مقاصد المكلفين
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: مقاصد المكلفين

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,118

    افتراضي مقاصد المكلفين

    مقاصد المكلفين (1)


    زين العابدين كامل



    لا شك أن أمر النية من أهم الأمور والمسائل التي يجب على كل مسلم أن يهتم بها؛ فهي أصل العمل وروحه، لذا اهتم العلماء قديماً وحديثاً بموضوع النية، وأفردوا لها بعض المصنفات، ومن المصنفات المعاصرة التي اهتمت بدراسة أمر النية كتاب: (مَقَاصِدُ المُكَلفينَ فيمَا يُتعَبَّدُ به لِرَبِّ العَالمين) للدكتور عمر سليمان عبد الله الأشقر، والكتاب في أصله عبارة عن رسالة دكتوراه، جمع فيها مؤلفها المسائل والأحكام التي تخص أمر النية، ونظراً لأهمية هذا الموضوع، فقد عزمت على أن نتناول موضوع الكتاب في مقالات عدة -بمشيئة الله تعالى-، وأود أن أشير إلى أننا لن نطوف كثيراً حول التعريف ببعض المصطلحات الخاصة بكلمة النية ومعناها ومدلولاتها من الناحية النظرية، كالحديث عن الفرق بين العزم والإرادة والقصد ونحو ذلك، ولكننا نريد أن نسلط الضوء ونطيل النفس حول الجانب التربوي والتعبدي، وذلك بذكرنا لبعض أقوال العلماء والصالحين في هذه المسألة، وكذا نذكر شيئاً من قصصهم وأحوالهم في عبادتهم.
    ونؤكد أولاً على خطورة أمر النية في الأعمال فإنَّ مقاصد العباد ونياتهم محلُّ نظر الباري -جلَّ وعلا-، وأمر النيات يحتاج دائما إلى تقويم وتهذيب ورعاية؛ وذلك لأن النيات تقع موقع الأرواح من الأعمال، وتقوم مقام الجذور والأصول بالنسبة للأشجار؛ لأن النيّة هي القصد إلى الشيء، والعزيمة على فعله، فهى عمل قلبي، ومما يدل على خطورة أمر النية ما جاء عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (متفق عليه)، وبهذا الحديث صدر البخاري كتابه الصحيح؛ لأنه أصل عظيم في الدين.
    لذا قال الشافعي -رحمه الله- في هذا الحديث: هو ثلث العلم ويدخل في سبعين بابا من الفقه، وقال أحمد -رحمه الله-: أصل الإسلام على ثلاثة أحاديث، حديث عمر، الأعمال بالنيات، وحديث عائشة من أحدث في أمرنا هذا، وحديث النعمان بن بشير الحلال بين والحرام بين، وإذا تدبرنا آيات الكتاب المبين، نجد أن الآيات التي تتحدث عن القصد والنية هي الآيات التي تتحدث عن الإرادة والإخلاص، كقوله -تعالى-: {فَاعْبُدِ الله مخلِصًا لَهُ الدِّينَ}، وقوله {وَمَا أمِرُوا إلاّ لِيَعبدُوا الله مُخْلصِين لَهُ الدِّينَ}وقوله -تعالى-: {فمَنْ كَانَ يَرْجو لِقَاءَ رَبِّه فَلْيعْمَلْ عَملاً صالحًا، وَلاَ يشْركْ بعبادَةِ رَبِّه أَحَدًا} وفي الحديث الذي ذكرناه آنفا، «إنما الأعمال بالنيات» دليل على أن الأعمال لا تصح ولا تعتبر ولا تقبل إلا بالنية، وأن النية هي الفاصلة بين ما يصح وما لا يصح، وبين ما يقبل وما يُرد، ومن ثم لم يعتد الشرع أو يعتبر الأفعال التي وقعت دون قصد وإرادة، كالأعمال الصادرة من المجنون والمخطىء والساهي والغافل والنائم ونحو ذلك، فلا يُعتدُّ بها إن كانت طاعات، ولا يعاقب عليها إن كانت معصية.

    فالذي يستمع القرآن بغير قصد الاستماع والتعبد لا يثاب على استماعه، ومن جامع امرأة يظنها زوجته ثم تبين أنها ليست هي فلا عقوبة عليه، ومن أكل أو شرب ناسيا وهو صائم فصومه صحيح، وهكذا، والأدلة على ما ذكرنا من الكتاب والسنة متضافرة، قال -تعالى-: {لاَ يُكَلَفُ الله نَفْسًا إلاّ وُسعَهَا، لَهَا مَا كَسَبَتْ، وَعَلَيْهَا مَا اكتَسَبَت، رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إن نَسِينَا أوْ أَخْطَأْنَا}، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» (حديث حسن، أخرجه ابن ماجه، وابن حبان فى صحيحه والحاكم في مستدركه) وكذا كان الحكم برفع القلم عن ثلاثة: «عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر» كما ثبت في الحديث الصحيح، وكذا الناطق بكلمة الكفر مُكرها، وقلبه مطمئن بالِإيمان، لا يؤاخذه الله: {إلاّ مَنْ أكْرهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالإيَمانِ}ونس كمل في المقال القادم بمشيئة الله -تعالى.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,118

    افتراضي رد: مقاصد المكلفين


    مقاصد المكلفين (2)


    زين العابدين كامل

    أشرنا في المقال السابق إلى خطورة أمر النية، وأن مقاصد العباد ونياتهم محلُّ نظر الباري -جلَّ وعلا-، وأمر النيات يحتاج دائما إلى تقويم وتهذيب ورعاية، وذكرنا أن الشرع لم يعتد أو يعتبر الأفعال التي وقعت دون قصد وإرادة، كالأعمال الصادرة من المجنون والمخطىء والساهي والغافل والنائم ونحو ذلك، فلا يُعتدُّ بها إن كانت طاعات، ولا يعاقب عليها إن كانت معصية، وفي هذا المقال نسلط الضوء على مسألة مهمة ألا وهي: أن النيّة هي سر العبودية وروحها.


    يقول ابن حزم -رحمه الله- في هذه المسألة «النية هي سر العبودية وروحها، ومحلها من العمل محل الروح من الجسد، ومحال أن يجعل في العبودية عملا لا روح له معه، بل هو بمنزلة الجسد الخراب»، والذي يظهر من استقراء الأدلة الشرعية، أن المخاطب والمأمور بالتكاليف الشرعة هو النفس الإنسانية، وأما الجسد فهو الآلة القائمة بتنفيذ الأمر، فإذا قام البدن بعمل معين بلا نية في القلب والنفس، كان ذلك كشجرة لا أصل لها ومن ثم لا فائدة فيها.

    أعمال القلوب

    لذا اهتم الشرع بأعمال القلوب وجاءت النصوص واضحة في ذلك، لأن القلب هو موضع الإيمان، ولابد من إرادة قلبية قبل الشروع في أي عمل من أعمال الجوارح؛ فالقلب هو ملك الأعضاء، وهو مصدر التوجيه، وهو محل الأسرار، والأعضاء هي الجنود والرعايا، يقول الله -تعالى- في حق من قاموا بتحقيق مفهوم الولاء والبراء: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} (المجادلة:22)، وقال -تعالى- {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} (الحجرات:7)، وقال -تعالى-: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} (الحجرات: 14)، والآيات حول هذا المعنى كثيرة.

    ومن السنة يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «التقوى هاهنا، وأشار إلى صدره ثلاث مرات» (أخرجه البخاري) ويقول أيضاً: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» (أخرجه البخاري)، وكان من دعاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، وقال أيضاً: «إن القلوبَ بين أُصبعين من أصابِع الله يُقلِّبُها كيف يشاء» (أخرجه أحمد والترمذي وحسنه الألباني)، وليس معنى ذلك أنه يكفي التصديق بالقلب فقط،بل لابد من عمل القلب والجوارح معاً.

    ومن العجيب أن المرجئة استدلت ببعض الأدلة سالفة الذكرعلى أن الإيمان هو مجرد التصديق بالقلب فقط، وأن أعمال الجوارح ليست من الإيمان، يقول شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية -رحمه الله-: «أجمع السلف أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص»؛ فلابد من قول القلب وعمل القلب، ثم قول اللسان وعمل الجوارح. فأما قول القلب: فهو التصديق الجازم بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، ثم إن هذا التصديق يتبعه عمل القلب، وهو حب الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم- وتعظيم الله ورسوله، والتوكل والإخلاص والإنابة والرضا واليقين والخوف والخشية ونحو ذلك،ثم قول اللسان وأعمال الجوارح من صلاة وصيام ونحو ذلك.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,118

    افتراضي رد: مقاصد المكلفين

    مقاصد المكلفين (3)


    زين العابدين كامل



    ذكرنا في المقال السابق أن النية هي سر العبادة وروحها، وأن المخاطب والمأمور بالتكاليف الشرعية هي النفس الإنسانية، ثم إن الجسد هو القائم بتنفيذ الأوامر، وتحدثنا عن معنى قول القلب وعمله، وقول اللسان وعمل الجوارح، ونريد في هذا المقال أن نسلط الضوء على مسألة مهمة،ألا وهي: تأثير النية فى الأعمال.

    فالنية تؤثر في الفعل والعمل؛ فيصير تارة حرامًا، وتارة حلالًا، وصورته واحدة، كالذبح مثلا؛ فإنه يحل الحيوان إذا ذبح لأجل الله، ويحرم إذا ذبح لغير الله، والصورة واحدة، وقد أشار ابن القيم -رحمه الله- إلى هذه المسألة في كتاب الروح؛ حيث قال: «فالشيء الْوَاحِد تكون صورته وَاحِدَة وَهُوَ منقسم إِلَى مَحْمُود، ومذموم، كالفرح، والحزن، والأسف، وَالْغَضَب، والغيرة، وَالْخُيَلَاء، والطمع، والتجمل، والخشوع، والحسد، وَالْغِبْطَة، والجرأة، والتحسر، والحرص، والتنافس، وَإِظْهَار النِّعْمَة، وَالْحلف، والمسكنة، والصمت، والزهد، والورع، والتخلي، وَالْعُزْلَة، والأنفة، وَالْحمية، والغيبة، وَفِي الحَدِيث: إن من الْغيرَة مَا يُحِبهَا الله وَمِنْهَا مَا يكرههُ؛ فالغيرة التي يُحِبهَا الله الْغيرَة فِي ريبة والتى يكرهها الْغيرَة فِي غير ربية، وَإِن من الْخُيَلَاء مَا يُحِبهُ الله وَمِنْهَا مَا يكرههُ ؛فالتى يحب الْخُيَلَاء فِي الْحَرْب، إلى آخر كلامه -رحمه الله».

    لذا فإن العبد يبلغ بنيته ما لم يبلغ بعمله؛ ولذلك فإنَّ العبد الذي ينوي نيَّة صادقة ولا يستطيع تحقيقها في الواقع فإنه ينال الأجر والثواب بنيته؛ ففي الحديث: «من سأل الله الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه» (رواه مسلم).
    لذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: من نوى الخير وعمل منه مقدوره، وعجز عن إكماله: كان له أجر عامل، وقال -رحمه الله- أيضا: «الْمُرِيدُ إرَادَةً جَازِمَةً، مَعَ فِعْلِ الْمَقْدُورِ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَامِلِ الْكَامِلِ»(مجم ع الفتاوى)، وهذا المعنى يظهر جليًا في قوله -عليه الصلاة والسلام-: «إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا؛ فَهَذَا بِأَفْضَلِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَخْبَثِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ». (رواه الترمذي وأحمد وصححه الألباني)؛ ففي هذا الحديث دلالة واضحة على أنه تكفي النية حتى يتحقق هذا الجزاء، ولكن يشترط لذلك أن يكون عاجزًا عن العمل؛ فإن كان قادرًا على العمل كله أو بعضه فإنه يفعل ما يستطيع منه، وقد حمل بعض الفقهاء قوله صلى الله عليه وسلم : «فهما في الأجر سواءٌ»، على أن المراد استواؤهما في أصلِ أجرِ العمل، دون مضاعفته؛ فالقائم بالعمل تحصل له المضاعفة، الحسنة بعشر أمثالها أو أكثر، أما الناوي فقط؛ فيكتب له الثوب بلا مضاعفة.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,118

    افتراضي رد: مقاصد المكلفين

    مقاصد المكلفين (4)


    زين العابدين كامل



    سلطنا الضوء في المقال السابق على مسألة تأثير النية في العمل، وأن العبد يبلغ بنيته ما لا يبلغه بعمله، ونريد أن نستكمل في هذا المقال الحديث حول المعنى نفسه؛ وذلك نظراً لأهميته، وعلينا أن نتأمل الفرق والتباين بين النيّة التي نريد بها أعمال النّاس في الدنيا ولا نستطيع تحقيقها؛ فهذه في الغالب لا يعترف بها جل الناس تقريباً، ولا يجزون عليها؛ فالناس لا يعترفون إلاّ بما تحقق في واقع الأمر، ولا يعترف بحسن المقصد مع العجز عن العمل إلا النزر اليسير من الناس.

    وهؤلاء أصحاب النفوس الصافية والمعادن النفيسة، كما قال الشاعر:

    لأشْكُرنَّكَ مَعْرُوفًا هَمَمْتَ بِه


    إنَّ اهْتِمَامَكَ بِالْمَعَروفِ مَعْروف


    أما النيّة التي نريد بها العمل الصالح الذي فرضه الله علينا ابتغاء رضوان الله، ثم نعجزعن فعل ما أردنا، فالنية هنا قيمة كبيرة عند الله، بل هي محلّ نظر الله -سبحانه- كما قال -تعالى-: {لَنْ يَنَالَ اللهَ لَحُوُمها وَلاَ دِمَاؤُها، وَلَكنْ يَنَالُهُ التقْوَى منْكُمْ} (الحج:37).

    حقيقة العمل

    فالله ينظر إلى حقيقة العمل الذي في القلب لا إلى صورته، والأدلة على هذا المعنى وثبوته متواترة؛ فلقد تُوفي أحد الصحابة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وكان قد تجهَّز للخروج للجهاد وقتال الكفار؛ فقالت ابنته متحسِّرة: «إن كنت لأرجو أن تكون شهيدًا، قد كنت قضيت جهازك»؛ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : «قد أوقع الله أجره على قدر نيته» (رواه النسائي في سننه (4/ 14)، ومالك في موطئه (كتاب الجنائز 36)، وأحمد في مسنده (5/ 446)، ورواه ابن حبان والحاكم، وإسناده صحيح).

    غزوة تبوك

    وتخلف رجال من المؤمنين عن غزوة تبوك، كانوا يتحرَّقون شوقًا إلى صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم وكانوا يرجون أن ينالوا شرف الخروج للجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن حبسهم العذر، بعضهم لم يكن عنده الزاد والراحلة، ولم يجد الرسول صلى الله عليه وسلم ما يحملهم عليه، وبعضهم لعلَّه كان مريضا، ومنهم من تخلف عن الرسول[ ليَليَ شؤون المدينة، ويقوم على حمايتها؛ فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه الذين كانوا معه في تلك الغزوة، أن أولئك المتخلفين المعذورين يشاركونهم في الأجر؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم العذر» (رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما.).

    المساواة بين أصحاب الأعذار

    وقد أشار القرآن العظيم إلى وقوع المساواة بين أصحاب الأعذار الذين منعهم العذر وبين المجاهدين، قال -تعالى-: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولي الضَّرَرِ، وَالْمُجَاهِدون َ فِي سبِيل الله بأَمْوالِهمْ وَأنفُسهِمْ} (النساء: 95)، وقد نزلت هذه الآية كما يقول ابن كثير أولًا دون: {أُولي الضَّرَرِ}، وكان عند الله ابن أمّ مكتوم قريبا من الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ فقال: أَنا ضرير، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت؛ فنزلت: {غيْرُ أولي الضَّرَر} (تفسير ابن كثير (2/ 366)، والحديث تفرد بروايته البخاري دون مسلم كما يقول ابن كثير )؛ فالآية كما يقول ابن كثير، ويرويه عن ابن عباس: تدلُّ على أنَّ {أولي الضرر} يساوون المجاهدين، ما دام الضَّرر قاهرًا، والنية مستقرة في القلوب ، فإذا صدقت النيّات، واستقر الإخلاص في القلب الذي هو مستودع الأسرار ومحل نظر الباري -جل وعلا- ثم عجز العبد عن تنفيذ ما عزم على فعله ابتغاء مرضاة الله ، فإن صاحب النية يعدّ في تعداد العاملين لهذا العمل، وما أحسن قول القائل:


    يَا رَاحليِنَ إلى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ لَقَدْ
    سِرْتُمْ جُسوماً وَسِرنَا نَحْنُ أَرْواحا
    إِنَّا أَقَمْنَا عَلَى عُذْر وَعَنْ قَدَرٍ
    وَمَنْ أَقَامَ عَلَى عُذرٍ فَقَدْ رَاحَا
    الدنيا لأربعة نفر

    وقد ذكرنا في المقال السابق الحديث الذي أخبر فيه الرسول صلى الله عليه وسلم : «أنَّ الدنيا لأربعة نفر»، وفيه أن الذي لا يملك المال ثم يتمنى أن يكون كفلان الغني كي ينفق ويتصدّق مثله فإنّه يستوي مع الغني المنفق المتصدق في الأجر والثواب، قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم : «فهما في الأجر سواء»، وقال في الفقير الذي يريد مثل مال الغني الجائر الظالم الذي ينفق المال في الذنوب والمعاصي، ليفعل مثل فعله- قال فيه: «هما في الوزر سواء» (رواه الترمذي فى سننه (كتاب الزهد: 17).


    المداومة على العبادة

    ومن ثم فإن العبد الذي ينوي المداومة على عبادة معينة من العبادات كصلاة، أو صيام، أو صدقة، أو غير ذلك من أنواع العبادات، ثم تفوته العبادة لعذر شرعي، كالمرض ونحو ذلك فإنه يُكتب له ما كان يعمله؛ فعن عائشة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من امرىء تكون له صلاة بليل فغلبه عليها نوم، إلاّ كتب له أجر صلاته، وكان نومه صدقة عليه» (رواه النسائي في السنن: كتاب قيام الليل، باب من كان له صلاة بالليل فغلبه عليها نوم (3/ 257)، وفي الحديث المتفق عليه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا مرض العبد أو سافر كتب له بمثل ما كان يعمل مقيما صحيحا» .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,118

    افتراضي رد: مقاصد المكلفين

    مقاصد المكلفين (5)


    زين العابدين كامل




    ما زلنا نطوف حول النية وأهميتها للعبد، وفي هذا المقال نسلط الضوء -بمشيئة الله تعالى- على مسألتين جديدتين في أمر النيات، أولها: أن أعمال البدن قد تتوقف بخلاف النية فهي باقية لا تتوقف.

    ومثال ذلك: أمر الهجرة في سبيل الله -تعالى-؛ فلقد هاجر الصحابة -رضي الله عنهم- من مكة إلى بلاد الحبشة في وقت استضعاف، وكذلك هاجر الصحابة -رضي الله عنهم- من مكة إلى المدينة، ولكن عندما انتشر الِإسلام، وأصبحت كلمة الله هي العليا، وأصبح للإسلام والمسلمين شوكة ومنعة، دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة في العام الثامن من الهجرة فاتحًا منتصرًا، وفي هذا الموطن أعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونيّة»، ومعنى الحديث أنه لا هجرة من مكة بعدما فتحها الله على نبيه صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- جعلها دار إسلام بعد فتحها؛ فلم يبق هناك حاجة إلى الهجرة منها، وليس المعنى نفي الهجرة بالكلية، فالهجرة نفسها باقية؛ ولهذا جاء في الحديث الآخر الصحيح: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة»، وكذلك أيضًا في أمر صلة الأرحام وغير ذلك كثير.

    وأما المسألة الثانية فهي: أن قاصد فعل الخير يُؤجر ويُثاب حتى وإن لم يصب المراد، فإذا قصد العبد القيام بفعل بطاعة يتقرب بها إلى الله -تعالى-، إلاّ أنَّ هذه الطاعة وهذا العمل لم يقع الموقع المناسب فإنّ صاحبه يؤجر ويُثاب بقصده ونيّته، والدليل على ذلك هو ما أخرجه البخاري في صحيحه عن معن بن يزيد، قال:» كان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدّق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها، فأتيته بها، فقال: والله ما إيّاك أردت، فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: «لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن» فيزيد الأب لم يقصد توجيه المال الذي أخرجه إلى ابنه معن، ولكنَّ الله أثابه بنيّته الصالحة، وكتب له الأجر، وإن عاد المال إليه، يقول الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في شرحه لهذا الحديث «فقوله - صلى الله عليه وسلم -: لك يا يزيد ما نويت يدل على أن الأعمال بالنيات، وأن الإنسان إذا نوى الخير حصل له، وإن كان يزيد لم ينو أن يأخذ هذه الدراهم ابنه لكنه أخذها وابنه من المستحقين فصارت له»
    ومن أوضح الأدلة أيضًا على هذا المعنى ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم : «قَال رَجُلٌ لأتَصدقَنَّ بِصَدقَةِ، فَخَرجَ بِصَدقَته، فَوَضَعَهَا في يَدِ سَارِقٍ، فَأصْبحُوا يتَحدَّثُونَ: تَصَدِّقَ الليلة علَى سارِقٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ لأتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدقَتِهِ، فَوَضَعَهَا في يدِ زانيةٍ، فَأصْبَحُوا يتَحدَّثُونَ تُصُدِّق اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زانِيَةٍ، لأتَصَدَّقَنَّ بِصدقة، فَخَرَجَ بِصَدقَتِهِ، فَوَضَعهَا في يَدِ غَنِي، فأصْبَحُوا يتَحدَّثونَ: تُصُدِّقَ علَى غَنِيٍّ، فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ علَى سارِقٍ، وعَلَى زَانِيةٍ، وعلَى غَنِي، فَأتِي فَقِيل لَهُ: أمَّا صدَقَتُكَ علَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أنْ يَسْتِعفَّ عنْ سرِقَتِهِ، وأمَّا الزَّانِيةُ فَلَعلَّهَا تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وأمَّا الْغنِيُّ فَلَعلَّهُ أنْ يعْتَبِر، فَيُنْفِقَ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ» فهذا الرجل المُتصدّق، وضع جميع صدقاته الثلاث في أيدي أولئك، وهو لا يعلم عن حقيقتهم شيئا؛ فالمؤمن يتحرى ويجتهد في إخراج الصدقة -وهو مأجور حتى ولو وقعت في يد غير أهلها، فهو يؤجر ويثاب على نيته وقصده؛ ولهذا نرى أن العلماء قديمًا وحديثًا على اختلاف تخصصاتهم وفنونهم، قد اهتموا بأمر النيات اهتمامًا بالغاً؛ لما تشكله النية من أهمية كبيرة، فالنيّات تشكل مباحث مهمة في علم الأخلاق، والفقه، والأصول، والتوحيد، وغير ذلك من العلوم والفنون، ولهذا اعتنى بها شراح الحديث ومفسّرو القرآن العظيم، ومما يدلّ على قدر تعظيمهم لأمرها اعتناؤهم بالحديث الذي يعد الأصل في موضوع النيّات، وهو حديث «إنَّما الأعمال بالنيّات» وقد توالت أقوال أهل العلم من السلف على أهمية هذا الحديث وأنه العمدة والأصل الذي لا غنى للمسلم عنه، فلا أجمع ولا أغنى ولا أنفع ولا أكثر فائدة منه.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,118

    افتراضي رد: مقاصد المكلفين

    مقاصد المكلفين (6)



    زين العابدين كامل



    ما زلنا نطوف حول أمر النية وأهميتها للعبد، وقد سلطنا الضوء في المقال السابق على مسألتين وهما: أن أعمال البدن قد تتوقف بخلاف النية فهي باقية لا تتوقف، وأن قاصد فعل الخير يُؤجر ويُثاب حتى وإن لم يصب المراد، وفي هذا المقال نسلط الضوء بمشيئة الله -تعالى- على مسألة أخرى وهي: أن العمل بغير نية كالجثة الهامدة التي لا روح فيها.

    من المعلوم أن الله -تعالى- لا يقبل العمل الذي يُتقرب به إليه إلاّ بأمرين: أن يكون العمل خالصًا لله -تعالى- وهذه هي النية الصالحة، وأن يكون وفق ما جاء به الشرع، فلا تعتريه بدعة، وفي هذا يقول ابن مسعود: «لا ينفع قول إلاّ بعمل، ولا ينفع قول وعمل إلاّ بنيّة، ولا ينفع قول وعمل ونيّة إلا بما يوافق السنة».

    وبهذا يتضح أن العمل بلا نية لا فائدة منه؛ فالعبادات التي تخلو من النية لا قيمة لها أبدًا؛ لأن الأصل مفقود وهو النية، ولذلك فإن العبادات التي تنبعث بنيّة غير صادقة لا تعد باطلة فحسب، بل يعذَّب صاحبها بسبب قصده الفاسد، كهؤلاء الذين يفعلون العبادات من أجل الدنيا ومن أجل الناس ومن أجل الشهرة ونحو لك؛ فالعبادات التي يقوم بها المراؤون والمنافقون وعباد الدينار والدرهم، وزرها عظيم، وحسابها شديد، ولا قيمة لها على الإطلاق، وصدق الله إذ يقول: {وَقَدمنْا إِلى ما عَمِلُوا منْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هباءً منثورا} (الفرقان:23) وقال -تعالى-: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (النور:39).

    فهؤلاء الكفار الذين يفعلون الأعمال من باب الرياء والسمعة والشهرة، لا تنفعهم عبادتهم شيئًا؛ لأن نياتهم فاسدة؛ ولذلك رتَّب الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأجر والثواب والمغفرة في كثير من الأعمال على النيّة الصادقة الصالحة، الخالصة من الرياء وإرادة الدنيا، والأدلة في السنة النبوية على هذا المعنى كثيرة، ومنها: يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه» (أخرجه البخاري ومسلم وأحمد والنسائي). فالصوم الذي تُغفر به الذنوب هو الذّي يقوم به العبد حق قيام لله -تعالى- وحده، إيمانًا بالله وفرضيته للصوم، واحتسابًا للأجر والمثوبة من عند الله -تعالى-، وفي الحديث الآخر يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدَّم من ذنبه « (أخرجه البخاري ومسلم).

    وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: «إن أحدكم إذا توضأ فأحسن وأتى المسجد، لا يريد إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه خطيئة، حتى يدخل المسجد» (أخرجه البخاري) فهذا هو الشرط، ألا يخرج إلا إلى الصلاة فِي المسجد فقط، فلو خرج لحاجة لَهُ وكان المسجد فِي طريقه فدخل المسجد فصلى ولم يكن خروجه لذلك، لَمْ يحصل لَهُ هَذَا الأجر الخاص، وإلى هذا ذهب فريق من أهل العلم.


    وكذا الأمر أيضا في اتباع الجنازة يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم-: «من تبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا، وكان معها حتى يصلي عليها، ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين» (متفق عليه) وكذا في أمر المساهمة في الجهاد يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده، كان شبعه وريّه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة» (أخرجه مسلم).

    ولو أردنا أن نتتبع النصوص في هذا الموضوع لطال المبحث، والذي يعنينا هنا أن نعلم أنَّ النيَّة الصالحة روح العمل، والعمل من دونها كالجثة الهامدة التي لا روح فيها، ويؤكد هذا المعنى ويقويه ويوضحه الحديث الذي دائمًا حوله ندندن، «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكلٍّ امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» (متفق عليه)؛ ولذا فإن الحساب يوم القيامة يكون على نية العبد.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,118

    افتراضي رد: مقاصد المكلفين

    مقاصد المكلفين (7)



    زين العابدين كامل


    ما زلنا نطوف حول أمر النية وأهميتها للعبد، وقد ذكرنا في المقال السابق أن العمل بلا نية لا فائدة منه؛ فالعبادات التي تخلو من النية لا قيمة لها أبدًا؛ لأن الأصل مفقود وهو النية، ونسلط الضوء في هذا المقال -بمشيئة الله تعالى- على مسألة الحساب يوم القيامة؛ فإن الحساب يوم القيامة يكون على نية العبد؛ فهي المقياس الذي يحاسب العباد على أساسه.


    ففي الحديث عن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يغزو جيش الكعبة؛ فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم» قالت: يا رسول الله، كيف يُخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم، ومن ليس منهم؟ قال: «يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم» (متفق عليه) وهذا لفظ البخاري، فهذا الجيش الذي سيتحرك نحو الكعبة لغزوها وهدمها، إذا كان بأرض واسعة متسعة، خسف الله بأولهم وآخرهم، فلما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذلك، ورد على خاطر عائشة -رضي الله عنها- سؤال، فقالت: «يا رسول الله كيف يُخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم، ومن ليس منهم؟» أسوأقهم: أي الذين جاؤوا للبيع والشراء؛ ليس لهم قصد سيء في غزو الكعبة، وفيهم أناس ليسوا منهم تبعوهم من غير أن يعلموا بخطتهم، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «يخسف بأولهم وآخرهم وأسواقهم ومن ليس منهم ثم يبعثون يوم القيامة على نياتهم».

    معنى ذلك أنهم يبعثون على أحوال شتى، لا يبعثون جميعًا على حال واحدة، مع أنهم جاؤوا جميعًا مع هذا الجيش، سواء كانوا من التجار، أم من السوقة، أم غير ذلك، وقد جاء في رواية مسلم: «يهلكون مهلكًا واحدًا ويصدرون مصادر شتى» وفي حديث أم سلمة عند مسلم: فقلت: يا رسول الله، فكيف بمن كان كارها؟ قال: يُخسف به، ولكن يبعث يوم القيامة على نيته أي: يخسف بالجميع لشؤم الأشرار ثم يعامل كل أحد عند الحساب بحسب قصده، وفي رواية عند مسلم «فقلنا: إن الطريق تجمع الناس قال: «نعم فيهم المستنصر لذلك» أي: للمقاتلة «والمجبور» أي المكره «وابن السبيل» أي: سالك الطريق معهم وليس منهم، فقال «يهلكون مهلكاً واحداً ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله على نياتهم».

    ومما يدل على هذا المعنى أيضًا ما جاء عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجل استُشهد، فأُتى به، فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استُشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأُتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسَّع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأُتى به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار» (رواه مسلم)
    ففي هذا الحديث بين النبي - صلى الله عليه وسلم - حال ثلاثة أصناف من الناس، عملوا أعمالاً ظاهرها الصلاح؛ لكنها فقدت شرطاً مهماً ألا وهو الإخلاص لله -تعالى- في أعمالهم؛ فاستحقوا بذلك أن يكونوا أول من تسعر بهم النار يوم القيامة والعياذ بالله، ولهذا لابد أن ننتبه جيدًا لهذا الأمر و أن نخلص العمل لله، وأن نحذر من الرياء ومن كل ما يخل بالعمل أو ينقص من أجره وثوابه يوم القيامة؛ فالحساب يكون على نيات العباد وقدر إخلاصهم لله -تعالى.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,118

    افتراضي رد: مقاصد المكلفين


    مقاصد المكلفين (8)



    زين العابدين كامل

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
    فما زلنا نطوف حول أمر النية وأهميتها للعبد، وقد ذكرنا في المقال السابق: أن الحساب يوم القيامة يكون على نية العبد، فهي المقياس الذي يحاسَب العباد على أساسه، ثم نود أن نشير إلى أن النيّات هي التي تميز الأعمال، وهذا يدل أيضًا على خطورة أمر النية وما تمثله من أهمية بالغة، فربما تتفق الأعمال في الصورة والمظهر، ولكن يتميز بعضٌها عن بعض بالنيات، وربما كان الفعل الواحد من أعظم الطاعات إذا نوى به صاحبه نيّة صالحة، ويكون كذلك من أعظم الذنوب إذا نوى به نية سيئة، كالناطق بالشهادتين يريد الإسلام حقًّا، فهذا بأفضل المنازل، فإذا نطق بهما نفاقًا لأجل دنيا فهو بأشر المنازل -والعياذ بالله-.

    وكذا مَن سجد لله -تعالى-، فإذا سجد طاعة وخضوعًا وتعبدًا وانقيادًا، فقد أتى قربة من أعظم القربات، والساجد لغير الله فعله من أعظم الذنوب، وكذا الذبح صورته واحدة، فالذي يذبح لغير الله فقد أذنب وعصى، والذي يذبح لله؛ فقد بر وأطاع، وحقق قوله -تعالى-: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام:162)، وهناك مَن يذبح على سبيل العادة التي تعود عليها.
    ومِن أنواع التمييز أيضًا:
    أن النيات تميز رتب العبادات: فالنية هي التي تميز راتبة الفجر عن فرض الفجر إذا صلاهما المصلي منفردًا، وبها يتميز القضاء عن الأداء، والصدقة المستحبة عن الصدقة الواجبة، وحج الفريضة عن حج النافلة، وتميز بين النوافل: فهذه نافلة العشاء، وهذه نافلة الفجر، وهذه صلاة استخارة، وتلك قيام ليل، وهكذا.
    وكذلك النية تميز بين العبادات والعادات: فالإمساك عن الطعام والشراب قد يكون عبادة وطاعة لله -تعالى-، وقد يكون علاجًا، والطبيب هو مَن أوصى بذلك مثلًا، وغسل أعضاء الوضوء قد يكون قربة، وقد يكون عادة وتنظفًا، فقد نصّ ابن حزم -رحمه الله- في المحلَّى على أنَّ الذي خلط بنية الطهارة للصلاة نية التبرد أو غير ذلك لم تجزه الصلاة بذلك الوضوء، برهان ذلك قوله -تعالى-: (وَمَا أُمِرُوا إِلّا لِيَعْبُدوا الله مخْلِصِينَ لَهُ الدينَ) (البينة:5)، فمَن مزج بالنية التي أُمر بها نيّة لم يؤمر بها فلم يخلص لله -تعالى- العبادة بدينه ذلك، وإذا لم يخلص فلم يأتِ بالوضوء الذي أمره الله -تعالى- به.
    وممَن ذهب هذا المذهب القرطبي -رحمه الله- فقال في تفسيره: "مَن تطهر تبردًا، أو صام محمّا لمعدته، ونوى مع ذلك التقرب، لم يجزه؛ لأنه مزج في نية التقرب نية دنياوية، وليس لله إلاّ العمل الخالص كما قال -تعالى-: (أَلَا لله الدِّينُ الْخَالِصُ) (الزمر:3)، وقال: (وَمَا أُمِرُوا إِلّا لِيَعْبُدوا الله مخْلِصِينَ لَهُ الدينَ) (البينة:5)".
    واستدلّ في موضع آخر بآية سورة هود: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ) (هود:15)، على أن مَن توضأ لتبرد أو التنظف لا يقع قربة مِن جهة الصلاة، وهكذا كلّ ما كان في معناه،
    وفي انتظار الإمام المأموم في الركعة والركوع قال بعضهم: أخاف أن يكون شركًا، وهو قول محمد بن الحسن، وبالغ بعض أصحاب الشافعي فقال: "إنّه مبطل للصلاة".
    وقال النووي -رحمه الله- في المجموع: "قال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي وأبو يوسف والمزني وداود: لا ينتظر الإمام حال ركوعه القادم كي يدرك الركعة، واحتج لهؤلاء بعموم الأحاديث الصحيحة في الأمر بالتخفيف، وبأن فيه تشريكًا في العبادة".
    ونقل المزني هذا القول عن الشافعي؛ لأن هذا الانتظار يشوب الإخلاص، ويذكر المزني أنه اطلع على رواية أخرى للشافعي يجيز ذلك، ومع هذا فقد رجح الأول، وفي التجارة في الحج قد ذهب بعض الفقهاء إلى عدم جواز التجارة. وقال بعضهم، بل تجوز، والأكمل ألا يفعل.
    ونحن لسنا بصدد مناقشة هذه المسائل من الناحية الفقهية، بل ذكرنا مثل هذه الأقوال لنبيِّن فقط خطورة أمر النيات، وأنها تؤثر على العمل تأثيرًا كبيرًا.
    ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •