توضيحِ عبارةِ: «بخلاف العلم» مِنْ نصِّ الشارح فى امتاع الجليس شرح عقائد الإيمان لبن باديس
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: توضيحِ عبارةِ: «بخلاف العلم» مِنْ نصِّ الشارح فى امتاع الجليس شرح عقائد الإيمان لبن باديس

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    2,869

    افتراضي توضيحِ عبارةِ: «بخلاف العلم» مِنْ نصِّ الشارح فى امتاع الجليس شرح عقائد الإيمان لبن باديس

    توضيحِ عبارةِ: «بخلاف العلم» مِنْ نصِّ الشارح
    وتوجيهِ مسألةِ تجدُّدِ صفة العلم


    السؤال:
    قولُكم ـ في استدراككم على تجدُّد صفتَيِ السمع والبصر ما نصُّه: «وجديرٌ بالتنبيه: أنَّ ما تقرَّر ـ عند أهلِ السُّنَّة والجماعة ـ: أنَّ السمع والبصر يتعلَّق بالموجود ـ المسموعِ والمُبصَر ـ دون المعدوم، فالسمعُ والبصر مِنَ الصِّفات الذاتيَّة الفعليَّة قديمةِ النوع حادثةِ الآحاد، والتعلُّقُ ـ عندهم ـ أمرٌ وجوديٌّ ثبوتيٌّ يحصل عند وجود المسموعِ والمُبصَر، أي: يتجدَّد السمعُ والبصرُ عند حدوث المسموعات والمُبصَرات، بخلاف العلم فإنَّ الله يعلم الأشياءَ قبل وجودها وبعده، لتعلُّقه بجميع الواجبات والجائزات والمستحيلات ـ كما تقدَّم

    فقولُكم : «بخلاف العلم» إِنْ كان قصدُكم به أنَّ التجدُّدَ لا يكون في صفة العلم عند الحدوث، أي: بخلافِ صفتَيِ السمع والبصر فليس كذلك، فإنَّ الله جلَّ وعَلَا يقول: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين [آل عمران]، قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «{ولمَّا} إنما ينفي بها ما يُنتظَرُ ويكون حصولُه مُترقَّبًا»، وقال ابنُ عثيمين ـ رحمه الله ـ: «إنَّ عِلمَ الله عزَّ وجلَّ بعد وقوعه غيرُ عِلمه به قبل وقوعه، لأنَّ عِلمه به قبل وقوعه عِلمٌ بأنه سيقع، وعِلمَه به بعد وقوعه عِلمٌ بأنه واقعٌ» فعِلمُه قبل وقوعه عِلمٌ أوَّلٌ غيبيٌّ، وبعد وقوعه عِلمُ شهادةٍ حادثٌ، وقال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً [التوبة: ١٦]، قال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ: «هو تعالى العالم بما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون؟ فيعلم الشيءَ قبل كونه، ومع كونه، على ما هو عليه، لا إله إلَّا هو، ولا ربَّ سِوَاه، ولا رادَّ لِمَا قدَّره وأمضاه»)، وهذا مِنْ كمال حياته وقيُّوميَّته سبحانه.

    ـ وإِنْ كان قصدُكم بقولكم «بخلاف العلم» أنَّ التعلُّق ليس وجوديًّا ثبوتيًّا عند الحدوث فهنا لا بُدَّ مِنَ التفصيل والتفريق بين عِلم الله الأوَّل الغيبيِّ الذي وَسِع كُلَّ شيءٍ، وبين عِلمه بالأشياء عند حدوثها، والذي يترتَّب عليه الثوابُ والعقاب.
    أفيدونا ـ بارك الله فيكم ـ بجوابِ هذا الاعتراض.
    الجواب:
    الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
    فعبارةُ «بخلاف العلم» التي سُقْتُها أثناءَ الشرح لم أَعنِ بها ـ أصلًا ـ مسألةَ تجدُّدِ صفة العلم في النصِّ المذكور، وإنما عَنَيْتُ بها مسألةَ المعدوم في كِلَيْهما، فقَدْ بيَّنْتُ أنَّ السمع والبصر يتعلَّقان بالموجود المسموعِ والمُبصَر دون المعدوم، والتعلُّقُ ـ عندهم ـ أمرٌ وجوديٌّ ثبوتيٌّ غيرُ عدميٍّ، يحصل عند وجود المسموع أو المُبصَر، أي: يتجدَّد عند حدوث المسموعات والمُبصَرات، بخلاف العِلم فهو أعمُّ وأشملُ؛ إذ يتعلَّق ـ مِنْ حيث الأشياءُ ـ بالمُمكِنات والمعدومات والمُمتنِعات، كما يتعلَّق عِلمُه ـ مِنْ حيث الزمنُ ـ بالماضي والحاضر والمُستقبَل، ويتعلَّق عِلمُه ـ أيضًا ـ بفعله سبحانه وبفعلِ غيره، فوَسِع عِلمُه كُلَّ شيءٍ، وأحاط بكُلِّ شيءٍ عِلمًا، لقوله تعالى: يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا [سبأ: ٢؛ الحديد: ٤]، وقولِه تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وقولِه تعالى: وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا وقولِه تعالى:وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِى ظُلُمَٰتِ ٱلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَٰبٍ مُّبِينٍ ، وقولِه تعالى:وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ۚ ، وغيرها مِنَ الآيات الدالَّة على سَعَةِ عِلمِ الله تعالى المتعلِّقِ بالمُمكِنات والمعدومات والمستحيلات ـ كما تقدَّم ـ فهذا هو المقصودُ مِنْ عبارتي السابقة، ولم أتعرَّض بحالٍ إلى المعنيَيْن اللَّذَيْن ذَكَرهما المُعترِضُ، ولو أَنعمَ النظرَ في نصِّ الشارح ورَجَع إلى الصفحة المُحالِ عليها لَوجَد هذه الحقيقةَ مِنْ غيرِ قلبٍ أو تهويلٍ.

    أمَّا بالنسبة لتجدُّدِ صفة العلم، فإنَّ المعلوم ـ عند أهل السُّنَّة ـ أنَّ الصفاتِ الإلهيَّةَ منها ما هو أزليٌّ بإطلاقٍ كالحياة، وما هو أزليُّ الجنسِ مُتجدِّدُ الآحاد: كالعلم، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر؛ فعِلمُ الله تعالى ـ وإِنْ كان أزليًّا شاملًا للكُلِّيَّات والجزئيَّات في كُلِّ الأوقات ليس بمخلوقٍ ولا مُحدَثٍ ـ إلَّا أنه يتجدَّد بتجدُّد مُتعلَّقاته؛ إذ العِلمُ بالشيء موجودًا ليس هو العِلمَ به مقدَّرًا باتِّفاق العُقَلاء، ويدلُّ عليه قولُه تعالى: وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ وقولُه تعالى: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ }، وقولُه تعالى: لِنَعْلَمَ أَىُّ ٱلْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓاْ أَمَدًا [الكهف]، وقولُه تعالى: وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ [البقرة: ١٤٣]، فهذه الآياتُ وغيرُها مِنْ إثبات العِلم عند الحدوث، واللهُ موصوفٌ بالعلم أزلًا، فتعلُّقُ العِلمِ بالمعلوم بعد وجوده ـ أي: بعد ظهورِ أمرِ الإنسان وحالِه ـ ليس هو العِلمَ بالمعلوم مقدَّرًا، فالأوَّلُ يترتَّب عليه الجزاءُ: مِنْ إثابةٍ وعقابٍ ومدحٍ وذمٍّ، بينما الثاني ـ وهو العلم بالشيء مقدَّرًا ـ فبمُجرَّده لا يترتَّب عليه جزاءٌ إلَّا بعد وجودِ الفعل منه، وقد بيَّن ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ هذا المعنى عند تعرُّضه لآيةِ: وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ [البقرة: ١٤٣] وغيرها مِنَ الآيات بما نصُّه: «فهذا هو العِلمُ الذي يتعلَّق بالمعلوم بعد وجوده، وهو العِلمُ الذي يترتَّب عليه المدحُ والذمُّ والثوابُ والعقاب، والأوَّل هو العِلمُ بأنه سيكون، ومُجرَّدُ ذلك العِلمِ لا يترتَّب عليه مدحٌ ولا ذمٌّ ولا ثوابٌ ولا عقابٌ، فإنَّ هذا إنما يكون بعد وجود الأفعال، وقد رُوِي عن ابنِ عبَّاسٍ أنه قال في هذا: «لنرى»، وكذلك المفسِّرون قالوا: «لِنعلمَه موجودًا بعد أَنْ كُنَّا نعلم أنه سيكون»، وهذا المتجدِّد فيه قولان مشهوران للنُّظَّار: منهم مَنْ يقول: المتجدِّد هو نسبةٌ وإضافةٌ بين العلم والمعلوم فقط، وتلك نسبةٌ عدميَّةٌ، ومنهم مَنْ يقول: بل المتجدِّد عِلمٌ بكونِ الشيء ووجودِه، وهذا العلمُ غيرُ العلم بأنه سيكون، وهذا كما في قوله: : وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُون َ [التوبة: ١٠٥]، فقَدْ أخبرَ بتجدُّد الرؤية، فقِيلَ: نسبةٌ عدميةٌ، وقيل المتجدِّدُ أمرٌ ثبوتيٌّ، والكلامُ على القولين ومَنْ قال هذا وهذا وحُججِ الفريقين قد بُسِطَتْ في موضعٍ آخَرَ، وعامَّةُ السلف وأئمَّةِ السُّنَّةِ والحديثِ على أنَّ المتجدِّدَ أمرٌ ثبوتيٌّ كما دلَّ عليه النصُّ»(٥).

    هذا، وتجدر الإشارةُ إلى أنَّ القول بالعِلم بالمعلوم بعد وجوده لا يرجع ـ ألبتَّةَ ـ إلى نقصٍ في علم الله تعالى، ولا كان اللهُ تعالى في وقتٍ مِنَ الأوقات لا يعلم حتَّى أَحدثَ له علمًا فعَلِم، ولا أنه سبحانه يستفيد بالاختبار عِلمًا لم يكن يعلمه، فإنَّ هذا كُلَّه باطلٌ، وقد بيَّن فسادَه الشنقيطيُّ ـ رحمه الله ـ عند شرحِ آية البقرة السالفةِ الذِّكر: إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ [البقرة: ١٤٣]، حيث قال ـ رحمه الله ـ: «ظاهرُ هذه الآيةِ قد يتوهَّم منه الجاهلُ أنه تعالى يستفيد بالاختبار عِلمًا لم يكن يعلمه ـ سبحانه وتعالى عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا ـ بل هو تعالى عالمٌ بكُلِّ ما سيكون قبل أَنْ يكون، وقد بيَّن أنه لا يستفيد بالاختبار عِلمًا لم يكن يعلمه بقوله جلَّ وعلا: وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ [آل عمران]، فقوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ بعد قوله: وَلِيَبْتَلِىَ دليلٌ قاطعٌ على أنه لم يَستفِدْ بالاختبار شيئًا لم يكن عالمًا به ـ سبحانه وتعالى عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا ـ لأنَّ العليم بذاتِ الصدور غنيٌّ عن الاختبار، وفي هذه الآيةِ بيانٌ عظيمٌ لجميع الآيات التي يذكر اللهُ فيها اختبارَه لخَلْقه، ومعنَى قوله - إلا لنعلم ، أي: علمًا يترتَّب عليه الثوابُ والعقاب، فلا يُنافي أنه كان عالمًا به قبل ذلك، وفائدةُ الاختبار: ظهورُ الأمر للناس، أمَّا عالمُ السرِّ والنجوى فهو عالمٌ بكُلِّ ما سيكون كما لا يخفى»[ المصدر -الموقع الرسمى للشيخ فركوس]

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    2,869

    افتراضي رد: توضيحِ عبارةِ: «بخلاف العلم» مِنْ نصِّ الشارح فى امتاع الجليس شرح عقائد الإيمان لبن باديس

    قال شيخ الاسلام بن تيمية فى رده على الناظم-فصل وقوله :
    أو كان فاللازم من كونه حدوثه والقول مهجور
    كأنه يريد - والله أعلم - أو كان الله مقدرا لها عالما بها فيلزم من كونه عالما بها مقدرا لها بعد أن تكون حدوث العلم بها بعد أن كانت ويلزم أن لا يكون الرب عالما بأفعال العباد ولا مقدرا لها حتى فعلت - وهذا القول مهجور باطل مما اتفق على بطلانه سلف الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر علماء المسلمين - بل كفروا من قاله والكتاب والسنة مع الأدلة العقلية تبين فساده .

    فإن الله قد أخبر عما يكون من أفعال العباد قبل أن تكون بل أعلم بذلك من شاء من ملائكته وغير ملائكته قال تعالى : { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون } فالملائكة حكموا بأن الآدميين يفسدون ويسفكون الدماء قبل أن يخلق الإنس ولا علم لهم إلا ما علمهم الله ; كما قالوا : { لا علم لنا إلا ما علمتنا } ثم قال : { إني أعلم ما لا تعلمون } وتضمن هذا ما يكون فيما بعد من آدم وإبليس وذريتهما وما يترتب على ذلك .

    ودلت هذه الآية على أنه يعلم أن آدم يخرج من الجنة فإنه لولا خروجه من الجنة لم يصر خليفة في الأرض فإنه أمره أن يسكن الجنة ولا يأكل من الشجرة بقوله : { وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين } وقال تعالى : { فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } { إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى } { وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى } نهاه أن يخرجه من الجنة وهو نهي عن طاعة إبليس التي هي سبب الخروج وقد علم قبل ذلك أنه يخرج من الجنة وأنه إنما يخرج منها بسبب طاعته إبليس وأكله من الشجرة ; لأنه قال قبل ذلك : { إني جاعل في الأرض خليفة } .

    ولهذا قال من قال من السلف : إنه قدر خروجه من الجنة قبل أن يأمره بدخولها بقوله : { إني جاعل في الأرض خليفة } وقال بعد هذا : { وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } وقال [ ص: 493 ] تعالى : { قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } { قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون } وهذا خبر عما سيكون من عداوة بعضهم بعضا وغير ذلك .

    وقال تعالى : { إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون } { ولو جاءتهم كل آية } وقال : { إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } وهذا خبر عن المستقبل وأنهم لا يؤمنون . وقال تعالى : { لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } وقال : { ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } وهذا قسم منه على ذلك وهو الصادق البار في قسمه وصدقه مستلزم لعلمه بما أقسم عليه ; وهو دليل على أنه قادر على ذلك .

    وقد يستدل به على أنه خالق أفعال العباد ; إذ لو كانت أفعالهم غير مقدورة له لم يمكنه أن يملأ جهنم بل كان ذلك إليهم إن شاءوا عصوه فملأها ; وإن شاءوا أطاعوه فلم يملأها . لكن قد يقال : إنه علم أنهم يعصونه فأقسم على جزائهم على ذلك وقد يجاب عن ذلك بأن علمه بالمستقبل قبل أن يكون مستلزم لخلقه له فإنه سبحانه لا يستفيد العلم من غيره كالملائكة والبشر ولكن علمه من لوازم نفسه ; فلو كانت أفعاله خارجة عن مقدوره ومراده لم يجب أن يعلمها كما يعلم مخلوقاته وبسط هذا له موضع آخر . [ ص: 494 ]

    وقال تعالى عن المنافقين : { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة } وهذا خبر عما سيكون منهم من الذنوب قبل أن يفعلوها . وقال تعالى : { قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون } وهذا خبر عن دعاء من يدعوهم إلى جهاد هؤلاء ; ودعاؤه لهم من جملة أفعال العباد ومثل هذا في القرآن كثير . بل العلم بالمستقبل من أفعال العباد يحصل لآحاد المخلوقين من الملائكة والأنبياء وغيرهم ; فكيف لا يكون حاصلا لرب العالمين وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عما سيكون من الأفعال المستقبلة من أمته وغير أمته مما يطول ذكره كإخباره بأن ابنه الحسن يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ; وإخباره بأنه تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق وإخباره بأن قوما يرتدون بعده على أعقابهم ; وإخباره بأن خلافة النبوة تكون ثلاثين سنة ثم تصير ملكا ; وإخباره بأن الجبل ليس عليه إلا نبي وصديق وشهيد ; وكان أكثرهم شهداء وإخباره يوم بدر بقتل صناديد قريش قبل أن يقتلوا وإخباره بخروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام على المنارة البيضاء شرقي دمشق وقتل عيسى عليه السلام له على باب لد .

    وإخباره بخروج يأجوج ومأجوج ; وإخباره بخروج الخوارج الذين قال فيهم : { يخرج من ضئضئ هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه [ ص: 495 ] مع صيامهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية آيتهم أن فيهم رجلا مخدج اليد على يده مثل البضعة من اللحم تدردر } وكان الأمر كما أخبر به لما قاتلهم علي بن أبي طالب بالنهروان ووجد هذا الشخص كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم

    . وإخباره بقتال الترك وصفتهم حيث قال : { لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك صغار الأعين حمر الخدود دلف الأنف ينتعلون الشعر كأن وجوههم المجان المطرقة } وقد قاتل المسلمون هؤلاء الترك وغيرهم لما ظهروا ومثل هذا من أخبار نبيه صلى الله عليه وسلم أكثر من أن تذكر وهو إنما يعلم ما علمه الله وإذا كان هو يعلم كثيرا مما يكون من أعمال العباد فكيف الذي خلقه وعلمه ما لم يكن يعلم .

    وهو سبحانه لا يحيط أحد من علمه إلا بما شاء ولا يعلم أحد - لا نبي ولا غيره - إلا ما علمه الله وقال الخضر لموسى : إنني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه ولما نقر العصفور في البحر قال له : ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر وهو سبحانه القائل في حق موسى : { وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء }

    . والمقصود أن نفي علم الله بالحوادث أفعال العباد وغيرها قبل أن تكون باطل وغلاة القدرية ينفون ذلك . [ ص: 496 ] وأما قوله تعالى { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } . وقوله : { لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا } ونحو ذلك فهذا هو العلم الذي يتعلق بالمعلوم بعد وجوده ، وهو العلم الذي يترتب عليه المدح والذم والثواب والعقاب والأول هو العلم بأنه سيكون ومجرد ذلك العلم لا يترتب عليه مدح ولا ذم ولا ثواب ولا عقاب فإن هذا إنما يكون بعد وجود الأفعال .

    وقد روي عن ابن عباس أنه قال في هذا : لنرى . وكذلك المفسرون قالوا : لنعلمه موجودا بعد أن كنا نعلم أنه سيكون وهذا المتجدد فيه قولان مشهوران للنظار : منهم من يقول : المتجدد هو نسبة وإضافة بين العلم والمعلوم فقط وتلك نسبة عدمية . ومنهم من يقول : بل المتجدد علم بكون الشيء ووجوده وهذا العلم غير العلم بأنه سيكون وهذا كما في قوله : { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } فقد أخبر بتجدد الرؤية فقيل نسبة عدمية وقيل المتجدد أمر ثبوتي .

    والكلام على القولين ومن قال هذا وهذا وحجج الفريقين قد بسطت في موضع آخر . وعامة السلف وأئمة السنة والحديث على أن المتجدد أمر ثبوتي كما دل عليه النص وهذا مما هجر أحمد بن حنبل الحارث المحاسبي على نفيه فإنه كان يقول [ ص: 497 ] بقول ابن كلاب فر من تجدد أمر ثبوتي وقال بلوازم ذلك ، فخالف من نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف ما أوجب ظهور بدعة اقتضت أن يهجره الإمام أحمد ويحذر منه . وقد قيل : إن الحارث رجع عن ذلك .

    والمتأخرون من أصحاب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة على قولين : منهم من سلك طريقة ابن كلاب وأتباعه ومنهم من سلك طريقة أئمة السنة والحديث ; وهذا مبسوط في موضعه . والمقصود هنا : أن تقدم علم الله وكتابته لأعمال العباد حق والقول بحدوث ذلك قول مهجور كما قاله الناظم إن كان قد أراد ذلك وليس في ذلك ما ينافي أمر الله ونهيه فإن كونه خالقا لأفعال العباد لا ينافي الأمر والنهي . فكيف العلم المتقدم وليس في ذلك ما يقتضي كون العبد مجبورا لا قدرة له ولا فعل كما تقوله الجهمية المجبرة . https://www.islamweb.net

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    2,869

    افتراضي رد: توضيحِ عبارةِ: «بخلاف العلم» مِنْ نصِّ الشارح فى امتاع الجليس شرح عقائد الإيمان لبن باديس

    يقول شيخ الاسلام فى درء التعارض -إن كانت الأشياء كلها في علم الله تعالى قبل أن تكون فهل هي في علمه في حال كونها كما كانت عليه قبل أن توجد ؟
    فإن قلنا : إنها في علم الله تعالى في حال وجودها على غير ما كانت عليه في علمه قبل أن توجد لزم أن يكون العلم القديم متغيرا وأن تكون إذا خرجت من العدم إلى الوجود فقد حدث هناك علم زائد وذلك مستحيل على العلم القديم
    وإن قلنا : إن العلم القديم فيها واحد في الحالين
    قيل : فهل هي في نفسها - أعني الموجودات الحادثة قبل أن توجد - كما هي حين وجدت ؟ فيجب أن يقال : ليست في نفسها قبل أن توجد كما هي حين وجدت وإلا كان المعدوم والموجود واحدا
    فإذا سلم الخصم هذا قيل له : أفليس العلم الحقيقي هو معرفة الوجود على ما هو عليه ؟
    فإذا قال : نعم
    قيل : فيجب على هذا إذا اختلف الشيء في نفسه أن يكون العلم به يختلف وإلا فقد علم على غير ما هو عليه - فإذا يجب أحد الأمرين : إما أن يختلف العلم القديم في نفسه أو تكون الحودث غير معلومة -وكلا الأمرين مستحيل عليه سبحانه
    ويؤكد هذا الشك ما يظهر من حال الإنسان أعني من تعلق علمه بالأشياء المعدومة على تقدير الوجود وتعلق علمه بها إذا وجدت فإنه من البين بنفسه أن العلمين يتغايران وإلا كان جاهلا بوجودهما في الوقت الذي وجدت فيه وليس ينجي من هذا ما جرت به عادة المتكلمين في الجواب عن هذا بأنه سبحانه يعلم الأشياء قبل كونها على ما تكون عليه في كونها من زمان ومكان وغير ذلك من الصفة المختصة به بوجود موجود
    فإنه يقال لهم : إذا وجدت فهل حدث هنالك تغير أو لم يحدث وهو خروج الشيء من العدم إلى الوجود ؟
    فإن قالوا : لم يحدث فقد كابروا
    وإن قالوا : حدث هنالك تغير
    قيل لهم :فهل حدوث هذا التغير معلوم للقديم أم لا ؟فيلزم الشك المتقدم
    وبالجملة فيعسر أن ستصور أن العلم بالشيء قبل أن يوجد وأن العلم به بعد أن وجد علم واحد بعينه فهذا هو تقرير هذا الشك
    قال : وقد رام الإمام أبو حامد الغزالي حل هذا الشك في كتابه الموسوم بـ تهافت الفلاسفة بشيء ليس فيه منتفع وذلك أنه قال قولا معناه هذا وهو أنه زعم أن العلم والمعلوم من المضاف وكما أنه قد يتغير أحد المتضايفين ولا يتغير هذا الآخر في نفسه كذلك يشبه أن يعرض للأشياء في علم الله سبحانه وتعالى أعني أن تتغير في أنفسها ولا يتغير علمه سبحانه وتعالى بها
    ومثال ذلك في المضاف : أنه قد تكون الاسطوانة الواحدة يمنة زيد ثم تعود يسرته وزيد بعد لم يتغير في نفسه
    قال :وليس هذا بصادق فإن الإضافة قد تغيرت في نفسها وذلك أن الإضافة التي كانت يمنة قد عادت يسرة وإنما الذي لم يتغير موضع الإضافة أعني الحامل لها الذي هو زيد
    وإن كان كذلك وكان العلم هو نفس إضافة فقد يجب أن يتغير عند تغير المعلوم كما تتغير الإضافة : إضافته الاسطوانة إلى زيد عند تغيرها في نفسها وذلك أنها عادت يسرة بعد أن كانت يمنة
    قال : والذي ينحل به هذا الشك عندنا هو أن يعرف أن الحال في العلم القديم مع الموجود بخلاف الحال في العلم المحدث مع الموجود وذلك أو وجد الموجود هو علة وسبب لعلمنا والعلم القديم هو علة وسبب للموجود فلو كان إذا وجد الموجود بعد أن لم يوجد فقد حدث في العلم القديم علم زائد كما يحدث ذلك في العلم المحدث للزم أن يكون العلم القديم معلولا للموجود لا علة له فإذا وجب أن لا يحدث هنالك تغير كما يحدث في العلم المحدث
    وأنما أتى هذا الغلط من قياس العلم القديم على العلم المحدث وهو قياس الغائب على الشاهد وقد عرف فساد هذا القياس
    وكما لا يحدث في الفاعل تغير عند وجود مفعول له أعني تغيرا لم يكن قبل ذلك كذلك لا يحدث في العلم القديم تغير عند حدوث مفعوله عنه

    فإذا قد انحل هذا الشك ولم يلزمنا أنه إذا لم يحدث هنالك تغير أعني في العلم القديم فليس يعلم الموجود في حين حدوثه على ما هو عليه وإنما لزم أنه لا يعلمه بعلم محدث بل لا يعلمه إلا بعلم قديم كما ظن أنه لازم من ذلك القول لأن حدوث التغير في العلم عندنا بتغير الموجود إنما هو شرط في العلم المعلول عن الموجود وهو العلم المحدث
    فإذا العلم القديم إنما يتعلق بالموجود على صفة غير الصفة التي يتعلق بها العلم المحدث لا أنه غير متعلق أصلا كما حكى عن الفلاسفة أنهم لموضع هذا الشك قالوا : إنه لا يعلم الجزئيات
    ولي الأمر كما توهم عليهم بل يرون أنه لا يعلم الجزئيات بالعلم المحدث الذي من شرطه الحدوث بحدوثها ويعلمها بالعلم القديم الذي ليس من شرطه الحدوث بحدوثها إذا كان علة لها لا معلولا عنها كالحال في العلم المحدث
    وهذا هو غاية التنزيه الذي يجب أن يعترف به -
    فإنه إذا قد اضطر البرهان إلى أنه عالم بالأشياء من جهة أن صدورها عنه إنما هو من جهة أنه عالم لا من جهة أنه موجود فقط أو موجود بصفة كذا بل من جهة أنه عالم كما قال تعالى : { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } [ الملك : 14 ]
    وقد اضطر البرهان إلى أنه غير عالم بها بعلم هو على صفة العلم بالمحدث فواجب أن يكون هناك بالموجودات علم آخر لا يكيف وهو العلم القديم
    قال :وكيف يمكن أن يتصور أن المشائين من الحكماء يرون أن العلم القديم لا يحيط بالجزئيات وهم يرون أنه سبب الإنذار في المنامات والوحي وغير ذلك من أنواع الإلهامات
    قال : فهذا ما ظهر لنا في وجه هذا الشك وهو أمر لا مرية فيه ولا شك
    قلت : لقائل أن يقول : ليس فيما ذكره جواب - وذلك أن تفريقه بين العلم القديم والعلم المحدث بأن ذلك سبب للوجود وهذا سبب عنه - هو قول تقوله طائفة من الفلسفة وقد عارضهم طائفة من المتكلمين فزعموا أن ليس في العلم ما هو سبب لوجود الموجود بل العلم يطابق المعلوم على ما هو عليه فلا يكسبه صفة ولا يكتسب عنه صفة
    وأولئك يقولون : علمه فعل وهؤلاء يمنعون ذلك



    والتحقيق أن كلا من العلمين :علم الخالق وعلم المخلوق - ينقسم إلى ما يكون له تأثير في وجود معلومه وإلى ما لا يكون كذلك فما لا يكون كذلك علم الله بنفسه سبحانه فإن هذا العلم ليس سببا لهذا الموجود - فلا يجوز إطلاق القول بأن ذلك العلم سبب للوجود مطلقا
    وكذلك علمنا بمخلوقات الله التي لا أثر لنا فيها كالسماوات
    وأما الثاني - فعلم الله بمخلوقاته فإن خلق المخلوقات مشروط بالعلم بها كما قال : { ألا يعلم من خلق } [ الملك : 14 ]فالعلم بها شرط في وجودها - لكن ليس هو وحده العلة في وجودها - بل لا بد من القدرة والمشيئة
    ومن هنا ضل هؤلاء المتفلسفة
    فجعلوا مجرد العلم بنظام المخلوقات موجبا لوجوده - ولم يجعلوا للقدرة والمشيئة أثرا - مع أن تأثير القدرة والمشيئة في ذلك أظهر من تأثير العلم مع أنهم متناقضون في ذلك فإنهم قد يثبتون العناية والمشيئة تارة وينفوها تارة
    وعلم العبد بما يريد فعله من أفعاله هو أيضا شرط في وجود المعلوم فهذا العلم بهذا المحدث شرط في حصوله والمعلوم تابع للعلم المحدث هنا فليس وجود كل معلوم لنا هو علة وسببا لعلمنا مطلقا -
    بل يفرق في ذلك بين العلم النظري والعلم العملي فبطل هذا الفرق
    ثم يقال أيضا : لا ريب أن الفاعل إذا أراد أن يفعل أمرا فعلم ما يريد أن يفعل لم يكن هذا هو العلم بأن سيكون فإنه ليس كل من تصور ما يريد أن يفعل يعلم أن سيكون ما يريده - بل الواحد منا - يتصور أشياء يريدها ولا يعلم أنها تكون بل لا تكون ثم إذا علم العالم أن الشيء سيكون ثم كان علم أنه قد كان
    فهنا في حقنا ثلاثة علوم وهو إنما - ذكر في حق الله العلم المشروط في الفعل وهو الذي لا يكون المريد مريدا حتى يحصل ذلك فإن الإرادة مشروطة بتصور المراد
    أما العلم بأن سيكون المراد فهذا لا يثبت بمجرد ما ذكره فإن هذا علم خبري وذاك علم طلبي ثم إذا ثبت هذا العلم جاء الشك وهو أنه هل يكون هذا العلم هو نفس العلم بوقوعه إذا وقع أم لا ؟
    والمتكلمون تكلموا في هذين العلمين وأرادوا جعل أحدهما هو الآخر فكانوا أقرب إلى الصواب ممن جعل العلم بما يريده هو العلم بأن سيكون المراد وذلك هو العلم بأن قد كان
    فتبين أن طريقة المتكلمين أقل إشكالا وأقرب إلى الصواب
    وأيضا فيقال له : العالم بما يريد أن يفعل إذا فعله علم أنه سيكون ثم علم أن قد كان لم يخرج بذلك عن أن يكون العلم القديم شرطا في وجود المعلوم وهو من تمام علة وجوده إذا كانت نفسه مستلزمة لعلمه بالموجود بشرط فعله لها كما في سمعه وبصره لم يكن شيء من أحواله معلولا لغيره
    فقوله : يلزم أن يكون العلم القديم معلولا للوجود لا علة له - ليس بلازم
    وأما ما ذكره من نفي التغير - فهو قد طعن في دليل المتكلمين على نفيه ولم يذكر هو دليلا على نفيه - فبقي نفيه له بلا حجة أصلا - إلا قوله : يلزم أن يكون العلم القديم معلولا للوجود لا علة له وليس هذا بصحيح فإنه بتقدير تجدد علم ثان لا يخرج العلم الذي به كان الفاعل فاعلا عن أن يكون علة
    وأيضا فعلم الله لازم لذاته وهو الذي فعل الموجودات فإذا قيل إن ذاته أوجبت له هذا العلم بشرط فعله ما فعل - لم يكن ذلك موجبا لافتقاره في العلم إلى غيره
    وقوله : إنما أتى هذا من قياس الغائب على الشاهد
    فيقال :جميع ما تذكره أنت وأصحابك والمتكلمون في هذا الباب - لا بد فيه من مقدمة كلية تتناول الغائب والشاهد - ولولا ما يوجد في الشاهد من ذلك لما تصور من الغائب شيء أصلا فضلا عن معرفة حكمه فإن أبطلت هذا - بطل جميع كلامكم
    وأما قوله : كما لا يحدث في الفاعل تغير عند وجود مفعول له كذلك في العلم عند حدوث مفعوله
    فيقال له : أنت قد أبطلت دليل المتكلمين على هذا الأصل الذي قاسوا عليه ولم تذكر لك عليه دليلا فإن أولئك بنوه على أن ما لا يسبق الحوادث حادث وهذا ثبت بطلانه فيجوز عندك أن تقوم الحوادث بالقديم وإذا كان كذلك لم يمتنع عندك أن يتجدد للفاعل القديم عند فعله حال من الأحوال بل أنت قد بينت في غير موضع أنه لا يعقل صدور الحوادث عن المحدث بدون هذا
    وأما قوله : لا يلزمنا إذا لم يحدث هناك تغير أن لا يعلم الموجود في حين حدوثه على ما هو عليه
    فيقال :هذا لك ألزم منه للمتكلمين - لأنك ألزمتهم أن العلم بأن ما سيكون قد كان - ومعلوم أن العلم بما نريد أن نفعل ليس هو العلم بأن سيكون ولا بأن قد كان
    فإن نفيت علمه بأن ستكون الموجودات قبل وجودها وعلمه بأن قد كانت بعد وجودها -
    كان هذا أعظم عليك - وإن جعلت ذلك هو نفس علمه بما يريد فعله -كان جعلهم العلم بالشيء قبل كونه واحدا أقرب إلى العقل
    وأما قوله :حدوث التغير في العلم عندما يتغير الموجود هو شرط في العلم المعلول عن الموجود وهو المحدث
    فيقال له : هذا ضعيف لوجهين :
    أحدهما : أن ما ذكرته من الدليل لا يفرق
    الثاني : أنه يلزم علم العبد بما يريد أن يفعله فإنه متقدم على المعلوم به الموجود وهو متغير فليس هو معلولا عن الموجود فتبين أن كونه سببا في الوجود أو تابعا له - لا يمنع ما ذكر من التغير
    وعلم الرب تبارك وتعالى - لا يجوز أن يكون مستفادا من شيء من الموجودات فإن علمه من لوازم ذاته فعلم العبد يفتقر إلى سبب يحدثه وإلى المعلوم الذي هو الرب تعالى أو بعض مخلوقاته وعلم الرب لازم له من جهة أن نفسه مستلزمة للعلم والمعلوم : إما نفسه المقدسة - وإما معلوماته التي علمها قبل خلقها
    وهذه المسألة : مسألة تعلق صفاته بالمخلوقات بعد وجودها تعلق العلم والسمع والبصر ونحو ذلك هي مسألة كبيرة
    والناس
    متفقون على تجدد نسب وإضافات لا تقوم بذات الرب وتنازعوا فيما يقوم بذات الرب وهذا كما تنازعوا في الاستواء ونحوه : هل هو مفعول للرب يحدثه في المخلوقات من غير قيام أمر به ؟ أم يقوم به أمر ؟ على القولين
    فالكلابية والمعتزلة - ينفون أن يقوم بالرب شيء من ذلك - وأكثر أهل الحديث وكثير من أهل الكلام - يجوزون ذلك - وأما النسب والإضافات فتتجدد باتفاقهمو ابن عقيل يسمي هذه النسب والإضافات الأحوال - ولعله سماها بذلك كما يسمى غيره كونه عالما وقادرا حالا معللة بالعلم والقدرة كما هي طريقة القاضي أبي بكر ومن وافقه كالقاضي أبي يعلى و ابن عقيل وغيرهما
    وهؤلاء يقولون - تبعا لأبي هاشم - إن الحال لا موجودة ولا معدومة وكذلك هذه النسب والإضافات على قولهم أو أن يكون ابن عقيل شبه ذلك بالأحوال التي يثبتها أبو هاشم ويجعلها لا موجودة ولا معدومة كذلك هذه النسب والإضافات
    ولأهل الحديث والتفسير والكلام وغيرهم من الكلام في هذه المسألة ما هو معروف ولهذا صار طائفة من أهل الكلام كهشام بن الحكم والجهم وأبي الحسين البصري والرازي وغيرهم - إلى إثبات أمور متجددة
    والكلام على هذا متعلق بما ذكره الله في القرآن في غير موضع كقوله
    : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } [ البقرة : 143 ]
    وقوله تعالى : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين } [ آل عمران : 142 ]
    وقوله : { وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء } [ آل عمران : 140 ]
    وقوله : { أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم } [ آل عمران : 165 ] إلى قوله : { فبإذن الله وليعلم المؤمنين * وليعلم الذين نافقوا } [ آل عمران : 165 - 166 ] الآية
    وقوله : { ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا } [ الكهف : 12 ]
    وقوله : { ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } إلى قوله : { وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين } [ العنكبوت : 3 - 11 ]

    وغير ذلك في كتاب الله -هذا مع اتفاق سلف الأمة وأئمتها على أن الله عالم بما سيكون قبل أن يكون
    وقد نص الأئمة على أن من أنكر العلم القديم فهو كافر ومن هؤلاء - غلاة القدرية - الذين ينكرون علمه بأفعال العباد قبل أن يعملوها والقائلون بالبداء من الرافضة ونحوهم
    وإنما المسألة الدقيقة أنه عند وجود المسموع والمرئي و المعلوم إذا سمعه ورآه علمه موجودا فهل هذا عين ما كان موجودا قبل وجود ذلك ؟ أو هناك معنى زائد ؟[درء التعارض]

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    2,869

    افتراضي رد: توضيحِ عبارةِ: «بخلاف العلم» مِنْ نصِّ الشارح فى امتاع الجليس شرح عقائد الإيمان لبن باديس

    وقال شيخ الاسلام

    اما التغير فقالوا العلم بالمتغيرات يستلزم ان يكون علمه بأن الشيء سيكون غير علمه بأن قد كان فيلزم ان يكون محلا للحوادث وهم ليس عندهم على نفي هذه اللوازم حجة اصلا لا بينة ولا شبهة وانما نفوه لنفيهم الصفات لا لامر يختص بذلك بخلاف من نفي ذلك من الكلابية ونحوهم فانهم لما اعتقدوا ان القديم لا تقوم به الحوادث قالوا لانها لو قامت به لم يخل منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث وقد بين اتباعهم كالرازي والامدي وغيرهم فساد المقدمة الاولى التي يخالفهم فيها جمهور العقلاء ويقولون بل القابل للشيء قد يخلو عنه وعن ضده اما المقدمة الثانية فهي حجة المتكلمين الجهمية والقدرية ومن وافقهم من اهل الكلام على اثبات حدوث الاجسام باستلزامها للحوادث وقالوا ما لا يخلو عن الحوادث او ما لا يسبقها فهو حادث لبطلان حوادث لا اول لها وهو التسلسل في الاثار


    وعامة من يستشكل الايات الواردة في هذا المعنى كقوله الا لنعلم حتى نعلم يتوهم ان هذا ينفي علمه السابق بأن سيكون وهذا جهل فان القران قد اخبر بأنه يعلم ما سيكون في غير موضع بل ابلغ من ذلك انه قدر مقادير الخلائق كلها وكتب ذلك قبل ان يخلقها فقد علم ما سيخلقه علما مفصلا وكتب ذلك واخبر بما اخبر به من ذلك قبل ان يكون وقد اخبر بعلمه المتقدم على وجوده ثم لما خلقه علمه كائنا مع علمه الذي تقدم انه سيكون فهذا هو الكمال وبذلك جاء القران في غير موضع بل وباثبات رؤية الرب له بعد وجوده كما قال تعالى وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون التوبة فأخبر انه سيرى اعمالهم
    وقد دل الكتاب والسنة واتفاق سلف الامة ودلائل العقل على انه سميع بصير والسمع والبصر لا يتعلق بالمعدوم فاذا خلق الاشياء راها سبحانه واذا دعاه عباده سمع دعاءهم وسمع نجواهم نبيه
    كما قال تعالى قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي الى الله واللهيسمع تحاور كما - أي تشتكي اليه وهو يسمع التحاور والتحاور تراجع الكلام بينها وبين الرسول قالت عائشة سبحان الذي وسع سمعه الاصوات لقد كانت المجادلة تشتكي الى النبي ص - في جانب البيت وانه ليخفي على بعض كلامها فأنزل الله قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي الى الله والله يسمع تحاوركما وكما قال تعالى لموسى وهارون لا تخافا انني معكما اسمع وارى - وقال ام يحسبون انا لا نسمع سرهم ونجويهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون- وقد ذكر الله علمه بما سيكون بعد ان يكون في بضعة عشر موضعا في القران مع اخباره في مواضع اكثر من ذلك انه يعلم ما يكون قبل ان يكون - وقد اخبر في القران من المستقبلات التي لم تكن بعد بما شاء الله بل اخبر بذلك نبيه وغير نبيه ولا يحيطون بشيء من علمه الا بما شاء بل هو سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لو كان كيف كان يكون - كقوله ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه - بل وقد يعلم بعض عباده بما شاء ان يعلمه من هذا وهذا وهذا ولا يحيطون بشيء من علمه الا بما شاء
    قال تعالى وما جعلنا القبلة التي كنت عليها الا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه [البقرة ] - وقال ام حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم ويعلم الصبرين - ال عمران - وقوله وتلك الايام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين امنوا ويتخذ منكم شهداء - ال عمران - وقوله ومآ اصابكم يوم التقي الجمعن فباذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا [ال عمران ] وقوله ام حسبتم ان تتركوا ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة - التوبة - وقوله ثم بعثنهم لنعلم أي الحز بين احصى لما لبثوا امدا [الكهف ]وقوله ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكذبين الى قوله وليعلمن الله الذين امنوا وليعلمن المنافقين[ العنكبوت] وقوله ولنبلونكم حتى نعلم المجهدين منكم والصبرين ونبلو اخباركم- محمد -وغير ذلك من المواضع
    روى عن ابن عباس في قوله الا لنعلم أي لنرى وروي لنميز وهكذا قال عامة المفسرين الا لنرى ونميز وكذلك قال جماعة من اهل العلم قالوا لنعلمه موجودا واقعا بعد ان كان قد علم انه سيكون - ولفظ بعضهم قال - العلم على - منزلتين - علم بالشيء قبل وجوده وعلم به بعد وجوده والحكم للعلم به بعد وجوده لانه يوجب الثواب والعقاب قال فمعنى قوله لنعلم أي لنعلم العلم الذي يستحق به العامل الثواب والعقاب - ولا ريب انه كان عالما سبحانه بأنه سيكون لكن لم يكن المعلوم قد وجد- وهذا كقوله - قل اتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الارض - يونس - أي بما لم يوجد فانه لو وجد لعلمه فعلمه بأنه موجود ووجوده متلازمان يلزم من ثبوت احدهما ثبوت الآخر ومن انتفائه انتفاوه[الرد على المنطقين]

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •