قوة الإيمان وترسيخه في ضوء آية الكرسي وما بعدها
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: قوة الإيمان وترسيخه في ضوء آية الكرسي وما بعدها

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,139

    افتراضي قوة الإيمان وترسيخه في ضوء آية الكرسي وما بعدها

    قوة الإيمان وترسيخه في ضوء آية الكرسي وما بعدها (1)



    د. محمد بن عبد الله الربيعة




    الحلقة الأولى ( وقفة مع الغرض العام للآيات)



    لو تأملنا واقع الأمة لرأينا أن أعظم ماتحتاجه اليوم هو قوة التوحيد والإيمان الذي يبعث على التمسك والاعتزاز الصادق بالإسلام وبشعائره ، وإن أعظم ماهو سبيل لمعالجة هذا المرض في الأمة ، هو الرجوع إلى كتاب الله تعالى ، فهو الشفاء الكافي في صلاح الأمة وتقويمها كما قال تعالى (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) [الإسراء : 9].

    ومن هنا كان لي أن أشارك – بما يسر الله تعالى - في معالجة هذه القضية من خلال تأمل ونظر للمنهج القرآني الكريم، وسأخصص الحديث عن هذا الأمة في دراسة موضوعية لآيات عظيمة من كتاب الله تعالى وهي آية الكرسي وما بعدها ، وهي آيات من سورة البقرة التي تضمنت غرضاَ عظيماَ تجلى في آياتها وموضوعاتها ، ألا وهو إعداد الأمة لحمل أمانة الدين ونشره ، وبناء شريعتها وتكميلها ، ولذلك اشتملت السورة على تقرير أصول العلم وقواعد الدين كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، وقد وفقني الله تعالى للعيش مع هذه السورة طوال خمس سنوات في بحث رسالة الدكتوراه ، فرأيت أن أقتطف منها جزاءَ مهما يتعلق بالعقيدة ، لأشارك في هذا الموقع المبارك الذي يحمل هم العقيدة وبنائها في الحياة وتصحيح مسارها ، وسأجعل هذه الدراسة في حلقات متتابعة بإذن الله .

    الحلقة الأولى هي : وقفة مع الغرض العام للآيات

    تأملت في آية الكرسي وما بعدها وورودها في سياق سورة البقرة فتبين لي - بتوفيق الله - أن غرض هذه الآيات وارد في بناء وترسيخ اليقين بالله تعالى والاعتماد عليه، إعداداً وتهيئة للمؤمنين لحمل الأمانة العظمى أمانة الدين، وإقامته بالجهاد والدعوة .

    فهي بإجمال تمثل ( تقوية الإيمان لحمل أمانة الدين وتبليغه ).

    وقد تضمنت الآيات أعظم أسلوب في ترسيخ هذه القوة، وبناء هذه العدة الإيمانية من عدة وجوه:

    أولاً: افتتاحها بآية الكرسي التي هي أعظم آية في كتاب الله، لما تضمنته من المعاني العظيمة، التي تملأ القلب يقيناً وإيماناً.

    ثانياً: الاستئناف بذكر لفظ الجلالة الذي هو أعظم أسماء الله تعالى، وهو الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى، علواً وعظمة، لزرع المهابة والتعظيم في النفوس، ولبعث النفوس على الإقبال إليه إقبالاً كلياً.

    ثالثاً: ذكر أعظم الأوصاف الباعثة لذلك، وهي كمال الألوهية، والحياة والقيومية، والملك والعلم والإرادة والقدرة، والعلو والعظمة.

    رابعاً: إظهار عظمة الله تعالى بإبراز عظمة كرسيه الذي وسع السموات والأرض، لتمتلئ القلوب تعظيماً وإجلالاً لله تعالى، ولذلك سميت الآية به .

    خامساً: التصريح بما يفيد القوة والتمكن في الإيمان واليقين بعد ذلك بقوله تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ).

    سادساً: التصريح بولاية الله للمؤمنين في قوله (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) .

    سابعاً: ضرب الأمثلة الواقعية على كمال قدرته تعالى في الحياة والموت والتصرف في الكون. وكمال ولايته لأوليائه في قصة إبراهيم مع النمرود ، وقصة الذي مر على القرية.

    ثامناً: ختام الآيات بقصة إبراهيم ، التي تجلى فيها عظمة القدرة والولاية، وظهر فيها مثال القدوة والأسوة في كمال الإيمان واليقين؛ عبرة للمؤمنين، ولذلك صرح فيها بالغرض المقصود في قوله تعالى: قَالَ (أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي).

    كل هذه الوجوه دالة صراحة على الغرض في الآيات الذي هو بناء وترسيخ القوة الإيمانية للمؤمنين لحمل الأمانة العظمى، أمانة الدين ونشره في الأرض ، وهذا ظاهر المناسبة لسياق السورة العام الذي هو إعداد المؤمنين لحمل أمانة الدين، وبناء نظام الشريعة وتكميلها.

    وسأفصل القول في دراسة تحليلية للآيات في حلقات قادمة بإذن الله ليتجلى لنا هذا الغرض العظيم فيها .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,139

    افتراضي رد: قوة الإيمان وترسيخه في ضوء آية الكرسي وما بعدها

    قوة الإيمان وترسيخه في ضوء آية الكرسي وما بعدها (2)



    د. محمد بن عبد الله الربيعة




    الحلقة الثانية : غرض آية الكرسي وفضائلها

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :

    المسألة الأولى : غرض الآية ومناسبتها لأغراض الآيات قبلها

    يعجز القلم عن الكتابة، ويثقل اللسان عن الكلام في تحرير غرض هذه الآية العظيمة والكتابة عنها، لما أودعه الله فيها من عظيم المعاني وجليل الوصف لذاته الكريمة سبحانه وجل في علاه، وقد تأملت طويلاً في غرضها وموقعها في السياق، فتبين لي بما ذكرت سابقاً أنها في تقرير التوحيد وبيان عظمة الخالق وكمال وصفه تعالى، إعداداً وعدة للمؤمنين، وحجة وبرهاناً على الكافرين. ويؤكد هذا ورود قوله تعالى: بعدها (قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ) إلى قوله تعالى: (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ).

    وقد تظاهرت أقوال العلماء والمفسرين في بيان ماتضمنته الآية من المعاني الدالة على غرضها ومن أقوالهم في ذلك :

    قال ابن عطية: "هذه سيدة آي القرآن، وهي متضمنة التوحيد والصفات العلى" [1].

    وقال أبو حيان: "وفضلت هذا التفضيل لما اشتملت عليه من توحيد الله وتعظيمه، وذكر صفاته العلى، ولا مذكور أعظم من الله، فذكره أفضل من كل ذكر" [2].

    وقال الرازي عند كلامه على الكرسي: "المقصود تعريف عظمة الله وكبريائه"[3].

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "آية الكرسي فيها تقرير التوحيد" [4].

    وقال السيوطي: "ضمت قواعد التوحيد والصفات العلى"[5].

    وقال السعدي: "أخبر صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية أعظم آيات القرآن، لما احتوت عليه من معاني التوحيد والعظمة وسعة الصفات للباري تعالى" [6].

    وإذا تقرر مضمون الآية تقرر معه ما أثبته من غرض الآية، وهو كون الآية عدة للمؤمنين في حملة أمانة الدين، وحجة وبرهاناً على الكافرين، وهذا أعظم غرض في الحياة، فكان عظم الآية دالاً على عظم غرضها. والله أعلم.

    أما مناسبتها لما قبلها فظاهرة من وجوه:

    أولاً: مناسبتها لأغراض الآيات كلها، وهو التحريض على القتال وإعداد المؤمنين وتهيئتهم لحمل أمانة الدين، وتبليغه بالجهاد والدعوة، وهذا ظاهر بما ذكرت من أنها كالعدة الإيمانية لذلك.

    ثانياً: مناسبتها للآيات قبلها، وهي أنه لما أبان عن حتمية الاختلاف والاقتتال بين المؤمنين والكفار، جاءت هذه الآية لتبين دلائل الحق الذي هو عدة وقوة للمؤمنين، وحجة وبرهان على الكافرين.

    ثالثا: مناسبتها للآية قبلها، وهي أنه لما أمر بالنفقة مذكراً باليوم الذي لا يكون فيه للإنسان مخلِّص، ولا نافع من مال أو خلة أو شفاعة إلا الله وحده، انتقل إلى تعظيم الله تعالى وإثبات كمال ألوهيته وملكه وقدرته وعلمه وإحاطته لربط القلوب به سبحانه وحده دون سواه، ولهذا نفى الشفاعة في آية النفقة، وقيدها بإذنه في آية الكرسي، فكانت الآية انتقالاً من غرض إلى غرض[7].

    وهذه الوجوه لا تنافي بينها؛ بل هي بمجموعها دالة على كمال اتصال الآية بما قبلها غرضاً ومعنى.

    المسألة الثانية : فضل آية الكرسي. ودلالة فضلها على الغرض.

    استفاضت الأحاديث في فضل آية الكرسي وعظمها، ومن ذلك:

    ما أخرجه مسلم من حديث عن أبي بن كعب قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال:يا أبا المنذر: أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: الله لا إله إلا هو الحي القيوم". قال: فضرب في صدري، وقال: ((والله ليهنك العلم أبا المنذر)) [8] أي: أي ليكن العلم هنيئا لك.

    وورد في أحاديث أخرى: ((أن سيد الكلام القرآن، وسيد القرآن سورة البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي)) [9]، وورد ((أنها تعدل ربع القرآن)) [10]، وورد ((أن من قرأها إذا أوى إلى فراشه ما يزال عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح)) [11]، وورد ((أنها ما قرئت في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوماً، ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين يوماً))، وورد ((أن من قرأها في دبر كل صلاة مكتوبة حفظ إلى الصلاة الأخرى، ولا يحافظ عليها إلا نبي أو صديق أو شهيد)) [12]، وورد ((أن من قرأها في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت)) [14]، [13].

    وهذه الأحاديث شاهدة على الغرض من جهة أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على كونها أعظم آية في كتاب الله، وذلك دليل على أنها في تعظيم الله تعالى، وكونها حرزاً ووقاية لصاحبها دليل على حكمة نزولها، وأنها عدة وحماية من الشرور كلها.








    [1] ((المحرر الوجيز)) (1/340).

    [2] ((البحر المحيط)) (2/607).

    [3] ((مفاتيح الغيب)) (7/12).

    [4] ((مجموع الفتاوى)) (13/ 382).

    [5] ((آية الكرسي معانيها وفضائلها)) (ص27) ط دار الاعتصام.

    [6] ((تيسير الكريم الرحمن)) (1/186).

    [7] ((تفسير المنار)) (3/23).

    [8] أخرجه مسلم 1/556 برقم 810 و أبوداود 1/462 برقم 1460

    [9]. أخرجه الترمذي، والحاكم في مستدركه وقال صحيح الإسناد. قال ابن كثير: (ضعفه أحمد وغير واحد من الأئمة. انظر: ((تفسير القرآن العظيم لابن كثير)) (1/676) والألباني في الضعيفةبرقم 3728

    [10] أخرجه الإمام أحمد في المسند ((3/ 221)) وضعفه الأرنؤوط في تعليقه على المسند

    [11] أخرجه البخاري 2/812 برقم 2187 وابن خزيمة 4/91 برقم 2424

    [12] رواه النسائي في السنن الكبرى 6/30 برقم 9928 و الطبراني في المعجم الكبير 8/114 برقم 7532 وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 6464

    [13] انظر: التخريج السابق.
    [14] أورد ابن كثير هذه الأحاديث وغيرها وقال ((وقد ورد في فضلها أحاديث أخر، تركناها اختصاراً لعدم صحتها وضعف أسانيدها)) انظر: ((تفسير القرآن العظيم)) (1/678). وانظر: أيضاً ((آية الكرسي فضلها ومعانيها للسيوطي)).



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •