تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي - الصفحة 2
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 40 من 49
3اعجابات

الموضوع: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    1,044

    افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

    والاعتراض الثَّامِن الْمُعَارضَة. وَهُوَ ضَرْبَان: مُعَارضَة بالنطق، ومعارضة بِالْعِلَّةِ.
    فالمعارضة بالنطق مثل: أن يسْتَدلّ الشَّافِعِي فِي تَحْرِيم شعر الْميتَة بقوله تَعَالَى: {حرمت عَلَيْكُم الْميتَة}
    فيعارضه الْحَنَفِيّ بقوله تَعَالَى: {وَمن أصوافها وأوبارها وَأَشْعَارهَا أثاثا ومتاعا إِلَى حِين}
    الْجَواب عَنهُ من وَجْهَيْن:
    أحدهما: أن يتَكَلَّم على الْمُعَارضَة بِمَا يعْتَرض بِه لو استدل به ابتداء.
    أوْ يرجح دَلِيله على الْمُعَارضَة.
    وإن كَانَت الْمُعَارضَة بعلة تكلم عَلَيْهَا بِمَا يُتكلم على الْعِلَل ليسلم دَلِيله.

    أقول: الاعتراض الثامن هو المعارضة وهي: مقابلة دليل الخصم بدليل آخر. وهي نوعان:
    الأول: معارضة بالنطق- من كتاب وسنة- كأن يستدل المستدل بآية من كتاب الله فيقابله السائل بآية أخرى.
    مثاله: استدلال الشافعي في تحريم الانتفاع بشعر الميتة بقوله تعالى: حرمت عليكم الميتة. ولم يفرق بين الشعر وغيره.
    فيعارضه الحنفي بجواز ذلك مستدلا بقوله تعالى: ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين. ولم يفرق بين ما يؤخذ في حال الحياة وبين ما يؤخذ بعد الموت.
    والجواب عن المعارضة بوجهين:
    أحدهما: أن يتكلم على المعارضة كما لو أنها ذكرت ابتداء أي كما لو أنها حجة مبتدأة لم تذكر على وجه المعارضة، فلو أن الحنفي ابتدأ بالآية السابقة كدليل له على مسألته، فحينئذ للشافعي أن ينظر فيها بما ذكرناه من الاعتراضات السبعة المتقدمة كالتأويل أو الإجمال([1] )
    وثانيهما: أن يرجح دليله على المعارضة كأن يقول هنا: إن التمسك بآيتنا أولى لأنها وردت لبيان المحرم، وأن الميتة محرمة علينا، ووردت الأخرى للامتنان بما أُحل لنا. فالأولى أولى لأنها قصدت لبيان الحكم.
    الثاني: المعارضة بالقياس كأن يخصص آية المستدل بالقياس، أو يصرف ظاهرها به.
    مثاله: استدلال الشافعي في قتل شيوخ المشركين بقوله تعالى: فاقتلوا المشركين
    فيقول المخالف معارضا: لا يجوز قتل شيوخ الكفار لأنهم ليسوا من أهل القتال كالنساء.

    والطريق في الجواب أن يتكلم على العلة بما يسقطها من الوجوه التي سيأتي ذكرها في باب القياس ليسلم له الظاهر والعموم كأن يقول: هذه العلة مخالفة للنص على قتل شيوخ المشركين الوارد في حديث الترمذي السابق.


    ([1] ) أجاب أصحابنا كما في المجموع: إنها محمولة على شعر المأكول إذا ذكي أو أخذ في حياته كما هو المعهود. ولكن ذكر الإمام أبو إسحاق في الملخص ما نصّه: فليس للمستدل أن يحمل آية السائل على ما يؤخذ في حال الحياة بدليل آيته الخاصة إلا وللسائل أن يحمل آية المستدل على غير الشعر بدليل آيته الخاصة في الأشعار. اهـ

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    1,044

    افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

    بَاب الْكَلَام على الِاسْتِدْلَال بِالسنّةِ
    وَذَلِكَ من ثَلَاثَة أوجهٍ:
    أحدها: الرَّد.
    وَالثَّانِي: الْكَلَام على الإسناد.
    وَالثَّالِث: الْكَلَام على الْمَتْن.
    فأما الرَّد فَمن وُجُوهٍ:
    أحدها: ردُّ الرافضةِ. وَذَلِكَ مثل ردهم أخبارنا فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ، وإيجاب غسل الرجلَيْن، فقَالُوا: هَذِه أخبار آحاد وَنحنُ لَا نقُول بِهِا.
    والْجَوَابُ من ثَلَاثَةِ أوجهٍ:
    أحدها: أن نقُول: أخبار الآحاد أصل من أصول الدّين؛ فانْ لم تسلِّمُوا نقلنا الْكَلَام إليه.
    وَالثَّانِي: أن نقولَ: إنَّ هَذَا تَوَاتر من طَرِيق الْمَعْنى فإن الْجَمِيع مُتَّفق على الدّلَالَة على الْمسْح على الْخُفين وإيجاب غسل الرجلَيْن، وإن كَانَ فِي كل قضيَة مِنْهَا خبر الْوَاحِد فَوَقع الْعلم بهَا كالأخبار عَن شجاعة عَليّ وسخاء حَاتِم.
    وَالثَّالِث: أن يناقضوا فِيمَا خالفونا فِيهِ فإنهم أثبتوها بأخبار الآحاد.


    أقول: قد مضى الكلام في الاستدلال بالكتاب والاعتراض عليه والجواب عنه، والكلام ها هنا في بيان وجوه الاعتراض على السنة والجواب عنه فنقول:
    الاعتراض على السنة يتأتى من ثلاثة أوجه: من جهة الرد أي رد الخبر لكونه خبر آحاد، ومن جهة الإسناد، ومن جهة المتن.
    فأما من جهة الرد فيقع على أنحاء:
    الأول: رد الشيعة الإمامية أخبار أهل السنة في المسح على الخفين، وفي وجوب غسل الرجلين. فقالوا: هذه أخبار آحاد ونحن لا نقول بها.
    والجواب من ثلاثة وجوه:
    أحدها: أن نقول: أخبار الآحاد أصل من أصول الدين يثبت بها الأحكام الشرعية؛ فإن لم تسلموا ذلك نقلنا الكلام إليه، أي انتقلنا لإثبات أن أخبار الآحاد حجة وطريق من طرق إثبات الأحكام فنستدل بقوله تعالى: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قوهم إذا رجعوا إليهم لعلم يحذرون. وقوله تعالى: إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا. فدل على أن العدل يقبل قوله، وغيرها من الأدلة الواضحة الدالة على قبول خبر الواحد.
    ثانيها: أن نمنع أنها أخبار آحاد فإنها متواترة تواترا معنويا فإن جميع تلك الروايات متفقة على مسح الخفين وأنه صلى الله عليه وسلم مسح على خفيه، وعلى إيجاب غسل الرجلين في الوضوء، وإن كان كل حديث وقضية خبر واحد بمفرده، فيحصل العلم بمجموعها علما قطعيا، وذلك نظير الأخبار عن شجاعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكرم حاتم الطائي فإن كل خبر منفردا يفيد الظن، ولكن بمجموعها يحصل التواتر والعلم.
    ثالثها: أن يُناقضوا فيما خالفونا فيه من المسائل مما أثبتوه بأخبار الآحاد في أبواب الطهارة والصلاة والزكاة وغيرها مما هو مدون في كتبهم. فيقال حينئذ: هذا تناقض منكم كيف تعترضون على إثباتنا لتلك الفروع بأخبار الآحاد- إن سلمنا أنها ليست متواترة- ثم تثبتون تلك الأحكام بخبر الآحاد!

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    1,044

    افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

    وَالثَّانِي: ردُّ أصحابِ أبي حنيفَة فِيمَا يعمُّ بِهِ الْبلوى.
    كردِّهمْ خبرنَا فِي مسِّ الذّكرِ، قَالُوا: مَا يعمُّ بِهِ الْبلوى لَا يقبلُ فِيهِ خبرُ الْوَاحِدِ.
    وَالْجَوَابُ: أن عندنَا يقبلُ، فإنْ لم يُسلِّمُوا دلَّلْنا عَلَيْهِ.
    ولأَنهم عمِلُوا بِهِ فِي: الْمَنْع مِنْ بيعِ دورِ مَكَّةَ، وإيجابِ الْوترِ، وَالْمَشْي خلفَ الْجِنَازَةِ.


    أقول: الرد الثاني لخبر الآحاد هو ردّ الحنفية قالوا: المسألة إذا كانت مما تعمّ بها البلوى لا نقبل فيها خبر الواحد. توضيحه: إن من الأحكام ما تعمّ به البلوى([1] ) وهو: ما يحتاج كل أحد إلى معرفته. أي أن كل المكلفين أو أغلبهم يحتاجون إلى معرفة ذلك الحكم الشرعي للعمل به فعلا أو تركا لتكرر وقوعه وذلك مثل: أحكام الوضوء ونواقضه والصلاة ومبطلاتها والصوم ومفطراته ونحوه.
    فإذا علم هذا فقد ذهب الحنفية إلى أن خبر الواحد فيما يتكرر وقوعه وتعمّ به البلوى لا يقبل دون تلقي الأمة له بالقبول؛ لأن ما تعم به البلوى يكثر سؤال الناس عنه لشدة احتياجهم إليه فتقتضي العادة نقله نقلا متواترا لتوفر الدواعي على نقله.
    وذهب الجمهور إلى قبول خبر الواحد إذا صح سنده لا فرق بين ما عمت به البلوى وما لا تعم به البلوى.
    ومن أمثلة ذلك ردّ الحنفية حديث: من مسّ ذكره فلا يصل حتى يتوضأ. رواه الترمذي وغيره. لأن الحكم الذي تضمنه مما تعم به البلوى فلا يقبل فيه خبر الواحد وهو بسرة بنت صفوان.
    والطريق في الجواب:
    1- أن يبين أنه عندنا يقبل؛ فإن لم يسلموا صحة ما ذهبنا إليه نقلنا الكلام على هذا الأصل وتكلمنا في إثباته فنقول: إن الله تعالى قال: إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا. فدل على لزوم العمل بخبر الواحد إذا كان عدلا سواء أكان فيما تعم به البلوى أم لا. وأيضا فقد رجع الصحابة إلى حديث عائشة وحدها في وجوب الغسل عند التقاء الختانين كما في صحيح مسلم وهو مما تعم به البلوى.
    2- أن يناقضوا فيقال: فأنتم أنفسكم قد عملتم بخبر الواحد في مسائل مما تعم بها البلوى فمن ذلك:
    إيجاب الوتر بحديث: إن الله زادكم صلاة وهي الوتر. رواه أحمد.
    استحباب المشي خلف الجنازة([2] ) استدلوا فيه بحديث للترمذي: الجنازة متبوعة ولا تتبع وليس منها من تقدمها.
    المنع من بيع دور مكة([3] ) استدلوا فيه بحديث ضعيف رواه البيهقي: مكة مُناخٌ لا تباع رِباعها ولا تؤاجر منازلها. مناخ أي محل للمناخ أي إبراك الإبل ونحوها والرباع أي المساكن.




    ([1] ) العموم في اللغة بمعنى الشمول، والبلوى هي الاختبار والامتحان أي شمول الاختبار والتكليف بالفعل لعموم المكلفين.

    ([2] ) مذهب أصحابنا أن المشي أمام الجنازة أفضل.

    ([3] ) مذهبنا جواز بيع دور مكة وتأجيرها.

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    1,044

    افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

    وَالثَّالِثُ: ردُّ أصحابِ مَالكٍ فِيمَا خَالفَ الْقيَاسَ.
    كردِّهم خبرنَا فِي طَهَارَةِ جُلُودِ الْميتَةِ؛ أَنَّهُ مُخَالفٌ للْقِيَاسِ فَلَا يُقبلُ.
    وَالْجَوَابُ: أنَّ خبرَ الْوَاحِدِ عندنَا مقدَّمٌ على الْقيَاسِ، فإنْ لم يُسلِّمُوا دلَّلنا عَلَيْهِ وَتناقضوا بِمَا قبِلوا فِيهِ خبرَ الْوَاحِدِ وقدّمُوهُ على الْقيَاسِ.

    أقول: الرد الثالث لخبر الآحاد هو ردّ المالكية قالوا: إذا خالف خبر الواحد القياس فلا نقبله.
    فإذا خالفَ خبر الآحاد القياس ولم يمكن الجمع بينهما فقد اختار المالكية([1] ) تقديم القياس عليه؛ لاشتمال القياس على علة الحكم وحكمته فهو أولى.
    مثاله: إذا استدل الشافعي في طهارة جلود الميتة بالدبغ بقوله صلى الله عليه وسلم: أيما إهاب دُبغ فقد طهر. رواه الأربعة.
    فيقول المالكي: هذا الخبر مخالف للقياس؛ لأن القياس أن ما نجس بالموت لا يطهر بالمعالجة كسائر الأجزاء، وخبر الواحد إذا خالف القياس وجب إطّراحه.
    والجواب من أوجه:
    أحدها: أن يقول: هذا أصل من أصولنا أن خبر الواحد مقدم على القياس؛ فإن سلمتم ذلك وإلا نقلنا الكلام إليه.
    والثاني: أن يتكلم على هذا الأصل ويدل عليه، بأن يقول: إن الأدلة الدالة على قبول خبر الآحاد لم تقيد بكونه لا يخالف القياس فوجب الأخذ بالدليل، وأيضا القياس يدل على قصد صاحب الشرع من طريق الاستدلال والاستنباط، وخبر الواحد يدل على قصده من طريق التصريح، فكان الرجوع إلى التصريح هو المتعين.
    الثالث: أن يبين المواضع التي عملوا فيها بخبر الواحد، وتركوا القياس، فيستدل بذلك على بطلان ما قالوه.
    مثاله: مسألة المصرّاة وهي الشاة ونحوها يشد على ضرعها بالشد وترك الحلب لمدة حتى يظن المشتري أنها كثيرة الحليب ثم بعد حلبها يتبين أنها ليست كذلك فهذه ورد فيها حديث رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: لا تَصَرُّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها: إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاعَ تمر. فهذا الحديث فيه مخالفة للقياس؛ فإن القياس إن الضمان يكون برد مثله في المثليات وقيمته في القيميات فيلزم بقيمة اللبن أو مثله كما هو ضمان سائر المتلفات. أما أن يضمن بصاع تمر فهذا مخالف للقياس. ومع هذا أخذ المالكية به تقديما للخبر على القياس.


    ([1] ) حصل اختلاف في النقل عنهم واختلف المالكية أنفسهم.

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    1,044

    افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

    وَالرَّابِعُ: ردُّ أصحابِ أبي حنيفَة فِيمَا خَالفَ قِيَاسَ الأُصولِ.
    كردِّهم خبرنَا فِي الْمُصرَّاة والقُرعة وَغَيرِهمَا.
    وَالْجَوَاب: أن قِيَاسَ الأصول هُوَ الْقيَاسُ على مَا ثَبت بالأصولِ وَقد بَيّنا الْجَواب عَنهُ.
    ولأنهم ناقضوا فعملوا بِخَبَر الْوَاحِد فِي: نَبِيذ التَّمْرِ، وقهقهةِ الْمُصَلِّي، وأكلِ النَّاسِي فِي الصَّوْمِ.

    أقول: الرد الرابع لخبر الآحاد هو رد الحنفية أيضا قالوا: إذا خالف خبر الواحد قياس الأصول فلا نقبله.
    توضيحه: اعلم أن الأصول هي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فقول الحنفية([1] ) : "قياس الأصول" يفهم منه قياس فرع على أصل ثبت بالكتاب أو السنة أو الإجماع فحينئذ لا يظهر فرق بين قولهم وقول المالكية فالفريقان على رد خبر الواحد إذا خالف القياس.
    مثاله: حديث المصراة السابق فهو مخالف للقياس فلهذا ردوه وقالوا: لا يرد البيع بعيب، وليس له رد الشاة بل له أخذ الفرق عن نقصان ثمن الشاة إذا تبين أنها مصرَّاة.
    مثال آخر: حديث القرعة وهو ما أخرجه أبو داود وغيره عن عمران بن حصين أن رجلا أعتق ستة أعبد عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال له قولا شديدا، ثم دعاهم فجزأهم ثلاثة أجزاء، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرقّ أربعة. فإن الحنفية لم يقبلوه لكونه خبر آحاد قد خالف القياس؛ لأن القرعة تؤذي المستحق فإذا لم يوزع العتق عليهم فقد حرم بعضهم بعض حصته؛ فالحكم عندهم أن يعتق من كل واحد منهم ثلثه.
    مثال آخر: حديث التفليس وهو ما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَن أدرك ماله بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره. أي سواء كان وارثا أم لا، وبهذا قال جمهور العلماء أن من اشترى متاعا ثم أفلس ولم يدفع الثمن فالبائع يستحق أخذ ماله، وخالفت الحنفية فلم يقبلوه لكونه خبر آحاد خالف القياس فإن السلعة صارت بالبيع ملكا للمشتري، وصار البائع أجنبيا عنها كسائر أمواله، فاستحقاق البائع أخذها منه نقض لملكه، فالقياس أن يكون هذا المبتاع كسائر الغرماء.
    والجواب: أن هذا هو ما قاله أصحاب مالك فالرد عليهم هو عينه الرد عليكم.
    وجواب آخر وهو أن يقال: قد ناقضتم أنفسكم فإنكم تركتم القياس بخبر الواحد في مواضع منها:

    1- قالوا: القياس أنه لا يجوز الوضوء بنبيذ التمر لتغير طعم الماء ، وصيرورته مغلوبا بطعم التمر ، فكان في معنى الماء المقيد ولكن تركناه لحديث ابن مسعود سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في إداوتك- إناء من جلد يتخذ للماء- فقلتُ: نبيذٌ، فقال: ثمرة طيبة وماء طهور. قال: فتوضأ منه. رواه أبو داود وهو ضعيف.
    2- قالوا: القياس أن القهقهة في الصلاة لا تبطل الوضوء لأنها ليست بخارج نجس بل هي صوت كالبكاء والكلام، ولكنا تركناه وأوجبنا بطلان الوضوء والصلاة لحديث: ألا من ضحك منكم قهقهة فليعد الوضوء والصلاة جميعا. رواه ابن عدي. وهو حديث ضعيف.
    3- قالوا: القياس: أن من أكل أو شرب ناسيا بطل صومه لفوات ركن الصوم وهو الإمساك غير أنا تركناه لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من نسي وهو صائم فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه. متفق عليه.



    ([1] ) في أصول السرخسي وغيره من كتبهم ما حاصله: أن الصحابي راوي الحديث إن كان معروفا بالفقه كالخلفاء الراشدين قبل خبره خالف القياس أم لا، وإن لم يكن معروفا بالفقه كأبي هريرة وأنس بن مالك فما خالف القياس وتلقته الأمة بالقبول قبل، فإن لم تتلقه الأمة بالقبول وخالف جميع الأقيسة بحيث لا يوافق القياس من أي وجه وانسد باب الرأي بالكلية رد، ومثلوا له بحديث المصراة.

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    1,044

    افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

    وَالْخَامِسُ: ردُّ أصحابِ أبي حنيفَة فِيمَا يُوجبُ زِيَادَةً فِي نَصِّ الْقُرْآنِ وأنَّ ذَلِكَ نسخٌ.
    كخبرِنا فِي إيجاب التَّغْرِيبِ. فَقَالُوا: هَذَا يُوجبُ زِيَادَة فِي نَص الْقُرْآن، وَذَلِكَ نسخٌ، وَلَا يقبلُ فِيهِ خبرُ الْوَاحِدِ.
    وَالْجَوَاب: أن ذَلِك لَيْسَ بنسخ عندنَا؛ لَأن النّسخ هُوَ الرّفْع والإزالة وَنحن لم نرفع مَا فِي الآية.
    ولأنهم ناقضوا فزادوا النَّبِيذ فِي آية التَّيَمُّم بِخَبَر الْوَاحِد.


    أقول: الرد الخامس لخبر الآحاد هو رد الحنفية أيضا قالوا: إذا زاد خبر الواحد حكما على نص القرآن فلا نقبله لأنه نسخ، والقرآن لا ينسخ بخبر الواحد. وهذه المسألة تسمى الزيادة على النص. توضيحه:
    إذا أمر الشارع بعبادة ثم جاء نص آخر فزاد في تلك العبادة جزءا أو شرطا فهل تعد تلك الزيادة نسخا للنص الأول باعتبار أنه كان خاليا من تلك الزيادة ثم زادها النص الثاني أو لا تعد نسخا؟
    قولان: ذهب الحنفية إلى أن ذلك نسخ، وذهب الجمهور إلى أنه ليس بنسخ، فعلى القول بأنه نسخ لو كان النص الذى أتى بالزيادة هو خبر آحاد، والنص الأول هو آية من القرآن فلا يصح النسخ ولا يقبل ذلك الحكم الزائد، وقال الجمهور يقبل لأن ذلك ليس من النسخ في شيء.
    مثاله: استدلال الشافعي في إيجاب النية في الوضوء بقوله صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات. رواه البخاري ومسلم.
    فيقول الحنفي: هذا يتضمن زيادة في نص القرآن وهو قوله عز وجل: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا.. لأن الآية تضمنت أربعة أركان فتفيد حصول الإجزاء بها وجاء حديث الآحاد فأضاف لها ركنا خامسا وهو النية فيفيد أن الوضوء لا يجزئ إلا بها، فكان نسخا للآية، والقرآن لا ينسخ بحديث الآحاد.
    مثال آخر: استدلال الشافعي في إيجاب التغريب والنفي من البلد مدة عام على الزاني بقوله صلى الله عليه وسلم: خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم. رواه مسلم.
    فيقول الحنفي: هذا زيادة على نص القرآن، فإن الحديث أضاف على نص الآية: فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة. تغريب عام فيكون نسخا ولا ينسخ القرآن بحديث الآحاد. و لهذا لم يوجبوا التغريب.
    والجواب: أن يقول: هذا ليس بنسخ عندنا؛ لأن النسخ هو الرفع والإزالة، وخبر الواحد لا يرفع شيئا من المذكور بل يبقي المذكور كما كان ويضيف إليه شيئا آخر فلا يكون ذلك نسخا، ألا ترى أنه إذا كان في الكيس دراهم وأضيف إليه شيء آخر كدينار لا يقال: إنه رفع ما في الكيس، وإذا كتب كتابا ثم كتب في حاشيته شيئا آخر لا يقال: إنه رفع ما في الكتاب. من الملخص.
    وجواب آخر وهو أن يقال: قد ناقضتم أنفسكم؛ لأنكم أثبتم جواز الوضوء بنبيذ التمر بخبر الواحد، وهذا زيادة على نص القرآن- فإن القرآن فيه الوضوء بالماء وأنتم زدتم على قوله تعالى: فإن لم تجدوا ماء فتيمموا. نبيذ التمر عند عدمه في السفر- بخبر الواحد فسقط ما قلتموه.

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    1,044

    افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

    وأمّا الإسنادُ فَالْكَلَام فيه مِن وَجْهَيْن:
    أحدهما: الْمُطَالبَة بإثباته وَهَذَا يكون فِي الأخبار الَّتِي لم تدوّنْ فِي السّنَن وَلم تسمع إلا مِن الْمُخَالفينَ.
    كاستدلال الْحَنَفِيّ فِي صَدَقَة الْبَقر بِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: فِي أربعينَ مُسِنَّةٌ، وَفِيمَا زَادَ فبحسابهِ.
    وَالْجَوَاب: أن يبين إسناده، أَو يحيله على كتاب مُعْتَمد.
    وَالثَّانِي: الْقدح فِي الإسناد وَهُوَ من ثَلَاثَة أوجهٍ:
    أحدها: أن يذكر فِي الرَّاوِي سَببا يُوجب الرَّد مثل أن يَقُول: إنه كَذَّابٌ، أوْ مُبْتَدع، أَوْ مُغفّلٌ.
    فَالْجَوَاب أن يبين للْحَدِيث طَرِيقا آخر.
    وَالثَّانِي: أن يذكر أَنَّهُ مَجْهُولٌ.
    فَالْجَوَاب: أن يبين للْحَدِيث طَرِيقًا آخر، أوْ يزِيل جهالته بِرِوَايَة الثِّقَات عَنهُ، أوْ ثَنَاء أصحاب الحَدِيث عَلَيْهِ.
    وَالثَّالِث: أن يذكر أنَّهُ مُرْسلٌ.
    فَالْجَوَاب: أن يبين أنه مُسْند.
    أوْ يَقُول: الْمُرْسلُ كالمسندِ إنْ كَانَ مِمَّن يعْتَقد قبُول الْمَرَاسِيل.


    أقول: أما الكلام في الإسناد فمن وجهين:
    أحدهما: من جهة المطالبة ببيان الإسناد.
    والثاني: من جهة القدح.
    فأما المطالبة فهو: أن يروي المستدل حديثا فيطالبه بإسناده. وهذا على وجهين:
    1- أن يذكر حديثا معروفا إسناده لا يخفى على أمثاله كحديث: إنما الأعمال بالنيات، فهذا لا يحسن فيه المطالبة بإسناده، فإن تعنت وطالب به فيذكر له من رواه ويحيله على كتب الحديث.
    2- أن يذكر حديثا غير معروف لم يدون في السنن ولم يسمع إلا من المخالفين يتداولونه في كتبهم الفقهية.
    مثاله: استدلال الحنفية في زكاة البقر بروايتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: في أربعين مُسنّةٌ، وفيما زاد فبحسابهِ([1] )
    فيقول له الشافعي: أين إسناد الحديث.
    والجواب: أن يذكر إسناده ويبين رجاله، أو يحيله على كتاب معتمد من كتب الحديث.
    وأما القدح في الإسناد والطعن فيه فمن ثلاثة أوجه:
    أحدها: أن يقدح في الراوي بطعن يوجب ردّ حديثه.
    كأن يقول: هذا الراوي كذاب، أو مبتدع كرافضي أو قدري، أو مغفل كثير الوهم والخطأ.
    والجواب: أن يبين للحديث طريقا آخر إن أمكن.
    ثانيها: أن يذكر أن الراوي مجهول.
    والجواب: أن يذكر للحديث طريقا آخر يسلم من الطعن إن أمكنه.
    أو يرفع جهالته ببيان رواية الثقات عنه، أو من وثقه من أصحاب الحديث.
    ثالثها: أن يذكر أن الحديث مرسل والمرسل ضعيف.
    والجواب: أن يبين أنه مسند من وجه آخر أي أنه روي مرسلا ومسندا، والمسند زيادة ثقة فيصار إليه.
    أو يقول: المرسل عندي كالمسند إن كان يعتقد قبول المراسيل، وأن الثقة إنما يرسل لقطعه بصحة الخبر([2] )



    ([1] ) رواه الترمذي بلفظ: ومن كل أربعين مسنة.

    ([2] ) ذكر الإمام أبو إسحاق في الملخص أمثلة لتلك الأوجه الثلاثة- ص 249 وما بعدها- أعرضت عنها اختصارا لوضوح المطلب لطالب الحديث.

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    1,044

    افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

    وأضافَ أصحابُ أبي حنيفَةَ إلى هَذا وُجُوهًا أخر مِنْهَا أن يَقُول:
    السّلفُ رَدُّوهُ.
    كَمَا قَالُوا فِي حَدِيث الْقسَامَة: أن عَمْرو بن شُعَيْب قَالَ: وَاللـهِ مَا كَانَ الحَدِيث كَمَا حدّثَ سَهلٌ.
    فَالْجَوَاب: أنَّه إذا كَانَ الرَّاوِي ثِقَة لم يرد حَدِيثه بإنكار غَيرِه؛ لَأن الْمُنكِر يَنْفِي والراوي يثبت والإثبات مقدّم على النَّفْي، لَأن مَعَ الْمُثبِت زِيَادَة علمٍ.


    أقول: ومن الوجوه التي قدح بها في الإسناد وليست بقادحة ما قاله الحنفية: إن السلف قد طعنوا في الحديث.
    مثاله: حديث الأيمان في القَسَامة([1] ) فعن سهل بن أبي حَثْمَة - رضي الله عنه - قال: انطلق عبد الله بن سهل، ومُحَيّصَةُ بن مسعود بن زيد إلى خيبر، وهي يومئذ صلح فتفرّقا. فأتى مُحيّصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتَشَحَّطُ في دمه قتيلًا، فدفنه، ثم قدم المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحُوَيَّصَة ابنا مسعود إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذهب عبد الرحمن يتكلم فقال: كَبر كَبر، وهو أحدث القوم فسكت. فتكلما فقال: تحلفون وتستحقون قاتلَكم، أو صاحبَكم. قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ قال: فَتُبْريْكُم يهود بخمسين. فقالوا: كيف نأخذ أَيمانَ قومٍ كفار؟ فَعَقَلَه([2] ) النبي - صلى الله عليه وسلم - من عنده. رواه البخاري ومسلم.
    ففي هذا الحديث أن الأيمان تكون أولا على المدَّعي لا على المدّعى عليه وهذا مخالف لسائر الدعاوي.
    وبذلك قال الجمهور أخذا بالحديث وخالف الحنفية فقالوا الذي عليه الأيمان هو المدعى عليه كاليهود في حادثة القتل.
    قالوا: أما حديث سهل فقد قدح به بعض السلف فنرده فقد قال ابن إسحاق: وسمعت عمرو بن شعيب في المسجد الحرام يقول: والله الذي لا إله إلا هو ما كان الحديث كما حدث سهل([3] ) .
    والجواب أن يقال: إن الراوي إذا كان ثقة لم يسقط حديثه بإنكار من أنكر، وذلك أن الإنكار نفي، والرواية إثبات، والإثبات يقدم على النفي؛ لأن مع المثبت زيادة علم.


    ([1] ) صفة القسامة أن يدعي قومٌ أن مورِّثَهم قتله فلان، ووجدت القرينة المشعرة بصدق أهل القتيل من عداوة فيحلفون على أنه هو القاتل، ويكررون الأيمان، فإذا فعلوا ذلك استحقوا الدية، فليس فيها بيِّنة، وإنما فيها هذه الأيمان فقط.

    ([2] ) دفع ديته من عنده قطعا للنزاع.

    ([3] ) انظر سيرة ابن هشام ومختصر اختلاف العلماء لأبي جعفر الطحاوي.

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    1,044

    افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

    وَمِنْهَا أن يَقُول: الرَّاوِي أنكرَ الحَدِيث.
    كَمَا قَالُوا فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أيما امْرَأَة نكحت بِغَيْر اذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل. رَاوِيه الزُّهْرِيّ وَقد قَالَ: لَا أعرفه.
    فَالْجَوَاب: أن إنكار الرَّاوِي لَا يقْدَح فِي الحَدِيث لجَوَاز أن يكون نَسيَهُ.


    أقول: ومن تلك الأوجه التي لا تقدح أن يقول الخصم: إن راوي الحديث قد أنكره.
    مثاله: قول الحنفية في حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل. رواه أبو داود. إن الراوي له ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري، وقد قال ابن جريج: لقيت الزهري فسألته عن الحديث فقال: لا أعرفه. والراوي إذا أنكر الحديث الذي روي عنه سقط.
    والجواب أن يقال: إن إنكار الراوي لا يقدح في الحديث إذا كان الراوي عنه ثقة؛ لأنه يجوز أن يكون قد روى ذلك ثم نسيه، ونسيانه لا يمنع الاحتجاج بحديثه؛ لأن نسيانه ليس بأعظم من موته، وموته لا يسقط حديثه فنسيانه أولى.
    ولهذا أصحاب الحديث يروون الحديث عمن روى عنهم إذا نسوا الحديث فيقولون: حدثنا فلان عنا أنا رويناه عن فلان، حتى صنف الدارقطني جزءا فيمن روى عمن روى له فدل على جواز ذلك. الملخص.

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    1,044

    افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

    وَمِنْهَا أن يَقُول: رَاوِيه لم يعْمل بِهِ.
    كَمَا قَالُوا فِي حَدِيث الْغسْل من ولوغ الْكَلْب سبعا إنَّ رَاوِيه أبو هُرَيْرَة وَقد افتى بِثَلَاث مَرَّات. فَالْجَوَاب: أن الرَّاوِي يجوز أن يكون قد نسي فِي حَال الْفتيا، أوْ أَخطَأ فِي تَأْوِيله فَلَا يتْرك سنة ثَابِتَة بِتَرْكِهِ.


    أقول: ومما يعترض به وليس بقادح أن يقال: إن هذا الحديث لم يعمل به راويه.
    مثاله: ما قاله أصحاب أبي حنيفة في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: طُهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبعا إحداهن بالتراب. رواه البخاري ومسلم. إن هذا يرويه أبو هريرة رضي الله عنه وقد كان يفتي بثلاث مرات، ولو كان صحيحا ما ترك العمل به.
    والجواب أن يقال: إن ترك الراوي للحديث لا يمنع الاحتجاج به؛ لجواز أن يكون قد تركه لنسيان في حال الفتيا، أو أخطأ في تأويله، وإذا احتمل ما ذكرناه لا تترك سنة ثابتة بترك الراوي العمل بها.


  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    1,044

    افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

    وَمِنْهَا أن يَقُول: هَذِه الزِّيَادَة لم تنقل نقل الأصل.
    كَمَا قَالُوا فِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: فِيمَا سقت السَّمَاء الْعشْر وَفِيمَا سُقِي بنضح أوْ غرب نصف الْعشْر إذا بلغ خَمْسَة أوسق.
    فَقَالُوا: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ جمَاعَة فَلم يذكرُوا الأوسق فَدلَّ على أنه لَا أصل لَهَا.
    وَالْجَوَاب: أنه يجوز أن يكون قد ذكر هَذِه الزِّيَادَة فِي وَقت لم يحضر الْجَمَاعَة، أوْ كَانَ هُوَ أقْربْ إليه سمع الزِّيَادَة وَلم يسمعوا فَلم يجز رد خبر الثِّقَة.


    أقول: ومن الأوجه التي وقع فيها الخلاف مسألة زيادة الثقة، فيعترض بأن هذه الزيادة لم تنقل نقل أصل الحديث أي أن الرواة نقلوا أصل الحديث وزاد بعضهم زيادة لم يروها البقية فيعترض بان هذه الزيادة ليست بثابتة لعدم رواية البقية لها.
    والجواب: أن الزيادة مقبولة؛ لأنه يجوز أن يكون الشيخ قد ذكر الزيادة في وقت لم تحضر الجماعة، أو كان الراوي هذا أقرب إليه مجلسا فسمع الزيادة ولم يسمعوا.
    هذا مختار الفقهاء وهو قبول زيادة الراوي إذا كان ثقة ولو لم يذكرها بقية الثقات من أصحاب الشيخ.
    والمختار عند المحققين من أئمة الحديث أن الزيادة لا تقبل مطلقا ولا ترد مطلقا وينظر في القرائن فقد يكون من ذكرها أوثق وأحفظ وألصق بالشيخ ممن لم يذكرها فتقبل، وقد لا يكون كذلك فترد زيادته لمخالفته الثقات ويحكم عليها حينئذ بأنها شاذة كما هو مقرر في محله.
    وقد مثل المصنف بحديث ابن عمر مرفوعا: فيما سقت السماءُ العشرُ، وما سُقي بنضحٍ ([1] )فنصفُ العشرِ. رواه البخاري.
    وورد من حديث عمرو بن حزم مرفوعا: مَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَكَانَ سَيْحًا أَوْ كَانَ بَعْلًا فَفِيهِ الْعُشْرُ إِذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَمَا سُقِيَ بِالرِّشَاءِ وَالدَّالِيَةِ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ إِذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ. رواه البيهقي في السنن الكبرى([2] ) .
    فالحديث الأول الذي رواه الأكثر ليس فيه زيادة: " إذا بلغ خمسة أوسق"، والحديث الثاني فيه ذكر الزيادة، فلا تقبل عند أصحاب أبي حنيفة رحمه الله، ولهذا لم يقيدوا زكاة الحبوب بخمسة أوسق بل تجب في القليل والكثير.
    ويناقش التمثيل بهذا للزيادة: بأن هذا من قبيل حديثين مستقلين ليس أحدهما أصلا للآخر؛ لعدم اتحاد الصحابي، وإنما زيادة الثقات تحصل فيما اتحد الصحابي واختلف الرواة على شيخ في السند بالزيادة وعدمها. والله أعلم.


    ([1] ) بالنضح أي بالسانية والمراد بها الإبل التي يستقى عليها. والغرب دلو عظيمة تتخذ من جلد ثور يستقى به على السانية. والمقصود بهما الآلة.

    ([2] ) السيح أن يسيح الماء من نحو عين فيسقى به الزرع بدون آلة، والبعل أن يشرب النبات بعروقه من الأرض لقربه من الماء ولا يحتاج إلى سقي، والرشاء أي حبل الدلو، والدوالي جمع دالية وهي الناعورة التي يديرها الحيوان.

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    1,044

    افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

    فَصْلٌ: وأما الْمَتْن فَهُوَ ثَلَاثَةٌ: قَولٌ وَفعلٌ وإقرارٌ.
    فأمَّا القَوْلُ فضربانِ: مُبْتَدأٌ، وخارجٌ على سَبَب.
    فالمبتدأ كالكتاب يتَوَجَّهُ عَلَيْهِ مَا يتَوَجَّه على الْكتاب. وَقد بَيّناهُ إلا أني أُعِيدُ القَوْلَ فِي السّنة؛ لأنَّهُ أوضحُ أمثلةً، وَرُبمَا اتّفق فِيهِ زِيَادَة لم تذكر فِي الْكتاب.
    والاعتراض على الْمَتْن من ثَمَانِيَة أوجه:
    أحدها: أن يسْتَدلّ بِمَا لَا يَقُول بِهِ وَذَلِكَ من ثَلَاثَة أوجهٍ:
    فَمِنْهَا: أن يسْتَدلّ بِحَدِيث وَهُوَ مِمَّن لَا يقبل مثل ذَلِك الحَدِيث.
    كاستدلالهم بِخَبَر الْوَاحِد فِيمَا يعم بِهِ البلوى، أوْ فِيمَا يُخَالِفهُ الْقيَاس، وَمَا أشبه ذَلِك مِمَّا لَا يَقول فِيهِ بِخَبَر الْوَاحِد.
    وَالْجَوَاب: أن يَقُول: إن كنتُ أنا لَا أقول بِهِ إلا أنك تَقول بِهِ وَهُوَ حجَّة عنْدك فيلزمك الْعَمَل بِهِ.
    وَالثَّانِي: أن يسْتَدِلَّ فِيهِ بطرِيقٍ لَا يَقُولُ بِهِ.
    مثلُ: أن يسْتَدلّ بِدَلِيل الْخطابِ وَهُوَ لَا يَقُول بِهِ. كاستدلاله فِي إبطال خِيَار الْمجْلس بِمَا رُوِيَ أن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: نهى عَن بيع الطَّعَام حَتَّى يقبضَ. فَدلَّ على أنه إذا قُبض جَازَ بَيْعُه وإنْ كَانَ فِي الْمجْلس.
    فَيُقَال لَهُ: هَذَا اسْتِدْلَالٌ بِدَلِيلِ الْخطاب وأنت لَا تَقولُ بِهِ.
    وَالْجَوَاب أن يَقُول: هَذِهِ طَريقَةٌ لبَعضِ أصحابِنا وأنا مِمَّن أقول بِهِ.
    أوْ أن يَقُول: إن هَذَا بِلَفْظ الْغَايَة، وأنا أقول بِهِ فِيمَا عُلِّقَ الحكم فِيهِ على الْغَايَة.
    وَالثَّالِث: أن لَا يَقُولَ بِهِ فِي الْموضع الَّذِي ورد فِيهِ.
    كاستدلالهم على أن الْحر يقتل بِالْعَبدِ بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من قتل عَبده قَتَلْنَاهُ.
    فَيُقَالُ: مَا تنَاولَهُ الْخَبَر لَا نقُولُ بِهِ فَإِنَّهُ لَا خلافَ أنَّهُ لَا يُقتلُ بِعَبْدِهِ.
    وَقد تكلّف بَعضهم الْجَوابَ عَنهُ بِأَنَّهُ لما وَجبَ الْقَتْل على الْحرِّ بقتلِ عَبده دلَّ على أنه يُقتل بِعَبْد غَيره أولى، ثمَّ دلَّ الدَّلِيل على أنهُ لَا يُقتلُ بِعَبْدِهِ وَبَقيَ قَتلَهُ بِعَبْد غَيرِهِ على مَا اقْتَضَاهُ.

    أقول: قد مضى الكلام على الإسناد وبقي الكلام على المتن، ومتن الحديث ثلاثة أقسام: قول، وفعل، وإقرار.
    والقول ضربان: مبتدأ لم يقع على سبب، وخارج على سبب.
    فالمبتدأ من القول كالكتاب، ترد على الاستدلال به نفس الاعتراضات الثمانية السابقة، وقد كان مقتضى الاختصار عدم إعادة الكلام فيها لكن المصنف ذكرها لسببين:
    الأول أن الأمثلة في السنة أوضح بيانا للقاعدة من أمثلة الكتاب المتقدمة فيكون فيها زيادة توضيح.
    الثاني أنه ربما اتفق في الكلام على السنة بعض الزيادات التي لم تذكر في الكتاب.
    فإذا علم هذا فنقول: الاعتراض على المتن يكون من ثمانية أوجه:
    الأول: أن يستدل المستدل بما لا يقول به. وهذا السؤال يتوجه على السنة من ثلاثة أوجه:
    أحدها: أن يستدل بحديث لا يقبل عنده.
    مثاله: أن يستدل الحنفي بخبر الواحد فيما يعمّ به البلوى كحديث النهي عن بيع دور مكة المتقدم.
    مثال آخر: أن يستدل المالكي بخبر الواحد فيما يخالف القياس كحديث المصرّاة المتقدم.
    مثال آخر: أن يستدل الحنفي بخبر الواحد فيما خالف قياس الأصول كحديث القهقهة المتقدم.
    فيقول لهم الشافعي: تلك الأحاديث لا تقبل عندكم.
    والجواب أن يقول: إن كنت لا أقول به فأنت تقول به فيلزمك العمل به.
    وهذا الجواب يصلح في إلزام الخصم العمل به، ولكنه لا يصلح جوابا لعمله هو به مع مخالفته أصله الذي أصّله.
    ثانيها: أن يستدل بالحديث بطريق من الأصول لا يقول به.
    مثاله: أن يستدل الحنفي بنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يقبض. رواه البخاري ومسلم. على إبطال خيار المجلس الذي يقول به الشافعية وغيرهم فيقول: دل الحديث على أنه إذا قبض الطعام في المجلس جاز بيعه. فهو بيع نافذ لا يتوقف على إجازة من البائع الأول.
    فيقال له: هذا احتجاج بدليل الخطاب- مفهوم المخالفة- وأنت لا تقول به.
    والجواب عن هذا أن يقول: إن كون دليل الخطاب ليس بحجة طريقة لبعض أصحابنا، وأنا ممن يقول بحجيته.
    أو يقول: إن هذا المفهوم بلفظ الغاية وأنا أقول به فيما علق الحكم فيه على الغاية.
    ثالثها: أن يستدل بما لا يقول بظاهره ولا يعمل بمقتضاه في الموضع الذي ورد فيه.
    مثاله: استدلال الحنفية على أن الحر يقتل إذا قتل عبدا بقوله صلى الله عليه وسلم: مَن قتل عبده قتلناه. رواه الترمذي وقال: حسن غريب.
    فيقول له الشافعي: أنت لا تقول به؛ لأنه لا خلاف أن الحر لا يقتل بعبده؛ فالذي اقتضاه منطوق الخبر متروك اتفاقا.
    وهذا أشد ما في هذا الباب على المستدل لأنه فيما تقدم من الأقسام يمكنه أن يختار غير ما اختار أصحابه لأن المسألة من مسائل الأصول؛ ولأصحابه في المذهب اختيارات، وليس للإمام أبي حنيفة رحمه الله فيها مذهب مسطور.
    أما في هذه فلا يمكنه أن يخالف الإجماع أو يفتي بخلاف مذهبه.
    وقد تكلف بعضهم الجواب عن ذلك فقال: إن الحديث دل على وجوب قتل الحر بقتل عبده من طريق المنطوق، ودل على أن الحر يقتل بقتل عبد غيره من طريق المفهوم، وذلك أنه إذا قُتل بقتل عبد نفسه وبعض ماله فلأن يقتل بقتل عبد غيره من باب أولى، ثم دلّ الدليل على بطلان قتل الحر بقتل عبده، وبقي وجوب قتله بقتل عبد غيره على ما دل عليه الدليل.
    وهذا ليس بشيء لأن وجوب قتل الحر بقتل عبد غيره فرع لوجوب قتله بقتل عبده، فإذا بطل وجوب قتله بقتل عبده وهو الأصل فلأن يبطل قتله بقتل عبد غيره وهو فرعه أولى.

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    1,044

    افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

    والاعتراضُ الثَّانِي: أن يَقُولَ بِمُوجبِه وَذَلِكَ على وَجْهَيْن:
    أحدهما: أن يحْتَجَّ الْمُسْتَدلُّ بأحد الوضعينِ فَيَقُولُ السَّائِلُ بِمُوجبِه بِالْحملِ على الْوَضعِ الآخرِ.
    مثلُ: أَن يسْتَدلَّ الشَّافِعِيُ فِي نِكَاح الْمحرمِ بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا يَنْكِح الْمحرم وَلَا يُنْكِح.
    فَيَقُول الْحَنَفِيُّ: النِّكَاحُ فِي اللُّغَة هُوَ الْوَطْء فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا يطَأ الْمحرمُ.
    وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن:
    أحدهما: أن يَقُولَ: النِّكَاح فِي عرف الشَّرْع هُوَ العقدُ، وَفِي عرف اللُّغَة هُوَ الوَطْأ، وَاللَّفْظُ إذا كَانَ لَهُ عرفان عرف فِي اللُّغَة وَعرف فِي الشَّرْع حمل على عرف الشَّرْع وَلَا يحمل على عرف اللُّغَة إلا بِدَلِيل.
    وَالثَّانِي: أن يبين بِالدَّلِيلِ من سِيَاق الْخَبَر أوْ غَيره أن المُرَاد بِهِ العقد.
    وَالضَّرْب الثَّانِي: أن يَقُول بِمُوجبِه فِي الوضع الَّذِي احْتج بِهِ.
    كاستدلالِ أَصْحَابنَا فِي خِيَار الْمجْلس بقوله صلى الله عليه وسلم: الْمُتَبَايعَان ِ بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا.
    فَيَقُول الْمُخَالف: الْمُتَبَايعَان ِ هما المتشاغلان بِالْبيعِ قبل الْفَرَاغ وهما بِالْخِيَارِ عِنْدِي.
    وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن:
    أحدهما: أن يبين أن اللَّفْظ فِي اللُّغَة حَقِيقَة فِيمَا ادَّعَاهُ.
    وَالثَّانِي أن يبين بِالدَّلِيلِ من سِيَاق الْخَبَر أوْ غَيره أن المُرَاد بِهِ مَا قَالَه.


    أقول: الاعتراض الثاني هو أن يقول بالموجب بأن يحمل كلٌّ منهما اللفظ على غير ما يحمله الآخر.
    وذلك على نوعين:
    الأول: أن يحتج المستدل بالحديث بحمله على أحد الوضعين ويحمله المعترض على وضع آخر.
    مثاله: استدلال الشافعي في بطلان نكاح المحرم بحج أو عمرة بقوله صلى الله عليه وسلم: لاَ يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلاَ يُنْكَحُ وَلاَ يَخْطُبُ. رواه مسلم.
    فيقول الحنفي: النكاح هو الوطأ في اللغة، فكأنه قال: لا يطأ المحرم.
    والطريق في الجواب عن هذا أمران:
    أحدهما: أن يبين أن النكاح في عرف الشرع هو العقد، والدليل عليه أن كل موضع ورد الشرع به، فالمراد به العقد.
    والثاني: أن يبين أن في الخبر ما يمنع حمله على ما ذكروه بأن يقول قد قال صلى الله عليه وسلم: لا يَنكِح المحرم، ثم قابله بقوله: ولا يُنكِح، ولا يكون الإنكاح إلا العقد.
    الثاني: أن يقول بموجب الدليل في الوضع الذي احتج به. كأن يتنازعا في مقتضى اللفظ في اللغة فيدعي كل واحد منهما أنه موضوع لما يدعيه من المعنى.
    مثاله: استدلال أصحابنا في خيار المجلس بقوله صلى الله عليه وسلم: المتبايعانِ بالخيارِ ما لم يتفرقا. متفق عليه.
    فيقول الحنفي: هذا لا حجّة فيه؛ لأن المتبايعين اسم للمتشاغلين بالبيع. وذلك إنما يكون في حال العقد قبل الفراغ، كما أن المُتآكلينِ اسم للمتشاغلين بالأكل قبل الفراغ، والمتناظرين اسم للمتشاغلين بالنظر قبل الفراغ، وعندنا الخيار ثابت في حال الاشتغال بالعقد قبل الفراغ.
    فهنا يدعي كل من الشافعي والحنفي أن اللفظ موضوع لما يدعيه.
    والطريق في الجواب عن هذا أمران:
    أحدهما: أن يبين أن اللفظ لما قاله أحقّ.
    بأن يقول: إن البيع في اللغة اسم للإيجاب والقبول، والمتبايعين: اسم لمن وجد منهما ذلك، ومتى وجد أحدهما دون الآخر لم يوجد البيع؛ فلا يسميان متبايعين.
    والثاني: أن يبين بالدليل من سياق الخبر أو غيره أن المراد به في الحديث ما قاله.
    كأن يقول: إن في الخبر ما يدل على ما قلناه وهو قوله صلى الله عليه وسلم في رواية أخرى للبخاري ومسلم: المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار. فقوله: "إلا بيع الخيار" دليل على ما قلناه أي إلا بيع الخيار فلا يحتاج إلى التفرق فدل على أن المراد كل بيع بالخيار مالم يتفرقا إلا بيع الخيار فلا يحتاج إلى التفرق، وقد جاء في رواية البيهقي: حتى يتفرَّقا من مكانِهما
    . فلا يصح تأويله بتفرق الأقوال.

  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    1,044

    افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

    والاعتراض الثَّالِث: أن يَدعِي الإجمال إما فِي الشَّرْع أوْ فِي اللُّغَة.
    فأما فِي الشَّرْع فَهُوَ مثل أن يحْتَج الْحَنَفِيّ فِي جَوَاز الصَّلَاة بِغَيْر اعْتِدَال بقوله: صلوا خمسكم. وَهَذَا قد صلّى.
    فَيَقُول الشَّافِعِي: هَذَا مُجمل؛ لَأن المُرَاد بِالصَّلَاةِ هُوَ الصَّلَاة الشَّرْعِيَّة وَذَلِكَ لَا يعلم من لَفظه بل يفْتَقر فِي مَعْرفَته إلى غَيره فَلم يحْتَج بِهِ إلا بِدَلِيل على أن ذَلِك صَلَاة.
    وَالْجَوَاب: أن يسْلك طَريقَة من يَقُول: إن الْخطابَ بلغة الْعَرَبِ، وَالصَّلَاة فِي اللُّغَة هِيَ الدُّعَاء فَوَجَبَ أنه إذا فعل مَا يُسمّى صَلَاة فِي اللُّغَة أن يكون ممتثلا.
    وأما الْمُجْمل فِي اللُّغَة فَمثل أن يسْتَدلَّ الْحَنَفِيّ فِي تضمين الرَّهْن بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الرَّهْن بِمَا فِيهِ.
    فَيَقُول لَهُ الشَّافِعِي: هَذَا مُجمل لِأَنَّهُ يفْتَقر إلى تَقْدِيرِ مُضمرٍ فَيحْتَمل أن يكون مَعْنَاهُ: الرَّهْن مَضْمُون بِمَا فِيهِ، وَيحْتَمل أن يكون مَبيعٌ بِمَا فِيهِ، وَيحْتَمل أن يكون مَعْنَاهُ مَحْبُوس بِمَا فِيهِ، فَوَجَبَ أن يتَوَقَّف فِيهِ.
    وَالْجَوَاب: أن يدل على أن المُرَاد بِهِ مَا ذَكرُوهُ إما من جِهَة الْوَضع، أوْ من جِهَة الدَّلِيل.

    أقول: الاعتراض الثالث أن يدعي الإجمال إما في الشرع وإما في اللغة.
    فأما في الشرع فمثاله: أن يستدل الحنفي بقوله صلى الله عليه وسلم: صلوا خمسكم. رواه الترمذي. على عدم وجوب الاعتدال في الركوع والسجود لأن هذا قد صلى خمسه.
    فيقول له الشافعي: هذا مجمل؛ لأن الأمر هو بالصلاة الشرعية هنا، وذلك لا يعلم من لفظ هذا الخبر، بل يفتقر في معرفته إلى غيره فلا يحتج به بلفظه بل بدليل يدل على أن تلك الصلاة بغير اعتدال صلاة شرعية.
    والطريق في الجواب عن هذا أن يسلك طريقة من يقول: إنه ليس من الأسماء شيء منقول، بل كلها مبقاة على مقتضاها في اللغة، والصلاة في اللغة الدعاء فوجب أن يجزئ كل ما يسمى صلاة إلا ما خصه الدليل.
    وأما في اللغة فمثاله: أن يستدل الحنفي في تضمين الرهن([1] ) بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: الرهن بما فيه. رواه أبو داود في المراسيل مرسلا عن عطاء.
    فيقول له الشافعي: هذا مجمل؛ لأنه يفتقر إلى تقديرِ مضمرٍ، فيحتمل أن يكون معناه: الرهن مضمون بما فيه، بتقدير كلمة مضمون، ويحتمل أن يكون معناه: الرهن مبيع بما فيه، ويحتمل أن يكون المعنى: الرهن محبوس بما فيه أي لا يتصرف فيه، فوجب التوقف إلى أن يرد دليل يرجحه إلى أحد محتملاته.
    والطريق في الجواب إما بمنع الإجمال ووجود الاحتمال وأن اللفظ نص لا يحتمل إلا المعنى الذي ذكره وأن قوله: الرهن بما فيه. معناه مضمون بما فيه. ولا يصح أي تأويل؛ لأن المفهوم هو مضمون بما فيه من الدين.
    وإما بأن يرجح المعنى الذي ذكره بدليل كأن يقول: قد ورد أن رجلا رهن فرسا فنفق في يده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرتهن: ذهب حقك. رواه أبو داود في المراسيل.



    ([1] ) ذهب الحنفية إلى أن الرهن مضمون على المرتهن فإذا تلف عنده يضمن بالدين، وذهب الشافعية إلى أن المرتهن لا يضمنه لأن يده يد أمانة فلا يضمن إلا بالتقصير.

  15. #35
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    1,044

    افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

    والاعتراض الرَّابِع: الْمُشَاركَة فِي الدَّلِيل.
    وَذَلِكَ مثل أن يسْتَدلّ الْحَنَفِيّ فِي مَسْأَلَة السَّاجة بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا ضَرَر وَلَا ضرار. وفِي نقض دَار الْغَاصِب ورد الساجة إضرار فَوَجَبَ أن لَا يجوز.
    فَيَقُول الشَّافِعِي: هَذَا حجَّة لنا لَأن فِي إسقاط حق الْمَالِك من عين مَاله والإحالة على ذمَّة الْغَاصِب إضرار بِهِ فَوَجَبَ أن لَا يجوز ذَلِك.
    وَالْجَوَاب أن يبين الْمُسْتَدلّ أنه لَا إضرار على الْمَالِك فَإِنَّهُ يدْفع إليه الْقيمَة فيزول عَنهُ الضَّرَر.

    أقول: الاعتراض الرابع هو المشاركة في الدليل بأن يجعل ما استدل به المستدل دليلا له في المسألة.
    مثاله: استدلال الحنفي في مسألة السّاجَةِ([1] ) بقوله صلى الله عليه وسلم: لا ضرر ولا ضرار. رواه ابن ماجه. وفي قلع الساجة ونقض بنيان الغاصب ضررا على الغاصب فوجب أن لا يجوز.
    فيقول الشافعي: هذ الحديث حجة لنا لأن في إسقاط حقّ المالك من عين ماله والحيلولة بينه وبينها، وإحالته على قيمة في ذمة الغاصب إضرارا بالمالك.
    والطريق في الجواب عنه أن يجيب عما تعلق به خصمه ليسلم له الدليل بأن يقول الحنفي هنا: إنه ليس في منع الساجة من المغصوب منه إضرار به لأنه تدفع إليه القيمة فيزول عنه الضرر بذلك.


    ([1] ) الساج ضرب عظيم من الشجر يجلب من الهند واحده ساجة وهي خشبة صلبة تجعل في بناء الدور ويعمل منها الأبواب أيضا، ومسألة الساجة هي: شخص غصب ساجة فبنى عليها، فكيف نردها للمغصوب منه؟ قال الحنفية: قد زال بالبنيان عليها ملك صاحبها ولزم الغاصب قيمتها لأن في قلعها ضررا ظاهرا على الغاصب، وقال الشافعية: للمالك أخذها فتقلع لأن في بقائها إضرارا بحق مالكها والضرر يزال.

  16. #36
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    1,044

    افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

    والاعتراض الْخَامِس: اخْتلَاف الرِّوَايَة.
    مثل أن يسْتَدلّ الشَّافِعِي فِي جَوَاز الْعَفو عَن الْقصاص من غير رضَا الْجَانِي بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فَمنْ قتلَ بعدَ ذَلِكَ قتيلا فأهله بَين خِيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الْعَقْلَ.
    فَيَقُول الْمُخَالف: قد رُوِيَ إن أحبوا فَادوا. والمفاداة مفاعلة وَلَا يكون إلا بِالتَّرَاضِي، وَالْخَبَر خبرٌ وَاحِدٌ فَيجب التَّوَقُّف فِيهِ حَتَّى يعلم أصل الحَدِيث.
    الْجَواب: أنه قد رُوِيَ الْجَمِيع، وَالظَّاهِرُ مِنْهُمَا الصِّحَّةُ، فَيصير كالخبرينِ فَيجمع بَينهمَا، فَنَقُولُ: يجوز بِالتَّرَاضِي، وَبِغير التَّرَاضِي، وهم لَا يَقُولُونَ بِمَا روينَاهُ.


    أقول: الاعتراض الخامس اختلاف الرواية وهو: أن يستدل بخبر فيقول الخصم إن الرواية قد اختلفت في هذا.
    مثاله: استدلال الشافعي في جواز العفو عن القصاص على الدية من غير رضا الجاني بقوله صلى الله عليه وسلم:
    ثم أنتم يا خُزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هُذيل، وأنا والله عاقله([1] ) ، من قتل بعده قتيلاً فأهله بين خيرتين: إن أحبّوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العَقْل. رواه الترمذي وأصله في الصحيحين.
    فيقول المخالف: هذا لا حجة فيه لانه قد روي في هذا الخبر أنه قال: وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُقَادَ، وَإِمَّا أَنْ يُفَادَى([2] ) . وهذا يدل على التراضي لأن المفاداة مفاعلة من الطرفين كالمصالحة والمراضاة، ونحوه، والخبر واحد في قصة هذيل فإذا روي على الوجهين وجب التوقف فيه حتى يعلم ما هو أصل الحديث.
    والجواب أن يقول: إنه قد روي الجميع، والظاهر من الروايتين الصحة، فيصير المرويان كالخبرين فنستعملهما معا، فنقول: يجوز بالتراضي وبغير التراضي، وأنتم لا تقولون بما رويناه فكانت حجتنا أولى.




    ([1] ) أي مؤد ديته.

    ([2] ) رواه البيهقي في السنن الكبرى. ويقاد أي يقتل قصاصا.

  17. #37
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    1,044

    افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

    والِاعْتِرَاض السَّادِس: النّسخ وَذَلِكَ من وُجُوه:
    أحدها: أن ينْقل نَسْخَه صَرِيحًا.
    وَالثَّانِي: أن ينْقل مَا يُنَافِيهِ مُتَأَخِّرًا فيدعي نسخه بِهِ.
    وَالثَّالِث: أن ينْقل عَن الصَّحَابَة الْعَمَل بِخِلَافِهِ فيدل على نسخه.
    وَالرَّابِع: أن يَدعِي نسخه بِأَنَّهُ شرع من قبلنَا وأنه نسخه شرعنا.
    فَأَما النّسخ بالتصريح بنسخه فَهُوَ مثلُ: أن يسْتَدلّ أصحابنا فِي طَهَارَة جُلُود الْميتَة بالدباغ بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أيما إهاب دبغ فقد طهر.
    فَيَقُول الحنبلي: هَذَا مَنْسُوخٌ بقوله صلى الله عليه وسلم: كنتُ رخَّصت لكم فِي جُلُود الْميتَة فإذا أتاكم كتابي هَذَا فَلَا تنتفعوا من الْميتَة بإهاب وَلَا عصب. فَهَذَا صَرِيح فِي نسخ كل خبر ورد فِي طَهَارَة الْجلد بالدباغ.
    وَالْجَوَاب: أن يبين أن هَذَا لم يتَنَاوَل خبرنَا وإنما ورد هَذَا فِي جُلُود الْميتَة قبل الدّباغ؛ لِأن الإهاب اسْم للجلد قبل الدّباغ فأما بعد الدّباغ فَلَا يُسمى إهابا وإنما يُسمى جلدا وأديما وأفيقًا.


    أقول: الاعتراض السادس النسخ وذلك من أربعة وجوه:
    أحدها: أن ينقل نسخه صريحا.
    والثاني: أن ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ينافيه متأخرا عنه فيدل ذلك على نسخه.
    والثالث: أن ينقل عن الصحابة العمل بخلافه فيدل ذلك على نسخه.
    والرابع: أن يدعي النسخ بأنه شرع من قبلنا.
    فأما دعوى النسخ بنقل صريح فمثل: أن يستدل أصحابنا في طهارة الجلود بالدباغ بقوله صلى الله عليه وسلم: أيما إهاب دبغ فقد طهر. رواه الأربعة.
    فيقول الحنبلي: هذا منسوخ بحديث عبد الله بن عكيم رضي الله عنه قال: أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأرض جهينة، قال: وأنا غلام شاب قبل وفاته بشهر أو شهرين: أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب. رواه أحمد وغيره. وهذا صريح في نسخ كل خبر ورد في طهارة جلود الميتة بالدباغ.
    والطريق في الجواب عنه: أن يبين أن النسخ لم يرد يتناول خبرنا الذي تمسكنا به، وإنما ورد خبركم في جلود الميتة قبل الدباغ لأن الإهاب في اللغة اسم للجلد قبل الدباغ، فأما بعد الدباغ فلا يسمى إهابا وإنما يسمى جلدا وأديما وأفيقا.

  18. #38
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    1,044

    افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

    وأما النّسخ بِنَقْل الْمُتَأَخر فمثل أن يسْتَدلّ الظَّاهِرِيّ فِي جلد الثّيّب مَعَ الرَّجْم بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: خُذُوا عني خُذُوا عني قد جعل الله لهن سَبِيلا الْبكر بالبكر جلد مائَة وتغريب عَام وَالثَّيِّب بِالثَّيِّبِ جلد مائَة وَالرَّجم.
    فَيَقُول الشَّافِعِي: هَذَا مَنْسُوخ بِمَا رُوِيَ أن النَّبِي صلى الله عليه وسلم: رجم ماعزا وَلم يجلده. وَهَذَا مُتَأَخّر عَن خبركم لأن خبركم ورد فِي أول مَا شرع الْجلد وَالرَّجم.
    وَالْجَوَاب: أن يتَكَلَّم على النَّاسِخ بِمَا يسْقطهُ ليبقى لَهُ الحَدِيث.

    أقول: الضرب الثاني من النسخ وهو أن ينقل عن سول الله صلى الله عليه وسلم ما يخالفه متأخرا عنه فيستدل به على نسخه.
    مثاله: استدلال ابن حزم والظاهرية على وجوب الجمع للزاني المحصن بين الجلد والرجم فيجلد أولا مائة جلدة ثم يرجم بقوله صلى الله عليه وسلم: خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم. رواه مسلم.
    فيقول الشافعي: هذا منسوخ بخبر رجم ماعز رضي الله عنه. رواه البخاري ومسلم. وفيه أنه رجمه ولم يجلده، وهذا متأخر عن خبركم فإنه قد رواه أبو هريرة وهو متأخر في الإسلام. وخبركم أول ما شرع الجلد والرجم.
    والجواب: أن يتكلم على الناسخ فيسقطه كأن يقول: إن خبرنا قول صريح، وخبركم فعل وقضية في عين، ويحتمل أن الراوي شهد أحدهما ولم يشهد الآخر.

  19. #39
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    1,044

    افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

    وأما النّسخ بِعَمَل الصَّحَابَة بِخِلَافِهِ فَمثل اسْتِدْلَال الْحَنَفِيّ فِي اسْتِئْنَاف الْفَرِيضَة بقوله صلى الله عليه وسلم: فاذا زَادَت الإبل على عشْرين وَمِائَة استؤنفت الْفَرِيضَة فِي كل خمس شاة.
    فَيَقُول الشَّافِعِي: هَذَا مَنْسُوخ لَأن أبا بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا لم يعملا بِهِ فلو لم يعلمَا بنسخِه لعملا بِهِ.
    وَالْجَوَاب: أن يتَكَلَّم على عمل الصَّحَابَة بِمَا يسْقطهُ ليبقى لَهُ الْخَبَر.


    أقول: الضرب الثالث هو الاستدلال على نسخه بعمل الصحابة بخلافه.
    مثاله: استدلال الحنفية في أن زكاة الإبل إذا زادت على مائة وعشرين رأسا تستأنف الفريضة فيكون في خمسة شاة وفي عشر شاتان، فيكون في مائة وخمسة وعشرين حقتان وشاة، وفي مائة وثلاثين حقتان وشاتان بما ذكره أبو داود في المراسيل عن حماد قال: قلت لقيس بن سعد خذ لي كتاب محمد بن عمرو بن حزم فأعطاني كتابا أخبر أنه أخذه من أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتبه لجده فقرأته فكان فيه ذكر ما يخرج من فرائض الابل فقص الحديث إلى أن تبلغ عشرين ومائة فإذا كانت أكثر من ذلك فعد في كل خمسين حقة وما فضل فإنه يعاد إلى أول فريضة الإبل.
    فيقول الشافعي: إن ثبت هذا فهو منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم: فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حِقَّة([1] ). رواه البخاري . والدليل على أنه منسوخ أن أبا بكر وعمر عملا([2] ) بهذا الحديث ولم يعملا بخبر الاستئناف فدل على أنه منسوخ.
    والطريق في الجواب عن ذلك أن يتكلم على عمل الصحابة بما يسقطه ليبقى له الخبر كأن يقول: اختلف الآثار في ذلك عن الصحابة فلا يجوز دعوى النسخ بل يعمل بحديث كتاب عمرو بن حزم السابق ويحمل حديث البخاري على الزيادة الكثيرة حتى تبلغ مائتين وبه نقول: إن في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة([3] ) .





    ([1] ) فيكون في مائة وخمسة وعشرين ثلاث بنات لبون. وبنت لبون أي التي أتمت سنتين.

    ([2] ) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الصدقة فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض فقرنه بسيفه، فعمل به أبو بكر حتى قُبض، ثم عمل به عمر حتى قبض فكان فيه: في خمس من الإبل شاة... فإذا كانت الإبل أكثر من ذلك- أي من عشرين ومائة- ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون... الحديث. رواه أبو داود. من هامش تحقيق الملخص. قال في تحفة الأحوذي: أي كتب كتاب الصدقة فقرنه بسيفه لإرادة أن يخرجه إلى عماله فلم يخرجه حتى قبض ففي العبارة تقديم وتأخير. اهـ

    ([3] ) انظر بدائع الصنائع- كتاب الزكاة.

  20. #40
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    1,044

    افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

    وأما النّسخ لأنه شرع من قبلنَا فَمثل اسْتِدْلَال الشَّافِعِي رَحمَه الله فِي رجم الذِّمِّي بَأن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجم يهوديين زَنَيَا.
    فَيَقُول الْمُخَالف: إنما رجمهما بِحكم التَّوْرَاة فَإِنَّهُ أمْر بإحضارهما ثمَّ عمل بذلك، وشرعنا قد نسخ ذَلِك.
    وَالْجَوَاب: أن شرع من قبلنَا شرع لنا مَا لم نعلم نسخه، وَلِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عمل بِهِ فَدلَّ على أنه شرع لنا.


    أقول: الضرب الرابع هو أن يدعي نسخ الحكم المنقول بأن ذلك إنما هو شرع من قبلنا وقد نسخ بشرعنا.
    مثاله: أن يستدل أصحابنا في رجم الذمي المحصن إذا زنا بما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم يهوديينِ زَنيا. متفق عليه.
    فيقول المخالف: إنما رجم بشرعهم بحكم التوراة فإنه صلى الله عليه وسلم أمر بإحضارها ثم عمل بذلك([1] ) وقد نسخ بشرعنا، لحديث: من أشرك بالله فليس بمحصن. رواه الداقطني موصولا وموقوفا ورجح وقفه. فلا نقيم حد الرجم على أهل الذمة
    والطريق في الجواب عن هذا أن يقال: إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يعلم نسخه، وعلى أنه إن كان ذلك شرعهم فقد صار بفعله صلى الله عليه وسلم شرعا لنا؛ إذْ لا يجوز أن يكون ذلك غير حكم شرعه فيعمل به ويترك شرعه.الملخص.


    ([1] ) الحديث في البخاري ومسلم.

صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •