شرح حديث قَبِيصَةَ بنِ المُخَارِقِ رضي اللَّه عنه "ياَ قَبِيصَةُ إِنَّ المَسأَلَةَ لاَ تَحِلُّ إِلاَّ لأَحَدِ ثَلاثَةٍ"
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: شرح حديث قَبِيصَةَ بنِ المُخَارِقِ رضي اللَّه عنه "ياَ قَبِيصَةُ إِنَّ المَسأَلَةَ لاَ تَحِلُّ إِلاَّ لأَحَدِ ثَلاثَةٍ"

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    5,741

    افتراضي شرح حديث قَبِيصَةَ بنِ المُخَارِقِ رضي اللَّه عنه "ياَ قَبِيصَةُ إِنَّ المَسأَلَةَ لاَ تَحِلُّ إِلاَّ لأَحَدِ ثَلاثَةٍ"

    شرح حديث قَبِيصَةَ بنِ المُخَارِقِ رضي اللَّه عنه "ياَ قَبِيصَةُ إِنَّ المَسأَلَةَ لاَ تَحِلُّ إِلاَّ لأَحَدِ ثَلاثَةٍ"

    إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة
    إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثةالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:ففي باب القناعة والعفاف وذم السؤال أورد المصنف -رحمه الله-:حديث أبي بشر قَبيصة بن المُخارق قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها ثم قال: يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها، ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال: سدادا من عيش - ورجل أصابته فاقة، حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة. فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو قال: سدادا من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت، يأكلها صاحبها سحتا[1].
    "تحملتُ حَمَالة"، أي: أنه أصلح بين طائفتين، قد تقتتل طائفتان، ويوجد بينهما دماء، ومنازعات، فيأتي من يصلح ويطفئ نار الفتنة، ويتحمل الديات في الأنفس، والشِّجاج والأطراف، وقد يوجد قتيل بين قريتين، أو بين بلدتين، أو بين قبيلتين، وتدفعه كل طائفة.يعني: تقول: إنها ما قتلتْه، فيبقى مترددًا بين هؤلاء وهؤلاء، فيأتي من يصلح ويتحمل الدية، فهذا يقول: تحملتُ حَمَالة، فأتيت رسول الله ﷺ أسأل فيها.. يعني: يطلب الإعانة من النبي ﷺ في هذه الحمالة.فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة يعني: الزكاة، فنأمر لك بها يعني: بهذه الحمالة، أو بما يسد حاجتك.ثم قال: يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة وهذا حصر بأقوى صيغة من صيغ الحصر، النفي والاستثناء التي جاءت بها كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" أقوى صيغة من صيغ الحصر هي هذه، لا تحل يعني: المسألة إلا لأحد ثلاثة فقط، وانظروا إلى القيود المذكورة معها أيضاً.الأول: رجل تحمّل حَمالة، فحلت له المسألة حتى يصيب، ثم يمسك، حتى يصيب:يعني: يحصل على ما يسد به تلك الحمالة والحاجة.ثم يمسك، وهذا بطبيعة الحال -كما هو معلوم- ولو كان غنيًّا، فإنه لا يجب عليه أن يدفع ذلك من ماله، لكنه يتحمل هذه الديات، ثم له بعد ذلك أن يأخذ من الزكاة، وبيت المال، ونحو ذلك.ثم يمسك انتهى كل شيء، لا يستمرئ هذا الأمر، ويستمر وقد انتهت هذه الحاجة.الثاني: ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش، أو قال: سداداً من عيش، الجائحة هي المصيبة والنازلة العظيمة التي تحصل للإنسان فتجتاح ماله، وغالب ما يعبر بذلك عما ينزل من السماء، كالصاعقة، والريح المدمرة التي تدمر زروعه، وحروثه، وتهلك دوابه، أو نحو ذلك من الأمور، وقد يحصل ذلك بآفات أرضية، قد يحصل هذا بغرق تجارته، قد يحصل ذلك بحريق، قد يحصل ذلك بعدوان يحصل على ماله فيذهب ماله، ولا يبقى بيده شيء.ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قِواماً وبعضهم ضبطه: قَواماً، والقِوام يعني ما يقيم حاله، والقَوام يعني أن يصيب ما يحصل له به الاعتدال، يعني ترتفع عنه المسغبة والضرورة الملحّة التي نزلت به، تعتدل حاله.حتى يصيب قواماً من عيش، وليس معنى ذلك أنه وقعت له جائحة، ثم بعد ذلك يسأل وقد يكون يملك مائة مليون، فجاءت جائحة وصار ما يملك شيئًا، هل نقول: يسأل ويأخذ حتى يرجع المائة مليون؟ الجواب: لا، حتى يصيب قَواماً من عيش، وفي الضبط الآخر قِواماً من عيش أي: شيء يقيم حاله، يستغني به عن الناس، يستطيع أن يأكل منه، ويطعم أولاده فقط.أما أن يقول: أنا أريد أن أعوض كل ما سبق، كل ما فات فلا، ما فات أمره إلى الله، انتهى، ما تأخذه من الناس، تصبر هذه مصيبة نزلت، واحمد الله أنها في المال، وليست في النفس، وإذا كانت في النفس فاحمد الله أنها في النفس وليست في الدين، فإن مصيبة الإنسان في دينه هي التي لا تجبر، نسأل الله العافية.الثالث: ورجل أصابته فاقة أي فقر، حتى يقول ثلاثةٌ وفي لفظ حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقةٌ، فحلت له المسألة حتى يصيب قِواماً من عيش أو قال: سداداً من عيش، بمعنى: هذا الإنسان الذي أصابته فاقة متى تحل له المسألة؟ بأن يقوم ثلاثة من ذوي الحجا، يعني: من ذوي العقول الراجحات من قومه، أيضاً ليسوا من الأبعدين ما يعرفون حاله، من قومه؛ لأنهم يحتفّون به ويعرفون دواخله، قد يكون عنده أموال، لكن بأسماء آخرين، ويقول: أنا أصابتني فاقة، قد يكون عنده أشياء ثانية الناس لا يطلعون عليها، عنده أراضٍ يستطيع أن يبيعها وترتفع عنه هذه المسغبة التي في ظاهر الحال لمن نظر إليه من بعيد يقول: إن حال هذا الإنسان في غاية الصعوبة، حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه، لابد من هذا.فيقولون: لقد أصابت فلاناً فاقة فحلت له المسألة لاحظوا هذه القيود، حتى يصيب قواماً من عيش أو قال: سداداً من عيش، بمعنى أنه لا يجلس يسأل دائماً، فإذا حصّل شيئاً يأكله يكفيه في يومه وليلته لا يسأل، أمّا أن يستمرئ هذا، وتكون العملية هي مجرد لون من التكسب وتحصيل الأموال وجمعها فإن هذا لا يجوز بحال من الأحوال، واسمعوا ما قال النبي ﷺ بعده قال: فما سواهن من المسألة يا قَبيصة سحت والسحت هو الحرام، يأكلها صاحبها سحتاً، رواه مسلم.هذا الحديث، وهذه الأحاديث التي سمعتم في الباب، والأحاديث التي في الباب قبله، كل ذلك يربي المؤمن على الرفعة ومكارم الأخلاق، وحفظ المروءات والاستغناء عن الخلق، فلا يبقى الإنسان كَلًّا على الناس، ولا يكون ثقيلاً على قلوبهم، فإن الناس يستثقلون من يجعل حاجته إليهم، ومن يُنزل فقره بهم، وإنما يكون -كما سبق- فقر الإنسان إلى ربه ومولاه، فقط، فيرفع الإنسان نفسه أيها الأحبة، كما قلنا مراراً: يحرص العبد على أن لا يحتاج لأحد، احرص دائماً أن تكون أنت الذي تُحسن، وأنت الذي تعطي، وأنت الذي تنفع، ولا تحتاج إلى الناس، لا تبقى عالة على أحد، ولو على أبيك إذا كنت قد بلغت من السن، أو من الحال ما يمكن أن تستغني به.الإنسان إذا كان وصل إلى سن العمل لا يحتاج إلى أبيه من أجل أن ينفق عليه كما ينفق على واحدة من أخواته، هذا ما يليق، هذا لا نقوله للشباب الذين لا زالوا في سن الدراسة، لكن نقوله لمن يبقى عاطلاً بطالاً لا ينهض بعمل، ولا تسمو همته للاستغناء عن الآخرين، فتكون نفس الإنسان كريمة، وهكذا أيضاً يكون الأمر أشد وأعظم حينما تكون الحاجة إلى الآخرين، ولو كانوا من قراباته، إذا كان الإنسان لا يبقى كَلًّا على والده إذا كان وصل إلى سن يستغني فيها فكيف بقراباته؟!، فكيف بمن يبقى عالة على امرأته؟!.الله يقول: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء:34]، فهذا التفضيل بالإنفاق، وأيضاً بما أوهب الله الرجل من الملكات، والقُدر والإمكانات العقلية والجسدية، فكانت له القوامة بهذا الاعتبار، والذي ينفق هو السيد دائماً، فإذا كان الإنسان يبقى عالة على أهله، على زوجته، أو على قراباته، أو على أهل امرأته فإن هذا في غاية الصعوبة.ثقوا أيها الأحبة أن الإنسان الذي يكون بهذه المثابة لا يمكن أن يكون له قدر في نفوس الناس، الرجل الذي يمد يده إلى زوجته، ويأخذ منها، وتنفق عليه، لن يكون له قدر في نفسها.وهكذا أيها الأحبة يزيد الأمر سوءاً إذا استمرأ الإنسان هذه القضية، يعني: قد تمر بالإنسان حالة عارضة، بظرف معين، لكن حينما يستمرئ هذا الوضع، وتكون سجية للإنسان وعادة لاسيما إذا كانت النفوس ضعيفة، بمعنى أن من الناس من إذا وجد من يكفيه فإنه يستمرئ هذا، ويستروح له، ويستأنس به ويقعد عن العمل، وجد والداً -مثلاً- ينفق عليه يركن إلى هذا ولا يعمل، ينام إلى العصر، ويجمع الظهر مع العصر.نحن نتحدث عن أشياء واقعة، الشكوى كثيرة، وأسمع أشياء عجيبة جداً يستغرب الإنسان كيف تقع من الناس؟، وكيف تصل الهمة وتتدنى إلى هذه المستويات؟ نوم في النهار إلى العصر، أو إلى المغرب، ينفق عليه والده، وهو متزوج.إحدى الأمهات تقول: إن ولدها يضربه أبوه أمام زوجته، أمام زوجة الابن، وأمام أولاده، لماذا يفعل هذا؟ قالت: كل شيء الأب، هو الذي يطعمه ويسقيه، وهو الذي ينفق عليه، وهو الذي يقوم بشئونه، ويفصل له الثياب.قلت: كم عمر الولد؟ عمر الولد فوق الخمسة والعشرين، لكنه عالة على أبيه في كل شيء، ولا يعمل، تقول: ويضربه أمام زوجته، ويضربه أمام أولاده، ويعامله كأنه صبي صغير، طفل.تقول: فنفسه في غاية الهوان ومحطم، مشكلة هذه، حينما يصل الإنسان إلى هذا المستوى أيها الأحبة، ولذلك أقول: ينبغي للإنسان أن يسمو بنفسه، ارفع نفسك تفرض احترامك على الآخرين، فإذا احتجت إليهم فإن مرتبتك تقل، وعلى قدر هذا الاحتياج والافتقار إلى الناس تقل وتهبط إلى الأسفل، حتى إن الإنسان ليسمع أحياناً عبارات من بعض النساء وهي تتحدث وتسأل عن حال زوجها عبارات جارحة.أحياناً بعض النساء تقول: أنا أريد أن أطرده من البيت ما رأيك؟ لاحظ العبارة أطرده من البيت، البيت لها طبعاً، وهي التي تنفق عليه، حينما يكون الإنسان بهذه المثابة، وزوجته تعبِّر أو تشعر تجاهه بهذه المشاعر!.إحدى النساء تقول: إذا رأيته كأنه قد قتل أبي؛ من شدة البغض، تقول: ثقيل على قلبي، طبعاً هذا الجلوس وهذا الخنوع، وهذا القعود سيؤدي إلى ماذا؟ تضييع الصلوات والأمثلة كثيرة جدًّا للأسف، جلوس إلى الفجر، يصابح الصبح على الإنترنت على مواقع في الشات، وعلى مواقع سيئة جدًّا، يرى فيها الخلاعة والمجون، ولربما يحلف الأيمان المغلظة أنه ما رأى شيئاً، ولا فتح على شيء، وهو يكذب، يصابح الصبح كل يوم، هذه حياة؟!ثم ينام إلى المغرب، إحدى النساء تقول: فقط يأتي ليطأ، للوطء، للفراش، والأكل، تقول: والله إني أجيء من العمل، أتصل على المطعم وأطلب الطعام، تقول: أنا أدفع المال، هو فقط يأكل ويجامع فقط، ويجلس على الإنترنت، ويجلس على القنوات الفضائية، وأوقات طويلة في عبث وضياع، ثم لا شك أن هذا سيضعف الإيمان، ويجعل الإنسان في غاية الهوان، ما لجرح بميتٍ إيلامُ.قبل يومين إحدى النساء تقول: وصل الأمر أنها لم تتحمل فصارت تضرب زوجها حينما دخلت عليه وشاهدت بعض ما يشتغل به، تقول: ولم يتكلم ولا يرد بكلمة.هو قبل ذلك يحلف الأيمان المغلظة أنه ما فعل، ولا فتح، ولا رأى، هذه أمور مدمية، وللأسف تتكرر كثيراًَ وتقع، وقد يكون هذا الإنسان من حفاظ كتاب الله، وقد يكون هذا الإنسان يخطب في مسجد، أو يؤم الناس، وقد يكون هذا الإنسان متخرجًا من كلية شرعية.ضعف الإيمان ما يعرف هذا، ولا هذا، وخطوات الشيطان حذرنا الله منها، والله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ [النــور:21].فماذا تنتظر؟ وقد قيل: من عرض نفسه للفتنة أولاً لم ينجُ منها آخراً، انظروا كيف تتتابَعُ هذه القضايا، عالة، حاجة إلى الآخرين، يستمرئ الوضع، ثم بعد ذلك يبقى الإنسان فارغاً، والنبي ﷺ يقول: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ[2].ولعله يأتي يوم -إن شاء الله تعالى- أتحدث عن قضية لها تعلق بهذا، كيف يكون الإنسان كَلًّا على الآخرين، وكيف يستطيع أن يرفع نفسه؟وأسأل الله أن يعيننا وإياكم على أنفسنا، وأن يلطف بنا، اللهم ارحم موتانا، واشف مرضانا، وعافِ مبتلانا، واجعل آخرتنا خيراً من دنيانا.وصلى الله على نبينا محمد،وآله وصحبه.أخرجه مسلم، باب من تحل له المسألة (2/ 722)، رقم: (1044).
    أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب: لا عيش إلا عيش الآخرة (8/ 88)، رقم: (6412).


    https://khaledalsabt.com/explanation...A7%D8%AB%D8%A9

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    5,741

    افتراضي رد: شرح حديث قَبِيصَةَ بنِ المُخَارِقِ رضي اللَّه عنه "ياَ قَبِيصَةُ إِنَّ المَسأَلَةَ لاَ تَحِلُّ إِلاَّ لأَحَدِ ثَلاثَ

    186 من حديث: (من تكفل لي أن لا يسأل الناس شيئا وأتكفل له بالجنّة؟)

    14/535- وعَنْ ثَوْبانَ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّه ﷺ: مَنْ تَكَفَّلَ لِي أَن لا يسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا، وَأَتَكَفَّلُ لَهُ بالجَنَّة؟ فقلتُ: أَنا، فَكَانَ لا يسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا. رواه أَبُو داود بإِسنادٍ صحيحٍ.
    15/536- وعن أَبي بِشْرٍ قَبِيصَةَ بنِ المُخَارِقِ قَالَ: تَحمَّلْتُ حمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: أَقِمْ حَتَّى تَأْتِينَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لكَ بِها، ثُمَّ قَالَ: يا قَبِيصَةُ، إِنَّ المَسأَلَةَ لا تَحِلُّ إِلا لأَحَدِ ثَلاثَةٍ: رَجُلٌ تَحَمَّلَ حمالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصيبَها، ثُمَّ يُمْسِكُ، ورجُلٌ أَصابَتْهُ جائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مالَهُ، فَحَلَّتْ لهُ المَسأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ قَالَ: سِدادًا مِنْ عَيْشٍ، ورَجُلٌ أَصابَتْهُ فاقَةٌ، حَتى يقُولَ ثلاثَةٌ مِنْ ذَوي الحِجَى مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلانًا فَاقَةٌ، فحلَّتْ لَهُ المَسْأَلةُ حتَّى يُصِيبَ قِوامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ قالَ: سِدادًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا سِواهُنَّ مِنَ المَسأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ، يَأكُلُها صاحِبُها سُحْتًا رواهُ مسلم.
    16/537- وعن أبي هريرة : أَنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي يطُوفُ عَلى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ، وَالتَّمْرَةُ والتَّمْرتَانِ، وَلَكِنَّ المِسْكِينَ الَّذِي لا يجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصدَّقَ عَلَيْهِ، وَلا يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ متفقٌ عليه.


    الشيخ:
    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
    أما بعد:
    فهذه الأحاديث الثلاثة فيها الحثّ على العفاف والقناعة والحرص على عدم سؤال الناس، وأن الإنسان يجتهد في أن يقوم بنفسه، ويتعاطى بعض الأسباب التي تُغنيه عن الناس، ولهذا يقول ﷺ: مَن يتكفَّل لي ألَّا يسأل الناسَ شيئًا وأتكفَّل له الجنة؟ فقال ثوبان: أنا، وتقدَّم أنه بايع جماعةً من الصحابة على أنهم لا يسألون الناسَ شيئًا، حتى كان بعضُهم يسقط سوطُه فلا يقول لأحدٍ: ناولنيه، بل ينزل عن دابَّته ويأخذ السَّوط، وهذا يُفيدنا قبح المسألة، وأنها لا تليق بالمؤمن، وأن المؤمن ينبغي له أن يبتعد عنها ما أمكن، إلا للضَّرورة.
    وهكذا حديث قبيصة لما جاء يسأل في حمالةٍ تحمَّلها، قال: أقم حتى تأتينا الصدقةُ فنأمر لك بها، ثم قال: يا قبيصة، إنَّ المسألة لا تحلّ إلا لأحد ثلاثةٍ: رجل تحمَّل حمالةً دَيْنًا للإصلاح بين الناس أو لحاجته فحلَّت له المسألةُ حتى يُصيبها، ثم يُمسك، ورجل أصابته جائحةٌ اجتاحت ماله اجتاحت زرعه، أو غِراسه، أو دوابَّه فحلَّت له المسألةُ حتى يُصيب قِوَامًا من عيشٍ -أو قال: سِدَادًا من عيشٍ- ورجل ثالث: أصابته فاقةٌ كان غنيًّا ثم أصابته فاقة، فشهد له ثلاثةٌ من ذوي الحِجَى من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقةٌ، فحلَّت له المسألةُ حتى يُصيب قوامًا من عيشٍ، وما سواهنَّ يا قبيصة سُحْتٌ، يأكله صاحبُه سحتًا.
    فهذا فيه حثٌّ على العفاف والقناعة والبُعد عن المسألة، وذلك هو اللائق بالمؤمن، ألا يسأل الناسَ شيئًا، وأن يجتهد في التَّعفف بما يسَّر الله له من الشيء اليسير، كما قال عليه الصلاة والسلام: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزنَّ، وإن أصابك شيءٌ فلا تقل: لو أني فعلتُ لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإنَّ "لو" تفتح عمل الشيطان أخرجه مسلم في "الصحيح"، وسُئل: أيّ الكسب أطيب؟ فقال عليه الصلاة والسلام: عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور أخرجه البزار وغيره بإسنادٍ صحيحٍ عن رفاعة بن رافع.
    وفي هذا يقول ﷺ: ليس المسكينُ الذي تردّه اللُّقمة واللُّقمتان، والتَّمرة والتَّمرتان، يعني: يطوف على الناس، فهذا يُعطيه تمرةً، وهذا يُعطيه لقمةً، ولكن المسكين الذي لا يجد غنًى يُغنيه، ولا يقوم فيسأل الناس، هذا هو المسكين، المتعفف الذي لا يسأل الناس، ولا يتعرّض للناس، هو الجدير بأن يُواسَى ويُحْسَن إليه وتُعْرَف حاله، لا يقوم فيسأل الناس، ولا يطوف على الناس، ولا يجد ما يسدّ حاجته، فهو مُتعفّف، يستحي أن يذهب للناس، فمثل هذا جديرٌ بأن يُعْتَنى به، ويُحْسَن إليه من الزكاة وغيرها.
    وكل الأحاديث السَّابقة تدور على أن المؤمن يحرص جدًّا على ألا يسأل الناس، إلا إذا اضطُرَّ.
    رزق الله الجميع التَّوفيق والهداية.

    الأسئلة:
    س: هذا المسكين الذي لا يُتفطَّن له لو أنه صبر عند الضَّرورة فإنه يتضرر وقد يهلك؟
    ج: لا، يسأل.
    س: يجب عليه؟
    ج: عليه أن يُنْقِذ نفسه، فإذا دعت الضَّرورة لخوف الهلاك وجب عليه، ويجب على مَن عرف حاله أن يُنْقِذه، وأن يُعطيه.
    س: أقصد شيخنا أنه لو قال: يُستحب لي الصبر، هل يكون هذا صحيحًا أو يجب عليه أن يسأل؟
    ج: لا، إذا كان عنده شيءٌ يسدّ حاجتَه وإلا يجب عليه أن يسأل؛ لإنقاذ نفسه ومَن تحت يده.
    س: هذا رجلٌ له ابنٌ مُتَخَلِّفٌ عقليًّا، وله بنتٌ، ولهم مالٌ يأتي إليهم من الشّؤون، يقول: وقطعوني الآن، وأسكن في بيتٍ وحدي، فهل تجب عليَّ النَّفقة على ابني اللَّذين قطعاني الآن؟
    ج: إذا كانت عنده قدرة يُنفق عليهم من ماله، على ولده، وعلى بنته، إذا كانت المساعدةُ الحكوميةُ ما تكفيهم.
    س: إذا كانت ما تكفيهم؟
    ج: يجب عليه أن يُنفق عليهم، فيجب الإنفاق على: الأب، والأم، والجد، والجدة، والأخ، فالأقارب يجب أن يُنفق بعضُهم على بعضٍ عند الحاجة، وهذا من صلة الرحم.
    س: وإذا كانت تكفيهم؟
    ج: إذا كانت تكفيهم يُنْفِق على المحتاج منهم، وهو الولد.
    س: هما ابناه: ولده وبنته، ويقول: تأتيهما من الشؤون الاجتماعية أموال، وقد قطعاني الآن، فلا يصلاني، ولا يُسلِّمون عليَّ؟
    ج: عياله؟
    س: نعم.
    ج: عاقّون، عليهم إثم العقوق.
    س: والنَّفقة؟
    ج: وأيش فيها؟
    س: يُنفق أو لا يُنفق؟
    ج: هم فقراء؟
    س: هم يأتيهم شيءٌ من الشّؤون.
    ج: إذا كان يكفيهم فلا، أمَّا إذا لم يكن يكفيهم فعليه أن يُنفق عليهم، ولو قطعوه: ليس الواصِلُ بالمُكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطعت رحمُه وصلَها رواه البخاري في "الصحيح".
    س: الرجل الذي عليه دين وتُوفّي، هل يُصلَّى عليه؟
    ج: يُصَلَّى عليه ويُوفَى عنه.
    س: كان قادرًا لكنه ما استطاع أن ..؟
    ج: ولو، يُصلَّى عليه، فالنبي ترك الصلاة أولًا، ثم أمر بالصلاة فقال: صلّوا على صاحبكم.
    س: ..................؟
    ج: هذا من سؤال السلطان من بيت المال، فالشيء المعتاد لا بأس به، إلا أن يسأل سلطانًا أو في أمرٍ لا بد منه، كما تقدم.
    س: بالنسبة للمسألة في الكتب الخاصَّة بالتَّوزيع: هل تُعَدُّ من المسألة المذمومة؟
    ج: لا، إذا صارت تُوزّع يطلب نصيبَه منها إن كان طالب علمٍ من الجهة التي تُوزّع الكتب.
    س: مدرسةٌ فيها رافضة، والمدير يجمع بعض النقود من المُدرسين، ويجعل ما يأخذه في هذه المدرسة، فهل يجوز أن يأخذ من الرَّافضة؟
    ج: ولو من غيرهم من النَّصراني واليهودي، فلا بأس أن يأخذ.
    س: هل يُقاس على السلطان الذي عنده مالٌ وائتمنه الأغنياءُ عليه ليُوزِّعه في حاجات الناس؟ فهل تصرفاته في أعمال البر تكون مثل السلطان في هذه المسألة وهو ليس السلطان العام؟
    ج: ما هو مثل السلطان، لكن إذا دعت الضَّرورةُ يسأل: له أو لغيره.
    س: ليس المالُ مالَ هذا الرجل بل هو مال الناس؟
    ج: ولو، لا يسأل إلا عند الحاجة والضَّرورة.
    س: الذي يطلب خارج دوامه أو يطلب الانتداب، هل يُعتبر من المسألة؟
    ج: لا، ليس من المسألة، هذه أمور عادية ما فيها شيء.

    https://binbaz.org.sa/audios/2509/18...AC%D9%86%D8%A9

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •