من دروس الحج

مجلة الجندي المسلم




الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كل شيء فقدره تقديراً. والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، وقائد الغر المحجلين. وبعد:
فإن الحج من المدارس الإيمانية العظيمة التي جاء بها هذا الدين العظيم، فيها الدروس المهمة، والفوائد الجليلة، في جميع أبواب الدين.. في العقائد، والعبادات، والسلوك، والأخلاق. والناس متفاوتون في تحصيلها بين مقل ومستكثر، والموفق من وفقه الله - تعالى -.
والحج قبل ذلك من أفضل الطاعات، وأجل القربات؛ بل هو أحد دعائم هذا الدين الخمس التي بينها النبي بقوله في الحديث الصحيح: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت"(1).
وثبت عنه في أحاديث كثيرة ترغيب أمته في الحج، وبيان ما يغنمونه فيه من أجور عظيمة، وثواب جزيل، وتكفير للسيئات والذنوب.
روى مسلم في صحيحه أن النبي قال لعمرو بن العاص عند إسلامه: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله"(2).
وروى الشيخان من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : "من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه"(3).
وقد حج النبي بالناس في السنة العاشرة من الهجرة تلك الحجة التي بين فيها لأمته كيفية أداء هذه الفريضة العظيمة، وحث على تلقي كل ما يصدر منه عن أعمال وأقوال. فقال : "خذوا عني مناسككم فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا"(4).
وكان مما بيّنه - عليه الصلاة والسلام - في تلك الحجة - وهو من الدروس العظيمة التي يفيدها الحاج من حجه لبيت الله الحرام - أهمية التوسط والاعتدال في الأمور كلها، وترك الغلو أو الإفراط والتفريط، قال جل جلاله في شأن هذه الأمة الكريمة: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا(143) البقرة: 143.
أي: عدلاً خياراً لا يميلون عن الحق، لا إلى غلو ولا إلى جفاء؛ بل يتوسطون ويعتدلون. روى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: "قال لي رسول الله غداة العقبة وهو على ناقته: "القط لي حصى" فلقطت له سبع حصيات من حصى الخذف فجعل ينفضهن في كفه، ويقول: "أمثال هؤلاء فارموا"، ثم قال: "أيها الناس، إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين"(5).
وقوله : "إياكم والغلو" عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، والمسلم منهي عن الغلو في كل أحواله، وفي جميع شؤونه، مأمور بالتأسي برسوله ، واتباع سنته في ما يأتي ويذر.
إن الشيطان يحرص أشد الحرص ليصرف عبد الله المؤمن عن صراط الله المستقيم، إما إلى غلو أو إلى جفاء، ولا يبالي بأي الأمرين ظفر.
كما قال بعض السلف: "ما أمر الله - تعالى - بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وتقصير، وإما إلى مجاوزة وغلو، ولا يبالي بأيهما ظفر".
قال ابن القيم - رحمه الله -: "ومن كيده - أي الشيطان أعاذنا الله والمسلمين منه - أنه يشامُ النفس حتى يعلم أي القوتين تغلب عليها: قوة الإقدام والشجاعة، أم الانكفاف والإحجام والمهانة".
فإن رأى الغالب على النفس المهانة والاحجام أخذ في تثبيطه، وإضعاف همته، وإرادته عن المأمور به، وثقّله عليه، فهون عليه تركه جملة أو يقصر فيه ويتهاون. وإن رأى الغالب عليه قوة الإقدام وعلو الهمة أخذ يقلل عنده المأمور، ويوهمه أنه لا يكفيه، وأنه محتاج معه إلى مبالغة وزيادة، فيقصر بالأول ويتجاوز بالثاني. إلى أن قال - رحمه الله -: "وقد اقتطع أكثر الناس إلا أقل القليل في هذين الواديين، وادي التقصير، ووادي المجاوزة والتعدي، والقليل منهم جداً الثابت على الصراط الذي كان عليه رسول الله وأصحابه"(6).
ولا ريب أن الاعتدال في الأمور كلها، والتوسط فيها، والبعد عن الغلو والجفاء هو المنهج القويم، والصراط المستقيم الذي ينبغي أن يسلكه الجميع كما أمر الله - تعالى - بذلك وكما أمرهم بذلك رسوله ، فالتوسط في حقيقته: الأخذ بما شرعه الله لعباده، فلا يدخل فيه ماليس منه، ولا يخرج منه ماهو داخل فيه، قال جل جلاله: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما 67 الفرقان: 67.
وجاء عنه كما في صحيح البخاري أنه قال: "القصد القصد تبلغوا"(7). إلا أنه ينبغي أن يعلم أن التحلل من الدين، والوقوع في الفواحش والكبائر ليس من معاني اليسر في هذا الدين، وليس منه أن يقع المسلم في الشبهات حتى لا تلحقه تهمة الغلو والتشدد؛ فدين الله وسط بين الغالي والجافي عنه، وخيار الناس هم الوسط الذين ارتفعوا عن تقصير المفرطين، ولم يلحقوا بغلو المعتدين؛ بل لزموا هدي خاتم المرسلين، وقائد الغر المحجلين.
وختاماً فمنافع الحج لا تحصى، وفوائده لا تستقصى، وعبره ودروسه لا يحاط بها، تقبل الله من الحجاج حجهم، وردهم إلى أهليهم وديارهم سالمين غانمين، وحفظ الله بلادنا من كل سوء، ووفق ولاة أمرنا لما فيه صلاح البلاد والعباد، إنه - سبحانه - خير مسؤول، والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــ
الهوامش:
1- أخرجه البخاري رقم: (8)، ومسلم رقم: (16).
2- صحيح مسلم رقم: (121).
3- صحيح البخاري رقم: (1521)، ومسلم رقم: (1350).
4- صحيح مسلم رقم: (1297).
5- المسند (215/1)، المسند النسائي (268/5)، سنن ابن ماجه رقم: (3069).
6- إغاثة اللهفان: (136/1).
7- رقم: (6463).

__________________