بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ، وبعد :
إن الله تعالى أوجب على كل مسلم أن يرتحل إلى بيته المشرف حاجا ، أو إن شئت فقل أن يهاجر إلى ربه تعالى ، وأركان الإسلام لا تتوقف إقامة حقائقها على الأداء ، فإذا كان وجوبُ الأداء شَرْطٌ فيه الاستطاعة ، فالمسلم مستطيعُ الأداء أو غيرُ مستطيعِ الأداءِ مطالبٌ ومأمورٌ بإقامة حقيقة أركان الإسلام ، وإن عُذر في ترك الأداء شرعا ، وعلى الوجه الآخر كثير ممن يؤدون الأركان لا يتعدى ذلك الجارحة ، مع مفارقتهم الحقيقة ، ومن ذلك الحج وعلى ذلك نفهم قول ابن عمر رضي الله عنهما : ( الركب كثير ، لكنَّ الحاج قليل ) .
فمن أراد أن يرتحل إلى بيت ربه سبحانه ، وإن كان في موطنه ومكانه ، فعليه بأمور ، لا تتعلق بالحج وحده ، بل بسائر أركان الإسلام وأفعاله ،
أولا : المنطلق : والمنطلق هو قاعدة الانطلاق والهجرة والرحلة ، وهذا يشمل :
( الإيمان ، والإسلام ، والإحسان ) ،
أما الإيمان فهو الأصل والأساس ، وهو : ( إقرار القلب بالله تعالى واليوم الآخر وسائر الغيب ، إقرارا أَقامه على الخضوع له والإقبال عليه بالعبادة والطاعة على وجه الشوق والحب والرجاء ، والتعظيم والخوف ) ، ونلحظ هذا في الحج جليا ، فلا يحج بيت الله تعالى من لم يحقق الإيمان به وبفرضية الحج ، ومن لم يقم بقلبه الشوق إلى مرضاة ربه تعالى وحبه ورجائه ، وتعظيمه وخوف عذابه في الآخرة ، قال تعالى : ( ولله على الناس حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) ، ( ومن كفر ) أي من جحد فرضيته ، أو من بخل وأعرض مع استطاعته مؤثرا هواه وماله ودنياه على آخرته ،
وتأمل أخي الكريم بعض ذلك في أعمال الحج أيضا ، ومنه : انتقاء وتيمم المال الطيب ( محبة وتعظيم ) ، وأداء الديون والتحلل من المظالم ( الإيمان بالآخرة ) ، والاستعداد قبل الإحرام بالتطيب والتنظف ( الشوق والمحبة والتعظيم ) ، وهكذا عند دخول مكة ، وبين الركنين ، وعلى جبلي الصفا والمروة ، ويوم عرفة ، وأيام النحر والتشريق ، وفي طواف الوداع .
وأما الإسلام ، فمقتضى الإيمان ، وهو : ( الاستجابة لأمر الله تعالى ، والجهاد والصبر على الانقياد له تعالى بالطاعة ، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم ) ،
والحج يجسد ذلك أيما تجسيد ، ولنتأمل موقف أسماء بنت عميس التي ما منعها المخاض من الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج وولدت محمد بن أبي بكر في الميقات أي بعد ما يقارب الساعتين فقط من انطلاقها من المدينة ، ولما أعلن صلى الله عليه وسلم وأذن أنه حاج قدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويعمل مثل عمله ، وتأمل أخي استسلام الصحب الكرام المواقيت التي وقتها لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُنْشئوا منها حجهم وعمرتهم ، ولما أمر من لم يسق الهدي منهم بالتحلل بعد السعي ، وحسن الاتباع عند استلام الحجر ، ويبينه قول عمر رضي الله عنه : ( والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع لولا أني رأيت رسول الله قبلك ما قبلتك ) ، وغير ذلك في الحج كثير .
وأما الإحسان : ( فهو يعبد المسلم ربه تعالى كأنه يراه ، فإن لم يكن يراه فإنه يراه ) ، ولا يحقق ذلك إلا من قاه بقلبه على الدوام شهود آيات الله وعظمته ، وآلائه ونعمته . والإحسان فرع على الإيمان ، وشرط كمال الإسلام ، قال تعالى : ( الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولاجدال في الحج وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب ) ، وفي الحديث : ( الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) ، وبر الحج في إيقاعه على الوجه الأكمل بتخليته من المذموم ، وتحليته بالطيب المحمود ، وهذا حال من التزم التقوى في الحج ، فحال بينه وبين مُنقِّصَاته ، وحمله على مكملاته ومُجوِّداته ، ومن الإحسان ملازمة ذكره تعالى ، الذي هو تقلب القلب بين التعظيم ، وذكر النعمة ، والاستعانة والسؤال ، وهذا عليه يقوم أمر الحج كما لا يخفى . وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إنما جعل الطواف بالبيت والسعي ورمي الجمار لإقامة ذكر الله تعالى ) ، وأوضح الله تعالى تلك الحكمة بقوله : ( ويذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) ، وغير ذلك . ومن الإحسان حسن الخلق وهو حلية المرتحل وزينته .
ثانيا : الوجهة : ها نحن قد انطلقنا إلى بيت ربنا تعالى ، إلى ربنا عز وجل ، فهو وجهتنا سبحانه ، كما قال إبراهيم عليه السلام : ( إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ) ، فالوجهة التوحيد والإخلاص ، وإرادة وجه الله تعالى ، ومواطن التوحيد والإخلاص واضحة جلية في أعمال الحج ، فالنبي صلى الله عليه وسلم عند حجه يقول سائلا ربه تعالى : ( اللهم جحا لا رياء فيه ولا سمعة ) ، وفي تلبيته صلى الله عليه وسلم يلبي بالتوحيد : ( لبيك الله لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك ) ، وقد تجلى مظهر التوحيد في مواطن في الحج منها : في الطواف ، وعلى جبلي الصفا والمروة ، وفي اتخاذ المقام مصلى ، وعند التوجه من منى إلى عرفة ومجاوزة مزدلفة ، ويوم عرفة وفي خطبتها ، ويوم النحر وعند النحر وأيام التشريق وغير ذلك .
ثالثا : الصحبة : أما الصحبة في تلك الرحلة المباركة ، فإخوة في الدين متوالون متحابون ، من أقطار الأرض ومن كل فج عميق آتون ، لم يفرق بينهم لا لون ولا عرق ولا لغة ولا أرض ، وقد لبوا جميعا بتلبية واحدة وأسلموا لإله واحد وقبلتهم واحدة ، تتكافؤ دماؤهم ، يسعى بذمتهم أدناهم ، ويجير أعلاهم على أدناهم ،
جميعهم جعلوا ربهم صاحبهم في السفر ، والخليفة في الأهل والمال . رزقنا الله حج بيته ، وأقامنا على توحيده والإخلاص له .