تهذيب وتقريب -لشرح رسالة أصل دين الاسلام - الصفحة 2
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 21 إلى 22 من 22

الموضوع: تهذيب وتقريب -لشرح رسالة أصل دين الاسلام

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    2,869

    افتراضي رد: تهذيب وتقريب -لشرح رسالة أصل دين الاسلام

    ما هو الدليل على أن الإنسان ما يصير مؤمناً بالله إلا بالكفر بالطاغوت
    الجواب :
    1. قال تعالى : ( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ) [البقرة: 256] قال القرطبي : يقول تعالى :( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ ) [البقرة: 256] جزم بالشرط …( فقد استمسك بالعروة الوثقى ) جواب الشرط ...فقال مجاهد : العروة الإيمان ، وقال السدي : الإسلام ، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك : لا اله إلا الله . وهذه عبارات ترجع إلى معنى واحد . اهـ .
    وقال البغوي : (فمن يكفر بالطاغوت) يعني : الشيطان ، فقيل : كل ما عبد من دون الله تعالى فهو طاغوت ……( ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى )أي : تمسك واعتصم بالعقد الوثيق المحكم في الدين …… ( لا انفصام لها ) لا انقطاع لها. اهـ .
    وقال ابن كثير : (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ) [البقرة: 256] ؛ أي : من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله ، وَوَحَّدَ الله فعبده وحده وشهد : أن لا اله إلا الله. (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) أي : فقد ثبت في أمره واستقام على الطريقة المثلى والصراط المستقيم …
    ومعنى قوله : ( أي الفاروق عمر رضي الله عنه ) في الطاغوت : أنه الشيطان ، قوي جداً، فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية من عبادة الأوثان والتحاكم إليها ، والإستنصار بها …
    قال مجاهد : (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ ) يعني الإيمان . وقال السدي: هو الإسلام وقال سعيد بن جبير والضحاك : لا اله إلا الله … وهذه الأقوال صحيحة ولا تنافي بينها . اهـ
    وقال الإمام الطبري : والصواب من القول عندي في الطاغوت : أنه كل ذي طغيان على الله فعبد من دونه ، إما بقهر منه لمن عبده وإما بطاعة ممن عبده له إنساناً كان ذلك المعبود أو شيطاناً أو وثناً أو صنماً أو كائناً من كان من شيء…
    فتأويل الكلام إذاً : فمن يجحد ربوبية كل معبود من دون الله ويكفر به (ويؤمن بالله) يقول: ويصدق بالله أنه إلهه وربه ومعبوده (فقد استمسك بالعروة الوثقى ) يقول : فقد تمسك بأوثق ما يتمسك به من طلب الخلاص لنفسه من عذاب الله وعقابه … (والله سميع عليم)يعني : تعالى ذكره والله سميع إيمان المؤمن بالله وحده الكافر بالطاغوت عند إقراره بوحدانية الله وتبرئه من الأنداد والأوثان التي تعبد من دون الله (عليم) بما عزم عليه من توحيد الله وإخلاص ربوبية قلبه وما انطوى عليه - من البراءة من الآلهة والأصنام والطواغيت - ضميره ، وبغير ذلك مما أخفته نفس كل أحد من خلقه لا يتكتم عنه سر ولا يخفى عليه أمر ، حتى يجازي كلاً يوم القيامة بما نطق به لسانه وأضمرته نفسه إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً . اهـ
    وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب : " واعلم أن الإنسان ما يصير مؤمناً بالله إلا بالكفر بالطاغوت والدليل قوله تعالى : ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ) الرشد : دين محمد صلّى الله عليه وسلَّم ، والغي : دين أبي جهل . والعروة الوثقى : شهادة أن لا إله إلا الله وهي متضمنة للنفي والإثبات تنفي جميع أنواع العبادة عن غير الله وتثبت جميع أنواع العبادة لله وحده لا شريك له ." اهـ. وقال تعالى : ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ )[النحل: 36]

    قال الشنقيطي في قوله تعالى : ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ)[النحل: 36]
    ولا تنفع عبادة الله إلا بشرط اجتناب عبادة ما سواه كما بينه تعالى بقوله : ( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ ) [البقرة: 256] وقوله : ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) إلى غير ذلك من الآيات .اهـ
    3. وقال تعالى : ( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ) [الزمر: 17]

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    2,869

    افتراضي رد: تهذيب وتقريب -لشرح رسالة أصل دين الاسلام

    أصل دين الإسلام وقاعدته -- للشيخ الإمام العلامة عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى أجمعين ---بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ الإمام العلامة عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ المجدد الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى أجمعين:
    قوله: "أصل دين الإسلام وقاعدته أمران: "الأول" الأمر بعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، والتحريض على ذلك، والموالاة فيه، وتكفير من تركه". قلت: وأدلة هذا في القرآن أكثر من أن تحصر، كقوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ) الآية. أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو أهل الكتاب إلى معنى "لا إله إلا الله" الذي دعا إليه العرب وغيرهم، و"الكلمة" هي لا إله إلا الله، ففسرها بقوله: (أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ) فقوله: (أَلَّا نَعْبُدَ) فيه معنى "لا إله" وهي نفي العبادة عما سوى الله تعالى. قوله: (إلا الله) هو المستثنى في كلمة الإخلاص، فأمره تعالى أن يدعوهم إلى قصر العبادة عليه وحده ونفيها عمن سواه. ومثل هذه الآية كثير يبين أن الإلهية هي العبادة، وأنها لا يصلح منها شيء لغير الله، قال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) معنى (وَقَضَى) أمر ووصى، قولان ومعناهما واحداً، وقوله: (أَلَّا تَعْبُدُوا) فيه معنى (لا إله) وقوله: (إلا الله) وهذا هو توحيد العبادة وهو دعوة الرسل إذ قالوا لقومهم: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) فلا بد من نفي الشرك في العبادة رأساً، والبراءة منه وممن فعله، كما قال تعالى عن خليله إبراهيم عليه السلام (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) فلا بد من البراءة من عبادة ما كان يعبد من دون الله. وقال عنه عليه السلام: واعتزلكم وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) فيجب إعتزال الشرك وأهله بالبراءة منهما كما صرح في قوله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ). والذين معه هم الرسل كما ذكر ابن جرير. وهذه الآية تتضمن من جميع ما ذكره شيخنا رحمه الله تعالى من التحريض على التوحيد ونفي الشرك، والموالاة لأهل التوحيد، وتكفير من تركه بفعل الشرك المنافي له، إن من فعل الشرك فقد ترك التوحيد؛ فإنهما ضدان لا يجتمعان، فمتى وجد الشرك انتفى التوحيد، وقد قال تعالى في حق من أشرك: (وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) فكفّره تعالى باتخاذ الأنداد وهم الشركاء في العبادة، وأمثال هذه الآيات كثير، فلا يكون المرء موحداً إلا بنفي الشرك والبراءة منه وترك من فعله.
    ثم قال رحمه الله تعالى: "الثاني" الإنذار عن الشرك في عبادة الله تعالى، والتغليظ في ذلك، والمعاداة فيه، وتكفير من فعله. فلا يتم مقام التوحيد إلا بهذا، وهو دين الرسل، أنذروا قومهم عن الشرك كما قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)، وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)، وقال تعالى: (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ). قوله: "في عبادة الله" العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. قوله: "والتغليظ في ذلك" وهذا موجود في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ((فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ، وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) ولولا التغليظ لما جرى على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من قريش ما جرى من الأذى العظيم كما هو مذكور في السير مفصلاً فإنه باداهم بسبب دينهم وعيب آلهتهم. قوله رحمه الله تعالى: "والمعاداة فيه" كما قال: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ)، والآيات في هذا كثيرة جداً كقوله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) والفتنة الشرك، ووسم تعالى أهل الشرك بالكفر فيما لا يحصى من الآيات، فلا بد من تكفيرهم أيضاً. هذا هو مقتضى "لا إله إلا الله" كلمة الإخلاص، فلا يتم معناها إلا بتكفير من جعل لله شريكاً في عبادته كما في الحديث الصحيح: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله"، فقوله: "وكفر بما يعبد من دون الله"، تأكيد للنفي فلا يكون معصوم الدم والمال إلا بذلك، فلو شك أو تردد لم يحرم دمه وماله. فهذه الأمور هي تمام التوحيد لأن "لا إله إلا الله" قيدت في الأحاديث بقيود ثقال: بالعلم، والإخلاص، والصدق، واليقين، وعدم الشك. فلا يكون المرء موحداً إلا باجتماع هذا كله واعتقاده وقبوله ومحبته والمعاداة فيه والموالاة، فبمجموع ما ذكره شيخنا رحمه الله يحصل ذلك.
    ثم قال رحمه الله تعالى: "والمخالف في ذلك أنواع؛ فأشدهم مخالفة من خالف في الجميع فقبل الشرك واعتقده ديناً، وأنكر التوحيد واعتقده باطلاً، كما هو حال الأكثر، وسببه الجهل بما دل عليه الكتاب والسنة من معرفة التوحيد وما ينافيه من الشرك والنديد واتباع الأهواء، وما عليه الآباء، كحال من قبلهم من أمثالهم من أعداء الرسل فرموا أهل التوحيد بالكذب والزور، والبهتان والفجور، وحجتهم (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ). وهذا النوع من الناس والذين بعده قد ناقضوا ما دلت عليه كلمة الإخلاص، وما وضعت له، وما تضمنته من الدين الذي لا يقبل الله ديناً سواه، وهو دين الإسلام الذي بعث الله به جميع أنبيائه ورسله وأنفقت دعوتهم عليه. كما لا يخفى فيما قص الله عنهم في كتابه.
    ثم قال رحمه الله تعالى: "ومن الناس من عبد الله وحده، ولم ينكر الشرك ولم يعاد أهله". قلت: ومن المعلوم أن من لم ينكر الشرك لم يعرف التوحيد ولم يأت به، وقد عرفت أن التوحيد لا يحصل إلا بنفي الشرك، والكفر بالطاغوت المذكور في الآية.
    ثم قال رحمه الله: "ومنهم من عاداهم ولم يكفرهم" فهذا النوع أيضاً لم يأت بما دلت عليه "لا إله إلا الله" من نفي الشرك وما تقتضيه من تكفير من فعله بعد البيان إجماعاً، وهو مضمون سورة الإخلاص و(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وقوله في آية الممتحنة (كَفَرْنَا بِكُمْ) ومن لم يكفر من كفره القرآن فقد خالف ما جاءت به الرسل من التوحيد وما يوجهه. ثم قال رحمه الله تعالى: "ومنهم من لم يحب التوحيد، يبغضه" فالجواب أن من لم يحب التوحيد لم يكن موحداً، لأنه هو الدين الذي رضيه الله لعباده كما قال تعالى: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) فلو رضي به الله تعالى وعمل به لأحبه، ولا بد من المحبة لعدم حصول الإسلام بدونها، فلا إسلام إلا بمحبة التوحيد، قال الشيخ أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى: الإخلاص محبة الله وإرادة وجهه، فمن أحب الله تعالى أحب دينه، ومن لا فلا، والمحبة يترتب عليها كلمة الإخلاص، وهي من شروط التوحيد.
    ثم قال رحمه الله تعالى: "ومنهم من لم يبغض الشرك ولم يحبه". قلت ومن كان كذلك فلم ينف ما نفته "لا إله إلا الله" من الشرك والكفر بما يعبد من دون الله والبراءة منه، فهذا ليس من الإسلام في شيء أصلاً، ولم يعصم دمه ولا ماله كما دل عليه الحديث المتقدم. وقوله رحمه الله تعالى: "ومنهم من لم يعرف الشرك ولم ينكره ولم ينفعه" ولا يكون موحداً إلا من نفى الشرك وتبرأ منه وممن فعله وكفرهم، والجهل بالشرك لا يحصل شيء مما دلت عليه "لا إله إلا الله"، ومن لم يقم بمعنى هذه الكلمة ومضمونها فليس من الإسلام في شيء لأنه لم يأت بهذه الكلمة ومضمونها عن علم ويقين وصدق وإخلاص ومحبة وقبول وانقياد، وهذا النوع ليس معه من ذلك شيء، وإن قال: "لا إله إلا الله" فهو لا يعرف ما دلت عليه وما تضمنته.
    ثم قال رحمه الله تعالى: "ومنهم من لم يعرف التوحيد ولم ينكره"، فأقول: هذا كالذي قبله، لم يرفعوا رأساً بما خلقوا له من الدين الذي بعث الله به رسله، وهذه الحال حال من قال الله فيهم: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً).
    وقوله رحمه الله تعالى: "ومنهم –وهو أشد الأنواع خطراً- من عمل بالتوحيد ولم يعرف قدره، ولم يبغض من تركه ولم يكفرهم". فقوله رحمه الله تعالى: "وهو أشد الأنواع خطراً" لأنه لم يعرف قدر ما عمل به، ولم يأت بما يصحح توحيده من القيود الثقال التي لا بد منها، لما علمت من أن التوحيد يقتضي نفي الشرك والبراءة منه معاداة أهله وتكفيرهم مع فيام الحجة عليهم، فهذا قد يغتر بحاله، وهو لم يأت بما عليه من الأمور التي دلت عليها كلمة الإخلاص نفياً وإثباتاً. وكذلك قوله رحمه الله تعالى: "ومنهم من ترك الشرك وكرهه ولم يعرف قدره" فهذا أقرب من الذي قبله، لكن لم يعرف قدر الشرك لأنه لو عرف قدره لفعل ما دلت عليه المحكمات، كقول الخليل: (إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي) وقوله: (إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً) فلا بد لمن عرف الشرك وتركه من أن يكون كذلك من الولاء، والبراءة نم العابد والمعبود، وبغض الشرك وأهله وعداوتهم. وهذان النوعان هما الغالب على أحوال كثير ممن يدعي الإسلام، فيقع منهم من الجهل بحقيقته ما يمنع الإتيان بكلمة الإخلاص، وما اقتضته على الكمال الواجب الذي يكون به موحداً. فما أكثر المغرورين الجاهلين بحقيقة الدين. فإذا عرفت (ذلك عرفت) أن الله كفر أهل الشرك ووصفهم به في الآيات المحكمات بقوله: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ)، وكذلك السنة.
    قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "فأهل التوحيد والسنة يصدقون الرسل فيما أخبروا، ويطيعونهم فيما أمروا، ويحفظون ما قالوا ويفهمونه ويعملون به، وينفون منه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ويجاهدون من خالفهم جهاداً إلى الله وطلباً للجزاء من الله لا منهم. وأهل الجهل والغلو لا يميزون بين ما أمروا به ونهوا عنه، ولا بين ما صح عنهم ولا ما كذب عليهم، ولا يفهمون حقيقة مرادهم، ولا يشعرون طاعتهم، بل هم جهال بما أنوا به معظمون لأغراضهم". قلت: ما ذكره شيخ الإسلام يشبه حال هذين النوعين الأخيرين. انتهى. وذكر ابن القيم في مختصر طبقات المكلفين ما يلي: "الطبقة السابعة عشرة، طبقة المقلدين وجهال الكفرة وأتباعهم الذين هم معهم تبعاً لهم يقولون إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون، وقد اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة كفار وإن كانوا جهالاً مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم وسوف يتبرأ المتبوعون ممن تبعهم على كفرهم يوم القيامة، وتنقطع صلتهم بهم ولا يغني عنهم تقليدهم شيء. قال الله تعالى: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ).[أصل دين الإسلام وقاعدته للشيخ الإمام العلامة عبد الرحمن بن حسن]http://majles.alukah.net/t155796/

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •