خطاب الله لأنبيائه في القرآن
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: خطاب الله لأنبيائه في القرآن

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,907

    افتراضي خطاب الله لأنبيائه في القرآن

    خطاب الله لأنبيائه في القرآن(1)


    د. أمير الحداد


    كثير من المجالس العائلية، يجتمع فيها من لا علم شرعياً لديه، ومن انغمس في الدنيا فأصبحت همه الأكبر، ومن تبنى آراء دعاة اليوتيوب، ومن يحب أن يستمع إلى النقاشات والآراء المختلفة، ومن يعتمد على قراءاته وثقافته الشخصية.

    ذات مرة كنا في مجلس فيه أحد المتصيدين، سألني:

    - ما رأيك في قول الله -تعالى-: {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا}.

    انتبه الحضور، صمتوا يترقبون نقاشا حادا، وردا قويا، فحدثت نفسي أن يكون الرد هادئا علميا، مع يقيني أن السائل لا يبحث عن إجابة، ولكن لأجل الآخرين في المجلس.


    - هذه الآية من أي سورة في القرآن؟! وكم رقمها؟

    سكت السائل، أجبت عن سؤالي.

    - هذه الآية هي الآية الثلاثون من سورة الأحزاب، وحتى نعرف معناها يجب أن نقرأ ما قبلها وما بعدها، استمع إلى الآيات كاملة.

    {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَ ّ سَرَاحًا جَمِيلًا(28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا(29) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا(30) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا(31) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا(32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا(34)}.

    فبدأت الآيات بأمر الله -عز وجل- لرسوله أن يخير زوجاته بين الحياة الدنيا وزينتها، وبين ما عند الله، وفي التفسير:


    - جاء في كتب السنة: أنه لما نزلت هذه الآية ابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة؛ فقال لها: «إني ذاكر لك أمرا فلا عليك ألا تستعجلي حتى تستأمري أبويك، ثم تلا هذه الآية؛ فقالت عائشة: أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، وقال لسائر أزواجه مثل ذلك؛ فقلن مثل ما قالت عائشة».

    تولى الله خطابهن بعد أن أمر رسوله بتخييرهن؛ فخيرهن، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة؛ فخاطبهن ربهن خطابا لأنهن أصبحن على عهد مع الله -تعالى- أن يؤتيهن أجرا عظيما، ولما كان الأجر الموعود منوطا بالإحسان أريد تحذيرهن من المعاصي؛ إذ جعل عذاب المعصية على فرض أن تأتيها إحداهن عذابا مضاعفا، ونداؤهن للاهتمام بما سيلقى إليهن، وناداهن بوصف نساء النبي؛ ليعلمن أن ما سيلقى إليهن خبر يناسب علو أقدراهن.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,907

    افتراضي رد: خطاب الله لأنبيائه في القرآن

    خطاب الله لأنبيائه في القرآن(2)


    د. أمير الحداد










    لا شك أن الله -عز وجل- كرم الأنبياء والرسل وزكاهم في كتابه، وبيّن بالآيات المحكمات أنهم خير البشر وصفية الخلق، كقوله -سبحانه-: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (آل عمران:33)، وقوله -عز من قائل-: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} (الأنعام:83-86)، وغيرها من الآيات البينات، ولا شك كذلك أنه ميّز الرسول – صلى الله عليه وسلم – وأكرمه وأمرنا بتبجيله وتعظيمه ونصرته واتباعه، في آيات كثيرة؛ ففي أكثر من أربعين موضعا قرن الله -سبحانه وتعالى- بين لفظ الجلالة والرسول – صلى الله عليه وسلم -، على سبيل المثال: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} (البقرة:279). {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} (النساء: 13-14).

    {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} (النساء:100).

    {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (المائدة: 33). {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} (المائدة:55-56).

    {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (الأنفال:1).

    فلا يستطيع أحد أن ينكر مكانة الرسول – صلى الله عليه وسلم – عند الله -عز وجل-، وجاء الأمر واضحا بينا يأمرنا بنصرة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وتوقيره.

    – ومع ذلك جاءت بعض الآيات فيها تحذير للنبي – صلى الله عليه وسلم .


    نظر إليّ صاحبي معترضا.

    تابعت حديثي:


    – مثلا قال الله -تعالى-: {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} (الأنعام:51-52).

    – أظن أنه ينبغي على كل مسلم أن يرجع إلى كتب التفسير ليفهم المعنى المراد من هذه الآيات وغيرها التي فيها (تحذير) للنبي – صلى الله عليه وسلم .

    – أحسنت ولذلك جهزت لك ما ورد في تفسير هذه الآية، اسمع: فتحت صفحة المذكرات في هاتفي وأخذت أقرأ:


    الطبري:


    جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا النبي – صلى الله عليه وسلم – قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب، في أناس من الضعفاء من المؤمنين. فلما رأوهم حوله حقروهم، فأتوه فقالوا: إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد؛ فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت! قال: نعم. قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتابا. قال: فدعا بالصحيفة، ودعا علياً – رضي الله عنه – ليكتب، قال: ونحن قعود في ناحية، إذ نزل جبريل بهذه الآية فألقى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: «سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة»! فكنا نقعد معه.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,907

    افتراضي رد: خطاب الله لأنبيائه في القرآن

    خطاب الله لأنبيائه في القرآن(3)


    د. أمير الحداد




    هذا القرآن نذارة للخلق كلهم، ولكن إنما ينتفع به {الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم}؛ فهم متيقنون للانتقال من هذه الدار إلى دار القرار؛ فلذلك يستصحبون ما ينفعهم ويدعون ما يضرهم: {ليس لهم من دونه}، أي: لا من دون الله: {ولي ولا شفيع}، أي: من يتولي أمرهم فيحصل لهم المطلوب، ويدفع عنهم المحذور، ولا من يشفع لهم؛ لأن الخلق كلهم ليس لهم من الأمر شيء: {لعلهم يتقون} الله، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فإن الإنذار موجب لذلك، وسبب من أسبابه.

    {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} أي: لا تطرد عنك، وعن مجالستك، أهل العبادة والإخلاص، رغبة في مجالسة غيرهم، فأهل العبادة من الملازمين لدعاء ربهم، دعاء العبادة بالذكر والصلاة ونحوها، ودعاء المسألة في أول النهار وآخره، وهم قاصدون بذلك وجه الله، وليس لهم من الأغراض سوى ذلك الغرض الجليل، فهؤلاء ليسوا مستحقين للطرد والإعراض عنهم، بل مستحقون لموالاتهم ومحبتهم وإدنائهم وتقريبهم؛ لأنهم الصفوة من الخلق وإن كانوا فقراء، والأعزاء في الحقيقة وإن كانوا عند الناس أذلاء.

    {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ} أي: كل له حسابه، وله عمله الحسن، وعمله القبيح. {فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} وقد امتثل – صلى الله عليه وسلم- هذا الأمر، أشد امتثال، فكان إذا جلس الفقراء من المؤمنين صبَّر نفسه عليهم، وأحسن معاملتهم، وألان لهم جانبه، وحسَّن خلقه، وقربهم منه، بل كانوا هم أكثر أهل مجلسه -رضي الله عنهم-. وكان سبب نزول هذه الآيات أن أناسا من قريش، أو من أجلاف العرب قالوا للنبي – صلى الله عليه وسلم -: إن أردت أن نؤمن لك ونتبعك، فاطرد فلانا وفلانا، أناسا من فقراء الصحابة، فإنا نستحيي أن ترانا العرب جالسين مع هؤلاء الفقراء، فحمله حبه لإسلامهم، واتباعهم له، فحدثته نفسه بذلك. فعاتبه الله بهذه الآية ونحوها.






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,907

    افتراضي رد: خطاب الله لأنبيائه في القرآن

    خطاب الله لأنبيائه في القرآن(4)


    د. أمير الحداد

    هذا القرآن نذارة للخلق كلهم، ولكن إنما ينتفع به {الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم}؛ فهم متيقنون للانتقال من هذه الدار إلى دار القرار؛ فلذلك يستصحبون ما ينفعهم ويدعون ما يضرهم: {ليس لهم من دونه}، أي: لا من دون الله: {ولي ولا شفيع}، أي: من يتولي أمرهم فيحصل لهم المطلوب، ويدفع عنهم المحذور، ولا من يشفع لهم؛ لأن الخلق كلهم ليس لهم من الأمر شيء: {لعلهم يتقون} الله، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فإن الإنذار موجب لذلك، وسبب من أسبابه.
    {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} أي: لا تطرد عنك، وعن مجالستك، أهل العبادة والإخلاص، رغبة في مجالسة غيرهم، فأهل العبادة من الملازمين لدعاء ربهم، دعاء العبادة بالذكر والصلاة ونحوها، ودعاء المسألة في أول النهار وآخره، وهم قاصدون بذلك وجه الله، وليس لهم من الأغراض سوى ذلك الغرض الجليل، فهؤلاء ليسوا مستحقين للطرد والإعراض عنهم، بل مستحقون لموالاتهم ومحبتهم وإدنائهم وتقريبهم؛ لأنهم الصفوة من الخلق وإن كانوا فقراء، والأعزاء في الحقيقة وإن كانوا عند الناس أذلاء.
    {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ} أي: كل له حسابه، وله عمله الحسن، وعمله القبيح. {فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} وقد امتثل - صلى الله عليه وسلم- هذا الأمر، أشد امتثال، فكان إذا جلس الفقراء من المؤمنين صبَّر نفسه عليهم، وأحسن معاملتهم، وألان لهم جانبه، وحسَّن خلقه، وقربهم منه، بل كانوا هم أكثر أهل مجلسه -رضي الله عنهم-. وكان سبب نزول هذه الآيات أن أناسا من قريش، أو من أجلاف العرب قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن أردت أن نؤمن لك ونتبعك، فاطرد فلانا وفلانا، أناسا من فقراء الصحابة، فإنا نستحيي أن ترانا العرب جالسين مع هؤلاء الفقراء، فحمله حبه لإسلامهم، واتباعهم له، فحدثته نفسه بذلك. فعاتبه الله بهذه الآية ونحوها.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,907

    افتراضي رد: خطاب الله لأنبيائه في القرآن


    خطاب الله لأنبيائه في القرآن(5)


    د. أمير الحداد





    روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا مع النبي ستة نفر، فقال المشركون للنبي: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا. قال: وكنت أنا، وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان، لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه فأنزل الله -تعالى-: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}. وسمي الواحدي بقية الستة: وهم صهيب، وعمار بن یاسر، والمقداد بن الأسود، وخباب بن الأرت. وفي قول ابن مسعود «فوقع في نفس رسول الله ما شاء الله» إجمال بينه ما رواه البيهقي أن رؤساء قرش قالوا لرسول الله: لو طردت هؤلاء الأعبد وأرواح جبابهم (جمع جبة)، جلسنا إليك وحادثناك. فقال: ما أنا بطارد المؤمنين. فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت، فقال: نعم، طمعا في إيمانهم. فأنزل الله هذه الآية.
    ومعنى يدعون ربهم يعلنون إيمانهم به دون الأصنام إعلانا بالقول، وهو يستلزم اعتقاد القائل بما يقوله؛ إذ لم يكن يومئذ نفاق، وإنما ظهر المنافقون بالمدينة.
    والغداة: أول النهار، والعشي من الزوال إلى الصباح، والباء للظرفية، والمعنى أنهم يدعون الله اليوم كله، فالغداة والعشي قصد بهما استيعاب الزمان والأيام كما يقصد بالمشرق والمغرب استيعاب الأمكنة.
    وجملة ما عليك من حسابهم من شيء تعليل للنفي عن طردهم، أو إبطال لعلة الهم بطردهم، أو لعلة طلب طردهم.
    - والمعنى: ما عليك من حساب المشركين على الإيمان بك أو على عدم الإيمان شيء؛ فإن ذلك موكول إليّ فلا تظلم المؤمنين بحرمانهم حقا لأجل تحصيل إيمان المشركين، فيكون من باب قوله -تعالى-: {إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا} (النساء: 135). ويفيد هذا الكلام التعريض برؤساء قريش الذين سألوا إبعاد الفقراء عن مجلس الرسول -عليه الصلاة والسلام - حين يحضرون، وأوهموا أن ذلك هو الحائل لهم دون حضور مجلس الرسول - عليه الصلاة والسلام- والإيمان به؛ فخاطب الله رسوله بهذا الكلام إذ كان الرسول هو المسؤول أن يقصي أصحابة عن مجلسه ليعلم السائلون أنهم سألوه ما لا يقع، ويعلموا أن الله أطلع رسوله - صلى الله عليه وسلم - على كذبهم، وهم لو كانوا راغبين في الإيمان لما كان عليهم حساب أحوال الناس ولاشتغلوا بإصلاح خويصتهم، فيكون الخطاب على نحو قوله -تعالى-: {لئن أشركت ليحبطن عملك} (الزمر: 65). وقد صرح بذلك في قوله بعد {ولتستبين سبيل المجرمين} (الأنعام: 55)، أي حسابهم ليس عليك كما أن حسابك ليس عليهم بل على نفسك؛ إذ كل نفس بما گسبت رهينة، ولا تزر وازرة وزر أخرى.
    وقدم البيان على المبين في قوله: وما من حسابك عليهم من شيء؛ لأن الأهم في المقامين هو ما يختص بالمخاطب المعرض فيه بالذين سألوه الطرد؛ لأنه المقصود بالذات، وإنما جيء بالجملة الثانية لاستكمال التعليل كما تقدم.

    وقوله: فتكون من الظالمين عطف على فتطردهم متفرع عليه، أي فتكون من الظالمين بطردهم، أي فكونه من الظالمين منتف تبعا لانتفاء سببه وهو الطرد.
    وإنما جعل طردهم ظلما؛ لأنه لما انتفى تكليفه بأن يحاسبهم صار طردهم لأجل إرضاء غيرهم ظلما لهم. وفيه تعريض بالذين سألوا طردهم لإرضاء كبريائهم بأنهم ظالمون مفطورون على الظلم.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •