صور من احتساب النبي صلى الله عليه وسلم في الأدب
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: صور من احتساب النبي صلى الله عليه وسلم في الأدب

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,857

    افتراضي صور من احتساب النبي صلى الله عليه وسلم في الأدب

    صور من احتساب النبي صلى الله عليه وسلم في الأدب(1)
    محمد بن عبد الله العبدلي



    إن المتأمل في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - يلاحظ أنها سيرة عطرة فمنذ نشأته - صلى الله عليه وسلم - كان بعيداً عن الأخلاق التي كان أهل الجاهلية يتصف بها، الآداب الحسنة كلها جمعت في شخصه - صلى الله عليه وسلم -، فكان قبل البعثة يلقب بالصادق الأمين - صلى الله عليه وسلم -، وزكى الله- تبارك وتعالى -خلقه الكريم - صلى الله عليه وسلم - فقال: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)[سورة القلم: 4]، وبعث - عليه الصلاة والسلام - في مجتمع تسوده الفوضى، والمنكرات، فكان - صلى الله عليه وسلم - الطبيب المميز، المعالج لهذه الأمراض، فكان - صلى الله عليه وسلم - يعلم أصحابه رضوان الله عليهم الأخلاق الحسنة، والآداب الفاضلة من بِرّ الوالدين، وطاعتهم، واحترام الكبير، ورحمة الصغير، وإفشاء السلام، واحترام الجار والأمر بالمعروف، وغيرها من الآداب الفاضلة.
    فمن صور احتسابه - صلى الله عليه وسلم - احتسابه على جاهمة - رضي الله عنه - على برّ الوالدين عندما جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستأذنه ويستشيره في الغزو فأمره بلزوم أمه وطاعتها فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((هل لك من أم؟))، قال: نعم، فقال: ((الزمها فإن الجنة عند رجلها))، ثم الثانية، ثم الثالثة في مقاعد شتى كمثل هذا القول" [1]، وفيه أن طاعة الوالدين مقدم على الجهاد في سبيل الله.
    ومن صور احتسابه - صلى الله عليه وسلم - أمره باحترام الكبير وتوقيره ورحمة الصغير كما في حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "جاء شيخ يريد النبي - صلى الله عليه وسلم - فأبطأ القوم عنه أن يوسعوا له، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا))[2]، وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنه - بلفظ: ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا))[3] فالصغير من المسلمين بالشفقة عليه والإحسان إليه، والكبير بما يستحقه من التعظيم والإجلال والاحترام.
    ومن صور احتسابه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يأمر بعيادة المريض واتباع الجنازة وتشميت العاطس ونصرة الضعيف وإفشاء السلام وإبرار المقسم، وينهى عن الشرب في الفضة، وعن التختم بالذهب، وعن ركوب المياثر، وعن لبس الحرير والديباج والقسي والإستبرق كما روي عن البراء بن عازب - رضي الله عنهما - [4]، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم))[5]، قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: " قال ابن العربي: فيه أن من فوائد إفشاء السلام حصول المحبة بين المتسالمين، وكان ذلك لما فيه من ائتلاف الكلمة لتعم المصلحة بوقوع المعاونة على إقامة شرائع الدين وإخزاء الكافرين" [6]، ويقول الإمام النووي - رحمه الله -: "وفيه الحث العظيم على إفشاء السلام وبذله للمسلمين كلهم من عرفت ومن لم تعرف، والسلام أول أسباب التآلف، ومفتاح استجلاب المودة، وفي إفشائه تمكن ألفة المسلمين بعضهم لبعض، وإظهار شعارهم المميز لهم من غيرهم من أهل الملل، مع ما فيه من رياضة النفس ولزوم التواضع، وإعظام حرمات المسلمين" [7].
    ومن صور احتسابه - صلى الله عليه وسلم - أمره بالإحسان إلى الجار، والوصية بالإحسان إلى النساء عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: عن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وأن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا))[8]، وخاطب - صلى الله عليه وسلم - نساء المسلمات كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة))[9]، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت))[10]، فنفى النبي - صلى الله عليه وسلم - كمال الإيمان عن من يؤذي جاره، وأخبر أن أذية الجار سبب في دخول النار ولو كان من أصحاب الصلاة والصدقة والصيام كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رجل: يا رسول الله، إن فلانة يذكر من كثرة صلاتها، وصيامها، وصدقتها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: ((هي في النار))، قال: يا رسول الله، فإن فلانة يذكر من قلة صيامها، وصدقتها، وصلاتها، وإنها تصدق بالأثوار من الأقط، ولا تؤذي جيرانها بلسانها، قال: ((هي في الجنة))[11].
    ومن صور احتسابه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يأمر أصحابه بالصبر ابتغاء مرضات الله - جل وعلا -، وينهى عن التسخط والجزع لأنه ينافي الصبر يقول الله- تبارك وتعالى - في الحديث القدسي الذي روه أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يقول فيما يرويه عن ربه فقال: ((إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة))[12]، ويريد بهما عينيه.
    وقال - صلى الله عليه وسلم - للمرأة التي كانت تبكي عند قبر قريب لها كما في حديث أنس - رضي الله عنه -: ((اتقي الله واصبري))، فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي؛ لأنها لم تعرفه فقيل لها إنه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأتت باب النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم تجد عنده بوابين فقالت: لم أعرفك، فقال: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى))[13]، وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - لعطاء بن رباح - رضي الله عنه -: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ هذه المرأة السوداء أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي قال: ((إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك))، فقالت: أصبر فقالت: إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف فدعا لها" [14].
    ومن صور احتسابه - صلى الله عليه وسلم - نهيه عن سب الأموات لحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا))[15].
    ومن صور احتسابه - صلى الله عليه وسلم - نهيه عن سب أصحابه رضوان الله عليهم كما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه))[16].
    ومن صور احتسابه نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن سب الدهر فقال كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((قال الله يسب بنو آدم الدهر وأنا الدهر بيدي الليل والنهار))[17]، ومعنى ذلك أن الله- تبارك وتعالى - فاعلك كل شيء وخالقه فإذا سببتم فاعل النوازل فإن هذا السب وقع على فاعلها- تبارك وتعالى - وهو الله -تبارك وتعالى-.
    ومن صور احتسابه - صلى الله عليه وسلم - احتسابه على عمر بن أبي سلمة - رضي الله عنه - حين كان غلاماً في حجر النبي - صلى الله عليه وسلم - فأكل بشماله كما يروي ذلك هو - رضي الله عنه - قال: كنت غلاما في حجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك))، فما زالت تلك طعمتي بعد" [18]
    ومن صور احتسابه - صلى الله عليه وسلم - احتسابه على بسر بن راعي العير الأشجعي عندما أكل عند النبي - صلى الله عليه وسلم - بشماله، كما في حديث سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - قال: إن رجلا أكل عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشماله فقال: ((كل بيمينك))، قال: لا أستطيع، قال: ((لا استطعت))، ما منعه إلا الكبر قال فما رفعها إلى فيه" [19]، قال الإمام النووي - رحمه الله -: " هذا الرجل هو بسر بضم الباء وبالسين المهملة بن راعى العير بفتح العين وبالمثناة الأشجعي كذا ذكره بن مندة وأبو نعيم الأصبهاني وبن ماكولا وآخرون، وهو صحابي مشهور عده هؤلاء وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم" [20].
    فهذه بعض الموافق من احتساب النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - في تعليمه أصحابه الآداب، ذكرته لسير على نهجه، نكتفي بها ونكمل ما تبقى في حلقات قادمة، والحمد لله رب العالمين.
    ________________
    [1]: رواه النسائي برقم (3104)، والإمام أحمد في المسند برقم (15538)، وقال محققوه: إسناده حسن، والحاكم في المستدرك برقم (2502)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والطبراني في المعجم الكبير برقم (2202)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم (1249).
    [2]: رواه الترمذي برقم (1919)، صححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (2196)، وفي صحيح الجامع برقم (5445).
    [3]: رواه الترمذي برقم (1920)، وأحمد في المسند برقم (6733)، وقال محققوه: حديث صحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (5444).
    [4]: رواه البخاري برقم (5881).
    [5]: رواه مسلم برقم (54).
    [6]: فتح الباري شرح صحيح البخاري (11/18).
    [7]: شرح النووي على صحيح مسلم (2/36)، بتصرف يسير.
    [8]: رواه البخاري برقم (4890).
    [9]: رواه البخاري برقم (5671).
    [10]: رواه البخاري برقم (5672)، ومسلم برقم (47).
    [11]: رواه أحمد في المسند برقم (9675)، وقال محققوه: إسناده حسن، والحاكم في المستدرك برقم (7304)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم (2560).
    [12]: رواه الإمام البخاري في صحيحه برقم (5329).
    [13]: رواه البخاري برقم (1223)، ومسلم برقم (926).
    [14]: رواه البخاري برقم (5328)، ومسلم برقم (2576).
    [15]: روا البخاري برقم (1329).
    [16]: رواه البخاري برقم (3470)، ومسلم برقم (2540).
    [17]: رواه البخاري برقم (5827)، ومسلم برقم(2246).
    [18]: رواه البخاري برقم (5061)، ومسلم برقم (2022).
    [19]: رواه مسلم برقم (2021).
    [20]: شرح النووي على صحيح مسلم (13/192)


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    18,857

    افتراضي رد: صور من احتساب النبي صلى الله عليه وسلم في الأدب

    صور من احتساب النبي صلى الله عليه وسلم في الأدب (2)
    محمد بن عبد الله العبدلي

    إن الله- تبارك وتعالى - أخرج برسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، علم أمته كل خير، فحثهم إليه ورغبهم فيه، وبين لهم كل شر وحذرهم منه، فتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُؤذى فلا يَغضب، ويُنتقص فلا ينتقم، ويُشتم فلا يرد، ويُساء إليه فيدفع الإساءة بالإحسان، وما انتصر لنفسه أبدا، ولكنه - صلى الله عليه وسلم - كان يغضب غضبا شديداً إذا انتهكت حرمات الله تبارك وتعالى، أو عطلت له فريضة؛ فيتغير لونه، ويتمعَّرُ وجهه، ويعلو صوته؛ محذرا منذرا، آمرا ناهيا، قالت عائشة - رضي الله عنها -: "ما انْتَقَمَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لِنَفْسِهِ في شَيْءٍ قَطُّ إلا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ الله فَيَنْتَقِمَ بها لله"[1].
    فهذا وصف - النبي - صلى الله عليه وسلم - تحكيه أقرب الناس إليه، وأعلمهم به، فإذا نظرنا إلى سيرته - عليه الصلاة والسلام - وجدناها لا تعدو وصف عائشة رضي الله عنها؛ فقد أوذي - صلى الله عليه وسلم - أشد الأذى وما انتقم ممن آذوه وهو قادر عليهم، بل يردُّ إساءتهم بالإحسان، ومن ذلك ما روى أَنَس - رضي الله عنه - قال: "كنت أَمْشِي مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً حتى نَظَرْتُ إلى صَفْحَةِ عَاتِقِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أَثَّرَتْ بها حَاشِيَةُ الْبُرْدِ من شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ثُمَّ قال: يا محمد مُرْ لي من مَالِ الله الذي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ ضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ له بِعَطَاءٍ" [2].
    فيأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بكل أمر فيه خير للناس ومنفعة لهم في دينهم ودنياهم، وكل ما يسعدهم في دنياهم وأخراهم، ويحذرهم من كل ما يسبب لهم الشقاء في الدنيا والآخرة، وسنذكر في هذه العجالة بعضاً من صور احتسابه - صلى الله عليه وسلم -، ودلالته على الخير، وتحذيره ممّا يخلّ بالآداب:
    - فمن صور احتسابه - صلى الله عليه وسلم - أنه يُنكر على الأفرادِ ما يَقع منهم، من خللٍ في الآداب والأخلاق والسُّلوك؛ كما في حديث المِسْوَرِ بن مَخْرَمَةَ - رضي الله عنه - قال: "أَقْبَلْتُ بِحَجَرٍ أَحْمِلُهُ ثَقِيلٍ، وَعَلَيَّ إِزَارٌ خَفِيفٌ، قال: فَانْحَلَّ إِزَارِي وَمَعِيَ الْحَجَرُ، لم أَسْتَطِعْ أَنْ أَضَعَهُ حتى بَلَغْتُ بِهِ إلى مَوْضِعِهِ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ارْجِعْ إلى ثَوْبِكَ فَخُذْهُ، ولا تَمْشُوا عُرَاةً))[3].
    - وجعل - عليه الصلاة والسلام - من حق الطريق لمن جلس فيه أن يحتسب على الناس، ولا يسكت إذا رأى المنكرات، وإلا لم يكن مؤديا لحق الطريق، وذلك في حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إياكم والجلوس على الطرقات، فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر وكف الأذى ورد السلام وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر))[4].
    والأسواق كالطرقات، تكثر فيها المنكرات، ويرتادها كثير من الناس، وقل فيهم من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذا من تقصيرهم في هذا الباب العظيم من الدين، فعلى مرتادي الأسواق أن يقوموا بواجبهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
    - واحتسب النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - على بعض أصحابه رضوان الله عليهم عندما هموا بضرب الأعرابي الذي بال في المسجد، ففي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، أن أعرابياً بال في المسجد فثار إليه الناس ليقعوا به فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((دعوه وأهريقوا على بوله ذنوبا من ماء أو سجلا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين))[5]، وهذا فيه بيان ما ينبغي أن يكون عليه المحتسب من الرفق واللين مع المخالفين.
    - ومن صور احتسابه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان أحياناً يغيِّر المنكر بيدِه ويبيِّن سببَ ذلك؛ ليعلَمَ صاحب المنكر لِمَ غيَّره؛ كما في حديث عائِشة - رضي الله عنها - قالت: دخل عَلَيَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي البَيْتِ قِرامٌ فيه صُوَرٌ، فتَلوَّنَ وجْهُهُ، ثُمَّ تَناوَلَ السِّتْرَ فهَتَكَهُ، وقال: ((من أَشَدِّ النَّاس عَذابًا يوم القِيامة الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هذه الصُّوَرَ))[6].
    ومرةً رَأَى خاتَمًا من ذَهَبٍ في يد رَجُلٍ، فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((يَعْمِدُ أحدُكم إلى جَمْرة من نارٍ، فَيَجْعَلُها في يَدِه))[7].
    - ومن صور احتسابه - صلى الله عليه وسلم - تعليمه أصحابه الآداب العامة بين المسلمين، والحقوق الإسلاميةفمن ذلك حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس))[8]، وروي من حدريث البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: "أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسبع، ونهانا عن سبع، أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام، ونصر المظلوم، وإبرار المقسم، ونهانا عن خواتيم الذهب، وعن الشرب في الفضة، أو قال: آنية الفضة، وعن المياثر والقسي، وعن لبس الحرير والديباج والإستبرق"[9].
    - ولرُبَّما ظهر على حالِه - صلى الله عليه وسلم - شدَّةٌ وغضب في إنْكارِه للمُنْكر؛ غيرةً لله - تعالى -، وتربيةً لِمن يرونه؛ لئلا يتهاونوا بالمنْكَرات؛ لأنَّ تهاوُنَهم به يؤدِّي إلى اعتياده ثم أُلْفَتِه، وهو عند الله - تعالى - عظيم.
    فكان - صلى الله عليه وسلم - لا يرى منكرًا، أو يسمع به إلا بادر إلى الإنكار على صاحبه، كائنًا مَن كان، وتنوَّعت أساليبُه في الإنكار باللسان فتارةً يخصُّ صاحب المنكر بالإنْكار، فيخاطبه مباشرةً؛ فمرة رأى عَبْد الله - رضي الله عنه - وعليه ثوبين معصفرين فأنكر عليه يقول عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما -: رَأَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عليَّ ثوْبيْنِ مُعصْفَرَيْن، فقال: ((إنَّ هذه من ثِيابِ الكُفَّارِ؛ فلا تَلْبَسْها))[10]، وفي روايةٍ قال: ((أَأُمُّكَ أمَرَتْكَ بهذا؟)) قلْت: أغْسِلُهُما؟ قال: ((بَلْ أحْرِقْهُما))[11]، وهذا احتساب من النبي - صلى الله عليه وسلم - على عبد الله بن عمر بن العاص - رضي الله عنهما - وتعليمه آداب اللباس.
    وعن عُقْبة بن عامِرٍ - رضي الله عنه - قال: أهديَ لِرَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فَرُّوجُ حَرِيرٍ، فلَبِسَهُ ثمَّ صلَّى فيه، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَزَعَهُ نَزْعًا شديدًا كالكارِهِ له، ثُمَّ قال: ((لا يَنْبَغِي هذا لِلمُتَّقِين)) [12].
    وأحياناً يصعِد المنبر فيخطب خطبةً لأجْل إنكار منكر، وقع فيه النَّاس أو بعضهم؛ ليُحذِّرَهم صلى الله عليه وسلم مما وقعوا فيه، ومن ذلك ما بلغه - صلى الله عليه وسلم - من خطأ في معاملاتهم باشتراط شروط ليست صحيحة، فصعد المنبر لإنكار هذا المنكر فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((ما بالُ أقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا ليست في كِتابِ الله؟! من اشْتَرَطَ شَرْطًا ليس في كِتابِ الله، فَلَيْسَ له، وإنِ اشْتَرَطَ مِائة مَرَّةٍ))[13]، وهذا فيه بيان بعض آداب المعاملات.
    وفي بعْض الأحيان يُعلن براءته من المنكر؛ ومن ذلك: أن خالد بن الوليد - رضي الله عنه - قتل بعض الأسرى، فأُخبر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فقال: ((اللهُمَّ إني أَبْرأُ إلَيْكَ ممَّا صَنَعَ خالِدُ بنالوَلِيدِ)) مَرَّتَيْنِ[14].
    وفي بعض المنكرات يوجه أصحابَه - رضي الله عنهم - إلى الشدَّة والغلظة في الإنكار؛ كما في حديث أُبَي بنكَعْبٍ - رضي الله عنه - أنَّ رَجُلاً اعْتَزى بِعَزاءِ الجاهليَّةِ، فَأَعَضَّهُ ولم يُكَنِّهِ، فَنَظَرَ القَوْمُ إليه، فقال لِلقَوْمِ: إني قدأرَى الذي في أنْفُسِكُمْ، إني لم أسْتَطِعْ إلا أن أقُولَ هذا، إنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم – أَمَرَنا: ((إذا سَمِعْتُمْ مَن يَعْتَزِى بِعَزاءِ الجاهِلِيَّةِ، فَأَعِضُّوهُ، ولا تُكَنُّوا))[15].
    وروى هَمَّامُ بن الحارِثِ: أَنَّ رَجُلاً جَعَلَ يَمْدَحُ عُثْمانَ، فَعَمِدَ المِقْدادُ فَجَثا على رُكْبَتَيْهِ، وكان رَجُلاً ضَخْماً، فجَعل يَحْثُو في وجْهِهِ الحَصْباءَ، فقال له عُثْمانُ: ما شَأْنُكَ؟ فقال: إنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا رَأَيْتُم المَدَّاحِينَ، فاحْثُوا في وُجُوهِهِمْ التُّرابَ))[16].
    فهذه صور ومواقف احتسابية للنبي الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكرتها للسير على نهجه، واقتفاء أثره فالله- تبارك وتعالى - يقول: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [الأحزاب: 21]، أسأل الله- تبارك وتعالى - أن يوفقنا لطاعته ورضاه، والحمد لله رب العالمين.

    ___________________
    [1]: رواه البخاري برقم (5775).
    [2]: رواه البخاري برقم (2980)، ومسلم برقم (1057).
    [3]: رواه مسلم برقم (341).
    [4]: رواه البخاري برقم (2333).
    [5]: رواه البخاري برقم (5777)، ومسلم برقم (284)، واللفظ للبخاري
    [6]: رواه البخاري برقم (5758)، ومسلم برقم (2107).
    [7]: رواه مسلم برقم (200).
    [8]: رواه البخاري برقم (1183)، ومسلم برقم (2162).
    [9]: رواه البخاري برقم (5312)، ومسلم برقم (2066).
    [10]: رواه مسلم برقم (2077).
    [11]: رواه مسلم برقم (2077).
    [12]: رواه البخاري برقم (368)، وبرقم (5465)، ومسلم برقم (2075).
    [13]: رواه البخاري برقم (444).
    [14]: رواه البخاري برقم (6766).
    [15]: رواه الإمام أحمد في المسند برقم (21233)، وقال محققوه: حديث حسن، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (619).
    [16]: رواه مسلم برقم (3002).





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •