الله الحكيم
سلمان بن فهد العودة



من أسماء ربنا -جل وتعالى- التي عَرَّفَ بها نفسه إلى عباده، وذكرها في كتابه، وعلى ألسنة رسله وأنبيائه: "الحكيم"، وقد ورد هذا الاسم "الحكيم" أربعًا وتسعين مرة في القرآن الكريم، كما في قوله - عز وجل -: (العَلِيمُ الحَكِيمُ) [البقرة: 32]، (العَزِيزُ الحَكِيمُ) [البقرة: 129]، (الحَكِيمُ الخَبِيرُ) [الأنعام: 18]، (وَاسِعًا حَكِيمًا) [النساء:130].
ويقول -تعالى-: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا) [الأنعام: 114].
فهذا دليل على أن اسمه أيضًا: "الحكم".
وبمعناه: "الحاكم"، وقد جاء في خمسة مواضع بصيغة الجمع، منها: (وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) [الأعراف: 87]، (وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) [هود: 45]، (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) [التين: 8].
و"الحكيم": هو الذي يحكم الأشياء، ويتقنها، ويضعها في موضعها، كما قال - سبحانه -: (صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) [النمل: 88]. فالحكيم: هو الذي يضع الشيء في موضعه بقدره، فلا يتقدم ولا يتأخر، ولا يزيد ولا ينقص، مع ما له في ذلك من الحكم البالغة العظيمة التي لا يأتي عليها الوصف، ولا يدركها الوهم.
ومن معاني الحكمة: حكمته - سبحانه - في خلقه، ومن ذلك ما تراه في جسد الإنسان وعقله وروحه من حكمته -جل وعز-، حيث خلق الإنسان في أحسن تقويم، كما قال -تعالى-: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين: 4].
ولو نظرت للإنسان في هيئته وصورته، أو نظرت في قدراته وإمكانياته، أو نظرت في عقله وروحه، لوجدت الحكمة العظيمة البالغة.
ولهذا قال - تعالى -واصفًا هذا الخلق الذي خلق الإنسان عليه: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ)، والمقصود بقوله: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) ما يكون للإنسان بعدما يكبر ويهرم، وتضعف قواه، ثم قال - سبحانه -: (إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)، فوعدهم بالأجر العظيم في الدار الآخرة، فهم وإن جرت عليهم السنن والنواميس التي تجري على العباد في الدار الدنيا، إلا أن الله - عز وجل - وعدهم بالأجر العظيم الذي لا ينقطع في الآخرة، ثم قال - سبحانه -: (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ) أي: أيها الإنسان! ما الذي يحملك على أن تكذب بالدين..(أَلَيْس اللهُ بِأَحْكَمِ الحَاكِمِينَ) [التين: 4-8].
ألم تر أن الله - تعالى - قد خلقك في أحسن تقويم؟ أليس في هذه الآيات البينات، وفي النفس والآفاق ما يدل على حكمة الله - عز وجل -، ووجوب الإيمان به وعبادته، والاعتقاد بالدينونة له؟
إن من الدين: الرجوع إلى الله - تعالى - للحساب في الدار الآخرة، وهذا كله من دلائل حكمته -جل وتعالى-.
ومن معاني حكمته - سبحانه وتعالى -: اختلاف اللغات التي يتكلم بها الناس على اختلاف أجناسهم، فكم فيها من الإعجاز، وكم فيها من العجائب، حيث أقدر الله - تعالى- الإنسان عليها، وجعلها سببًا في الفهم والتفكير، والعلم والتعلم والتعليم.
ففي هذه اللغات معان عظيمة، ودلالة على ربوبية الله - تعالى - وألوهيته وعظمته وحكمته، وفضله في خلق هذا الإنسان وتزويده بالبيان، ولهذا امتن الله - سبحانه - على الإنسان بتعليمه هذا البيان، فقال: (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ القُرْآَنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ) [الرحمن: 1-4].
ومن معاني حكمته - سبحانه -: النوم الذي لا يشعر به الإنسان حينما يتلبس به، ولا يعلم تلك اللحظة التي أخرجته من عالم اليقظة إلى عالم المنام، فإذا غشيه النوم أصبح على حال تشبه الموت، ولذا سماه الله وفاة، ولكنه وفاة صغرى، وربما يرى في نومه الرؤى التي يُشرِّق فيها ويُغرِّب، ويرى فيها الأحياء والأموات، والقريب والبعيد، ثم بعد هذا كله يستيقظ وقد استعاد حيويته وقوته ونشاطه. وفي هذا تتجلى حكمة الله -تبارك وتعالى-.
فهذا كله من الحكم الربانية التي تقع للإنسان حال نومه، فإذا تأمل الإنسان هذا النوم، وكيف لا يستغني عنه، لو تأمل الإنسان هذه النعمة وحكمة الله فيها لتبين له عظمة خالقه وبالغ حكمته، وهذه من بعض حكم الله - تعالى- وأسراره في هذا المخلوق العجيب: (وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ....) [الروم: 23].
ومن معاني حكمته - عز وجل - في خلقه: أنه خلق الخلق لحكمة وغاية ومقصد، ولهذا قال - سبحانه -: (وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ) [الذاريات: 56-58].
فالخلق لم يوجد عبثًا، ولن يترك سدى، ولهذا قال - سبحانه -: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون: 115]