دور الملأ في الصد عن سبيل الله
فهد بن ناصر الجديد




عندما أمر الله - تعالى - ملائكته بالسجود لآدم، أبى إبليس واستكبر عن أمر ربه، فقال - تعالى - مخاطباً إبليس بأمر قدري كوني: فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [الأعراف: 13].
ولم يكتف إبليس بالطرد والإبعاد عن رحمة الله، بل استدرك اللعين وسأل الله النّظِرَةَ إلى يوم القيامة؛ إمعاناً في الكيد والحسد لآدم وذريته من بعده، قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الحجر: 36]، وقد أجابه - تعالى - إلى ما سأل، لما له في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع، ولا معقب لحكمه، قال - تعالى -: قَالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ (37) إلَى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّه ُمْ أَجْمَعِينَ (39) إلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ [الحجر: 37- 40].
من هنا يتضح أن السبب الرئيس في امتناع إبليس عن السجود لآدم هو الإباء والاستكبار على الله وليس التكذيب، شأنه في ذلك شأن الملأ من الناس أعوان إبليس الذين تصدوا لدعوة الرسل.
والملأ هم: الرؤساء، سُمّوا بذلك لأنهم مِلاء بما يحتاج إليه، وقيل: أشراف القوم ووجوههم ورؤساؤهم ومقدّموهم الذين يرجع إلى قولهم [1]، وقد استخدم أولئك الملأ كل ما يملكون من أساليب ووسائل لصرف الناس عن عبادة الله، وصدهم عن سبيله، من هذه الأساليب:
الأسلوب الاجتماعي:
عند دراستنا للقرآن الكريم يتضح أن الملأ من قومي نوح ولوط - عليهما الصلاة والسلام - قد استخدموا هذا الأسلوب لاستعباد الناس، فبجانب عبادة الأصنام كان قوم نوح قد تفشى فيهم الصراع الطبقي، فالملأ من السادات والأشراف قد ورثوا هذه المكانة بسبب تعظيم أسلافهم الصالحين، فزادهم ذلك مكانةً في مجتمعهم عن أولئك الضعفاء من قومهم، حتى أدى بهم الأمر إلى أن اتخذوا لهم صوراً وأصناماً، فلما اندرس العلم وعم الجهل وطال عليهم الأمد، عبدوا تلك الأصنام.
فلما أرسل الله - تعالى - نوحاً - عليه الصلاة السلام - دعاهم إلى التوحيد الخالص ونبذ الشرك، قال - تعالى -: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلَى قَوْمِهِ إنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (25) أَن لاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ اللَّهَ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ [هود: 25، 26].
وقد كان السبب الرئيس المانع من استجابة أولئك الملأ هو أن التابعين له هم الضعفاء والمساكين، يقول - تعالى -: فَقَالَ المَلأُ الَذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إلاَّ الَذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّاًيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ [هود: 27].
وبعد أن أوضح نوح - عليه الصلاة والسلام - وبين حقيقة التوحيد وأبطل عبادة الأصنام، أخذ يصحح الوضع الاجتماعي المتردي في مجتمعه، قال - تعالى -: وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَذِينَ آمَنُوا إنَّهُم مُّلاقُوا رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (29) وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إن طَرَدتُّهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (30) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الغَيْبَ وَلا أَقُولُ إنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إنِّي إذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينََ [هود: 29- 31].
أما لوط - عليه الصلاة والسلام - فقد استخدم الملأ من قومه أسلوباً بشعاً من الأساليب الاجتماعية التي يستعبدون بها الناس، هذا الإسلوب هو إتيان الذكران من العالمين، ولم تكن تلك الظاهرة الخبيثة مرضاً مقصوراً على فرد أو جماعة من الناس، وإنما كانت عامة في ذلك المجتمع وَتَاًتُونَ فِي نَادِيكُمُ المُنكَرَ [العنكبوت: 29].
فلما أرسل الله لهم لوطاً (- عليه الصلاة والسلام -) دعاهم إلى توحيد الله وترك عبادة ما سواه، ثم أنكر عليهم هذا الأسلوب البشع: وَلُوطاً إذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إنَّكُمْ لَتَاًتُونَ الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العَالَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَاًتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَاًتُونَ فِي نَادِيكُمُ المُنكَر [العنكبوت: 28، 29].
أما قوم عاد وقوم ثمود فقد استخدموا أسلوب البناء العمراني بجانب عبادة الأصنام؛ ليصدوا الناس عن عبادة الله وحده، فقد كانت قبيلة عاد تسكن ما بين اليمن وعُمان، وقد حباهم الله بنعم وفيرة وخيرات كثيرة حتى بلغوا قمة الإبداع المادي والصناعي والرفاهة، ولكنهم لم يعبدوا الله ولم يشكروا نعمه عليهم، بل استخدموا تلك النعم في استعباد الضعفاء، فأرسل الله لهم هوداً - عليه الصلاة والسلام -، فدعاهم إلى عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه، قال - تعالى -: وَإلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ إن أَنتُمْ إلاَّ مُفْتَرُونَ [هود: 50].
وبعد أن دعاهم إلى التوحيد الخالص، اتجه - عليه الصلاة والسلام - إلى إصلاح ما كان عليه القوم من فساد، فأنكر عليهم المبالغة في البنيان وشق السدود واتخاذ المصانع حتى صرفهم ذلك عن عبادة الله، قال - تعالى -: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ [الشعراء: 128، 129].
وقد تصدى الملأ من قومه لدعوته وحاربوه قَالَ المَلأُ الَذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكَاذِبِينَ [الأعراف: 66].
أما قبيلة ثمود فقد كانت تسكن الحِجْر (بين الحجاز والشام) وقد ساروا على نهج سلفهم من قوم عاد في اتخاذ القصور والسهول حتى صرفهم ذلك عن عبادة الله، فأرسل الله لهم صالحاً فدعاهم إلى التوحيد الخالص، قال - تعالى -: وَإلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُ مْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوه ُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ [هود: 61].
وبعد أن دعاهم إلى التوحيد، انطلق صالحٌ - عليه الصلاة والسلام - فأنكر عليهم أسلوبهم في استعباد الناس وصرفهم عن عبادة الله، قال - تعالى -: واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ [الأعراف: 74].
وقال - تعالى -: أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ المُسْرِفِينَ (151) الَذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ [الشعراء: 146- 152].
ولا شك أن الملأ قد تصدوا لدعوته وحاربوه ومن آمن معه قَالَ المَلأُ الَذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوا إنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ [الأعراف: 75، 76].
الأسلوب الاقتصادي:
تقع مدين في بلاد الشام، وقد حبى الله بلادهم مكانة مهمة، إذ تقع في ممر قوافل التجارة، وقد استغل الملأ منهم هذه الأهمية، فبجانب عبادتهم للأيكة (وهي الشجرة الكبيرة) أصبحوا يطففون الكيل والميزان، فبعث الله إليهم شعيباً - عليه الصلاة والسلام - ودعاهم إلى التوحيد الخالص، قال - تعالى -: وَإلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: 85] ثم أبطل ما كانوا عليه من الظلم في تطفيف الكيل وبخس الناس والإفساد في الأرض، قال - تعالى -: فَأَوْفُوا الكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [الأعراف: 85]، وليس مستغرباً أن يتصدى الملأ إلى دعوة شعيب (- عليه الصلاة والسلام -) ويهددوه بالنفي: قَالَ المَلأُ الَذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَ لَوْ كُنَّا كَارِهِينَ [الأعراف: 88].
الأسلوب السياسي:
استخدم فرعون وملؤه هذا الأسلوب في استعباد الناس وصدهم عن دين الله، ففرعون الذي قال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات: 24]، لا يدعي أنه الخالق المدبر، وإنما يدعي أنه الحاكم المسيطر بإرادته وقانونه، يفسر ذلك قوله - تعالى -: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ [الزخرف: 51]، بل كان فرعون يعبد آلهة قومه كما في قوله - تعالى -: وَقَالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ [الأعراف: 127] لذا: استخدم فرعون وملؤه السحر، وأجبروا مجموعة من الشبان على تعلمه؛ ليفرضوا سيطرتهم على المجتمع ويصدوهم عن عبادة الله، ويتبين ذلك من قول أولئك السحرة لما آمنوا بالله - تعالى - فلم يرهبهم التهديد والوعيد، قال - تعالى -: إنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه: 73].
قال ابن عباس: (أخذ فرعون أربعين غلاماً من بني اسرائيل، فأمر أن يُعَلّموا السحر، وقال: علموهم تعليماً لا يعلمه أحد في الأرض) [2]، فبعث الله - تعالى - موسى - عليه الصلاة والسلام -، فدعاهم إلى وحدانية الله وأبطل ما كانوا عليه من السحر بالمناظرة التي انتهت بإيمان السحرة.
سبيل التصدي:
مما سبق يتضح أن معظم الكفر الحاصل في البشرية ليس بسبب تكذيب دعوة الرسل وإنما بالإباء والاستكبار على أمر الله، يقول - تعالى -: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْ هَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُواً [النمل: 14] يقول ابن القيم: (إن الله - تعالى - أيد رسله، وأعطاهم من البراهين والآيات على صدقهم ما أقام به الحجة، وأزال به المعذرة) [3] لذا: لابد لمن أراد دعوة الناس إلى الهدى أن يسلك سبيلاً واحداً سار عليه الرسل جميعاً، هذا السبيل هو البدء بالتوحيد الخالص ودعوة الناس إليه، وكشف ما يناقضه من الشرك بالله، وسد الذرائع الموصلة إليه، ثم الانتقال إلى إصلاح ما تآلف الناس عليه من الفساد بمختلف أساليبه في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أي فساد في أي مجتمع هو من صنع الملأ، لذا: لابد من التحلي بالصبر على مشاق الدعوة تجاه ما يحدثه أولئك الملأ، يقول المودودي: (والظاهر أن أول ما يطالِب به دينُ الله عباده: أن يدخلوا في عبودية الحق كافة مخلصين له الطاعة والانقياد، حتى لا يبقى في أعناقهم قلادة من قلائد العبودية لغير الله - تعالى -، ثم يتطلب منهم ألا يكون لحياتهم قانون إلا ما أنزله الله - تعالى - وجاء به الرسول الأمي الكريم - صلى الله عليه وسلم -، ثم إن الإسلام يطالبهم بأن ينعدم من الأرض الفساد، وتستأصل شأفة السيئات والمنكرات، الجالبة على العباد غضب الله - تعالى - وسخطه) [4].

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــ
(1) ابن منظور، لسان العرب.
(2) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج3 ص176.
(3) مدراج السالكين، ج1ص346.
(4) مقدمة كتاب الأسس الأخلاقية، للمودودي.