مؤسسات الاجتهاد الجماعي
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: مؤسسات الاجتهاد الجماعي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,799

    افتراضي مؤسسات الاجتهاد الجماعي

    مؤسسات الاجتهاد الجماعي
    الدكتور أحمد بن عبد الله الضويحي*



    من أبرز النوازل الأصولية في هذا العصر ظهور ما يسمى بـ : " مؤسسات الاجتهاد الجماعي"، وهي: مؤسسات حكومية أو مستقلة تضم نخبة من علماء الشريعة، ويناط بها النظر في القضايا الشرعية وفق آليات وضوابط خاصة.
    وهذه المؤسسات منها ما يغلب عليه الطابع المحلي كدور الإفتاء في بلدان العالم الإسلامي، ومنها ما يكون عاماً للعالم الإسلامي بأسره كمجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة، والمجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة، ونحوها.
    وسوف أقسم الكلام في هذه النازلة إلى خمس مسائل:
    أبرز المؤسسات القائمة اليوم
    يوجد في العالم الإسلامي جملة من مؤسسات الاجتهاد الجماعي، ولا يكاد يخلو بلد إسلامي من مؤسسة أو أكثر، غير أن أشهرها ما يأتي:
    1 – مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي.
    2 – المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة التابع لرابطة العالم الإسلامي.
    3 – هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية.
    4 – اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية وهي متفرعة عن هيئة كبار العلماء، ويختار أعضاؤها من بين أعضاء الهيئة.
    5 – مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر بمصر.
    6 – المجلس الإسلامي الأعلى بتونس.
    7 – المجلس العلمي الأعلى بالمغرب.
    8 – مجلس الفكر الإسلامي بباكستان.
    9 – مجلس الإفتاء الشرعي في السودان.
    10- هيئة الفتوى في الكويت.
    11- مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا بنيويورك.
    12- المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث بإيرلندا.
    13- مجمع الفقه الإسلامي بالهند.
    وهذه المؤسسات تحكمها أنظمة ولوائح داخلية تختلف من مؤسسة إلى أخرى لكنها جميعاً تعتمد منهج الاجتهاد الجماعي القائم على التشاور والتذاكر في القضايا التي تكون مطروحة للنقاش وإبداء الرأي، ويتبع هذه المؤسسات- في الغالب- لجان للبحوث الشرعية تمدها بما تحتاج إليه من الدراسات والبحوث المتخصصة[1]، وقد تستكتب في بعض الأحيان أساتذة وأكاديميين متخصصين لتقديم بحوث أو أوراق عمل تتعلق بالمسألة المطروحة، وقد تستعين بذوي الاختصاص والخبراء من اقتصاديين، أو أطباء، أو نحوهم، من أجل إعطاء التصور الدقيق للواقعة أو للمسألة الجديدة[2].

    أهمية هذه المؤسسات
    تبرز أهمية هذه المؤسسات في العصر الحاضر من خلال النقاط الآتية :
    1 – كثرة الحوادث والمستجدات في ظل المدنية الحديثة والتطور العلمي والتقني المتسارع الذي شمل كافة جوانب الحياة.
    2 – اتسام مشكلات العصر بالتعقيد[3] نتيجة لتغير الأحوال والظروف، وتطور الأدوات والوسائل في شتى المجالات، ففي باب المعاملات - مثلاً - ظهرت جملة من الصور التي لم تكن معروفة لدى السابقين، كالمعاملات المصرفية الحديثة، والتجارة الإلكترونية، والتأمين بأنواعه، وفي الطب برزت مسائل جديدة، كالتدخل في الجينات، والاستنساخ، والموت الدماغي، ونقل الأعضاء، وغيرها، بل ظهرت نوازل معقدة تتعلق بالعبادات، كتقدير الوقت للصلاة والصوم في الطائرة، ونحو ذلك.
    وهذه الصور لا يغني فيها الاجتهاد الفردي، بل تحتاج إلى النظر الجماعي المنظم القائم على التشاور والتذاكر، والمستند إلى دراسات مستفيضة تكشف واقعها وتجلي حقيقتها من قبل أهل الاختصاص، وهذا الأمر لا يتم إلا من خلال مؤسسات تنشأ لهذا الغرض، وتوضع لها الضوابط والآليات الكفيلة بتحقيقه.
    3 – صعوبة توفر شروط الاجتهاد التي نص عليها علماء الأصول في الأفراد[4]، فمن تأمل واقع العصر أدرك أن هذا الأمر بات في حكم النادر، وما من شك في أن اللجوء إلى الاجتهاد الجماعي المنظم يحل هذه الإشكالية، ويغطي النقص الذي قد يكون في الأفراد، فإن تحقق هذه الشروط في مجموع المجتهدين أقرب – نسبياً- من تحققه في أفرادهم، على اعتبار أن كل واحد منهم يكمل الآخر ويسدد ما لديه من النقص.
    4 – أن في الاجتهاد بهذه الطـريقة إعمالاً لمبدأ الشورى الذي حث عليه الإسلام ودعا إليه في الأمور كلها، وقد بادر الصحابة إلى تطبيق هذا المبدأ عند الاجتهاد في النوازل، وسيأتي بيان نماذج من أقوال الصحابة وأفعالهم التي تدل على أهمية النظر الجماعي في المسائل الجديدة.
    وإذا كانت هذه هي طريقة الصحابة رضوان الله عليهم فحري بنا أن نتأسى بهم في ذلك، وأن نسعى إلى تطوير الوسائل والآليات المناسبة التي تعين على تحقيق هذه الغاية المهمة، ومن ذلك إنشاء مؤسسات خاصة تعنى بالاجتهاد الجماعي المنظم، فإنها من البدع الحسنة في هذا الزمان.
    يقول الإمام الشافعي ت204هـ – وهو يبين أهمية مشاورة المجتهد غيره، واستماعه إلى آراء من يخالفه، وأن ذلك أدعى لإصابة الحق- : "ولا يمتنع من الاستماع ممن خالفه، لأنه قد يتنبه بالاستماع لترك الغفلة، ويزداد به تثبيتاً فيما اعتقده من الصواب، وعليه في ذلك بلوغ غاية جهده، والإنصاف من نفسه، حتى يعرف من أين قال ما يقول وترك ما يترك، ولا يكون بما قال أعنى منه بما خالفه حتى يعرف فضل ما يصير إليه على ما يترك إن شاء الله"أ-هـ[5].
    5 – أن لهذه المؤسسات دوراً بارزاً في تضييق هوة الخلاف بين مجتهدي العصر، وذلك لأن اجتماعهم في مكان واحد ييسر دروب المناظرة والحوار والنقاش، ويساهم في تمحيص الأدلة والحجج، ومما لاشك فيه أن التواصل بين المختلفين في مسألة ما، وطرح كل فريق ما لديه، وسماع ما لدى الآخرين من أسباب إصابة الحق، والأمن من الخلل في الفهم، وعلى العكس، فإن عدم اجتماعهم والاكتفاء بنقل خلافهم قد يورث خللاً في الفهم، فينسب إلى العالم قولاً لا يعنيه، وقد حدث هذا مع جهابذة العلماء، كالأئمة الأربعة، وغيرهم، في مسائل أصولية وفرعية، ولعل من أشهرها : خلاف الشافعي مع أبي حنيفة في الاستحسان، وخلاف الأئمة الثلاثة مع مالك في عمل أهل المدينة[6]، وغيرها، فإن من حقق أقوال الأئمة في مثل هذه المسائل أدرك أن نقل الخلاف فيها مرده إلى الفهم الخاطئ، وكثيرة هي المسائل التي يحكى فيها الخلاف بين الأئمة، ثم ينتهي المحققون فيها إلى أن الخلاف لفظي، وأن سببه عدم تحرير محل النزاع.
    العلاقة بين اجتهاد المؤسسات ودليل الإجماع
    سبق القول بأن بداية ظهور دليل الإجماع كانت في عهد الصحابة رضوان الله عليهم، من خلال مجالس الاجتهاد الجماعي التي كان الخلفاء يعقدونها للنظر في حكم النوازل التي تقع[7]، ومن ذلك قصة جمع عمر لفقهاء الصحابة في حد الخمر، ودية الجنين، وغيرها.
    يقول المسيب بن رافع ت150هـ :- "كانوا إذا نزلت بهم قضية ليس فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر اجتمعوا لها وأجمعوا فالحق فيما رأوا"أ-هـ[8].
    ومن تأمل واقع مؤسسات الاجتهاد الجماعي القائمة حالياً وجد أنها وإن كانت تضم في مجموعها أبرز مجتهدي العصر، إلا أن تعددها، وعدم وجود منظمة واحدة تجمعها جميعاً يحول دون إمكانية انعقاد الإجماع الحقيقي من خلال أي منها، وذلك لأنها لا تضم كافة مجتهدي العصر، إلا أن انعقاد الإجماع السكوتي من خلالها أمر متصور وقريب، وذلك لأن قراراتها وفتاواها تنتشر وتشتهر بسرعة فائقة، وعبر وسائل الأعلام، وهو ما ييسر اطلاع بقية المجتهدين عليها، ويعطي غلبة ظن بوجود أو عدم وجود مخالف لها، وإذا كان كثير من الأصوليين يرى بأن قول الواحد إذا انتشر ولم يعلم له مخالف فإنه يكون إجماعاً سكوتياً[9]، فكيف بقول الجماعة إذا تحاوروا وتناظروا وتذاكروا ثم اتفقوا على رأي واحد فانتشر ولم يعرف له مخالف؟.
    دور هذه المؤسسات في النوازل
    النوازل بطبيعتها تحتاج إلى ضرب من الاجتهاد العميق القائم على التدقيق والتمحيص ودراسة كافة الأحوال والظروف المؤثرة، وهذا النوع من النظر قد لا يتحقق على الوجه الصحيح في الاجتهاد الفردي، لتعذر توفر كافة متطلباته في مجتهد واحد، ولذا فإن السبيل الذي تطمئن إليه النفوس في استنباط حكم النوازل هو الاجتهاد الجماعي[10]، واجتهاد المؤسسات يعد نموذجاً حياً لهذا الضرب من الاجتهاد، وهو تفعيل حقيقي لمبدأ الشورى، الذي أرشد إليه الإسلام، وحث على اللجوء إليه في الأمور كلها، يقول سبحانه : {وشاورهم في الأمر}[11]، ويقول : {وأمرهم شورى بينهم}[12]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه، ويأمر بالمشاورة[13]، وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه قال : قلت: يارسول الله الأمر ينزل ليس فيه قرآن ولم تكن فيه منك سنة؟ قال : اجمعوا له العالمين- أو قال العابدين- مـن المؤمنين فاجعلـوه شـورى بينكـم ولا تقضوا فيه برأي واحد"[14].
    وقد استلهم الصحابة هذا المعنى – أعني حاجة النوازل إلى الاجتهاد الجماعي والمشورة- في عهد مبكر[15]، حيث روي عن أبي بكر وعمر أنهما كانا يجمعان رؤوس الناس ويستشيرانهم في الأحكام[16]، وقصة جمع عمر لفقهاء الصحابة في حد الخمر ودية الجنين وغيرها خير شاهد على ذلك، وجاء في وصيته لشريح : "فإن لم تعلم فاجتهد رأيك واستشر أهل العلم والصلاح"[17].
    وقد سار التابعون على منهج الصحابة في ذلك حيث روي عن عمر بن عبدالعزيز أنه كان يجمع فقهاء المدينة ويستشيرهم حينما كان والياً عليها[18].
    قال الإمام مالك ت177هـ: "أدركت هذا البلد وما عندهم إلا الكتاب والسنة فإذا نزلت نازلة جمع الأمير لها من حضر من العلماء فما اتفقوا عليه أنفذه"[19].
    وقال ابن عبدالبر ت463هـ – في سياق بيانه للأحكام المستفادة من قصة خروج عمر رضي الله عنه ولقائه بأمراء الأجناد- : "وفيه دليل على أن الإمام والحاكم إذا نزلت به نازلة لا أصل لها في الكتاب ولا في السنة كان عليه أن يجمع العلماء وذوي الرأي ويشاورهم"[20].
    ومما يدل على أهمية النظر الجماعي والمشورة في النوازل أن السلف كانوا يرحلون من بلد إلى بلد في طلب مسألة[21]، وقد عقد البخاري ت256هـ في صحيحه باباً سماه : "باب الرحلة في المسألة النازلة"[22].
    وحاصل القول أن الاجتهاد الجماعي المنظم في النوازل أرجح – في اعتقادي- من اجتهاد الأفراد، وذلك لأن الجماعة يسدد بعضهم بعضاً ويكمل بعضهم بعضاً، ولأجل هذه العلة يرى بعض المحققين أن رأي الأكثرية حجة ظنية، وأنه أولى بالاتباع من غيره[23].
    ولعل مما يؤكد هذا أن علياً رضي الله عنه لم ينكر على عبيدة السلماني ت72هـ تمسكه بهذا المبدأ في مسألة بيع أمهات الأولاد ، بل نقل عنه أنه ضحك حين قال له عبيدة: "فرأيك ورأي عمـر في الجماعـة أحـب إلي من رأيك وحدك في الفرقة أو قال في الفتنة[24]".
    ونظراً لأهمية هذا الأمر فقد صدر بشأنه قرار من المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي ينص على أن يكون الاجتهاد جماعياً بصدوره عن مجمع فقهي يمثل فيه علماء العالم الإسلامي[25].
    يتبع


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,799

    افتراضي رد: مؤسسات الاجتهاد الجماعي

    مؤسسات الاجتهاد الجماعي
    الدكتور أحمد بن عبد الله الضويحي*

    أهم الصعوبات والعوائق التي تواجه مؤسسات الاجتهاد الجماعي
    إن الحديث عن أهميـة الاجتهـاد الجماعـي المنظم في النوازل وترجيحه على الاجتهاد الفردي لا يعني بالضرورة تزكية مؤسساته القائمة اليوم، فإن الناظر في واقعها يلحظ وجود جوانب من القصور والخلل تحول دون أداء المهمة المناطة بها على الوجه الصحيح، ولعل أهمها ما يلي:
    1 – عدم استقلالية كثير من هذه المؤسسات، وخصوصاً مجالس الإفتاء في الدول الإسلامية، فإنها في الغالب مسيسة، وللدول سلطة ظاهرة في أنظمتها وآلية اختيار أعضائها، والمسائل التي تحـال إليها[26]، ولعل المؤسسة الوحيدة التي لديها نوع استقلال هي : مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة.
    2 – الآلية التي يتم بها اختيار الأعضاء .
    فإن المتأمل في واقعها يجد أن اختيار أعضاء مؤسسات الاجتهاد الجماعي المحلية منوط بالسلطة الحاكمة، فهي التي تعين العضو أو تعفيه[27]،وأما مجمع الفقه الإسلامي الدولي فقد نصت المادة السابعة من الباب الرابع من نظامه على: أن يكون لكل دولة من دول منظمة المؤتمر الإسلامي عضو عامل في المجمع، ويتم تعيينه من قبل دولته[28]، ومع أن المادة التاسعة قد حددت الشروط التي يجب توفرها في العضو الذي ترشحه كل دولة[29]، إلا أن الواقع يشهد بخلاف ذلك.
    ولاشك أن في هذه الآلية خللاً ظاهراً ينعكس على أداء هذه المؤسسات، ويمكن أن يقبل هذا في أي شيء إلا في باب الاجتهاد، فإن المجتهد لا يعطى هذه الصفة بالتعيين، ولا بكونه ممثلاً لهذه الدولة أو تلك، وإنما هي رتبة يبلغها من توفرت فيه الشروط التي حددها الأصوليون- ولو بشكل نسبي- وهو أمر يعرف بالاستفاضة والشهرة، إذْ الأصل في المجتهدين أنهم أعلام يعرفهم القاصي والداني، وقد يوجد منهم في بلد معين خمسة أو عشرة، وقد ينعدمون في بلد آخر، ولذا فينبغي أن ينتخب أعضاء هذه المؤسسات من خلال تزكية أهل الحل والعقد والجامعات الشرعية ومراكز البحوث وفق ضوابط تضمن اختيار العضو المناسب الذي تبرأ الذمة بتقليده، دون اعتبار للعوامل السياسية أو غيرها.
    3 – ضعف الإمكانيات في بعض هذه المؤسسات .
    حيث تعـاني بعض المؤسسات من قلة الدعم المادي، وضعف المكافآت والحوافز[30]، ولا يوجد في أغلب هذه المؤسسات - حسب علمي- مراكز معلومات مرتبطة مع المؤسسات المماثلة والجامعات والمكتبات ومراكز البحوث.
    ولم تستفد أغلب هذه المؤسسات من التقنية الحديثة كما يجب، فلا تزال أعمالها تدار بالوسائل التقليدية، ولا يزال التعاطي مع الوسائط الإلكترونية يسير بخطى خجولة.
    4 – عدم وجود مراكز بحوث مساندة .
    تفتقر أكثر مؤسسات الاجتهاد الجماعي في العالم الإسلامي إلى وجود مراكز بحوث متخصصة تابعة لها يناط بها دراسة المسائل التي تعرض على هذه المؤسسات وتزويدها بما تحتاج إليه من البحوث والدراسات المستفيضة، وهو أمر في غاية الأهمية، خصوصاً وأن الحوادث الجديدة تحتاج إلى دراسات عميقة، نظراً لأن أغلبها يتصف بالإشكال والغموض.
    وفي اعتقادي أن المنهج المتبع في أغلب هذه المؤسسات والقائم على تأليف لجان متخصصة لبحث المسائل المطروحة[31] لا يغني عن وجود مراكز بحوث متخصصة ودائمة تكون داعمة لعمل هذه المؤسسات، وتسهم في إثراء الدراسات الشرعية، ولهذا يلحظ المتتبع لقرارات وتوصيات المجامع الفقهية كثرة تأجيل البت في النوازل بسبب قصور الدراسات، وعدم استيفائها لجوانب الموضوع[32].
    5 – قلة الاجتماعات ، والتباطؤ في اتخاذ القرارات .
    فإن المتابع لعمل هذه المؤسسات يلاحظ قلة الاجتماعات، والتأخر في إصدار الفتاوى والأحكام، فقد نص نظام هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية على أن تجتمع الهيئة كل ستة أشهر[33]، ومع أن نظامها يسمح بانعقادها في جلسات استثنائية لبحث أمور ضرورية لا تقبل التأخير إلا أن هذا نادراً ما يحدث، وعلى مثل ذلك نص نظام المجلس العلمي الأعلى بالمغرب[34]، ونص نظام مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ومجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي على أن يعقد مجلس المجمع دورة كل سنة، كما يعقد الأعضاء المقيمون في المملكة العربية السعودية دورات حسب الحاجة والظرف[35]، ومثلهما مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر[36].
    وما من شك في أن هذه الآلية تسهم في عدم مواكبة هذه المؤسسة للنوازل، خصوصاً وأن هذا العصر يشهد تسارعاً مذهلاً في الحوادث والوقائع الجديدة في كافة الجوانب التي تمس حياة المسلمين، وتباطؤ هذه المؤسسات في النظر في هذه القضايا يلحق بالناس حرجاً ومشقة لا تخفى، ويعد إخلالاً بالأمانة التي أنيطت بها.
    ولعل مما يؤكد عظم حاجة المسلمين إلى تفعيل دور هذه المؤسسات وتسريع آليات الاجتهاد والفتوى فيها: هذا التهافت الذي نشهده في العصر الحاضر من قبل عامة الناس على الاستفتاء، وهذا السيل من الأسئلة التي لا نهاية لها عن قضايا ملحة تمس حياة الناس اليومية في عباداتهم ومعاملاتهم وأحوالهم الشخصية، وهو ما جعل وسائل الأعلام تلهث وراء من يجيب عن أسئلتهم ويشفي غليلهم حتى ولو كان ممن لا تبرأ به الذمة.
    ويمكن للمتابع لعمل هذه المؤسسات أن يلحظ قصوراً ظاهراً في بحث النوازل العامة التي تصيب الأمة الإسلامية، وخصوصاً الوقائع ذات الصبغة السياسية، ولعل من أبرز الأمثلة لذلك: عدم وجود رأي واضح لأغلب هذه المؤسسات تجاه أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وما نجم عنها من الكوارث والمآسي المتلاحقة، وهو ما فتح الباب على مصراعيه لصغار طلبة العلم، فأصبحوا هم المنظرين في هذه القضية وتوابعها، بل ربما اعتمد العامة في نظرتهم لهذه الأحداث وموقفهم تجاهها على نكرات ومجاهيل من خلال شبكة الإنترنت، مما ساعد في استشراء الضلال والفتن في المجتمعات الإسلامية، وأسهم في خلق ردود أفعال غير منضبطة من بعض فئات المسلمين، وكان له دور ظاهر في تشويه صورة الدين الإسلامي، وتحجيم الدعوة، وتعطيل الزكاة، والخلط بين الأصول الشرعية الصحيحة والممارسات الباطلة، كالخلط بين الجهاد والإرهاب، والعمل الخيري ودعم المنظمات الإرهابية، ونحو ذلك.
    ولو أن هذه المؤسسات قامت بدورها الشرعي كما يجب لقطعت الطريق على مثل هؤلاء، وأسهمت في تبصير الناس بحقائق هذه النوازل وما يجب عليهم تجاهها، خصوصاً وأن الناس تطمئن إلى رأي الجماعة المعروفين أكثر من اطمئنانها إلى رأي المجتهد الواحد مهما بلغ قدره ومكانته.

    *أستاذ علم أصول الفقه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

    [1] انظر أبحاث ندوة الاجتهاد الجماعي في العالم الإسلامي 1/272، 405.

    [2] المصدر السابق 1/276، 279، 304، 411، 547.

    [3] انظر المصدر السابق 1/34، ومنهج استنباط أحكام النوازل 237-238.

    [4] انظر أبحاث ندوة الاجتهاد الجماعي في العالم الإسلامي 1/35.

    [5] الرسالة 510-511.

    [6] لعل مما يؤكد أثر الاجتماع في فهم رأي المخالف ما نقله الباجي وغيره عن أبي يوسف أنه اجتمع بالإمام مالك وسأله عن المسائل فأجابه مالك بنقل أهل المدينة المتواتر، فرجع أبو يوسف عن قوله، وقال : "لو رأى صاحبي ما رأيت لرجع مثلما رجعت". انظر إحكام الفصول 483-484، ومجموع الفتاوى 20/304، والبحر المحيط 529-531.

    [7] انظر سنن الدارمي، المقدمة، باب اتباع السنة 1/61، رقم 115، والبرهان 2/500، وتفسير القرطبي 6/232.

    [8] أخرجه الدارمي في سننه، باب اتباع السنة 1/61، ورقمه 115.

    [9] انظر المستصفى 1/191، والإحكام للآمدي 1/252، والعدة 4/1170، واللمع 89-90، وشرح تنقيح الفصول 330، وأصول السرخسي 1/340، ومختصر ابن الحاجب 2/37، وروضة الناظر 2/492.

    [10] انظر أبحاث ندوة الاجتهاد الجماعي في العالم الإسلامي 1/51، 268، 394، والاجتهاد في الشريعة الإسلامية للدكتور يوسف القرضاوي 182، وقرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي 359.

    [11] سورة آل عمران آية 159.

    [12] سورة الشورى آية 38

    [13] انظر الفقيه والمتفقه 2/390-391.

    [14] أخرجه الدارمي في مقدمة سننه ، باب التورع عن الجواب عما ليس في كتاب ولا سنه 1/61، ورقمه 117، وأخرجه الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه 1/476، ورقمه 519، 2/391، ورقمه 1154، وأخرجه ابن عبدالبر في جامع بيان العلم وفضله 2/73 ورقمه 1611، 1612، وقال : "هذا حديث لا يعرف من حديث مالك إلا بهذا الإسناد، ولا أصل له في حديث مالك عندهم والله أعلم ولا في حديث غيره"، وأخرجه ابن حزم في المحلى 6/201، ولو صح هذا الحديث لكان نصاً في هذا الباب.

    [15] انظر الفقيه والمتفقه 2/390.

    [16] أخرجه الدارمي في مقدمة سننه، باب الفتيا وما فيه من الشدة 1/58.

    [17] أخرجه الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه 1/491، ورقمه 532، وفي إسناده عيسى بن المسيب، وهذا الرجل ضعفه جمع من أهل العلم منهم : يحيى بن معين، والدارقطني، والنسائي، وأبو داود. انظر ميزان الاعتدال 3/323، لكن هذا الأثر روي من طرق متعددة يعضد بعضها بعضاً فيكون صحيحاً لغيره، انظر الفقيه والمتفقه 1/491 "الهامش".

    [18] انظر سير أعلام النبلاء 5/118.

    [19] انظر تفسير القرطبي 6/332.

    [20] التمهيد 8/368.

    [21] انظر الفقيه والمتفقه 2/375-376.

    [22] انظر صحيح البخاري ، كتاب العلم 1/352، ورقم الباب 26.

    [23] انظر مختصر ابن الحاجب 1/34، وشرح الكوكب المنير 2/231، والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد 130.

    [24] أخرجه عبدالرزاق في المصنف، باب بيع أمهات الأولاد 7/291-292، وابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب البيوع والأقضية، باب في بيع أمهات الأولاد 6/436-437، والبيهقي في سننه ، كتاب عتق أمهات الأولاد، باب الخلاف في أمهات الأولاد 10/348، وابن حزم في الإحكام 6/247.

    [25] انظر قرارات المجمع الفقهي الإسلامي 167-169.

    [26] انظر الاجتهاد الجماعي في هيئة كبار العلماء ولجنة الإفتاء بالمملكة العربية السعودية 1/303، والاجتهاد الجماعي في تونس والمغرب والأندلس 1/545-550.

    [27] انظر أبحاث ندوة الاجتهاد الجماعي في العالم الإسلامي 1/302، 306، 548، 585، 609.

    [28] انظر مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة نموذج للاجتهاد الجماعي 1/277.

    [29] انظر المصدر السابق 1/278.

    [30] انظر الاجتهاد الجماعي في مصر 1/204-206.

    [31] كاللجان المنبثقة عن مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، وشعبة الدراسات والبحوث بمجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء التابعة لهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية. انظر أبحاث ندوة الاجتهاد الجماعي في العالم الإسلامي 1/197-198، 272، 306-307.

    [32] حاولت حصر الموضوعات المؤجلة في مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة – وهو من أهم مؤسسات الاجتهاد الجماعي القائمة اليوم- فوجدت أن نسبتها تربو على 17% من مجموع الموضوعات التي نظر فيها المجمع.

    [33] انظر الاجتهاد الجماعي في هيئة كبار العلماء 1/304.

    [34] انظر الاجتهاد الجماعي في تونس والمغرب والأندلس 1/548.

    [35] انظر مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة نموذج للاجتهاد الجماعي 1/ 272، 290.

    [36] انظر الاجتهاد الجماعي في مصر 1/197.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •