آل إبراهيم والبيت




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
قبل أن يقوم إبراهيم عليه السلام ببناء البيت، ورفع قواعده؛ كانت هناك ممهدات لهذا الأمر جعلها الله سبحانه وتعالى توطئة وتمهيداً، حيث أمره بأن يرحل بهاجر وولده إسماعيل عندما كان صغيراً إلى البلد الحرام؛ ليترعرع هناك، وينشأ في تلك الأرض لتكون أرضه وبلده، ويكون هو سيد الوادي الذي دعا إبراهيم عليه السلام له ولساكنيه فقال: {رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}(البقرة:126)، وقال: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ}(إبراهيم:35) وقال عليه السلام: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}(إبراهيم:37).
فاستجاب الله سبحانه وتعالى دعاء خليله، وأخرج لهم من الأرض ماءً زمزم، وجعل أفئدة من بني جرهم تأوي وتهوي إليهم، وكانت لإسماعيل وأمه السيادة والحوزة على الماء الذي هو نبع الحياة حتى ترعرع الغلام وشبَّ، وبرزت مكانته فيمن حوله، فحان الموعد المناسب لما بوأ الله خليله له وهو أن أرشده إلى رفع قواعد البيت الحرام قال تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}(الحج:26) أي: أرشده إليه، وسلمه له، وأذن له في بنائه[1].
قال العلامة السعدي رحمه الله: هيأناه له، وأنزلناه إياه، وجعل قسماً من ذريته من سكانه، وأمره الله ببنيانه، فبناه على تقوى الله، وأسسه على طاعة الله، وبناه هو وابنه إسماعيل، وأمره أن لا يشرك به شيئاً بأن يخلص لله أعماله، ويبنيه على اسم الله[2].
وقد اشترك معه في البناء ابنه إسماعيل عليه السلام قال جل وعلا: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(البقرة:127).
ثم أمرهما الله تعالى أن يطهراه من الأذى والنَّجَس فلا يصيبه من ذلك شيء[3]{وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}(البقرة:125).
وما أجمل وأروع حين تعود بنا تلك الذكريات فنشاهد ماضيهما، وذلك الوادي غير ذي زرع، والبلد التي ليس فيها أنيس حين حمل إبراهيم ابنه وزوجه إلى أرض فلاة، ولنتأمل في حديث سعيد بن جبير رحمه الله قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: "أول ما اتخذ النساء المنطق (ما يُشد به الوسط) من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقاً؛ لتُعَفِّي (تخفي وتمحو) أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد (أي: مكان المسجد، لأنه لم يكن حينئذ بني) وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جراباً فيه تمر، وسقاءً فيه ماء، ثم قفَّى (ولَّى ورجع) إبراهيم منطلقاً، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: أالله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا، ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه، فقال: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}(إبراهيم:37) وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت، وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى (أو قال: يتلبط: أي يتقلب من شدة الجوع)، فانطلقتْ كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا (أقرب جبل في الأرض يليها)، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً، فلم ترَ أحداً، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحداً، فلم تر أحداً ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فذلك سعي الناس بينهما))، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً، فقالت: صه - تريد نفسها - ثم تسمَّعت فسمعت أيضاً، فقالت: قد أسمعتَ إن كان عندك غِِواث، فإذا هي بالملَك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء، فجعلت تُحَوِّضُه، وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف، قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم - أو قال: لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عيناً معيناً))، قال: فشربت، وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة؛ فإن ها هنا بيت الله، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله.
وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية، تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك حتى مرَّت بهم رفقة من جُرْهُم - أو أهل بيت من جرهم - مقبلين من طريق كَداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائراً عائفاً فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء لَعَهدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جرِيّاً أو جرِيَّين فإذا هم بالماء، فرجعوا، فأخبروهم بالماء فأقبلوا، قال: وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا: نعم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فألفى ذلك أم إسماعيل، وهي تحب الإنس)) فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشبَّ الغلام، وتعلم العربيةَ منهم، وأَنْفَسَهُم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بِشرٍّ، نحن في ضيق وشدة، فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، وقولي له: يغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئاً، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك، فأخبرته، وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنَّا في جهد وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غيِّر عتبة بابك.
قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك، فطلقها، وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعدُ، فلم يجده، فدخل على امرأته، فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ولم يكن لهم يومئذ حبٌّ، ولو كان لهم دعا لهم فيه، قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، ومريه يثبت عتبة بابه.
فلما جاء إسماعيل، قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك، فأخبرته، فسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنَّا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك.
ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتاً (وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها)، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(البقرة:127) قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} رواه البخاري (3184)، وفي رواية: حتى ارتفع البناء، وضعف الشيخ عن نقل الحجارة، فقام على حجر المقام" وفي رواية أخرى: ونزل عليه الركن والمقام فكان إبراهيم يقوم على المقام يبني عليه، ويرفعه له إسماعيل، فلما بلغ الموضع الذي فيه الركن وضعه يومئذ موضعه، وأخذ المقام فجعله لاصقاً بالبيت، فلما فرغ إبراهيم من بناء الكعبة جاء جبريل فأراه المناسك كلها، ثم قام إبراهيم على المقام فقال: يا أيها الناس أجيبوا ربكم، فوقف إبراهيم وإسماعيل تلك المواقف، وحجه إسحاق وسارة من بيت المقدس، ثم رجع إبراهيم إلى الشام، فمات بالشام"[4].
وانتهت المهمة العظيمة التي اصطفى الله لها هذه الأسرة المباركة، ووضع البيت العظيم، وصار مثابة للناس وأمناً، وجعله ربنا جل وعلا آية للناس باقية ما شاء الله أن تبقى؛ لتتداول الأمم خدمة هذا البيت تعظيماً وتقديساً إلى أن تأتي وارثة الأمم، الأمة الخاتمة، والنبي الخاتم الذي يرفع الله به دينه، وبيته، وحرمه، صلى عليه ربنا وسلم، وشرف بيته وعظم.
والحمد لله رب العالمين.
[1] تفسير ابن كثير (5/413).

[2] تفسير السعدي (1/536).


[3]تفسير ابن كثير (1/419).


[4]فتح الباري لابن حجر (10/146).


منقول