِ فَكُلٌّ مِنْهُمْ قَدْ رَوَى مَا سَمِعَهُ فَلَا خَرْمَ مِنْ أَحَدٍ، وَلَكِنَّ الْبُخَارِيَّ يَذْكُرُهَا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُنَاسِبُ كُلًّا مِنْهَا بِحَسَبِ الْبَابِ الَّذِي يَضَعُهُ تَرْجَمَةً لَهُ. انْتَهَى.
    وَكَأَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِسَنَدٍ وَاحِدٍ مِنِ ابْتِدَائِهِ إِلَى انْتِهَائِهِ فَسَاقَهُ فِي مَوْضِعٍ تَامًّا، وَفِي مَوْضِعٍ مُقْتَصِرًا عَلَى بَعْضِهِ، وَهُوَ كَثِيرٌ جِدًّا فِي الْجَامِعِ الصَّحِيحِ، فَلَا يَرْتَابُ مَنْ يَكُونُ الْحَدِيثُ صِنَاعَتَهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِهِ، لِأَنَّهُ عُرِفَ بِالِاسْتِقْرَا ءِ مِنْ صَنِيعِهِ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ فِي موضِعين عَلَى وَجْهَيْنِ، بَلْ إِنْ كَانَ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَدٍ عَلَى شَرْطِهِ ذَكَرَهُ فِي الْمَوْضِعِ الثَّانِي بِالسَّنَدِ الثَّانِي، وَهَكَذَا مَا بَعْدَهُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَى شَرْطِهِ يُعَلِّقُهُ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ تَارَةً بِالْجَزْمِ - إِنْ كَانَ صَحِيحًا -، وَتَارَةً بِغَيْرِهِ إِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ، وَمَا لَيْسَ لَهُ إِلَّا سَنَدٌ وَاحِدٌ يَتَصَرَّفُ فِي مَتْنِهِ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى بَعْضِهِ بِحَسَبِ مَا يَتَّفِقُ، وَلَا يُوجَدُ فِيهِ حَدِيثٌ وَاحِدٌ مَذْكُورٌ بِتَمَامِهِ سَنَدًا وَمَتْنًا فِي مَوْضِعَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ إِلَّا نَادِرًا، فَقَدْ عَنِيَ بَعْضُ مَنْ لَقِيتُهُ بِتَتَبُّعِ ذَلِكَ فَحَصَّلَ مِنْهُ نَحْوَ عِشْرِينَ مَوْضِعًا.
    قَوْلُهُ: (هِجْرَتُهُ)؛ الْهِجْرَةُ: التَّرْكُ، وَالْهِجْرَةُ إِلَى الشَّيْءِ: الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَفِي الشَّرْعِ: تَرْكُ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ، وَقَدْ وَقَعَتْ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى وَجْهَيْنِ، الْأَوَّلُ: الِانْتِقَالُ مِنْ دَارِ الْخَوْفِ إِلَى دَارِ الْأَمْنِ، كَمَا فِي هِجْرَتَيِ الْحَبَشَةِ، وَابْتِدَاءِ الْهِجْرَةِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، الثَّانِي: الْهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الْإِيمَانِ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ، وَهَاجَرَ إِلَيْهِ مَنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتِ الْهِجْرَةُ إِذْ ذَاكَ تَخْتَصُّ بِالِانْتِقَالِ إِلَى الْمَدِينَةِ إِلَى أَنْ فُتِحَتْ مَكَّةُ، فَانْقَطع الِاخْتِصَاصِ وَبَقِيَ عُمُومُ الِانْتِقَالِ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بَاقِيًا.
    فَإِنْ قِيلَ: الْأَصْلُ تَغَايُرُ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، فَلَا يُقَالُ - مَثَلًا -: مَنْ أَطَاعَ أَطَاعَ، وَإِنَّمَا يُقَالُ - مَثَلًا -: مَنْ أَطَاعَ نَجَا، وَقَدْ وَقَعَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُتَّحِدَيْنِ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ التَّغَايُرَ يَقَعُ تَارَةً بِاللَّفْظِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَتَارَةً بِالْمَعْنَى، وَيُفْهَمُ ذَلِكَ مِنَ السِّيَاقِ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا)(183)، وَهُوَ مُؤَوَّلٌ عَلَى إِرَادَةِ الْمَعْهُودِ الْمُسْتَقِرِّ فِي النَّفس، كَقَوْلِهِم: أَنْت أَنْت، أَيِ؛ الصَّدِيقُ الْخَالِصُ، وَقَوْلُهُمْ: هُمْ هُمْ، أَيِ؛ الَّذِينَ لَا يُقَدَّرُ قَدْرُهُمْ، وَقَوْلُ الشَّاعِرِ(184):
    أَنَا أَبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي .......................
    أَوْ هُوَ مُؤَوَّلٌ عَلَى إِقَامَةِ السَّبَبِ مَقَامَ الْمُسَبَّبِ لِاشْتِهَارِ السَّبَبِ، وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ(185): قَدْ يُقْصَدُ بِالْخَبَرِ الْفَرْدِ بَيَانُ الشُّهْرَةِ وَعَدَمِ التَّغَيُّرِ، فَيَتَّحِدُ بِالْمُبْتَدَأِ لَفْظًا،كَقَوْل ِ الشَّاعِرِ(186):
    خَلِيلِي خَلِيلِي دُونَ رَيْبٍ وَرُبَّمَا
    أَلَانَ امْرُؤٌ قَوْلًا فَظُنَّ خَلِيلًا
    وَقَدْ يُفْعَلُ مِثْلُ هَذَا بِجَوَابِ الشَّرْطِ،كَقَو ْلِكَ: مَنْ قَصَدَنِي فَقَدْ قَصَدَنِي، أَيْ: فَقَدْ قَصَدَ مَنْ عُرِفَ بِإِنْجَاحِ قَاصِدِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إِذَا اتَّحَدَ لَفْظُ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ، وَالشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ عُلِمَ مِنْهُمَا الْمُبَالَغَةُ إِمَّا فِي التَّعْظِيمِ، وَإِمَّا فِي التَّحْقِيرِ.
    قَوْلُهُ: (إِلَى دُنْيَا)؛ بِضَم الدَّال، وَحكى ابْنُ قُتَيْبَةَ(187) كَسْرَهَا. وَهِيَ فُعْلَى مِنَ الدُّنُوِّ، أَيِ: الْقُرْبِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِسَبْقِهَا لِلْأُخْرَى، وَقِيلَ سُمِّيَتْ دُنْيَا لِدُنُوِّهَا إِلَى الزَّوَالِ، وَاخْتُلِفَ فِي حَقِيقَتِهَا، فَقِيلَ: مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْهَوَاءِ وَالْجَوِّ، وَقيل: كل الْمَخْلُوقَات من الْجَوَاهِر والأعراض، وَالْأول أَوْلَى(188)، لَكِنْ يُزَادُ فِيهِ مِمَّا قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَيُطْلَقُ عَلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا مَجَازًا، ثُمَّ إِنَّ لَفْظَهَا مَقْصُور غير منون(189)، وَحَكَى تَنْوِينَهَا وَعَزاهُ ابْنُ دِحْيَةَ(190) إِلَى رِوَايَةِ أَبِي الْهَيْثَمِ الْكُشْمَـِيهَن ِيِّ(191) وَضَعَّفَهَا، وَحَكَى عَنِ ابْنِ مُفَوَّز(192) أَن أَبَا ذَر الْهَرَوِيِّ فِي آخِرِ أَمْرِهِ كَانَ يَحْذِفُ كَثِيرًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْهَيْثَمِ حَيْثُ يَنْفَرِدُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
    قُلْتُ: وَهَذَا لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْهَيْثَمِ مَوَاضِعَ كَثِيرَةً أَصْوَبَ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ، كَمَا سَيَأْتِي مُبَيَّنًا فِي مَوَاضِعِهِ.
    وَقَالَ التَّيْمِيُّ(193) - فِي شَرْحِهِ -: قَوْلُهُ: (دُنْيَا)؛ هُوَ تَأْنِيثُ الْأَدْنَى، لَيْسَ بِمَصْرُوفٍ لِاجْتِمَاعِ الْوَصْفِيَّةِ وَلُزُومِ حَرْفِ التَّأْنِيثِ. وَتُعُقِّبَ(194) بِأَنَّ لُزُومَ التَّأْنِيثِ لِلْأَلِفِ الْمَقْصُورَةِ كَافٍ فِي عدم الصّرْف، وَأما الْوَصْفِيَّةُ فَقَالَ ابن مَالِكٍ(195): اسْتِعْمَالُ دُنْيَا مُنَكَّرًا فِيهِ إِشْكَالٌ، لِأَنَّهَا أفعل التَّفْضِيلِ، فَكَانَ مِنْ حَقِّهَا أَنْ تُسْتَعْمَلَ بِاللَّامِ كَالْكُبْرَى وَالْحُسْنَى، قَالَ: إِلَّا أَنَّهَا خُلِعَتْ عَنْهَا الْوَصْفِيَّةُ، وَأُجْرِيَتْ مَجْرَى مَا لَمْ يَكُنْ وَصْفًا قَطُّ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ(196):
    وَإِنْ دَعَوْتِ إِلَى جُلَّى وَمَكْرُمَةٍ
    يَوْمًا سَرَاةَ كِرَامِ النَّاسِ فَادْعِينَا
    وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ (197): قَوْلُهُ: (إِلَى)؛ يَتَعَلَّقُ بِالْهِجْرَةِ إِنْ كَانَ لَفْظُ (كَانَتْ) تَامَّةً، أَوْ هُوَ خَبَرٌ لِـ(ـكَانَتْ) إِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً، ثُمَّ أَوْرَدَ مَا مُحَصَّلُهُ: أَنَّ لَفْظَ (كَانَ) إِنْ كَانَ لِلْأَمْرِ الْمَاضِي فَلَا يُعْلَمُ مَا الْحُكْمُ بَعْدَ صُدُورِ هَذَا الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ، وَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِلَفْظِ (كَانَ) الْوُجُودُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِزَمَانٍ، أَوْ يُقَاسُ الْمُسْتَقْبَلُ عَلَى الْمَاضِي، أَوْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ حُكْمَ الْمُكَلَّفِينَ سَوَاءٌ.
    قَوْلُهُ: (يُصِيبُهَا)؛ أَيْ: يُحَصِّلُهَا، لِأَنَّ تَحْصِيلَهَا كَإِصَابَةِ الْغَرَضِ بِالسَّهْمِ بِجَامِعِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ(198).
    قَوْلُهُ: (أَوِ امْرَأَةٍ)؛ قِيلَ: التَّنْصِيصُ عَلَيْهَا مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ(199) بِأَنَّ لَفْظَ دُنْيَا نَكِرَةٌ وَهِيَ لَا تَعُمُّ فِي الْإِثْبَاتِ فَلَا يَلْزَمُ دُخُولُ الْمَرْأَةِ فِيهَا(200)، وَتُعُقِّبَ بِكَوْنِهَا فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ فَتَعُمُّ(201)، وَنُكْتَةُ الِاهْتِمَامِ الزِّيَادَةُ فِي التَّحْذِيرِ لِأَنَّ الِافْتِتَانَ بِهَا أَشَدُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ(202) النَّقْلُ عَمَّنْ حَكَى أَنَّ سَبَبَ هَذَا الْحَدِيثِ قِصَّةُ مُهَاجِرِ أُمِّ قَيْسٍ، وَلَمْ نَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ، وَنقَلَ ابْنُ دِحْيَةَ(203) أَنَّ اسْمَهَا قَيْلَةُ بِقَافٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنةٍ.
    وَحكى ابْنُ بَطَّالٍ(204) عَنِ ابْنِ سِرَاجٍ(205) أَنَّ السَّبَبَ فِي تَخْصِيصِ الْمَرْأَةِ بِالذِّكْرِ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا لَا يُزَوِّجُونَ الْمَوْلَى الْعَرَبِيَّةَ، وَيُرَاعُونَ الْكَفَاءَةَ فِي النَّسَبِ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ سَوَّى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مُنَاكَحَتِهِمْ ، فَهَاجَرَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَتَزَوَّجَ بِهَا مَنْ كَانَ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا قَبْلَ ذَلِكَ. انْتَهَى.
    وَيَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ ثَابِتٍ أَنَّ هَذَا الْمُهَاجِرَ كَانَ مَوْلًى وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ عَرَبِيَّةً، وَلَيْسَ مَا نَفَاهُ عَنِ الْعَرَبِ عَلَى إِطْلَاقِهِ، بَلْ قَدْ زَوَّجَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْهُمْ جَمَاعَةً مِنْ مَوَالِيهِمْ وَحُلَفَائِهِمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَإِطْلَاقُهُ أَنَّ الْإِسْلَامَ أَبْطَلَ الْكَفَاءَةَ فِي مَقَامِ الْمَنْعِ.
    قَوْلُهُ: (فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)؛ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَهُ بِالضَّمِيرِ لِيَتَنَاوَلَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْمَرْأَةِ وَغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا أَبْرَزَ الضَّمِيرَ فِي الْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا - وَهِيَ الْمَحْذُوفَةُ - لِقَصْدِ الِالْتِذَاذِ بِذِكْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَعِظَمِ شَأْنِهِمَا بِخِلَافِ الدُّنْيَا وَالْمَرْأَةِ، فَإِنَّ السِّيَاقَ يُشْعِرُ بِالْحَثِّ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنْهُمَا.
    وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ (206): يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) مُتَعَلِّقًا بِالْهِجْرَةِ، فَيَكُونُ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا، وَالتَّقْدِيرُ قَبِيحَةٌ أَوْ غَيْرُ صَحِيحَةٍ مَثَلًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ فَـ(ـهِجْرَتُهُ) ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ (مَنْ كَانَتْ). انْتَهَى.
    وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الرَّاجِحُ(207)، لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي أَنَّ تِلْكَ الْهِجْرَةَ مَذْمُومَةٌ مُطْلَقًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا إِنْ حُمِلَ عَلَى تَقْدِيرِ شَيْءٍ يَقْتَضِي التَّرَدُّدَ أَوِ الْقُصُورَ عَنِ الْهِجْرَةِ الْخَالِصَةِ، كَمَنْ نَوَى بِهِجْرَتِهِ مُفَارَقَةَ دَارِ الْكُفْرِ وَتَزَوُّجَ الْمَرْأَةِ مَعًا فَلَا تَكُونُ قَبِيحَةً وَلَا غَيْرَ صَحِيحَةٍ، بَلْ هِيَ نَاقِصَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ خَالِصَةً، وَإِنَّمَا أَشْعَرَ السِّيَاقُ بِذَمِّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ طَلَبَ الْمَرْأَةَ بِصُورَةِ الْهِجْرَةِ الْخَالِصَةِ، فَأَمَّا مَنْ طَلَبَهَا مَضْمُومَةً إِلَى الْهِجْرَةِ فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَى قَصْدِ الْهِجْرَةِ لَكِنْ دُونَ ثَوَابِ مَنْ أَخْلَصَ.
    وَكَذَا مَنْ طَلَبَ التَّزْوِيجَ فَقَطْ - لَا عَلَى صُورَةِ الْهِجْرَةِ إِلَى اللهِ - لِأَنَّهُ مِنَ الْأَمْرِ الْمُبَاحِ الَّذِي قَدْ يُثَاب فَاعِلُهُ إِذَا قَصَدَ بِهِ الْقُرْبَةَ كَالْإِعْفَافِ.  
    وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: مَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ إِسْلَامِ أَبِي طَلْحَةَ فِيمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ(208 ) عَنْ أَنَسٍ قَالَ: تَزَوَّجَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ، فَكَانَ صَدَاقُ مَا بَيْنَهُمَا الْإِسْلَامُ، أَسْلَمَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ قَبْلَ أَبِي طَلْحَةَ، فَخَطَبَهَا، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، فَإِنْ أَسْلَمْتَ تَزَوَّجْتُكَ، فَأَسْلَمَ فَتَزَوَّجَتْهُ .
    وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ رَغِبَ فِي الْإِسْلَامِ وَدَخَلَهُ مِنْ وَجْهِهِ، وَضَمَّ(209) إِلَى ذَلِكَ إِرَادَةَ التَّزْوِيجِ الْمُبَاحِ، فَصَارَ كَمَنْ نَوَى بِصَوْمِهِ الْعِبَادَةَ وَالْحِمْيَةَ، أَوْ بِطَوَافِهِ الْعِبَادَةَ وَمُلَازَمَةَ الْغَرِيمِ.
    وَاخْتَارَ الْغَزَّالِيُّ(2 10) - فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالثَّوَابِ - أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْقَصْدُ الدُّنْيَوِيُّ هُوَ الْأَغْلَبَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَجْرٌ، أَوِ الدِّينِيُّ أُجِرَ بِقَدْرِهِ، وَإِنْ تَسَاوَيَا فَتَرَدَّدَ الْقَصْدُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فَلَا أَجْرَ.
    وَأَمَّا إِذَا نوى الْعِبَادَة وخالطها شَيْء مِمَّا يُغَايِرُ الْإِخْلَاصَ(211) فَقَدْ نَقَلَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَنْ جُمْهُورِ السَّلَفِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالِابْتِدَاءِ ، فَإِنْ كَانَ ابْتِدَاؤُهُ للهِ خَالِصًا لَمْ يَضُرَّهُ مَا عَرَضَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ من إعجاب وَغَيره، وَاللهُ أَعْلَمُ.
    وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ: عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْعَمَلِ قَبْلَ مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ، لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ الْعَمَلَ يَكُونُ مُنْتَفِيًا إِذَا خَلَا عَنِ النِّيَّةِ، وَلَا يَصِحُّ نِيَّةُ فعل الشَّيْء إِلَّا بعد معرفَة حكمه.
    وَعَلَى أَنَّ الْغَافِلَ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْقَصْدَ يَسْتَلْزِمُ الْعِلْمَ بِالْمَقْصُودِ، وَالْغَافِلُ غَيْرُ قَاصِدٍ.
    وَعَلَى أَنَّ مَنْ صَامَ تَطَوُّعًا بِنِيَّةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ أَنْ لَا يُحْسَبَ لَهُ إِلَّا مِنْ وَقْتِ النِّيَّةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ، لَكِنْ تَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِانْعِطَافِهَا بِدَلِيلٍ آخَرَ، وَنَظِيرُهُ حَدِيثُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلَاةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَهَا، أَيْ: أَدْرَكَ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ أَوِ الْوَقْتَ وَذَلِكَ بِالِانْعِطَافِ الَّذِي اقْتَضَاهُ فَضْلُ اللهِ تَعَالَى.
    وَعَلَى أَنَّ الْوَاحِدَ الثِّقَةَ إِذَا كَانَ فِي مَجْلِسِ جَمَاعَةٍ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ شَيْئًا لَا يُمْكِنُ غَفْلَتُهُمْ عَنْهُ وَلَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي صِدْقِهِ خِلَافًا لِمَنْ أُعِلَّ بِذَلِكَ، لِأَنَّ عَلْقَمَةَ ذَكَرَ أَنَّ عُمَرَ خَطَبَ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ لَمْ يَصِحَّ مِنْ جِهَةِ أَحَدٍ عَنْهُ غَيْرِ عَلْقَمَةَ.
    وَاسْتُدِلَّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ مَا لَيْسَ بِعَمَلٍ لا تشترط النِّيَّةُ فِيهِ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: جَمْعُ التَّقْدِيمِ، فَإِنَّ الرَّاجِحَ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ نِيَّةٌ، بِخِلَافِ مَا رَجَّحَهُ كَثِيرٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَخَالَفَهُمْ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَقَالَ: الْجَمْعُ لَيْسَ بِعَمَلٍ، وَإِنَّمَا الْعَمَلُ الصَّلَاةُ.
    وَيُقَوِّي ذَلِك أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جَمَعَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَلَمْ يَذْكُرَ ذَلِكَ لِلْمَأْمُومِين َ الَّذِينَ مَعَهُ وَلَوْ كَانَ شَرْطًا لَأَعْلَمَهُمْ بِهِ.
    وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ إِذَا كَانَ مُضَافًا إِلَى سَبَبٍ وَيَجْمَعُ مُتَعَدِّدَهُ جِنْسٌ أَنَّ نِيَّةَ الْجِنْسِ تَكْفِي، كَمَنْ أَعْتَقَ عَنْ كَفَّارَةٍ وَلَمْ يُعَيِّنْ كَوْنَهَا عَنْ ظِهَارٍ أَوْ غَيْرِهِ، لِأَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَعْمَالَ بِنِيَّاتِهَا، وَالْعَمَلُ هُنَا الْقِيَامُ بِالَّذِي يَخْرَجُ عَنِ الْكَفَّارَةِ اللَّازِمَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْوِجٍ إِلَى تَعْيِينِ سَبَبٍ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَشَكَّ فِي سَبَبِهَا أَجْزَأَهُ إِخْرَاجُهَا بِغَيْرِ تَعْيِينٍ.
    وَفِيهِ زِيَادَةُ النَّصِّ عَلَى السَّبَبِ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ سِيقَ فِي قِصَّةِ المُهَاجر لتزويج الْمَرْأَة فَذكر الدُّنْيَا مَعَ الْقِصَّةِ زِيَادَةٌ فِي التَّحْذِيرِ وَالتَّنْفِيرِ، وَقَالَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ: فِيهِ إِطْلَاقُ الْعَامِّ وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ خَاصًّا، فَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
    وَسَيَأْتِي ذِكْرُ كَثِيرٍ مِنْ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، حَيْثُ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ(212 ): فَدَخَلَ فِيهِ الْعِبَادَاتُ وَالْأَحْكَامُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -، وَبِاللهِ التَّوْفِيق.
    ______________________________ ____________________ ___________
    (1) قال ابن عطية في تفسيره (3/121): ولـ «كيف» تصرفات ... تحل محل المصدر الذي هو «كيفية» وتخلع معنى الاستفهام، ... ومن تصرفاتها قولهم: كن كيف شئت، وانظر قول البخاري: «كيف كان بدء الوحي» فإنه لم يستفهم. أهـ باختصار.
    (2) قال البدر العيني في عمدة القاري (1/38): المراد من الباب ههنا النوع، كما في قولهم: من فتح بابًا من العلم، أي: نوعًا، وإنما قال: (باب)، ولم يقل: (كتاب) لأن الكتاب يذكر إذا كان تحته أبواب وفصول، والذي تضمنه هذا الباب فصل واحد ليس إلا، فلذلك قال باب ولم يقل كتاب.
    (3) لم أقف على من عزاه للقاضي عياض غير الحافظ رحمه الله، إلا أني وقفت عليه لابن الملقن في التوضيح لشرح الجامع الصحيح (2/115)، ولبدر الدين العيني في عمدة القاري (1/40).
    (4) في الكواكب الدراري (1/13)، وأيده بدر الدين العيني في شرحه عمدة القاري (1/40)، وانتقده البرماوي في اللامع الصبيح (1/13) فقال: ولا يخفى بعده، وكذا ملا علي القاري في جمع الوسائل (1/8) فقال: يخدش في هذا الوجه أن التعداد في عرف البلغاء إنما يكون لضبط العدد من غير فصل بين أجزاء المعدود بشيء آخر؛ فضلًا عن إيراد الأحوال الكثيرة بين المعدودات.
    (5) حديث ضعيف، أخرجه أحمد في المسند (8712)، وأبو داود في سننه (4840)، والنسائي في الكبرى (10255)، وابن ماجه في سننه (1894), والبيهقي في الكبرى (5834)، وغيرهم على اضطراب في لفظه، انظر لذلك إرواء الغليل للألباني (2).
    وفيه قرة بن عبد الرحمن أبو محمد المعافري ضعفه أحمد، وابن معين، وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، وأبو داود، والنسائي، والدارقطني، وروى له مسلم مقرونًا بغيره، وصله قرة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا، ورواه غيره عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، وصوب الدارقطني في سننه (883) الإرسال وجزم بضعف الحديث، وأشار أبو داود والنسائي والبيهقي إلى صواب المرسل.
    (6) حديث حسن، حسنه الترمذي.
    أخرجه أحمد في المسند (8018)، والبخاري في التاريخ الكبير (7/229)، وأبو داود في سننه (4841)، والبيهقي في الكبرى (5835)، وغيرهم من طرق عن عبد الواحد بن زياد عن عاصم بن كليب الجرمي عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
    وأخرجه الترمذي في سننه (1106)، والبيهقي في الكبرى (5836) عن أبي هشام الرفاعي عن محمد بن الفضيل عن عاصم بن كليب عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
    ونقل البيهقي - بإسناد حسن - عن مسلم بن الحجاج أن هذا الحديث مما تفرد به عبد الواحد عن عاصم، ونقل مسلمٌ عن ابن معين أنه خطَّأ أبا هشام وتكلم فيه لأجل هذا الإسناد.
    (7) سورة العلق (1)
    (8) برقم (7)
    (9) مكاتبة النبي صلى الله عيه وسلم لسهيل بن عمرو في قصة الحديبية من حديث البراء بن عازب جاءت عند البخاري بأرقام (2698)، و(2699)، و(3184)، و(4251)، وليس في شيء منها ذكر لكتابة (بسم الله الرحمن الرحيم)، إنما جاء ذكرها في قصة الحديبية من حديث المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم برقم (2731).
    (10) وهو سراج الدين ابن الملقن أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري في شرحه التوضيح لشرح الجامع الصحيح (2/124).
    (11) في الأصل: وَتَلَوْهَا، والتصويب من طبعة الرسالة (ص14).
    (12) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (2/127).
    (13) سورة الحجرات (1).
    (14) وهو جواب ابن الملقن في نفس الموضع السابق.
    (15) لعله البدر العيني كما في شرحه عمدة القاري (1/37).
    (16) (1/422) (568).
    (17) لا يثبت عنه، أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (13/319) (26606)، وأحمد في العلل برواية ابنه عبد الله (2172)، والخلال في الأمر بالمعروف (229)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (1/405) (543) (544)، وفيه مجالد بن سعيد وهو ضعيف.
    (18) لا يثبت عنه، أخرجه الخطيب في الجامع (545)، وسنده مسلسل بالمجاهيل، وفيه عبد العزيز بن عمران الزهري وهو متروك، وعزا أبو جعفر النحاس في عمدة الكتاب (115) للزهري أنه كره كتابتها أمام الشعر.
    (19) لا يثبت عنه، أخرجه الخطيب في الجامع (546)، وفيه أحمد بن محمد بن عمران ابن الجندي، ومحمد بن مصعب القرقساني وهما ضعيفان، وعزا القلقشندي في صبح الأعشى (6/212) لسعيد بن جبير أنه جوَّزه.
    وعزا أبو جعفر النحاس في عمدة الكتاب (115) لسعيد ابن المسيب أنه كره كتابتها أمام الشعر، ولإبراهيم النخعي أنه جوَّزه، وكذا كره أحمد ذلك كما في الأمر بالمعروف للخلال، ونقل النحاس عن شيخه أبي الحسن علي بن سليمان الأخفش أنه جوَّزه.
    (20) مشارق الأنوار (1/80).
    (21)
    (22)
    (23)
    (24) سورة النساء (163).
    (25) نعته وكناه ونسبه الكرماني في الكواكب الدراري (1/14) بالإمام أبي عبد الله الأصفهاني، وهو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الأصبهاني، وهو ابن الحافظ أبي القاسم الأصبهاني الملقب بقوام السنة، ولد نحو سنة خمسمائة، ونشأ فصار إمامًا في العلوم كلها، حتى ما كان يتقدمه كبير أحد في وقته في الفصاحة، والبيان، والذكاء، والفهم، وكان أبوه يفضله على نفسه في اللغة، وجريان اللسان، وقد شرح في "الصحيحين" فأملى في شرح كل واحد منهما صدرًا صالحًا، ثم أتمهما أبوه، وله تصانيف كثيرة مع صغر سنه، ثم اخترمته المنية بهمذان في سنة ست وعشرين وخمسمائة. انظر شرح النووي على مسلم (1/145)، مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (7/359)، وتاريخ الإسلام (11/627)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (1/302)، ونقل عنه ابن حجر في مواضع من شرحه كـ ( ) ( ) ( ) ( ).
    (26) في الكواكب الدراري: لو قال كيف كان الوحي وبدؤه.
    (27) وهو كلام الكرماني في الكواكب (1/15)، وقال أيضًا في رده على التيمي: ليس قوله: لكان أحسن مسلمًا؛ لأنا لا نسلم أنه ليس بيانًا لكيفية بدء الوحي، إذ يعلم بما في الباب أن الوحي كان ابتداؤه على حال المنام، ثم في حال الخلوة بغار حراء على الكيفية المذكورة من الغط ونحوه.
    (28) مشارق الأنوار (2/354)، نقله القاضي عياض عن أبي مروان عبد الملك بن سراج القرطبي، وصحح قوله.
    (29) قاله أبو بكر بن العربي في المسالك في شرح موطأِ مالك (3/391).
    واعترض البدر العيني على هذا الجواب في عمدة القاري (1/16) فقال: وفيه نظر ... والذي يظهر لي من الجواب الشافي عن هذا: أن نوحًا عليه السلام هو الأب الثاني، وجميع أهل الأرض من أولاد نوح الثلاثة لقوله تعالى: ﱡﱁ ﱂ ﱃ ﱄﱠ [الصافات:77]، فجميع الناس من ولد سام وحام ويافث، وذلك لأن كل من كان على وجه الأرض قد هلكوا بالطوفان إلا أصحاب السفينة ... والمقصود لما خرجوا من السفينة ماتوا كلهم ما خلا نوحًا وبنيه الثلاثة وأزواجهم، ثم مات نوح عليه السلام وبقي بنوه الثلاثة، فجميع الخلق منهم، وكان نوح عليه السلام أول الأنبياء المرسلين بعد الطوفان، وسائر الأنبياء عليهم السلام بعده ما خلا آدم وشيث وإدريس، فلذلك خصه الله تعالى بالذكر، ولهذا عطف عليه الأنبياء لكثرتهم بعده. أهـ باختصار.
    (30) برقم (4712).
    (31) قال ابن بطال في شرحه (1/31): قال لى أبو القاسم المهلب بن أبى صفرة - رحمه الله -: معنى هذه الآية أن الله تعالى أوحى إلى محمد - عليه الصلاة والسلام - كما أوحى إلى سائر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - قبله وحى رسَالةٍ، لا وحى إلهام، لأن الوحى ينقسم على وجوه.
    (32) ليس في الدلائل المطبوع، وقد ساق إسناده كلٌّ من أبي شامة في شرح الحديث المقتفى (ص79)، وابنِ كثير في البداية والنهاية (4/9) قالا: قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتابه " دلائل النبوة ": ثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا منجاب بن الحارث، ثنا عبد الله بن الأجلح، عن إبراهيم، عن علقمة بن قيس، قال: إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم، ثم ينزل الوحي بعدُ.
    وعزاه ابن الملقن في التوضيح (19/63) لأبي نعيم أيضًا بنفس اللفظ دون قوله: (في اليقظة)، إلا أنه جعل في إسناده أبان بن تغلب الجريري بين عبد الله بن الأجلح وإبراهيم النخعي.
    (33) إن كان إسناده على ما ساقه أبو شامة وابن كثير - كما مر، وهو الأرجح - فإسناده ضعيف لانقطاعه بين عبد الله بن الأجلح وإبراهيم النخعي، وإن كان إسناده على ما عزاه ابن الملقن فهو حسن كما قال الحافظ، والله أعلم.
    (34) لفظة: (في اليقظة) مدرجة في كلام علقمة وليست منه كما مر بيانه قريبًا في التعليق قبل الآنف.
    (35) وافقه م (1907)، د (2201)، ت (1647)، ن (75، 3437، 3794)، ق (4227).
    (36) انظر: المعرفة والتاريخ للفسوي (2/179)، وأسامي من روى عنه البخاري لابن عدي (120)، وأصول الاعتقاد للالكائي (1592).
    (37) أرخ وفاته بما ذكره الحافظ كلٌّ من: ابن سعد في طبقاته (5/502)، والبخاري في تاريخه الكبير (5/96)، ويعقوب الفسوي في المعرفة والتاريخ (1/203).
    (38) حديث حسن لغيره، صححه ابن حزم في الإحكام (6/138)، وحسنه الهيثمي في مجمع الزوائد (16451)، وصححه الألباني في إرواء الغليل (519).
    أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (1562)، والطبراني كما في جامع المسانيد لابن كثير (6501) من حديث عبد الله بن السائب رضي الله عنه، وفيه أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن وهو ضعيف.
    وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (1565) من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه ، وفيه المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي وهو كثير التدليس والإرسال وقد عنعنه عن جبير بن مطعم.
    وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (33053)، وابن أبي عاصم في السنة (1564) من حديث سهل بن أبي حثمة، ورواية الزهري عن سهل مرسلة. كما في تهذيب الكمال (12/178)، وتاريخ الإسلام (4/65). وأخرجه الشافعي في كتاب الأم في باب صفة الأئمة من كتاب الصلاة من حديث ابن شهاب الزهري مرسلًا، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (19893) من حديث سليمان بن أبي حثمة، والبيهقي من طريقه في السنن الكبرى وقال: هذا مرسل، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (33048) من حديث أبي جعفر محمد الباقر مرسلًا.
    قال النووي في المجموع (1/11): قال الإمام أبو زكريا يحيى بن زكريا الساجي في كتابه المشهور في الخلاف: إنما بدأت بالشافعي قبل جميع الفقهاء وقدمته عليهم وإن كان فيهم أقدم منه اتباعه للسنة؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قدموا قريشًا، وتعلموا من قريش).
    (39) يعني: ابن عيينة.
    (40) أخرجه ابن أبي حاتم في آداب الشافعي (ص157)، وفي الجرح والتعديل (1/32) عن أحمد بن خالد الخلال، والربيع بن سليمان المرادي عن الشافعي قال: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز.
    (41) قال اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (396): لقي ابنُ عيينة نحوًا من مائتي نفس من التابعين من العلماء , وأكثر من ثلاثمائة من أتباع التابعين من أهل الحرمين والكوفة والبصرة والشام ومصر واليمن.
    (42) وهو كتاب معرفة الصحابة، طبعته جامعة الإمارات العربية المتحدة سنة 1426ه، بتحقيق د/ عامر حسن صبري، والمطبوع جزء من الكتاب قد بين المحقق في مقدمة تحقيق الكتاب (ص164) أن المطبوع لا يمثل سوى أقل من نصف الكتاب، وقد سقط من أول الكتاب المقدمة، وتراجم العشرة، وجميع المحمدين، وبعض من حرف الألف، وجميع الكتاب من بعد حرف السين إلى نهاية حرف الياء، وهناك أيضًا سقط في مواضع كثيرة من الجزء الذي طبع.
    ولعل الذي عزاه ابن حجر للكتاب من الجزء المفقود، فإني لم أعثر عليه مصرحًا، أو يكون أشارة منه لما رواه ابن منده فيه (ص272) عن بلال بن الحارث رضي الله عنه أنه قال: يا علقمة، إنك أصبحت اليوم وجها من وجوه المهاجرين، ولكن فيه عبد الله ابن عبد العزيز الليثي وهو ضعيف، لذا قال ابن حجر في التقريب في ترجمة علقمة: أخطأ من زعم أن له صحبة، والله أعلم.
    (43) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي (ص107:106).
    (44) وهو المستخرج على صحيح البخاري للحافظ أبي بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي الجرجاني المتوفي 371ه، وهذا الكتاب في عداد المفقود، وذكر ابن حجر في المعجم المفهرس (21) أنه وقف على سائر الكتاب، وقد ذكر أبو العُلا المباركفوري في مقدمة تحفة الأحوذي (1/330) أن منه نسخة خطية في الخزانة الجرمنية (دار العلوم الألمانية بألمانيا الشرقية - سابقًا -) بمدينة بوتسدام جنوب غرب برلين، وهي نسخة - كما وصفها المباركفوري - كتبها ابن حجر بخطه ولخص فيها الكتاب وسماه (المنتقى).
    (45) وهو أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن منده العبدي الأصبهاني، المتوفى 470ه، ولعل كلامه الذي أورده ابن حجر من كتابه (المستخرج من كتب الناس للتذكرة والمستطرف من أحوال الرجال للمعرفة)، فقد نُقِل عنه كلامًا طويلًا في تخريج طرق الحديث من كثير من العلماء كابن تيمية في مجموع الفتاوى (18/247)، والذهبي في السير (5/476)، والزيلعي في نصب الراية (1/302)، ومغلطاي في إكمال تهذيب الكمال (2/137)، وابن كثير في اختصار علوم الحديث (النوع 13)، وابن حجر في التلخيص الحبير (1/136)، وغيرهم، والكتاب طبعته وزارة العدل والشئون الإسلامية بدولة البحرين، بتحقيق د/ عامر حسن صبري، والمطبوع جزء من الكتاب قد بين المحقق في مقدمة تحقيق الكتاب (ص151) أن المطبوع يمثل نصف الكتاب، فلعل الذي عزاه ابن حجر للكتاب من الجزء المفقود.
    (46) وهو محب الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد الفهري السبتي، المتوفي 721ه، قال ابن حجر عن كتابه في هدي الساري (1/14): وقفت على مجلد من كتاب اسمه (ترجمان التراجم) لأبي عبد الله بن رشيد السبتي يشتمل على هذا المقصد - (شرح مناسبة الأحاديث للتراجم) - وصل فيه إلى كتاب الصيام، ولو تم لكان في غاية الإفادة، وأنه لكثير الفائدة مع نقصه، والله تعالى الموفق. أهـ. قلت: والكتاب طبعته دار الكتب العلمية ببيروت، ولكني لم أطلع عليه بعدُ، وقيل هو تجميع لأقوال ابن رشيد.
    (47) قال - نحوه - كلٌّ من ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم (1/61)، وابنُ الملقن في التوضيح (2/127).
    (48) نقله عنه ابن بطال في أول شرحه (1/32).
    (49) برقم (6953) من طريق حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد الأنصاري، ورواه أبو داود الطيالسي عن حماد، وزهير بن محمد التميمي، كلاهما عن يحيى.
    (50) وهو تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي القشيري المعروف بابن دقيق العيد، المتوفى 702هـ، وكلامه المنقول في إحكام الأحكام بشرح عمدة الأحكام (1/12).
    (51) في المعجم الكبير (8540) من طريق سعيد بن منصور!، أما الطريق الأخرى فقد أخرجها أبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة (8014) عن الثوري عن الأعمش به، وعزا اللفظ الأخير كلٌّ من ابنُ الأثير في أسد الغابة (7572) وابنُ حجر! في تمييز الصحابة (12215) لابن منده، وأبي نعيم، وعزاه ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم (1/74) إلى كتاب وكيع بن الجراح.
    (52) صححه المزي في تهذيب الكمال (16/126)، والذهبي في السير (10/591)، وجوَّده العراقيُّ في تخريج أحاديث الإحياء (4).
    (53) قال ابن رجب في المصدر السابق: وقد اشتهر أن قصة مهاجر أم قيس هي كانت سبب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها»، وذكر ذلك كثير من المتأخرين في كتبهم، ولم نر لذلك أصلًا بإسناد يصح، والله أعلم.
    (54) في شرحه لصحيح البخاري (1/32).
    (55) كذا بنون، ثم جيم معجمة تحتية، والصواب هو الفخار بفاء ثم خاء معجمة فوقية كما عند ابن بطال في الموضع السابق، وهو محمد ابن عمر بن يوسف بن بشكوال أبو عبد الله بن الفخار القرطبي المالكي الحافظ، المتوفي 419ه.
    (56) سورة البينة (5).
    (57) إلى هنا انتهى كلام ابن الفخار بتصرف من الحافظ.
    (58) مروان بن علي الأسدي القرطبي أبو عبد الملك البوني، المتوفي قبل 440ه، له شرح لصحيح البخاري كما ذكر ذلك ابن حجر في المعجم المفهرس (1758)، وأكثر ابن حجر في الفتح النقل عنه، وعن ابن التين عنه، في ما قارب العشرة مواضع، ولكني لم أقف على ذكر لكتاب أبي عبد الملك إلا عند ابن حجر، والله أعلم.
    (59) المختصر النصيح (1/153).
    (60) أحمد بن محمد بن منصور القاضي أبو العباس ناصر الدين بن المنير الإسكندراني، المتوفى: 683هـ، وكلامه في كتابه المتواري علي تراجم أبواب البخاري (ص48).
    (61) أخرج أحمد في المسند (3600)، والطيالسي في مسنده (243)، والبزار في مسنده (1703)، والطبراني في الكبير (8583)، وغيرهم عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «إِنَّ اللهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ، فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِندَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِندَ اللَّهِ سَيِّئٌ». صححه الحاكم، والذهبي، وابن القيم، وابن كثير، والهيثمي، وابن حجر، والسخاوي، والألباني، وقد خرجته تخريجًا مطولًا في كتابي «فضل ورحمة الله الحكيم الحميد».
    قلت: ففي أثر ابن مسعود رضي الله عنه الإشارة إلى ما قاله المهلب والبوني في تعلِّق الحديث بترجمة بدء الوحي، ولكن قد أخرج البيهقي في السنن الصغير (3) بإسنادٍ حسن عن البخاري رحمه الله أنه قال: قال عبد الرحمن بن مهدي: «من أراد أن يصنف كتابًا فليبدأ بحديث الأعمال بالنيات»، فعَقَّب البيهقي بقوله: وقد استعمله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله فبدأ الجامع الصحيح بحديث الأعمال بالنيات، واستعملناه في هذا الكتاب فبدأنا به.
    قلت: فهذا - والله أعلم - هو أقرب ما يبين مراد البخاري رحمه الله من إيراده لهذا الحديث في بدء كتابه، ولولا تطابق روايات الكتاب على ورود الحديث داخل الترجمة - إلا ما كان من الإسماعيلي والخطابي - لكان ما أخرجه البيهقي عنه هو مرادَه جزمًا، ويرجح أيضًا قولَ من ذهب لعدم تعلِّق الحديث بالترجمة ما قام به البخاري من اختصار الحديث على أحد قسميه قصدًا، فلو أراد الإشارةَ من الحديث إلى اصطفاء الله عز وجل لنبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم برسالته لصدق نيَّته لكان اختصاره للحديث على ما يفيد التزكيةَ وصدقَ النية من النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو المتعيَّن، ولـمَّا كان اختصاره للحديث فيه الإشارة إلى رد العلم إلى الله عز وجل بنيَّة صاحب العمل دون الجزم بها، فلم يبقى إلا القول بأن البخاري رحمه الله قصد نفسَه، كما سينقله ابن حجر قريبًا (ص27) عن أبي محمد علي بن حزم الظاهري.
    قلت: فلا يصح القول بالمعنى الذي قاله المهلب والبوني - وإن كان محتملًا - إلا بتمام الحديث بكلا قسميه، والله أعلم.
    (62) نقله ابن الملقن في الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (1/159)، وفي البدر المنير (3/24)، وفي التوضيح لشرح الجامع الصحيح (2/197) عن أبي عبيد، وأخرج الهروي عنه في ذم الكلام (18) كلامًا مشابهًا ولكن في إسناده إليه أحمد بن محمد بن ياسين أبو إسحاق الحداد الهروي وهو متروك.
    (63) لم أجده مسندًا عنه، ولكن قد عزاه أبو بكر الخفاف له كما نقله ابن الملقن في الإعلام (1/155) عن أبي بكر، إلا أنه جعل الحديث رُبُعَ الإسلام.
    (64) معرفة السنن والآثار للبيهقي (589)، السنن الكبير له (2287).
    (65) أخرجه ابن أبي يعلي الفراء في طبقات الحنابلة (1/108)، وأبو طاهر السِّلَفي في أحاديث منتخبة من أجزاء أبي منصور الخوجاني (10)، وفيه أبو العباس بن عقدة الحراني، وفيه ضعف [ديوان الضعفاء للذهبي (87)].
    (66) أخرجه أبو يعلى الخليلي في الإرشاد (2/538) بإسناد صحيح، ولكن فيه أن عليًّا جعل الحديث رُبُعَ الإسلام.
    (67) أخرجه الخطيب في الجامع (1953)، وفي تاريخ بغداد (10/78) بإسنادين حسنين، ولكن فيه أن أبا داود جعل الحديث رُبُعَ الإسلام، وأخرجه في الجامع (1954) بإسناد ضعيف وفيه جعل الحديث خُمُسَ الإسلام.
    (68) لم أجده مسندًا عنه، ولم أقف على من عزاه له إلا الحافظ.
    (69) لم أجده مسندًا عنه، ولكن قد عزاه له ابن الملقن في البدر المنير (3/20)، إلا أنه جعل الحديث رُبُعَ الإسلام.
    (70) وهو الحافظ أبو القاسم حمزة بن محمد بن علي بن العباس الكناني المصري، المتوفى 357 هـ، وذكره عنه أبو إسحاق الحصري القيرواني في زهر الآداب وثمر الألباب (1/61).
    (71) فيه نظر كما مر بيانه، فإنه لم يرد عن كل من ذكر أصلًا أنه قسم الدين إلى ثلاثة أصول.
    (72) قلت: بل أغلبهم كما مر بيانه.
    (73) اختُلِف في عدها على أحد عشر قولًا، جمعها ابن الملقن في الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (1/157:153).
    ومدار الاختلاف في عدِّ الأصول على الأحاديث التالية: حديث الباب، وحديث (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، وحديث (الحلال بيِّن والحرام بيِّن)، وحديث (ازهد في الدنيا يحبك الله)، وحديث (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث)، وحديث (بني الإسلام على خمس)، وحديث (البينة على المدعي واليمين على من أنكر)، وحديث (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)، وحديث (ما نهيتكم عنه فانتهوا وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)، وحديث (لا ضرر ولا ضرار)، وحديث (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وحديث (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا)، وحديث (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)، وحديث (لا تغضب).
    (74) لم أجده مسندًا عنه، ولكن قد عزاه له ابن الملقن في البدر المنير (3/23)، وفي الإعلام (1/159)، وفي التوضيح (2/197)، وفي آخره في الثلاثة مواضع: في ثلاثين بابًا من الإرادات والنيات.
    (75) أخرجه الخطيب في الجامع (1955)، وفيه انقطاع.
    (76) نقله عنه الترمذي في سننه بعد الحديث (1647)، ووصله الضياء المقدسي في المنتقى من مسموعات مرو [مخطوط بالظاهرية برقم (344 عام)] وفيه أحمد بن محمد بن الأزهر أبو العباس السجستاني، وهو واه [سير أعلام النبلاء (14/296)].
    (77) السنن الصغبر له (5).
    (78) حديث ضعيف جدًا، وأغلب طرقه كذب موضوع، أخرجه مرفوعًا كلٌّ من الطبراني في المعجم الكبير (5942) ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (3/255) عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، وفيه حاتم بن عباد بن دينار الحرشي، وهو مجهول، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (2216)، (2789)، (6045)، (6046). وأخرجه القضاعيُّ في مسند الشهاب (147) عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وفي (148) عن النواس بن سمعان رضي الله عنه، وابنُ عبد البر في التمهيد (12/265) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والخطيبُ في تاريخ بغداد (10/327) عن سهل ابن سعد الساعدي رضي الله عنه، والديلميُّ في مسند الفردوس (6843) عن أبي موسى الأشعري، ولا يخلو طريق منهم من كذاب أو وضَّاع، وقد حكم الألباني عليها كلها بالوضع في السلسلة الضعيفة (2789)، (6046).
    (79) يعني حديث الباب.
    (80) أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718) من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
    (81) أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.
    (82) قلت: بل هو في الموطأ برواية محمد بن الحسن الشيباني (983)، وقال السيوطي في تنوير الحوالك (1/10): وقد وقفت على الموطأ من روايتين أخريين سوى ما ذكر الغافقي، أحدهما رواية سويد بن سعيد، والأخرى رواية محمد بن الحسن - صاحب أبي حنيفة - وفيها أحاديث يسيرة زيادة على سائر الموطآت، منها حديث (إنما الأعمال بالنيات) الحديثَ، وبذلك يتبين صحة قول من عزا روايته إلى الموطأ، ووهمِ من خطأه في ذلك.
    (83) وهو أبو الخطاب عمر بن الحسن بن دحية، المتوفى 633ه، كما عينه ابن حجر في التلخيص الحبير (1/134).
    (84) البخاري (54)، و(5070)، ومسلم (1907).
    (85) في الكبرى (5601)، وفي المجتبى (75)، و(3437).
    (86) تهذيب الآثار مسند عمر (2/786) بتصرف.
    (87) في سننه (1647).
    (88) أخرجه ابن ماكولا في تهذيب مستمر الأوهام (ص62)، ومن طريقه ابنُ عساكر في تاريخ دمشق (5/30), وفيه أبو الحسن علي ابن زريق بن إسماعيل الأدمي وهو مجهول [الإكمال لابن ماكولا (4/58)].
    (89) في مسنده (257).
    (90) وهو أبو علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن البغدادي نزيل مصر، المتوفي 353ه، ونقل ابن الملقن في البدر المنير (3/12) كلامه من كتابه السنن الصحاح المأثورة، وهو كتاب مفقود.
    (91) لم أقف على من عزاه له سوى الحافظ، وممن قال بتفرد يحيى بن سعيد الأنصاري بالحديث: عليُّ بن المديني في مسنده كما عزاه له كلٌّ من المنذريِّ في الترغيب والترهيب (1/25)، وابنِ كثير في مسند الفاروق (1/96)، وابنِ رجب في جامع العلوم والحكم (1/60)، والطبريُّ في تهذيب الآثار مسند عمر (2/786)، وابنُ عدي في الكامل (4/44)، والمهلبُ بن أبي صفرة في المختصر النصيح (1)، وأبو يعلى الخليلي في الإرشاد (1/166) (1/206)، وابنُ عبد البر في التمهيد (21/270)، وابنُ الجوزي في كشف المشكل (1/85).
    (92) أعلام الحديث (1/110).
    (93) علله (213)، و(2269).
    (94) في مستخرجه، انظر حاشية رقم 3 ص 9.
    (95) كأبي حاتم الرازي في العلل لابنه (362)، وأبي يعلى الخليلي في الإرشاد (1/166)، و(2/631)، وابنِ عبد البر في التمهيد (21/270).
    (96) صحيح مسلم (2884).
    (97) المصدر السابق (2882).
    (98) من حديثه عند البخاري (1843)، ومسلم (1353)، وعند مسلم (1864) من حديث عائشة رضي الله عنها.
    (99) عند البخاري (123)، ومسلم (1904).
    (100) حديث ضعيف، أخرجه أحمد في مسنده (3772) وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف، ولكن قد تابعه الليث بن سعد - وهو إمام ثقة - كما عند ابن أبي شيبة في مسنده (403)، (4292/ الإتحاف للبوصيري)، ولكن للحديث علة أخرى وهي جهالة أبي محمد الراوي عن ابن مسعود رضي الله عنه، فإن أبا محمد لا يعرف إلا بهذا الحديث، ذكره البخاري في التاريخ الكبير (9/66)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (9/432) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
    (101) حديث ضعيف، أخرجه النسائي في الكبرى (4331)، و(4332)، وفي المجتبى (3138)، و(3139)، وأخرجه أحمد في مسنده (22692)، و(22728)، وفيه يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت، وهو مجهول لم يرو عنه إلا جبلة بن عطية، ذكره البخاري في التاريخ الكبير (8/308)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (9/193) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
    (102) هكذا، أما عند ابن الملقن في الإعلام (1/146)، والبدر المنير (3/6)، والتوضيح (2/157)، وابن حجر في التلخيص الحبير (1/135)، والعيني في عمدة القاري (1/20) فذكروه جميعًا عن أبي سعيد الخشَّاب، وهو محمد بن علي بن محمد بن حبيب النيسابوري أبو سعيد الخشاب، المتوفي 456ه.
    (103) ذكر ابن الجوزي في كشف المشكل (34) نفس العدد.
    (104) في مستخرجه، انظر حاشية رقم 3 ص 9، ونقل الذهبي في سير أعلام النبلاء (5/481:476) هذا السرد.
    (105) وهو أبو مسعود عبد الجليل بن محمد بن عبد الواحد الأصبهاني الحافظ المعروف بــ (كُوتاه)، المتوفي 553ه، كما عينه ونقل كلامه كلٌّ من ابنِ الملقن في المصادر السابقة كلها، وابن حجر في التلخيص الحبير (1/135)، والبدرِ العيني في عمدة القاري (1/20)، وقد كتب اسمه خطأً: عبد الجليل بن أحمد في كل المصادر السابقة إلا في التوضيح، وما جاء في التوضيح هو الصواب.
    (106) حديث رقم (877).
    (107) قلت: وقد تابع ابنَ عيينة على هذه لفظة (على المنبر) الآتي ذكرهم:
    1- عمرُو بن الحارث كما عند الطبريِّ في تهذيب الآثار مسند عمر (2/786)، وابنِ المقرئ في معجمه (1139).
    2- ومالكُ بن أنس كما عند أبي عوانة في مستخرجه (7439) والطحاويِّ في شرح المشكل (5107)، وفي شرح المعاني (4650).
    3- ويزيدُ بن هارون كما عند ابنِ المنذر في الأوسط (345)، وأبي بكر الشافعي في الغيلانيات (336)، والقضاعيِّ في مسند الشهاب (1)، والبيهقي في السنن الكبرى (7445)، و(15101).
    4- وجعفرُ بن عون كما عند تمامٍ في فوائده (483).
    5- وزهيرُ بن معاوية كما عند أبي نعيم في الحلية (2/197)، و(2/276).
    (108) حديث رقم (6953).
    (109) قلت: وقد تابع حمادَ بن زيد على هذه لفظة (يخطب) الآتي ذكرهم:
    1- يزيدُ بن هارون كما عند أحمدَ في مسنده (300)، وابنِ ماجه في سننه (4227).
    2- والليثُ بن سعد كما عند ابنِ ماجه (4227).
    3- وسفيانُ بن عيينة كما عند أبي عوانة في مستخرجه (7440)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (5113).
    (110) وهو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الخليل بن سعادة الخوبي القاضي الشافعي، المتوفي 693ه، ووقفت على كلام للدماميني في شرحه مصابيح الجامع (1/161) وهو قريب المعنى مما نقله الحافظ، قال الدماميني: في بعض الروايات: بالنيات ومقابلتها الأعمال، مقابلة الآحاد بالآحاد، أي: لكل عمل نية، أو إشارة إلى تنوع النيات؛ يعني: إن كان القصد رضا الله، فله مزية، أو دخول الجنة، فله مزية، أو الدنيا، فهو بقَدْرِها.
    (111) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (26/26): وقد تتنوع النيات حتى يكون بعضها أفضل من بعض بحيث يسقط الفرض بأدناها، لكن الفضل لمن أتى بالأعلى.
    قلت: ويشهد لهذا المعنى ما أخرجه أحمد بإسناد حسن في مسنده (18879) وغيرُه، من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الرجل ليصلي، ولعله أن لا يكون له من صلاته إلا عشرها، وتسعها، أو ثمنها، أو سبعها) حتى انتهى إلى آخر العدد.
    (112) (388)، و(4868).
    (113) مسند الشهاب (1).
    (114) في بستان العارفين (13).
    (115) (54).
    (116) (2529).
    (117) (3898).
    (118) (5070) من رواية مالك.
    (119) ذكره الخليل بن أحمد الفراهيدي في العين (8/394)، والأزهري في تهذيب اللغة (15/399)، ونقله النووي عن الأزهري في المجموع (1/309)، وقال الدماميني في مصابيح الجامع (1/161): والنِّيَّة -بالتشديد-: من نوى؛ أي: قصد، والأصل: نَوْيَة، فقلبت الواو ياء، وأدغمت، وقد تخفف ياؤه، فتكون من وَنَى: إذا أبطأ؛ لأن النية تحتاج في تصحيحها إلى إبطاء وتأخر.
    (120) الكواكب الدراري (1/17).
    (121) هو محمد بن عمر بن الحسين أبو عبد الله الطبرستاني الأصل الملقب بفخر الدين الرازي ابن خطيب الري، الشافعي المفسر المتكلم المتوفى: 606 هـ، رأس في الذكاء والعقليات لكنه عري من الآثار، وله تشكيكات على مسائل من دعائم الدين تورث حيرة، نسأل الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا، انظر تاريخ الإسلام (13/137)، ولسان الميزان (6/318).
    (122) قال الرازي في (المحصول في علم الأصول) (1/383): كلمة (إن) تقتضي الإثبات، و(ما) تقتضي النفي، فعند تركيبها يجب أن يبقى كل واحد منهما على الأصل، لأن الأصل عدم التغيير، فإما أن نقول كلمة (إن) تقتضي ثبوت عين المذكور، وكلمة (ما) تقتضي نفي المذكور، وهذا هو الحصر وهو المراد.
    (123) هو سراج الدين عمر بن رسلان بن نصير أبو حفص البَلقيني المتوفى 805 ه.
    (124) هو سيد الدين علي بن أبي علي بن محمد بن سالم أبو الحسن الثعلبي الآمدي المتوفى 631 ه، وكلامه في كتابه الإحكام في أصول الأحكام (3/97).
    (125) انظر (مغني اللبيب) لابن هشام الأنصاري (1/339:338).
    (126) سورة الطور (16)، وسورة التحريم (07).
    (127) سورة الصافات (39).
    (128) سورة التغابن (12)، وفي الأصل: (إنما على ... الآية).
    (129) النور (54)، والعنكبوت (18)، وفي الأصل: (ما على الآية).
    (130) ميمون بن قيس بن جندل أبو بصير، المعروف بأعشى قيس، ويقال له أعشى بكر بن وائل، والأعشى الكبير، من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية، وأحد أصحاب المعلقات، وليس أحد ممن عرف قبله أكثر شعرًا منه. وكان يغنّي بشعره، فسمي (صنّاجة العرب) عاش عمرًا طويلا، وأدرك الإسلام ولم يسلم، وتوفي 7 ه، الأعلام للزركلي (7/340).
    وقال الأعشى هذا الشعر [من السريع]: في المنافرة التي كانت بين علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب - أسلم بعد ذلك [تاريخ الإسلام (2/161)] -، وبين عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب - أدرك الإسلام ولم يسلم، ومات كافرًا [صحيح البخاري (4091)] - يهجو فيه علقمة لـمَّا تنازع هو وعامر في الرياسة، صبح الأعشى (1/437).
    (131) الحصى: العَدَدُ الكثيرُ، كتاب الألفاظ لابن السكيت (ص26).
    (132) الكواكب الدراري (1/17).
    (133) إحكام الأحكام (1/60).
    (134) أخرجه مسلم (1597)، و(1599) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما.
    (135) أخرجه البخاري في صحيحه (2179).
    (136) أخرجه مسلم (345)، و(346) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
    (137) أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجه في سننه (608) من حديث عائشة رضي الله عنها، وقال الحافظ في الفتح ( ):رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وأخرجه ابن ماجه (611) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
    (138) أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي المتوفى: 542 ه، بغية الملتمس (1103).
    (139) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (2/500).
    (140) سورة النساء (171).
    (141) سورة الرعد (7).
    (142) ما بين المعكوفتين غير مفهوم مع ما سبقه من سياق، والله أعلم.
    (143) قال الصنعاني في سبل السلام (2/596): عِتْقَ الْكَافِرِ يَصِحُّ، وَقَوْلُهُمْ: لَا قُرْبَةَ لِكَافِرٍ؛ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ مِنْهُ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُتَقَرَّبَ بِهِ كَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، إنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَهِيَ نَافِذَةٌ مِنْهُ، لَكِنْ لَا نَجَاةَ لَهُ بِسَبَبِهِ مِنْ النَّارِ.
    (144) بستان العارفين (ص13).
    (145) الكواكب الدراري (1/18).
    (146) أي: استحضارًا، قال أبو العباس ثعلب في كتابه الفصيح (ص299): باب المضموم أوله ..... واجعله منك على ذُكْرٍ، وقال ابن دُرَيد الأزدي في جمهرة اللغة (2/694): وَهُوَ منّي على ذِكْر وعَلى ذُكْر، والضمّ أَعلَى.
    وأما الذِّكر بكسر الذال فقد قال الفراهيدي في العين (5/346): الذِّكرُ: جري الشيء على لسانك.
    قلت: فجريان النية على اللسان معنى غيرُ مقصود هنا، فالقول بركنية التلفظ بالنية قول فاسد عند كل العلماء، حتى المحققين لمذهب الشافعية غلَّطوا من نسب ذلك للشافعي كأبي الحسن الماوردي في الحاوي الكبير (2/91)، وأبي المعالي الجويني في نهاية المطلب (2/120)، والنووي في المجموع شرح المهذب (3/277).
    وأما استحباب التلفظ بالنية فقول غير صحيح، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (20/358): طَائِفَة مِنْ الْكُوفِيِّينَ وَغَيْرهمْ اسْتَحَبُّوا لِلْمُتَوَضِّئِ وَالْمُغْتَسِلِ وَالْمُصَلِّي وَنَحْوِهِمْ أَنْ يَتَلَفَّظُوا بِالنِّيَّةِ فِي هَذِهِ الْعِبَادَاتِ، وَقَالُوا: إنَّ التَّلَفُّظَ بِهَا أَقْوَى مِنْ مُجَرَّدِ قَصْدِهَا بِالْقَصْدِ، وَإِنْ كَانَ التَّلَفُّظُ بِهَا لَمْ يُوجِبْهُ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ لَمْ يَسْتَحِبُّوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَلِأَصْحَابِ أَحْمَد وَجْهَانِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَصْحَابُهُ، بَلْ كَانَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ وَلَا يَقُولُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ، كَذَلِكَ فِي تَعْلِيمِهِ لِلصَّحَابَةِ إنَّمَا عَلَّمَهُمْ الِافْتِتَاحَ بِالتَّكْبِيرِ، فَهَذِهِ بِدْعَةٌ فِي الشَّرْعِ، وَهِيَ أَيْضًا غَلَطٌ فِي الْقَصْدِ، فَإِنَّ الْقَصْدَ إلَى الْفِعْلِ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ فِي النَّفْسِ، فَالتَّلَفُّظُ بِهِ مِنْ بَابِ الْعَبَثِ كَتَلَفُّظِ الْآكِلِ بِنِيَّةِ الْأَكْلِ؛ وَالشَّارِبِ بِنِيَّةِ الشُّرْبِ؛ وَالنَّاكِحِ بِنِيَّةِ النِّكَاحِ؛ وَالْمُسَافِرِ بِنِيَّةِ السَّفَرِ؛ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
    (147) وهو شرف الدين الحسين بن عبد الله الطيبي (ت 743هـ) الكاشف عن حقائق السنن (2/418) بتصرف من الحافظ.
    (148) وهو القاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي (ت 685هـ) وكلامه في تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (1/19).
    (149) هو سراج الدين البلقيني.
    (150) انتهى عند هذا الموضع نقل السيوطي لكلام البلقيني في عقود الزبرجد (2/164).
    (151) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (1/61).
    (152) سورة الأنعام (112).
    (153) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (1/61).
    (154) كالوضوء شرط يتوصل به لصحة الصلاة.
    (155) كالصلاة، قال ابن المنذر في الأوسط (3/211): أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُجْزِئُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ.
    (156) نقله محمد بن الحسن الشيباني في الأصل المعروف بالمبسوط (1/94:93) عن أبي حنيفة وأبي يوسف.
    (157) اختُلف فيه عن الأوزاعي على روايتين في اشتراطه وعدم اشتراطه نقلهما عنه ابن المنذر في الأوسط (2/11)، وحكى ابن المنذر في نفس المصدر عدم اشتراط النيه في التيمم عن الحسن بن صالح، وكذا نقله محمد بن الحسن الشيباني في المصدر الآنف عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة.
    (158) انظر الأشباه والنظائر للسيوطي (ص30:24).
    (159) أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي (ت 656ه)، وكلامه في كتابه المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (3/744).
    (160) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (1/61).
    (161) شرح النووي على مسلم (13/54).
    (162) عبد الكريم بن محمد بن منصور أبو سعد السمعاني (ت 562هـ)، ونقل كلامه العراقي في طرح التثريب (2/10).
    (163) ذكر هذا المعنى كلُّ من تاج الدين الفاكهاني (ت 734ه) في رياض الأفهام (1/29)، وابن الملقن في الإعلام (1/197)، والتوضيح (2/187)، والمعين على تفهم الأربعين (ص88)، وعزاه الأخير للجويني، والغزالي، وعبد الغفار بن عبد الكريم الرافعي القزويني.
    (164) قال ابن حجر الهيتمي في الفتح المبين بشرح الأربعين (ص129): إنما اعتبرت نية الولي عن الصبي للنسك، والحاج عن غيره، ومغسل نحو المجنونة؛ لعدم تأهُّل المنوي عنهم لها، فأُقيمت نيةُ الناوي عنهم مقام نيتهم.
    (165) عبد العزيز بن عبد السلام الدمشقي، المعروف بالعز بن عبد السلام (ت 660هـ).
    (166) في قواعد الأحكام (1/178:177).
    (167) إحياء علوم الدين (4/48).
    (168) أخرجه مسلم (1006)، وأبو داود (1285)، والنسائي في الكبرى (8979).
    (169) الكواكب الدراري (1/22).
    (170) قلت: بل الصحيح ما ذهب إليه الكرماني رحمه الله تعالى، فقد قال الله تعالى: (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) [المائدة (79)]، فسمى الله عز وجل تركهم ما أمروا به من النهى عن المنكر فعلًا.
    (171) قال الكرماني (1/19): فإن قلت المتروك أيضا عمل لأن الأصح أن الترك كف النفس فيحتاج إلى النية، قلت: نعم؛ إذا كان المقصود منه امتثال أمر الشارع وتحصيل الثواب، أما في إسقاط العقاب: فلا، فالتارك للزنا يحتاج فيه لتحصيل الثواب إلى النية، وما اشتهر أن المتروك لا يحتاج إليها يريدون به في الإسقاط.
    وقال (1/22): نعم في إسقاط العقاب لا حاجة إلى نية.
    (172) الكواكب الدراري (1/19).
    (173) أعلام الحديث (ص108).
    (174) برقم (28).
    (175) وهو أحمد بن نصر الداودي أبو جعفر المالكي، جمهور المؤرخين أرخوا لوفاته سنة 402ه، وله شرح على البخاري اسمه (النصيحة).
    (176) أخرجه الجوهري في مسند المؤطا (4) عن عبد العزيز بن محمد العبدي - ثقة [تاريخ بغداد (10/457)] -، عن بشر بن موسى مخرومًا أوله كرواية البخاري تمامًا، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (15/264) (15101) تامًا لفظه عن بشر بن موسى وقد تابعه غيره.
    (177) وهو ابن حزم الأندلسي الظاهري (ت 456ه)، ولم أقف على كلامه هذا في شيء من كتبه.
    (178) رقم (3898).
    (179) الكواكب الداري (1/213).
    (180) في الكواكب : (لا جَرَمَ).
    (181) المتقدم (ص26).
    (182) الكواكب الدراري (1/202) بتصرف من الحافظ.
    (183) سورة الفرقان (71).
    (184) هو الفضل بن قدامة أبو النجم العجلي الراجز (ت 130ه)، وعجز البيت: ............. لله دَرّى مَا يِجنِّ صَدْرِي.
    (185) وهو جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك أبو عبد الله الطائي الجياني (ت 672ه)، وكلامه في شرح التسهيل (1/304).
    (186) هو رجل من طيء كما في المصدر السابق، ولم أقف على تعيينه، والبيت من بحر الطويل.
    (187) وهو عبد الله بن مسلم بن قتيبة أبو محمد الدينوري (ت 276هـ)، وكلامه في أدب الكتَّاب (ص425).
    (188) قال ابن الملقن في البد المنير (3/25): وَفِي حَقِيقَة الدُّنْيَا قَولَانِ لِأَصْحَابِنَا الْمُتَكَلِّمين : أَحدهمَا: مَا عَلَى الأَرْض مَعَ الْهَوَاء والجو، وَالثَّانِي: كل الْمَخْلُوقَات من الْجَوَاهِر والأعراض الْمَوْجُودَة قبل الدَّار الْآخِرَة. وَهَذَا هُوَ الْأَظْهر.
    (189) قال أبو سهل الهروي في إسفار الفصيح (2/838): (وهو ابن عمه دنيا) بكسر الدال والتنوين، (ودنيا بضم الدال غير منون): أي قريب النسب، إذا كان ابن عمه لحًّا، وهو أقرب إليه من غيره.
    وقال اليَفُرَني في الاقتضاب في غريب الموطأ (2/351): قوله: (دنيا) أراد: الأدنين في النسب، وإذا كسر أوله جاز فيه التنوين، وغير التنوين، فإن ضم أوله لم يجز تنوينه.
    (190) وهو عمر بن حسن أبو الخطاب الأندلسي الحافظ المعروف بابن دحية الكلبي (ت 633ه)، كان بصيرًا بالحديث معتنيًا به، له حظ وافر من اللغة، ومشاركة في العربية، وله تصانيف، وكلامه في جزء له سماه (جمع العلوم الكليات في الكلام على حديث إنَّما الأعمال بالنيات) كما نقله عنه ابن الملقن في الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (1/202).
    (191) قال السمعاني في الأنساب (11/115): بكسر الميم، وقال ياقوت الحموي في معجم البلدان (4/463): بفتح الميم، وأبو الهيثم الكشميهني هو محمد بن مكي بن محمد بن مكي بن زَرَّاع بن هارون المروزي (ت 389ه) حدث بصحيح البخاري غير مرة عن محمد بن يوسف الفَرَبْري عن البخاري.
    (192) في الطبعات إلا طبعة الرسالة: مغور بغين معجمة وراء مهملة، أو مغاور بزيادة المد، وكلاهما تصحيف، والمثبت هو الصواب كما نقله ابن الملقن في الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (1/202)، وابن مفوز الموصوف بالحافظ اثنان، الأول: أبو الحسن طاهر بن مفوز ابن أحمد بن مفوز الشاطبي، تلميذ أبي عمر بن عبد البر، وخصيصه، أكثر عنه وجود، عُني بالحديث أتمّ عناية، وشُهِر بحفظه وإتقانه ومعرفته، والثاني: أبو بكر محمد بن حيدرة بن مفوز بن أحمد بن مفوز الشاطبي، ابن أخي الأول سمع من أبي علي الجياني، فأكثر، وخلفه في حلقته، وفجئه الموت قبل أوان الرواية.
    (193) نقله عنه الكرماني في الكواكب الدراري (1/19).
    (194) والذي تعقبه هو الكرماني في نفس الموضع السابق.
    (195) في شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح (ص140).
    (196) وهو الملقب الـمُرَقِّش الأكبر، واسمه عمرو أو ربيعة بن سعد بن مالك، والبيت من البسيط ومنسوب له كما في المفضليات (ص431).
    قال الجوهري في الصحاح (4/1658): والجُلَّى: الأمر العظيم، وقال الخليل في العين (7/288): سرو: السَّرْوُ: سَخاء في مروءة ..... فهو: سَرِيٌّ من قومٍ سَراة.
    (197) الكواكب الدراري (1/19).
    (198) ذكره البرماوي في اللامع الصبيح (1/30).
    (199) عزاه العراقي في طرح التثريب (2/25) للنووي، ولم أجده في شيء من كتب النووي، بل ذكر النووي في شرحه على مسلم (13/55) أن ذكر المرأة مع الدنيا من باب ذكر الخاص بعد العام.
    (200) قاله ابن العطار في العدة في شرح العمدة (1/46)، وابن الملقن في الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (1/204).
    (201) قاله البرماوي في اللامع الصبيح (1/30).
    (202) تقدم (1/10).
    (203) عزاه له ابنُ الملقن - في المصدر الآنف قريبًا - في كتابه (جمع العلوم الكليات في الكلام على حديث إنَّما الأعمال بالنيات).
    (204) في شرحه (1/32).
    (205) سراج بن سراج بن محمد بن سراج أبو الزناد القرطبي (ت 422ه)، كان من أهل العلم ثقة صدوقًا. الصلة لابن بشكوال (ص221).
    (206) الكواكب الدراري (1/19).
    (207) قلت: بل هو المرجوح، والأول هو الراجح في عبادتي الجهاد والـهجرة دون ما سواهما من العبادات إذا خالطت النيةَ فيهما إرادةُ شيء مباح من عرض الدنيا - والله أعلم -، فمن أراد بهجرته أو بجهاده الجمع بين مرضاة الله تعالى، وبين إصابته لعرض من الدنيا؛ فإنه ليس له أجر من تلك الهجرة أو من ذلك الجهاد إلا ما أصاب من هذه الحياة الدنيا.
    فقد أخرج النسائي في الكبرى (4333)، وفي المجتبى (3140) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ، مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا شَيْءَ لَهُ» فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا شَيْءَ لَهُ» ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ». حسنه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (ص1754) (ح4269)، وجَوَّد إسناده ابن حجر في الفتح (6/28).
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (17/496): وَالْقِتَالُ لَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ الْغَنِيمَةِ فَلَيْسَتْ الْغَنِيمَةُ كَمُبَاحٍ اشْتَرَكَ فِيهِ نَاسٌ مِثْلَ الِاحْتِشَاشِ وَالِاحْتِطَابِ وَالِاصْطِيَادِ فَإِنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ مَقْصُودُهُ هُوَ اكْتِسَابُ الْمَالِ بِخِلَافِ الْغَنِيمَةِ، بَلْ مَن قَاتَلَ فِيهَا لِأَجْلِ الْمَالِ لَمْ يَكُنْ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلِهَذَا لَمْ تُبَحْ الْغَنَائِمُ لِمَنْ قَبْلَنَا وَأُبِيحَتْ لَنَا مَعُونَةً عَلَى مَصْلَحَةِ الدِّينِ.
    وقال (17/484): كَانَ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا لَا يَأْكُلُونَ الْقُرْبَانَ؛ بَلْ تَأْتِي نَارٌ مِنْ السَّمَاءِ فَتَأْكُلُهُ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى:(الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين) [آل عمران: 183]، وَكَذَلِكَ كَانُوا إذَا غَنِمُوا غَنِيمَةً جَمَعُوهَا ثُمَّ جَاءَتْ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا لِيَكُونَ قِتَالُهُمْ مَحْضًا للهِ لَا لِلْمَغْنَمِ، وَيَكُونَ ذَبْحُهُمْ عِبَادَةً مَحْضَةً للهِ لَا لِأَجْلِ أَكْلِهِمْ، وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِمْ لِكَمَالِ يَقِينِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ وَأَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ للهِ وَلَوْ أَكَلُوا الْمَغْنَمَ، وَيَذْبَحُونَ للهِ وَلَوْ أَكَلُوا الْقُرْبَانَ.
    (208) أخرجه في المجتبى (3340) و(3341)، وفي الكبرى (5374)، و(5478/1)، و(5478/2)، وأخرجه وعبد الرزاق في مصنفه (10417)، وابن سعد في طبقاته (8/314:312)، وابن أبي شيبة في مصنفه (18587 شيبة)، والبزار في مسنده (6448)، والبغوي في معجم الصحابة (827)، والطبراني في الكبير (4687)، والحاكم في مستدركه (2735)، والبيهقي في الكبرى (13869).
    وجاء رفعه بذكر إقرار النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي داود الطيالسي في مسنده (2168)، وحرب الكرماني في مسائله (1/304 فاير حابس)، والبزار في مسنده (7310)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (3/17).
    وضعف أحمد رفعه كما في مسائل ابن هانئ (2218).
    (209) الجزم بأن أبا طلحة رضي الله نوى أن يسلم، ونوى معه، أو به الزواج فيه نظر، إذ جواز التزوج على الإسلام أو تعليم السورة من القرآن مختلف فيه بين العلماء، فلاستدلال به على صرف ظاهر الحديث - وهو عدم جواز جمع نية أخرى مع نية الهجرة، والإسلام أكبر هجرة - غير مُسَلَّمٌ له.
    فعند النسائي، وابن سعد، وابن أبي شيبة أن أبا طلحة رضي الله عنه تردد لما قالت له أم سليم رضي الله عنها: (فَإِنَّكَ إِنْ أَسْلَمْتَ لَمْ أُرِدْ مِنْكَ صَدَاقًا غَيْرَهُ)، وقال لها: (دَعِينِي حَتَّى أَنظُرَ فِي أَمْرِي، فَذّهب فَنَظَرَ).
    وكان هذا الذهاب منه رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما عند الطيالسي، البزار، وابن عساكر في تاريخ دمشق (19/403)، عندما قالت له أم سليم رضي الله عنها: (مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا طَلْحَةَ؟ قَالَ: جئتُ خَاطِبًا، قَالَتْ: أسلمتَ؟ قَالَ: لا، قَالَ: مَا تَسْأَلِينَ عَنْ إِسْلَامِي؟ قَالَتْ: لَمْ أَكُنْ أَتَزَوَّجُكَ وَأَنْتَ مُشْرِكٌ، قَالَ: لَا وَاللهِ مَا هَذَا دَهْرُكِ، قَالَتْ: فَمَا دَهْرِي؟ قَالَ: دَهْرُكِ فِي الصَّفْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ، قَالَتْ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ، وَأُشْهِدُ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيه وَسَلَّم، أَنَّكَ إِنْ أسلمتَ، فَقَدْ رضيتُ بِالإِسْلامِ مِنْكَ، قَالَ: فَمَنْ لِي بِهَذَا؟ قَالَتْ: يَا أَنَسُ، قُمْ فَانْطَلِقْ مَعَ عمك، فَقَامَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى عَاتِقِي، فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى كُنَّا قَرِيبًا مِنْ نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيه وَسَلَّم، فَسَمِعَ كَلامَهُ، فَقَالَ: هَذَا أَبُو طَلْحَةَ، بَيْنَ عَيْنَيْهِ غرةُ الإِسْلامِ، حَتَّى جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيه وَسَلَّم، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُولُهُ، فَزَوَّجَهُ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيه وَسَلَّم عَلَى الإِسْلامِ .......).
    وجاء عند حرب الكرماني، والطحاوي أن النبي صلى الله عليه وسلم حسَّن زواجهما على ما قالته أم سليم رضي الله عنها.
    فالزواج على الإسلام أو تعليم السورة من القرآن منعه مالك، والليث، وأبو حنيفة، ومكحول، وإسحاق، وأحمد في أحد روايته - انظر المغني لابن قدامة (7/214) -، وجعله الليث خاصًا بالنبي صلى الله عليه وسلم أن يزوج بالقرآن أو بالإسلام - انظر شرح معاني الآثار للطحاوي (3/18:16) -.
    (210) إحياء علوم الدين (4/384).
    (211) وما نقله الحافظ - رحمه الله تعالى - عن ابن جرير الطبري فيه نظر.
    فقد قال ابن جرير في نهذيب الآثار مسند عمر (2/807): خَبَر عُمَرَ إِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ الَّتِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهَا مِنْ رَبِّهِمُ الثَّوَابَ، وَالَّتِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهَا مِنْهُ الْعِقَابَ، وَمَا مِنْهَا للهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَمَا مِنْهَا لِغَيْرِهِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَفْتَرِقُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَبْدِ فِيهِ، وَفِي أَوَّلِ حَالِ دُخُولِهِ فِيهِ، فَإِذَا كَانَ ابْتِدَاؤُهُ فِيهِ للهِ لَمْ يَضْرُرْهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا عَرَضَ فِي نَفْسِهِ وَخَطَرَ بِقَلْبِهِ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَوَسْوَاسِ الشَّيْطَانِ، وَلَا يُزِيلُهُ عَنْ حُكْمِهِ إِعْجَابُ الْمَرْءِ بِاطِّلَاعِ الْعِبَادِ عَلَيْهِ بَعْدَ تَقَضِّيهِ وَمُضِيِّهِ عَلَى مَا نَدَبَهُ اللهُ إِلَيْهِ خَالِيًا مِمَّا نَهَاهُ عَنْهُ وَكَرِهَهُ لَهُ، وَلَا سُرُورُهُ بِذَلِكَ. وَإِنَّمَا الْمَكْرُوهُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَبْتَدِئَهُ بِالنِّيَّةِ الْمَكْرُوهِ ابْتِدَاؤُهُ بِهَا، أَوْ يَعْمَلَهُ وَهُوَ فِي حَالِ شُغْلِهِ بِهِ غَيْرَ مُخْلِصٍ للهِ، فَذَلِكَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ عَامِلُهُ عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ الْعِقَابَ، وَيَبْطُلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِ مِنَ الثَّوَابِ، وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ الْمُتَقَدِّمُو نَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالسَّلَفِ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ.
    فالذي نقله ابن جرير عن السلف: هو عدم الضرر مما يعرض في نفس العبد أو يخطر بقلبه من حديث النفس ووساوس الشيطان، ولم ينقل عنهم عدم الضرر مما يعرض في النفس من عقد نية أخرى بخلاف النية التي ابتدأ بها العمل.
    (212) حديث رقم (54).

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    أتريب, بنها, القليوبية, مصر
    المشاركات
    19

    افتراضي رد: تعليقاتي على شرح الحافظ ابن حجر لحديث (إنما الأعمال بالنيات)

    تجدون على الرابط التالي نسخة بصيغة pdf منسقة الحواشي تبعا لكل صفحة على حدة
    https://www.ahlalhdeeth.com/vb/attac...9&d=1555782915

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •