عناية الإمام المحدث ابن حبان بالأدب
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: عناية الإمام المحدث ابن حبان بالأدب

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,132

    افتراضي عناية الإمام المحدث ابن حبان بالأدب

    عناية الإمام المحدث ابن حبان بالأدب
    شمس الدين درمش



    يعد أبو حاتم محمد بن حبان البستي (280- 354 هـ) أحد أئمة الحديث في الرواية، وجمع الحديث بكتابه المسمى (التقاسيم والأنواع) والمعروف بـ(صحيح ابن حبان).
    أما كتاباه (الثقات) و(المجروحين) فهو يعد بهما من صيارفة الرجال ونقدتهم الذين خدموا السنة النبوية خدمة منهجية جليلة حفظها من افتئات الكذابين، ودسائس الوضاعين الذين يهدفون إلى إفساد الدين الحنيف وهدم بناء الشريعة المنيف.
    وقد قيل: "لولا علم الجرح والتعديل لقال من شاء ما شاء". وحفظت من شيخي عبد الوهاب سكر - رحمه الله - في الثانوية الشرعية بحلب، قول هارون الرشيد لأحد الوضاعين وقد أمر بقتله فقال: "ما ينفعك قتلي وقد وضعت عشرة آلاف حديث توزعت في الآفاق"؟! فقال الرشيد: "أنا أقتلك وسفيان يغربلها"!! يعني سفيان الثوري، وابن حبان - رحمه الله - هو أحد هؤلاء المغربلين الذين يفصلون صحيح الحديث من سقيمه فيصح للناس دينهم -بإذن الله-.
    ولكن الذي لا يعرفه عامة طلبة العلم فضلاً عن عامة الأدباء أن ابن حبان كان يعرف للأدب وأساليبه فضله في مخاطبة العقول والنفوس لتقويم اعوجاجها ومداواة أمراضها، فالأدب يتخذ البيان بلاغاً ليدخل إلى مجاهيل القلوب وينير ظلماتها، وكتابه (روضة العقلاء ونزهة الفضلاء) خير شاهد على عنايته بالأدب وأساليبه.
    وتتجلى هذه العناية بمظهرين: الأول: فيما ينقله عن الأدباء من شعر ونثر، والثاني: فيما يكتبه هو من نثر، وسأبدأ بالثاني قبل الأول؛ لأنه الغرض من الموضوع.
    من النثريات الأدبية لابن حبان:
    ديباجة الكتاب:
    يعرض ابن حبان في مقدمة كتابه لكشف زيف ادعاء أقوام تمكنهم من العقل باستعمال ضد ما يوجب العقل فيقول: "أما بعد: فإن الزمان قد تبين للعاقل تغيره، وللبيب تبدله، حيث يبس ضرعه بعد الغزارة، وبشع مذاقه بعد العذوبة، فنبغ فيه أقوام يدعون التمكن من العقل باستعمال ضد ما يوجب العقل من شهوات صدورهم، وترك ما يوجبه نفس العاقل بهجسان قلوبهم، جعلوا أساس العقل الذي يعقدون عليه عند المعضلات: النفاق والمداهنة، وفروعه عنه ورود النائبات حسن اللباس والفصاحة، وزعموا أن من أحكم هذه الأشياء الأربعة فهو العاقل، الذي يجب الاقتداء به، ومن تخلف عن إحكامها فهو الأنوك -أي الأحمق - الذي يجب الازورار عنه" (1).
    فنحن أمام ديباجة أدبية يمهد بها المؤلف لكتابه، يستعمل فيها الجمل القصيرة المسجوعة سجعاً لطيفاً، مع التقديم والتأخير في أجزاء الجملة لإفادة معنى بلاغي من جهة وإقامة توازن لإيقاع الجملة من جهة أخرى مع ما فيها من الترادف الذي يقصد به التأكيد، وكل هذا في الجملتين الأوليين: "قد تبين للعاقل تغيره، ولاح للبيب تبدله"، وفوق ذلك فإن في الجملتين مجازاً مرسلاً بذكر الزمان وإرادة أهله، فإن الزمان الذي هو الظرف لأفعال الإنسان لا يتغير، وإنما الذي يتغير هو أفعال الناس كما قال الشافعي - رضي الله عنه -:
    "نعيب زماننا والعيب فينا*** وما لزماننا عيب سوانا"
    ويتبع ذلك بجمل تتضمن من البيان والتشبيه القائم على الاستعارة، ومن البديع أسلوب التضاد لتكون الصورة أبلغ أثراً في النظر الذي ينقل إلى القلب معناه، فيقول: "حيث يبس ضرعه بعد الغزارة، وذبل فرعه بعد النضارة، ونحل عوده بعد الرطوبة، وبشع مذاقه بعد العذوبة..."، فهذا أسلوب فيه صنعة أديب ذل له القلم وخضع له أساليب البلاغة من البيان والمعاني والبديع، فجعل للزمان ضرعاً ييبس بعد الغزارة، وغصناً يذبل بعد النضارة، ويستعمل المدرك الذوقي إلى جانب المدرك البصري "وبشع مذاقه بعد العذوبة".
    في العقل والعقلاء:
    الكلام العقلي يكون أقرب إلى الواقع والتجريد والبعد عن الزخرفة والخيال، لأن العقل ينزع إلى المنطق وإن كان هو نفسه محل الخيال لدى الكتاب والأدباء، بعكس الكلام القلبي الذي ينزع إلى العاطفة المتمردة على قيود العقل، لذلك قد يحب القلب ما حقه الكره في العقل، وقد يبغض القلب ما حقه الحب في العقل.
    فلنتأمل ما قاله ابن حبان في العقل والعقلاء بأسلوب الأدباء: "العقل نوعان: مطبوع ومسموع، فالمطبوع منهما كالأرض، والمسموع كالبذر والماء، ولا سبيل للعقل المطبوع أن يخلص له عمل دون أن يرد عليه العقل المسموع، فينبهه من رقدته، ويطلقه من مكامنه، كما يستخرج البذر والماء ما في قعور الأرض من كثرة الريع. فالعقل الطبيعي من باطن الإنسان بموضع عروق الشجرة من الأرض، والعقل المسموع من ظاهره كتدلي ثمرة الشجرة من فروعها". (2)
    فقد بنى ابن حبان معانيه على التشبيه التمثيلي المركب من عناصر متعددة في وجه الشبه، والتشبيه فيه قائم على البيئة الزراعية التي هي أقرب ما يكون إلى الإنسان خصوصاً في ذلك العصر، فهو عندما قسم العقل إلى المطبوع الموهوب من الله - سبحانه -، وإلى المسموع المكتسب بالسماع والقراءة في طلب العلم، أضاف الثاني إلى الأول إضافة البذر والماء إلى الأرض الخصبة، لينتج محصولاً صالحاً.
    وفي قوله: "فينبهه من رقدته، ويطلقه من مكامنه" أضاف عنصراً جمالياً حركياً في التشبيه، فالاستيقاظ من النوم عودة للحياة، والانطلاق من المكامن حرية بعد انحباس. ثم رسم صورة بصرية كاملة يمكن لأدنى رسام أن ينقله إلى لوحة جميلة عندما جعل "العقل الطبيعي من باطن الإنسان بموضع عروق الشجرة من الأرض، والعقل المسموع من ظاهره كتدلي ثمرة الشجرة من فروعها"، فضلا على ما في الصورة من تذكير بالآية الكريمة (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا)(إبراهي م: 24-25).
    والمتأمل في هذا التشبيه يجده مخالفاً لما قبله الذي جعل فيه العقل المسموع كالبذر والماء، لأن ثمرة الشجرة لا تكون (العقل المسموع) بل هي نتاج تفاعل العقل المسموع بالعقل المطبوع.
    وقد يأتي ابن حبان بتشبيهات متعددة للعقل يرفع من مكانته، فيقول: "العقل دواء القلوب، ومطية المجتهدين، وبذر حراثة الآخرة، وتاج المؤمن في الدنيا، وعدته في وقوع النوائب، ومن عدم العقل لم يزده السلطان عزاً، ولا المال يرفعه قدراً، ولا عقل لمن أغفله عن أخراه ما يجد من لذة دنياه، فكما أن أشد الزمانة -أي المرض الزمن - الجهل، كذلك أشد الفاقة عدم العقل" (3). فهو في هذا النص يعرض للعقل من جانب وجوده وجانب فقدانه، وعدد صور فوائده وصور أضرار فقده ليؤكد ما يريده في الأذهان، ولا غرابة في اهتمامه بالعقل فهو مناط التكليف الشرعي، وليس هذا الاهتمام من إعلاء المعتزلة لمكانة العقل من شيء، فذلك باب آخر.
    ولما كان للعقل هذه المكانة ينبه ابن حبان على ما يفسده من الأعداء والأدواء، فيقول: "العقل والهوى متعاديان، فالواجب على المرء أن يكون لرأيه مسعفاً، ولهواه مسوفاً، فإذا اشتبه عليه أمران اجتنب أقربهما من هواه، لأن في مجانبة الهوى إصلاح السرائر، وبالعقل تصلح الضمائر" (4)، فقد جعل ابن حبان العلاقة بين العقل والهوى علاقة عداوة، يجب فيها مناصرة العقل على الهوى ليستقيم حياة صاحبهما، وهذا في باب البيان من التشبيه التمثيلي أيضاً.
    وينبه ابن حبان إلى أمراض أخرى تضر العقل وتقضي عليه، فيقول: "آفة العقل الصلف، والبلاء المردي، والرخاء المفرط، لأن البلايا إذا تواترت عليه أهلكت عقله، والرخاء إذا تواتر عليه أبطره، والعدو العاقل خير للمرء من الصديق الجاهل" (5). فهذه العبارات فيها تصوير المعنوي بالمحسوس على سبيل الاستعارة حتى إنه ليقبح الحسن في الطبع، فإن الإنسان يميل إلى الرخاء لكنه إذا علم أن الرخاء من آفات العقل اقتصد ولم يسرف، ويأتي بالجملة المشهورة "عدو عاقل خير من صديق جاهل" لتقرير قيمة العقل ولو كان عند من يكره، وإقامة الجملة على المقابلة المتضادة فيها تحريك للذهن بين طرفي المعادلة ووسطيها، إذ الأصل أن يكون العدو جاهلاً، والصديق عاقلاً.
    لزوم العلم والمداومة على طلبه:
    وننتقل إلى باب آخر وهو الحث على لزوم العلم والمداومة على طلبه ومكانته. فنجد ابن حبان يصوغ جملاً أدبية تحبب العلم وأهله، فيقول: "العلم زين في الرخاء، ومنجاة في الشدة، ومن تعلم ازداد، كما أن من حلم ساد، وفضل العلم -أي زيادته- في غير خير مهلكة، كما أن كثرة الأدب في غير رضوان الله موبقة، والعاقل لا يسعى في فنونه إلا بما هو أجدى عليه نفعاً في الدارين معاً، وإذا رزق منه الحظ لا يبخل بالإفادة، لأن أول بركة العلم الإفادة، وما رأيت أحداً قط بخل بالعلم إلا لم ينتفع بعلمه، وكما لا ينتفع بالماء الساكن تحت الأرض ما لم ينبع، ولا بالذهب الأحمر ما لم يستخرج من معدنه، ولا باللؤلؤ النفيس ما لم يخرج من بحره، كذلك لا ينتفع بالعلم ما دام مكنوناً لا ينشر ولا يفاد" (6).
    فقد أثنى ابن حبان على العلم في حالي الرخاء والشدة، ثم جعله كالماء تحت الأرض، واللؤلؤ تحت البحر، والذهب الأحمر في معدنه، فهو محمود في ذاته لكن نفعه لا يتحقق ما لم يكن مبذولاً للناس. والنص بعد ذلك مبني على عدة تشبيهات كل منها يتضمن وجهاً مختلفاً مع غيره ومتفقاً معه، فالماء واللؤلؤ والذهب متشابهة في مكنونيتها والحاجة إلى الجهد في الوصول إليها، ولكنها مختلفة في نوع الإفادة ومقدار حاجة الناس إليها، وأعلاها الماء الذي لا يستغني عنه أحد من الناس، بخلاف الذهب واللؤلؤ.
    إظهار البشاشة من العلماء:
    وفي ترغيب ابن حبان بإظهار البشاشة من العلماء للناس، يقول: "البشاشة إدام العلماء، وسجية الحكماء، لأن البشر يطفئ نار المعاندة، ويحرق هيجان المباغضة، وفيه تحصين من الباغي، ومنجاة من الساعي، ومن بش للناس وجهاً لم يكن عندهم بدون الباذل لهم ما يملك"(7).
    ففي هذا النص جعل ابن حبان البشاشة كالطعام الذي لا يستغني عنه العلماء، ولا ينفك عنه الحكماء، وهذا يعني أن العالم والحكيم الذي يفتقد البشاشة في تعامله مع الناس فإنهم لا يستفيدون من علمهما وحكمتهما كما ينبغي، وبين أن البشر كالماء يطفئ نار المعاندة، وهو يقيه من بغي الباغي لأنه دفع بالتي هي أحسن، وقوله: "يحرق هيجان المباغضة" محل تأمل ومراجعة لأن الهيجان هو الغضب، والغضب نار يطفأ بالماء كما أمر به الشارع الحكيم، وأنه من الشيطان يستعاذ منه، فكأن جملته "يحرق حريق المباغضة" وهي لا تفهم إلا بتأويل يحرق بـ"يزيل". أما قوله "منجاة من الساعي"، فالظاهر أنه يقصد بالساعي الذي يسعى بالنميمة آخذاً بالحديث: ((وأما الآخر فكان يسعى بالنميمة))، والنميمة إفساد ذات البين، والبشر يصلح ما بين المرء وغيره، أما قوله: "ومن بش للناس وجهاً لم يكن عندهم بدون الباذل لهم ما يملك"، فمعناه مأخوذ من حديث: ((تبسمك في وجه أخيك صدقة))، فالبشاشة بذل يساوي التصدق بالمال، ولعل أثره أعم؛ لأن صدقة المال خاصة بالفقراء، وصدقة البشاشة لكل الناس!!
    من المنقولات الأدبية النثرية لابن حبان:
    وقد عني ابن حبان بمأثور ما نقل من أدب النثر عن العلماء والحكماء ممن سبقوه، وسأنقل من كلام هؤلاء دون ما أورده من الأحاديث النبوية، لأن أساليبها وأنوارها فوق هذا البحث الذي يهدف إثبات ما ينفيه طوائف من النقاد المعاصرين من اهتمام علماء الإسلام بالأساليب الأدبية، وأن ما لديهم منها ليس بشيء، وهو خطأ متداول سببه غلبة علم هؤلاء الأفذاذ على آدابهم بمعناها الفني، لا بمعناه الخلقي!

    يتبع
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,132

    افتراضي رد: عناية الإمام المحدث ابن حبان بالأدب

    عناية الإمام المحدث ابن حبان بالأدب
    شمس الدين درمش


    استحباب المؤاخاة للمرء مع الخاص:
    ففي باب استحباب المؤاخاة للمرء مع الخاص يروي ابن حبان (8): "أنبأنا القطان بالرقة، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا إبراهيم بن موسى المكي، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب قال: وضع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - للناس ثماني عشرة كلمة، كلها حكم، قال: ما كافأت من يعصي الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من مسلم شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً، ومن تعرض للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن، ومن كتم سره كانت الخيرة في يديه، وعليك بإخوان الصدق فعش في أكنافهم، فإنهم زينة في الرخاء، وعدة في البلاء، وعليك بالصدق وإن قتلك الصدق، ولا تعرض لما لا يعنيك، ولا تسأل عما لم يكن فإن فيما كان شغلاً عما لم يكن، ولا تطلبن حاجتك إلى من لا يريد لك نجاحها، ولا تصحبن الفاجر فتعلم فجوره، واعتزل عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين ولا أمين إلا من خشي الله، وتخشع عند القبور، واعتصم عند المعصية، واستشر في أمرك الذين يخشون الله، فإن الله يقول: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ)(فاط ر: 8)".
    فهذا النص يشع بأنوار الحكمة، ويفيض بخيرات التجربة، يبصر المرء بدينه ودنياه، جملها قصيرة متتابعة، يلمع فيها البديع لمعان النور في الربيع، يتراوح بين الخبر والإنشاء، لا يقصر فيخل، ولا يطيل فيمل. وهكذا كانت كلماتهم تأني على السجية مقدمة على أطباق البيان هدية.
    كراهية المعاداة للناس:
    ومما نقله في ذكر كراهية المعاداة للناس ما يحكى عن العصفور والصياد، فيورده مسنداً فيقول (9): "سمعت محمد بن محمود يقول: سمعت علي بن خشرم يقول: سمعت الفضل بن موسى السيناني يقول: كان صياد يصطاد العصافير في يوم ريح، قال: فجعلت الرياح تدخل في عينيه الغبار فتذرفان، فكلما صاد عصفوراً كسر جناحه وألقاه في ناموسه، فقال عصفور لصاحبه: ما أرقه علينا! ألا ترى إلى دموع عينيه؟! فقال له الآخر: لا تنظر إلى دموع عينيه، ولكن انظر إلى عمل يديه!".
    فهذه القصة التي تحذر من الاغترار بالظواهر، وتدعو للتنبه إلى حقائق الأفعال قصة رمزية من آداب الشعوب العالمية، قد تكون مما ورد في كتاب "كليلة ودمنة" من القصص الجانبية. وابن حبان لا يتعامل مع هذه القصة وأمثالها بأسلوب الناقد الذي يتعامل به في رواية الأحاديث، ولا يعرض السند على غربال الثقات والمجروحين، مع إدراكه أن الحكاية على لسان العصفورين ليست حقيقية، لأن الأمر هنا تقديم مثل يستخرج منه معنى ينفع السامع دون أن يدخل دينه بأس. وهذا دليل على إدراك ابن حبان أهمية العمل الأدبي ووسائله التي تختلف عن صناعة العلم الحقيقي وأهدافه، مما يصلح شاهداً في باب الأدب في وضع القصص الأدبية.
    ائتلاف الناس واختلافهم:
    وشبيه بقصة العصفورين والصياد ما نقله في باب ذكر ائتلاف الناس واختلافهم قصة العصفور والفخ (10)، فيقول بعد ذكر السند: "تكلم عصفور في بني إسرائيل مع فخ، فقال العصفور: انحناؤك لماذا؟! قال الفخ: من العبادة، قال العصفور: دفنك في التراب لماذا؟! قال الفخ: من التواضع، قال العصفور: فما هذا الشعر؟! قال الفخ: لباسي، قال العصفور: ما هذا الطعام؟! قال الفخ: أعددته لعابر السبيل، قال العصفور: أفتأذن لي فيه؟ قال: نعم.
    قال الراوي: فنقر العصفور نقرة فأخذ الفخ بعنقه، فجعل العصفور يقول: شغ.. شغ.. شغ!! وقال: والله لا يغرني قارئ بعدك أبداً!!".
    والقصة غنية عن التعليق في جانبها الأدبي الرمزي، إلا أن التنبيه لازم على الجملة الخاتمة التي تضمنت المغزى حتى لا يتبادر إلى الأذهان أنها مسوقة للإساءة إلى القراء على طريقة ما قاله المنافقون في طريق العودة من غزوة تبوك، بل هي تنظر إلى أحاديث أخرى حذرت من أكل الدنيا بالدين، وتوعدت القراء الذين لا يعملون بعلمهم ومنه الحديث الذي فيه: ((فيقال له: كذبت، قرأت ليقال عنك قارئ، وقد قيل... ))..
    وهذه القصة أيضاً كسابقتيها في الدلالة على إدراك ابن حبان لأبعاد العمل الأدبي وأهدافه. وقد يقدم ابن حبان الحكاية بتمهيد نقدي لطيف يشعر بعدم موافقته على المضمون، كما في قوله (11): "وقد أولع جماعة بالفراق حتى إنهم خرجوا إلى ثلب الطيور، وقدح الدمن، وتأولوا لعن نوح - عليه السلام – الغراب"، ثم يروي الحكاية بسنده فيقول: "بعث نوح –عليه السلام- الغراب والحمامة حين استقرت السفينة على الجودي يلتمسان له الجدب أي الأرض، فأما الغراب فرأى جيفة فوقع عليها فأكل منها، وأما الحمامة فجاءت عاضة على غصن شجرة بطين أحمر، قال: فدعا للحمامة بالبركة، وأما الغراب فلعنه، وقال قولاً شديداً".
    وواضح من تقديم الحكاية أن ابن حبان لا يقر ما أولع به بعض الناس من ثلب الطيور ولعن نوح - عليه السلام - الغراب، لأن الحكاية مع دلالتها الرمزية في استحقاق من يقوم بالواجب الثناء والشكر، ومن يفرط فيه العقوبة والزجر، إلا أن لعن الغراب وهو طائر أعجم يحتاج إلى دليل شرعي صحيح، بخلاف قصة العصفور والصياد، والعصفور والفخ فليس في سياق القصتين ما ينكر.
    ونتوقف في القصة الأخيرة عند الحمامة والغصن الذي اتخذ رمزاً عالمياً على السلام، وواضح أن مصدره الإسرائيليات، وتأثير النصرانية واليهودية في رسم السياسة العالمية، ووضع شعاراتها التي تريد.
    من المنقولات الشعرية لابن حبان:
    أما ما نقله ابن حبان من الشعر فشيء كثير، ومن البدهي أن ينقل من الأشعار ما تحث على مكارم الأخلاق، ومعالي الهمم والأمور، والإتيان بنماذج منها تحصيل حاصل، ولكني سأنقل مثالاً على ما نظن أنه ليس عند الإمام المحدث، ولا هو عنده.
    من الشعر الوجداني:
    ففي باب ائتلاف الناس واختلافهم بعد قصة الحمامة والغراب مع نوح - عليه السلام -، ينقل ابن حبان القصة الآتية (12): "أمرت لبنى فاشتري لها أربعة غربان، فلما رأتهن صرخت وبكت، وكتفتهن، وجعلت تضربهن بالسوط حتى قتلتهن جميعاً، وأنشأت تقول:
    لقد نادى الغراب ببين لبنى *** فطار القلب من حذر الغراب
    وقال غداً تباين دار لبنى*** وتنأى بعد ود واقتراب
    فقلت تعست ويحك من غراب *** أكل الدهر سعيك في تباب؟
    لقد أولعت لا لقيت خيراً *** بتفريق المحب عن الحباب
    وأنشدني إبراهيم بن علي الطرفي، قال: أنشدني علي بن إسحاق:
    غراب البين ويحك صح بقرب *** كما قد صحت ويحك بالبعاد
    تنادي بالتفرق كل يوم فما *** لك بالتواصل لا تنادي؟!
    أراني الله ريشك عن قريب *** تمرطه البزاة بكل واد
    كما أسخنت يوم البين عيني *** وألقيت الحزازة في فؤادي"
    وينقل بعد هذه الأبيات قصة في السياق، فيقول: "حدثنا بعض أصحابنا -أي الراوي- قال: مررت بالبصرة على باب دار، فإذا بصوت غراب يجلد، فدنوت من الدار، فإذا صاحبة الدار، وبين يديها جوار، وهي تأمر بجلده، فقلت: ألا تتقون الله في هذا الغراب؟! فقلن لي: هذا الغراب الذي قيل فيه:
    ألا يا غراب البين قد طرت بالذي *** أحاذر من لبنى فهل أنت واقع؟!
    فقلت: ليس هذا ذاك الغراب! فقالت: والله، ما نزال نأخذ البريء بالسقيم حتى نظفر بذاك الغراب!!"
    فهذه الأبيات وقصتها تابعة لما أشار إليها ابن حبان أن بعض الناس أولعوا بها، والذي يعنينا أن هذا من الشعر الوجداني الذي يظن بالإمام أن يتجنبها، ولكننا نجده يرويها، بل ويلحق بها قصة طريفة حيث يتدخل الرجل لدى المرأة لإنقاذ الغراب البريء، وقول المرأة: إنها لا تزال تأخذ البريء بالمذنب حتى تظفر بذلك الغراب! وما هي بظافرة بالغراب الأول، وإنها لتنتصر لصاحبتها لبنى، والتي يغلب الظن أنها صاحبة قيس بن ذريح من أصحاب الشعر الوجداني المعروف بالحب العذري.
    وقد تكون القصة الأخيرة كلها مسوقة للتعبير عن رأي الناس في ذلك الوقت في جور بعض الولاة في أخذ البريء بالمجرم مما أعلنه زياد ابن أبيه، ثم سار عليه الحجاج وأضرابه من بعد، فوضعت في هذا الثوب الأدبي لتكون أدعى للقبول والسيرورة.
    الزجر عن التجسس وسوء الظن:
    وابن حبان لا يفوت مثل هذه القصص الطريفة التي تقدم الجد الثقيل بأسلوب الهزل الخفيف، فيروي في باب ذكر الزجر عن التجسس وسوء الظن (13): "أن امرأة ادعت على رجل حماراً لها، فقدمته إلى القاضي، فسألها البينة، فأحضرت أبا دلامة ورجلاً آخر، فقال القاضي: أما شاهدك هذا فقد قبلنا شهادته، فأتينا بشاهد آخر، فأتت أبا دلامة فأخبرته، فصار إلى القاضي، وأنشأ يقول:
    إن الناس غطوني تخطيت عنهم *** وإن بحثوا عني ففيهم مباحث
    وإن حفروا بئري حفرت بئارهم *** ليعلم يوماً كيف تلك النبائث
    فقال القاضي للمرأة: كم ثمن حمارك؟ قالت: ثلاثمائة، قال: قد احتملناها لك من مالي".
    ودخول أبي دلامة في القصة هو عنصر الطرافة؛ لأنه كالعادة الضعيف الذي يسجل نصراً على خصمه القوي بمزاحه الفعال، وموضوع القصة (حمار) والمدعية امرأة، والقاضي يغرم من ماله (ثلاثمائة) مجهولة، حتى يترك للخيال دوراً أن يقدر تمييز العدد ديناراً، أو درهماً، أو دانقاً!!
    الأدب ولزوم الفصاحة:
    ويحسن أن يختم هذا الموضوع بالإشارة إلى الباب الذي خصه ابن حبان للأدب ولزوم الفصاحة (14)، والأدب هنا بمعناه الفني، وليس بمعناه الخلقي المحض، وكان قديماً يجمع بين المعنيين. يقول ابن حبان: "أنشدني الكريزي:
    أكرم بذي أدب أكرم بذي حسب*** فإنما العز في الأحساب والأدب
    والناس صنفان ذو عقل وذو أدب *** كمعدن الفضة البيضاء والذهب
    وسائر الناس من بين الورى همج *** كانوا موالي أو كانوا من العرب"
    ويقول ابن حبان (15): "الكلام مثل اللؤلؤ الأزهر، والزبرجد الأخضر، والياقوت الأحمر، إلا أن بعضه أفضل من بعض، ومنه ما يكون مثل الخزف والحجر والتراب والمدر -أي الطين-، وأحوج الناس إلى لزوم الأدب وتعلم الفصاحة أهل العلم؛ لكثرة قراءتهم الأحاديث، وخوضهم في أنواع الكلام".
    وقال ابن حبان في شرح حديث: ((إن من البيان لسحراً)) (16) : "قد شبه - صلى الله عليه وسلم - في هذا الخبر البيان بالسحر، إذ الساحر يستميل قلب الناظر إليه بسحره وشعوذته، والفصيح الذرب اللسان يستميل قلوب الناس إليه بحسن فصاحته، ونظم كلامه، فالأنفس تكون إليه تائقة، والأعين إليه رامقة".
    ويبدو أن لابن حبان مزيد عناية بالأدب في كتب أخرى لم تصل إلينا، يشير إليها في نهايات بعض الأبواب من كتابه هذا (روضة العقلاء ونزهة الفضلاء) كما في باب (ذكر إصلاح السرائر بلزوم تقوى الله) (17)، حيث يقول: "قد ذكرت هذا الباب بكماله بالعلل والحكايات في كتاب محجة المبتدئين، بما أرجو الغنية للناظر إذا تأملها، فأغنى ذلك في تكراره في هذا الباب".
    منهج ابن حبان في روضة العقلاء ونزهة الفضلاء:
    قال أبو حاتم -ابن حبان- في خاتمة كتابه (18): "قد ذكرنا اليسير من الكثير من الآثار، والقليل من الجسيم من الأخبار، في كتابنا هذا بما نرجو أن القاصد على سلوك ذوي الحجى، والسالك مقصد سبيل أولي النهى، يكون له فيها غنية إن تدبرها واستعملها، وإن كنا تنكبنا طرق المسانيد، وتخريج الحكايات، وأناشيد الأشعار، إلا ما لم نجد بداً من إخراجها، كالإيماء إلى الشيء، والإشارة إلى القصد..".
    رحم الله ابن حبان، وأسكنه فسيح الجنان.
    ـــــــــــــــ ـــــــــ
    الهوامش:
    (1) كتاب: روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، تأليف الإمام أبي حاتم محمد بن حبان البستي، طبع ونشر المكتبة العصرية، بيروت، (1424هـ - 2003م)، ص: 8.
    (2) السابق، ص: 11.
    (3) روضة العقلاء: ص 12.
    (4) السابق: ص 12.
    (5) السابق: ص 14.
    (6) السابق: ص 32.
    (7) السابق: ص 65.
    (8) السابق: ص 78.
    (9) روضة العقلاء: ص 84.
    (10) السابق: ص 97.
    (12) السابق: ص 99.
    (12) السابق: ص 100.
    (13) السابق: ص 111.
    (14) السابق: ص 205.
    (15) السابق: ص 208.
    (16) السابق: ص 205.
    (17) السابق: ص 25، وانظر نهايات الصفحات (32، 100، 117، 141، 165، 170، 214).
    (18) السابق: ص 275
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •