لبيك اللهم لبيك

(لبيك اللهم لبيك)
بهذا الشعار يدخل المسلم في هذه العبادة العظيمة " حج بيت الله الحرام "
إنه الشعار الذي يتلبس به الحاج من أول لحظة في الحج .
إنه شعار التوحيد ، بل من أجل تحقيق التوحيد لله وحده شرع للحاج أن يبتدئ حجه بهذا الشعار العظيم
إنه إعلان للانقياد التام لله عز وجل والخضوع له .
" لبيك اللهم لبيك " : أي إجابة بعد إجابة .
" لبيك اللهم لبيك " : انقياد لله بعد انقياد .
" لبيك اللهم لبيك " : فنحن مقيمون على طاعتك ملازمون لها. فهي متضمنة التزام دوام العبودية
" لبيك اللهم لبيك " مقتربون إليك اقتراباً بعد اقتراب .
وفي التلبية استجابة لأمر الله تعالى : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) (آل عمران:97)
في التلبية إجابة لنداء إبراهيم الخليل عليه السلام لما أمره الله عز وجل أن يؤذن في الناس بالحج ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (الحج:27)
في مثل هذا الوقت من السنة ، وفي نفس هذا المكان أهل رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم بهذا الشعار " شعار التوحيد " قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم : " ثم أهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " رواه مسلم .
يشعر الحاج وهو يلبي بترابطه مع سائر المخلوقات حيث تتجاوب معه في عبودية الله وتوحيده ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " ما من مسلم يلبي إلا لبى ما عن يمينه وعن شماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من ها هنا وها هنا " يعني عن يمينه وشماله . رواه الترمذي وصححه الألباني .
في الحج تتجلي أسمى معاني العبودية لله عز وجل ، وأكمل مظاهر الاتباع لهدي رسوله عليه الصلاة والسلام
فهو القائل : ( لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ ) رواه مسلم
الحج مدرسة عظيمة, لا يخرج منها الحاج إلا وقد تحصل على فوائد عظيمة. فهو يتعلم في هذه الرحلة المباركة:
· التسليم والانقياد لشرع الله تعالى :
فتنقل الحجاج بين المشاعر ، وطوافهم حول البيت العتيق ، وتقبيلهم للحجر الأسود ، ورمي الجمار... كل ذلك أمثلة حية لتحقيق هذا الانقياد لشرع الله تعالى ، وقبول حكم الله بكل انشراح صدر ، وطمأنينة قلب.
· إقامة توحيد الله عز وجل :
فقد شُرع للحاج أن يستهل حجه بالتلبية قائلاً: " لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك "
ومن ذلك أيضاً كان خير دعاء يوم عرفة أن يقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، يحي ويميت ، وهو على كل شيء قدير ".
· تعظيم شعائر الله تعالى وحرماته:
قال الله تعالى بعد أن ذكر أحكاماً عن الحج : ( ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه) ( الحج/ 30 ) والحرمات المقصودة هنا هي أعمال الحج .
· محبة الرسول صلى الله عليه وسلم:
فالحج يستوجب متابعته والتزام هديه عليه الصلاة والسلام ، وإن التأسي برسول الله -صلى الله عليه وسـلم أثناء القيام بمناسك الحج سبب في نيل محبته ، حيث قال صلى الله عليه وسلم : ( خذوا عني مناسككم) ، وفي اتباع النبي صلى الله عليه وسلم تحقيق لمحبة الله تعالـى
· تحقيق الولاء بين المؤمنين والبراءة من المشركين:
ففي الحج يزداد المؤمنون صلة واقتراباً، حيث يجمعهم لباس واحد، ومكان واحد، وزمان واحد، ويؤدون جميعاً مناسك واحدة.
ومن صور الولاء للمؤمنين: أن الحج مدرسة لتعليم السخاء والإنفاق ، وبذل الـمعروف أياً كان ، سواء أكان تعليم جاهل ، أو هداية تائه ، أو إطعام جائع ، أو إرواء غليل ، أو مساعدة ملهوف.
وفي المقابل: ففي الحج ترسيخ لعقيدة البراء من المشركين ومخالفتهم؛ يقول ابن القيم: " استقرت الشريعة على قصد مخالفة المشركين لا سيما في المناسك "
فقد لبى النبي صلى الله عليه وسلم بالتوحيد ، خلافاً للمشركين في تلبيتهم الشركية ، وأفاض من عرفات مخـالـفـاً لقريش حيث كانوا يفيضون من طرف الحرم ، كما أفاض من عرفات كذلك بعد غروب الشمس مخالفاً أهل الشرك الذين يدفعون قبل غروبها ، ولما كان أهل الشرك يدفعون من المشعر الحرام (مزدلفة) بعد طلوع الشمس، خالفهم الرسول صلى الله عليه وسلم ، فدفع قبل أن تطلع الشمس.
·تذكر اليوم الآخر واستحضاره
فإن الحاج إذا فارق وطنه وتحمل عناء السفر: فليتذكر خروجه من الدنيا بالموت إلى ميقات القيامة وأهوالها.
وإذا لبس المحرم ملابس الإحرام فإنه يتذكر لبس كفنه ، وأنه سيلقى ربه على زي مخالف لزي أهل الدنيا.
وإذا وقف بعرفة ورأى ازدحام الخلق وارتفاع أصواتهم واختلاف لغاتهم، فإنه يتذكر موقف القيامة واجتماع الأمـم في ذلك الموطن .
هذا غيض من فيض من دروس هذا المنسك العظيم .
ومن عاش لذة الطاعة والمناجاة في رحاب بيت الله العتيق ، وفي صعيد عرفة ، وفي مشاعر الحج ومشاهده ، وذاق حلاوة الإيمان ، عرف شرف هذه الطاعة ومكانتها ، وتأمل دروسها ، وكله أمل ورجاء ، وقلبه معلق بخالقه يرجو عظيم عفوه،
وهو يهتف ويقول: اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة ، اللهم اجعل حجي مبرورا وذنبي مغفورا وسعيي مشكورا ، اللهم اجعلني أخرج من ذنوبي كيوم ولدتني أمي ، اللهم اجعلني ممن أعتقتهم من النار على هذا الصعيد المبارك .
لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك.
منقول