وقفة مع حديث المواقيت
أمين بن نور الدين بتقة

الخطبة الأولى
أما بعد:
أيها المسلمون: لنا اليوم وقفات مع بعض أحكام الحج، وقفات لابد من تأملها قبل الحج:
الوقفة الأولى: المواقيت، ثبت في الصحيح عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: وقت النبي لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرنا، ولأهل اليمن يلملم، وقال: ((هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن أراد الحج والعمرة)).
هذا الحديث متى قاله الرسول؟ قاله - عليه الصلاة والسلام - والشام والبصرة والكوفة ومصر كل تلك البلاد لم تفتح بعد، كل هذه البلاد لم تفتح إلا بعد وفاة النبي، قال الرسول هذا الحديث في الوقت الذي كانت فيه هذه البلاد بأيدي الكفار، وتحت حكمهم، فها هنا عدة دلالات:
الأولى: أن هذا يدل على معجزة من معجزات الرسول، حيث أخبر بأمر غيبي لم يقع بعد.
الثانية: أن الرسول وقت هذه المواقيت لأهلها، وأهلها لم يسلموا بعد، فدل ذلك على أنهم سيسلمون، وأنها ستفتح وسيسلم أهلها، وكل هذا حصل بعد وفاة الرسول.
الثالثة: وهذا مما نعتقده، وهو أنه كما أخبر الرسول بهذه المواقيت قبل فتح بلادها وفتحت، فكذلك أخبر الرسول بفتح بلاد أخرى كالقسطنطينية، وهذه أيضا فتحت بعد عدة قرون من إخبار الرسول، وأسلم أهلها وحجوا إلى بيت الله الحرام.
كذلك أخبر الرسول بفتح روما، وهذه أيضا ستفتح بإذن الله - عز وجل -، وسيسلم أهلها وإن كانت هي الآن في أيدي الكفار كما كانت الشام والعراق ومصر في أيدي الكفار في الوقت الذي حدد فيه الرسول المواقيت، فكل ما أخبر به الرسول في الخبر الصحيح أنه سيقع فسيقع، لا نشك في ذلك، ومنه أيضا أنه في آخر الزمان سيمكَّن لهذا الدين، وأنه ((ما من بيت على وجه الأرض)) وتأمل: قوله: ((ما من بيت)) فليس الحديث: ما من بلد أو دولة أو مجتمع، بل: ما من بيت، وإن كان بيت مدر أو وبر ((إلا وسيدخله الإسلام، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الكفر وأهله)). وإن كانت الفترة الحالية التي تمر بها أمة الإسلام من أصعب فتراتها لكن هذا لن يستمر، بل سيكون له نهاية، وللكفر حد سيقف عنده، وللظلم حد سيقف عنده، بل للدنيا كلها حد ستنتهي إليه، وستكون الغلبة للإسلام وأهله، وللدين وأعوانه، ولجند الله وأولياءه، (وَسَيَعْلَمْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ)[الشعراء: 227].
لكن، ما هو طريق هذا التمكين؟ أهي معجزة من الله دون سبب ولا سنة كونية؟! الحل نطق به الذي لا ينطق عن الهوى: ((إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذلاّ لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم))، الرجوع إلى الدين كل بحسبه وحسب طاقته، بتقوى الله في النفس والأهل. إنه لمن المحزن أن نرى من يصلي معنا ثم لا يعظ زوجته المتبرجة، ولا يأمر ابنه بالصلاة في المسجد، ولا يسأل عن صحبة أبنائه. هل من رجوع جدي إلى الدين حتى يرفع هذا الذل عنَّا؟! ألا يقول أحدنا في نفسه: ربما كنت أنا سبب نكسة المسلمين؟! لقد قال بعض الأصحاب يوم حنين: لن نُغلَب اليوم من قلة، فأذاقهم الله ذل الهزيمة في بداية المعركة، ثم كانت العاقبة لهم، فهل من عودة إلى الله تجلب العز؟!
وكما سيقع هذا ستقوم الساعة ويكون الحشر والحساب والعقاب والجزاء: (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِللَّهِ الْغَرُورُ)[لقمان: 33].
وقفة أخرى: تجمُّع الحجيج، فيرى المسلم إخوانه من كل فج عميق وبلد بعيد، لم يجمعهم بلد ولا جنس ولا لون ولا فكر يحتفون حوله، لم يجمعهم إلا هذا الدين، ويطالع أخبار إخوانه فمنهم الطريد من بلده، ومنهم المظلوم، ومنهم الجائع والعاري، ومنهم ومنهم، فيحرك فيه الإيمان عقيدة الولاء والبراء، يعلم أن الإسلام ليس في بلده فقط بل في كل بقاع الأرض، و لهم عليه حق الإيمان: (واَلْمُؤْمِنُو َ واَلْمُؤْمِنَـا تِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ)[التوبة: 71]، فيحبهم لأنهم أحبوا الله، ويكره أعداءهم لأنهم آذوا أولياء الله، فلا يبخل عنهم على الأقل بحرقة في قلبه تدفعه إلى الدعاء لهم أن ينصر مظلومهم ويغني فقيرهم ويفرج كربهم وأن يرحمه وإياهم