التلازم بين الظاهر والباطن
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: التلازم بين الظاهر والباطن

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    3,156

    افتراضي التلازم بين الظاهر والباطن

    ظاهر العبد – هو الوجه الآخر لقلبه وباطنه، و انعكاس مباشر له لا يتخلف عنه ولا يغايره، وإذا كان الباطن صالحاً كان الظاهر كذلك، وإذا كان الباطن فاسداً كان الظاهر كذلك فاسداً بحسبه؛ لأن الإيمان أصله في القلب، وهو: قول القلب من المعرفة والعلم والتصديق. عمل القلب من الإذعان والانقياد والاستسلام. ولكن من لوازم هذا الإيمان – إذا تحقق في القلب – تحقيقها في الظاهر، فالظاهر لا يتخلف عن الباطن ولا يضاده؛ لأنه ترجمان الباطن، ومرتبط به ارتباطاً وثيقاً. فالظاهر والباطن متلازمان لا يكون الظاهر مستقيماً إلا باستقامة الباطن، وكذلك العكس. والإيمان المطلوب شرعاً هو الإيمان الظاهر والباطن، وتلازم عمل القلب بعمل الجوارح؛ لأنه لا يصح إيمان العبد بواحدة دون الأخرى؛ فمن زعم وجود العمل في قلبه دون جوارحه؛ لا يثبت له اسم الإيمان؛ لأن الأعمال والأقوال الظاهرة من لوازم الإيمان التي لا تنفك عنه، -لا يتخلف التلازم بين الظاهر والباطن إلا لموانع شرعية ومنها على سبيل المثال
    حالة الإكراه ، مع أنها حالة مؤقتة وغير مستمرة وتزول بزوال العارض ، وترجع إلى ما كانت عليه من اطمئنان القلب بالإيمان وعمل الجوارح بمقتضى هذا الإيمان فكل من " أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ" سرعان ما يزول بزوال الإكراه.
    ---حالة المنافق كما قال تعالى في سورة الفتح : " يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم ْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ " فغير ذلك يتلازم الظاهر والباطن ولا يتخلف إلا في حالة الإكراه والمانع والنفاق- -----ادلة التلازم بين الظاهر والباطن - - قوله سبحانه : " لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ" ونحوها. ---قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل رجل الجنة لا يأمن جاره بوائقه)) . وقال صلى الله عليه وسلم: ((ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب)) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في شرح هذا الحديث: (فبين أن صلاح القلب مستلزم لصلاح الجسد؛ فإذا كان الجسد غير صالح، دل على أن القلب غير صالح، والقلب المؤمن صالح؛ فعلم أن من يتكلم بالإيمان، ولا يعمل به، لا يكون قلبه مؤمناً، حتى أن المكره إذا كان في إظهار الإيمان؛ فلابد أن يتكلم مع نفسه، وفي السر مع من يأمن إليه، ولابد أن يظهر على صفحات وجهه وفلتات لسانه؛ كما قال عثمان. وأما إذا لم يظهر أثر ذلك إلا بقوله، ولا بفعله قط؛ فإنه يدل على أنه ليس في القلب إيمان، وذلك أن الجسد تابع للقلب؛ فلا يستقر شيء في القلب إلا ظهر موجبه ومقتضاه على البدن، ولو بوجه من الوجوه) .
    وقال الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي – رحمه الله – في شرحه لهذا الحديث أيضاً: (إن صلاح حركات العبد بجوارحه، واجتنابه للمحرمات واتقاءه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه.
    فإن كان قلبه سليماً، ليس فيه إلا محبة الله، ومحبة ما يحبه الله، وخشية الله، وخشية الوقوع فيما يكرهه؛ صلحت حركات الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرمات كلها، وتوقي الشبهات حذراً من الوقوع في المحرمات.
    وإن كان القلب فاسداً، قد استولى عليه اتباع هواه، وطلب ما يحبه، ولو كرهه الله، فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب اتباع هوى القلب.
    ولهذا يقال: القلب ملك الأعضاء، وبقية الأعضاء جنوده، وهم مع هذا جنود طائعون له، مبعثون في طاعته، وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيء من ذلك؛ فإن كان الملك صالحاً كانت هذه الجنود صالحة، وإن كان فاسداً كانت جنوده بهذه المثابة فاسدة، ولا ينفع عند الله إلا القلب السليم...
    فإن أعمال الجوارح لا تستقيم إلا باستقامة القلب، ومعنى استقامة القلب أن يكون ممتلئاً من محبة الله، ومحبة طاعته، وكراهية معصيته... وحركات الجسد تابعة لحركة القلب وإرادته، فإن كانت حركته وإرادته لله وحده؛ فقد صلح وصلحت حركات الجسد كله، وإن كانت حركة القلب وإرادته لغير الله تعالى، فسد، وفسدت حركات الجسد بحسب فساد حركة القلب... ومعنى هذا أن حركات القلب والجوارح إذا كانت كلها لله؛ فقد كمل إيمان العبد بذلك ظاهراً وباطناً، ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح الجوارح؛ فإذا كان القلب صالحاً ليس فيه إلا إرادة الله، وإرادة الله ما يريده لم تنبعث الجوارح إلا فيما يريده الله) -----.يقول شيخ الإسلام ابن تيمية –---- فهذا الموضع ينبغي تدبره ، فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب وعلم أن من قال من الفقهاء أنه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يُقتل أو يُقتل مع إسلامه ، فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية ، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل ، ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة الإيمان وأن الأعمال ليست من الإيمان ، وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب ، وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان أو جزءاً من الإيمان "
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فأصل الإيمان في القلب، وهو قول القلب وعمله، وهو إقرار بالتصديق والحب والانقياد، وما كان في القلب، فلا بد أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح، وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه دل على عدمه أو ضعفه، ولهذا كانت الأعمال الظاهرة من موجب إيمان القلب ومقتضاه، وهي التصديق لما في القلب، ودليل عليه وشاهد له، وهي شعبة من مجموع الإيمان المطلق وبعض له؛ لكن ما في القلب هو الأصل لما على الجوارح؛ كما قال أبو هريرة – رضي الله عنه – إن القلب ملك، والأعضاء جنوده؛ فإن طاب الملك، طابت جنوده، وإذا خبث الملك خبثت جنوده) .
    وقال أيضاً: (فهذا الموضع ينبغي تدبره فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وعلم أن من قال من الفقهاء إنه إذا أقر بالواجب وامتنع عن الفعل لا يقتل، أو يقتل مع إسلامه؛ فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل، ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة الإيمان، وأن الأعمال ليست من الإيمان، ... وأن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع؛ سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان، أو جزء من الإيمان) .
    وقال في موضع آخر: (وهنا أصول تنازع الناس فيها: منها أن القلب هل يقوم به تصديق، أو تكذيب، ولا يظهر قط منه شيء على اللسان والجوارح، وإنما يظهر نقيضه من غير خوف؟ فالذي عليه السلف والأئمة وجمهور الناس؛ أنه لابد من ظهور موجب ذلك على الجوارح، فمن قال: إنه يصدق الرسول ويحبه ويعظمه بقلبه، ولم يتكلم قط بالإسلام، ولا فعل شيئاً من واجباته بلا خوف؛ فهذا لا يكون مؤمناً في الباطن، وإنما هو كافر).
    وقال كذلك: (وقد تبين أن الدين لابد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمناً بالله ورسوله بقلبه، أو بقلبه ولسانه، ولم يؤد واجباً ظاهراً، ولا صلاة ولا زكاة ولا صياماً، ولا غير ذلك من الواجبات، لا لأجل أن الله أوجبها؛ مثل أن يؤدي الأمانة، أو يصدق الحديث، أو يعدل في قسمه وحكمه؛ من غير إيمان بالله ورسوله، لم يخرج بذلك من الكفر؛ فإن المشركين، وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمناً بالله ورسوله مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد صلى الله عليه وسلم) .
    وقال - أيضاً- رحمه الله: (إذا نقصت الأعمال الظاهرة الواجبة؛ كان ذلك لنقص ما في القلب من الإيمان؛ فلا يتصور مع كمال الإيمان الواجب الذي في القلب أن تعدم الأعمال الظاهرة الواجبة، بل يلزم من وجود هذا كاملاً، وجود هذا كاملاً؛ كما يلزم من نقص هذا، نقص هذا؛ إذ تقدير إيمان تام في القلب بلا ظاهر من قول وعمل، كتقدير موجب تام بلا موجبه، وعلة تامة بلا معلولها، وهذا ممتنع).
    وقال الإمام الحافظ ابن القيم رحمه الله: (وها هنا أصل آخر: وهو أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل. والقول قسمان: قول القلب، وهو الاعتقاد. وقول اللسان، وهو التكلم بكلمة الإسلام. والعمل قسمان: عمل القلب، وهو نيته وإخلاصه. وعمل الجوارح. فإذا زالت هذه الأربعة، زال الإيمان بكماله. وإذا زال تصديق القلب، لم ينفع بقية الأجزاء؛ فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة.
    وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق؛ فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة؛ فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان، وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب، وهو محبته وانقياده؛ كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه، واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول؛ بل ويرون به سراً وجهراً، ويقولون: ليس بكاذب، ولكن لا نتبعه، ولا نؤمن به.
    وإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب؛ فغير مستنكر أن يزول بزوال أعظم أعمال الجوارح، ولاسيما إذا كان ملزوماً لعدم محبة القلب وانقياده الذي هو ملزوم لعدم التصديق الجازم ... فإنه يلزم من عدم طاعة القلب عدم طاعة الجوارح، إذ لو أطاع القلب وانقاد؛ أطاعت الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعته وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة، وهو حقيقة الإيمان.
    فإن الإيمان ليس مجرد التصديق ... وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد، وهكذا الهدى ليس هو مجرد معرفة الحق وتبيينه؛ بل هو معرفته المستلزمة لاتباعه، والعمل بموجبه، وإن سمي الأول هدى؛ فليس هو الهدى التام المستلزم للاهتداء؛ كما أن اعتقاد التصديق، وإن سمي تصديقاً؛ فليس هو التصديق المستلزم للإيمان، فعليك بمراجعة هذا الأصل ومراعاته) .
    ------------------ وقال شيخ الاسلام - وهنا أصول تنازع الناس فيها : منها أن القلب هل يقوم به تصديق أو تكذيب ولا يظهر قط منه شيء على اللسان والجوارح ، وإنما يظهر نقيضه من غير خوف ؟ فالذي عليه السلف والأئمة وجمهور الناس أنه لا بد من ظهور موجب ذلك على الجوارح ، فمن قال : إنه يصدق الرسول ويحبه ويعظمه بقلبه ولم يتكلم قط بالإسلام ولا فعل شيئًا من واجباته بلا خوف ، فهذا لا يكون مؤمنًا في الباطن ، وإنما هو كافر ، وزعم جهم ومن وافقه أنه يكون مؤمنًا في الباطن ، وأن مجرد معرفة القلب وتصديقه يكون إيمانًا يوجب الثواب يوم القيامة بلا قول ولا عمل ظاهر ، وهذا باطل شرعًا وعقلاً كما بسط في غير هذا الموضع ، وقد كفَّرَ السلفُ ****ع وأحمد وغيرهما مَن يقول بهذا القول ، وقد قال النبي : " إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب " ، فبين أن صلاح القلب مستلزم لصلاح الجسد ، فإذا كان الجسد غير صالح دل على أن القلب غير صالح ، والقلب المؤمن صالح ، فعلم أن من يتكلم بالإيمان ولا يعمل به لا يكون قلبه مؤمنًا حتى إن المكره إذا كان في إظهار الإيمان فلابد أن يتكلم مع نفسه وفي السر مع من يأمن إليه ، ولابد أن يظهر على صفحات وجهه وفلتات لسانه ، كما قال عثمان ، وأما إذا لم يظهر أثر ذلك لا بقوله ولا بفعله قط فإنه يدل على أنه ليس في القلب إيمان " أ.ه .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    3,156

    افتراضي رد: التلازم بين الظاهر والباطن

    ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية :
    : " متى ثبت الإيمان في القلب والتصديق بما أخبر به الرسول وجب حصول مقتضى ذلك ضرورة ، فإنه ما أسر أحدٌ سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه ، فإذا ثبت التصديق في القلب لم يتخلف العمل بمقتضاه البتة ، فلا تستقر معرفة تامة ومحبة صحيحة ولا يكون لها أثر في الظاهر ، ولهذا ينفي الله الإيمان عمن انتفت عنه لوازمه ، فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم كقوله تعالى : " وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ " ، وقوله : " لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ " ، ونحوها فالظاهر والباطن متلازمان لا يكون الظاهر مستقيًا إلى مع استقامة الباطن ، وإذا استقام الباطن فلابد أن يستقيم الظاهر ولهذا قال النبي : " ألا أن في الجسد مضغة ، إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" وقال عمر لمن رآه يعبث في صلاته " لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه " وفي الحديث : " لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم لسانه ، ولا يستقيم لسانه حتى يستقيم قلبه " ولهذا كان الظاهر لازمًا للباطن من وجه وملزومًا له من وجه " ا.ه
    ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " ولهذا ظن طوائف من الناس أن الإيمان إنما هو في القلب خاصة ، وما على الجوارح ليس داخلاً في مسماه ، ولكن هو من ثمراته ونتائجه الدالة عليه حتى آل الأمر بغلاتهم - كجهم وأتباعه - إلى أن قالوا: يمكن أن يصدق بقلبه ولا يظهر بلسانه إلا كلمة الكفر ، مع قدرته على إظهاره فيكون الذي في القلب إيمانًا نافعًا في الآخرة ، وقالوا حيث حكم الشارع بكفر أحد بعمل أو قول فلكونه دليلاً على انتفاء ما في القلب وقولهم متناقض ، فإنه إذا كان ذلك دليلاً مستلزمًا لانتفاء ما في القلب امتنع أن يكون الإيمان ثابتًا في القلب مع الدليل المستلزم لنفيه ، وإن لم يكن دليلاً لم يجز الاستدلال به على الكفر الباطن.
    والله سبحانه في غير موضع يبين أن تحقيق الإيمان وتصديقه بما هو من الأعمال الظاهرة والباطنة كقوله تعالى: " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ " إلى أن قال - رحمه الله - فإن قال قائل : هذا يدل على أن الإيمان ينتفي عند انتفاء هذه الأمور لا يدل على أنها من الإيمان ، قيل هذا اعتراف بأنه ينبغي الإيمان الباطن مع عدم مثل هذه الأمور الظاهرة فلا يجوز أن يدعي أن يكون في القلب إيمان ينافي الكفر بدون أمور ظاهرة : لا قول ولا عمل وهو المطلوب وذلك تصديق ؛ وذلك لأن القلب إذا تحقق ما فيه أثَّر في الظاهر ضرورة ، ولا يمكن انقطاع أحدهما عن الآخر ، فالإرادة الجازمة للفعل مع القدرة التامة توجب وقوع المقدور وإذا كان في القلب حب الله ورسوله ثابتًا استلزم موالاة أوليائه ومعاداة أعدائه " لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِي اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ " وقال سبحانه : " إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ " ، وقال : " يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه " .
    إلى غير ذلك من الأدلة الصريحة في أن إيمان القلب شرط في الإيمان ، ولا يصح الإيمان بدونه ، وأنه إذا وجد سرى ذلك إلى الجوارح ولابد : فالإيمان أصله معرفة القلب وتصديقه وقوله ، والعمل تابع لهذا العلم والتصديق ملازم له ، لا يكون العبد مؤمنًا إلا بها " ا.ه
    ويقول - رحمه الله - مبينًا أن العمل الظاهر لازم وشرط للعمل الباطن كلزوم الروح للجسد ولا يتصور جسد بلا روح ولا حياة بلا ماء ولا هواء وليس هو فرض فقط أو واجب فقط ؛ بل هو لازم وملزوم ، وشرط ومشروط ، وركن وأصل ، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم ، وإذا زال الركن انهدم الأصل ، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط.
    قال ـ رحمه الله ـ في بيان أن فساد الظاهر دليل على فساد الباطن
    " العمل الظاهر لازم للعمل الباطن لا ينفك عنه ، وانتفاء الظاهر دليل على انتفاء الباطن ... وما كان في القلب فلابد أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح ، وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه دل على عدمه أو ضعفه ، ولهذا كانت الأعمال الظاهرة من موجب إيمان القلب ومقتضاه ، وهي تصديق لما في القلب ودليل عليه وشاهد له " وقد مر معك قوله في شرح العمدة وتكفيره تارك العمل بالكلية : " فإذا خلا العبد عن العمل بالكلية لم يكن مؤمنًا ... فما دان الله دينًا ومن لا دين له فهو كافر .
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح حديث النعمان مبينًا التلازم بين الظاهر والباطن وأنه إذا نقص الباطن نقص الظاهر ، وإذا فسد ، فسد ، وإذا زال الباطن زال الظاهر بالكلية قال : " ثم القلب هو الأصل ، فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة ، لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب ولهذا قال النبي في الحديث الصحيح " ألا إن في الجسد مضغة ... الحديث " فإذا كان القلب صالحًا بما فيه من الإيمان علمًا وعملاً قلبيًا لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل بالإيمان المطلق كما قال أهل الحديث : قول وعمل ، قول باطن وظاهر ، وعمل ظاهر وباطن ، والظاهر تابع للباطن ولازم له ، متى صلح الباطن صلح الظاهر ، وإذا فسد فسد ، والإرادة التامة مع القدرة تستلزم الفعل ، فيمتنع أن يكون الإنسان محبًا لله ورسوله مريدًا لما يحبه الله ورسوله إرادة جازمة مع قدرته على ذلك وهو لا يفعله ، فإذا لم يتكلم الإنسان بالإيمان مع قدرته دل على أنه ليس في قلبه الإيمان الواجب الذي فرضه الله عليه " .
    قال شيخ الإسلام : : " ولا يتصور في العادة أن رجلاً يكون مؤمنًا بقلبه في الباطن ، مقرًا بأن الله أوجب عليه الصلاة ملتزمًا لشريعة النبي وما جاء به ، يأمره ولي الأمر بالصلاة فيمتنع حتى يقتل ، ويكون مع ذلك مؤمنًا في الباطن ، قد لا يكون إلا كافرًا ولو قال أنا مقر بوجوبها غير أني لا أفعلها كان هذا القول مع هذه الحال كذبًا منه فهذا الموضع ينبغي تدبره ، فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب ، وعلم أن من قال من الفقهاء أنه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يقتل ، أو يقتل مع إسلامه ، فإنه قد دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية " ا.ه
    ويفول شيخ الإسلام رحمه الله : " والمرجئة أخرجوا العمل الظاهر عن الإيمان ، فمن قصد منهم إخراج أعمال القلوب أيضًا وجعلها هي التصديق فهذا ضلال بين (فإن الإيمان ليس مجرد التصديق كما تقدم بيانه ، وإنما هو التصديق الإذعاني المستلزم للطاعة والقبول والانقياد بالعلم) ومن قصد إخراج العمل الظاهر قيل لهم : العمل الظاهر لازم للعمل الباطن لا ينفك عنه وانتفاء الظاهر دليل انتفاء الباطن" ا.ه
    ويقول – رحمه الله - : " ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمنًا إيمانًا ثابتًا في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج ويعيش وهو لا يسجد لله سجدة ولا يصوم يومًا من رمضان ولا يؤدي لله زكاة ولا يحج إلى بيته ، فهذا ممتنع ، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة لا مع إيمان صحيح " ا.ه

    ويقول الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ
    " فالإيمان له ظاهر وباطن ، وظاهره قول اللسان وعمل الجوارح ، وباطنه تصديق القلب وانقياده ومحبته ، فلا ينفع ظاهر لا باطن له ، وإن حقن به الدماء وعصم به المال والذرية ، ولا يجزئ باطن لا ظاهر له ، إلا إذا تعذر بعجز أو إكراه وخوف هلاك ، فتخلف العمل ظاهرًا مع عدم المانع دليل على فساد الباطن وخلوه من الإيمان ، ونقصه دليل نقصه ، وقوته دليل قوته" ا.ه .
    ويقول ـ رحمه الله :
    " والله تعالى أمر عباده أن يقوموا بشرائع الإسلام على ظواهرهم وحقائق الإيمان على بواطنهم ولا تقبل واحدًا منهما إلا بصاحبه وقرينه فكل إسلام ظاهر لا ينفذ صاحبه منه إلى حقيقة الإيمان الباطنة فليس بنافع حتى يكون معه شيء من الإيمان الباطن ، وكل حقيقة باطنة لا يقوم صاحبها بشرائع الإسلام الظاهرة لا تنفع ولو كانت ما كانت ، فلو تمزق القلب بالمحبة والخوف ولم يتعبد بالأمر وظاهر الشرع لم ينجه ذلك من النار ، كما أنه لو قام بظواهر الإسلام وليس في باطنه حقيقة الإيمان لم ينجه من النار" وكما ترى فكلام السلف متفق على هذه الحقيقة لا يختلف.
    يقول ابن القيم في كتابه الصلاة وحكم تاركها : " ومن أمحل المحال أن يقوم بقلب العبد إيمان جازم لا يتقاضاه فعل طاعة ولا ترك معصية " .
    ويقول ابن أبي العز في شرح الطحاوية :
    " ولا شك أنه يلزم من عدم طاعة الجوارح عدم طاعة القلب إذ لو أطاع القلب وانقاد لأطاعت الجوارح وانقادت ، ويلزم من عدم طاعة القلب وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة قال : " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب " فمن صلح قلبه صلح جسده قطعًا" ا.ه

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •