إلى التتار من البداية إلى عين جالوت
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 20 من 20

الموضوع: إلى التتار من البداية إلى عين جالوت

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,739

    افتراضي إلى التتار من البداية إلى عين جالوت

    (1) أوجه التشابه بين الأحداث أيام التتار والأحداث التي نعيشها


    راغب السرجاني



    بين أيدينا حدث من الأحداث الهامة جداً في تاريخ المسلمين، بل وفي تاريخ الأرض بصفة عامة، وهو حدث ظهور قوة جديدة رهيبة على سطح الأرض في القرن السابع الهجري، وقد أدى ظهور هذه القوة إلى تغييرات هائلة في الدنيا بصفة عامة، وفي أرض الإسلام بصفة خاصة، تلك القوة هي دولة التتار.

    والقصة عجيبة بكل المقاييس، ولولا أنها موثقة في كل المصادر، وبصورة تكاد تكون متطابقة أحياناً، لقلنا: إنها خيال، بل وأغرب من الخيال؛ لأن التغيير فيها من ضعف إلى قوة ومن قوة إلى ضعف لم يأخذ إلا وقتاً يسيراً جداً، فما هي إلا أعوام قليلة ويغير الله عز وجل من حال إلى حال، ويعز الله عز وجل دولة ويذل أخرى، ثم تمر أعوام أخرى قليلة جداً في عرف الناس والتاريخ، فيذل الله عز وجل الأولى ويعز الأخرى، وهكذا يعز الله من يشاء ويذل من يشاء، بيده الملك، وهو على كل شيء قدير.
    والقصة عجيبة للمبالغة الشديدة في أحداثها، ففيها مبالغة في الأرقام، وأعداد القتلى، والجيوش، والخيانات وغيرها من الأحداث.
    والقصة عجيبة لشدة التطابق بينها وبين ما نعيشه الآن في واقعنا، وكأن الله عز وجل أراد أن يوضح لنا حقيقة ثبات السنن، وتكرار التاريخ، فجعل الأحداث التي تمر بها أمتنا في القرن الخامس عشر الهجري، تتطابق مع نفس الأحداث التي مرت بها أمتنا في القرن السابع الهجري، ثمانية قرون مضت، ومع ذلك تتطابق الأحداث.


    وإذا بحثنا في التاريخ فسنجد أحداثاً أخرى كثيرة تتطابق مع نفس الأحداث التي تمر الأمة بها الآن.
    وقد وقع اختياري على هذا الحديث بالذات؛ لأنه كان في نفس المنطقة التي تدور فيها بأمتنا أحداث هامة جداً في هذا الوقت الذي نعيشه الآن، ففي وقتنا هذا تدور الأحداث في أفغانستان، وأوزباكستان، والعراق، وفلسطين، وإيران وغيرها من بلاد العالم الإسلامي، وبهذا التطابق يستطيع القارئ لأحداث التتار والمتابع والمدقق والمحلل لها أن يربط بسهولة بين التاريخ وبين الواقع، ويستطيع أيضاً أن يستقرئ سنن الله عز وجل في أرضه وفي خلقه.


    وليس الغرض من هذه المحاضرات هو الدخول في كل تفصيل، والبحث عن كل موقف، فهذا يطول جداً، فنحن هنا سنمر على الأحداث في عجالة؛ لنبحث فيها عن مواطن العبرة، وأوجه الشبه بينها وبين زماننا المعاصر، ونحلل بسرعة أسباب الهزيمة وأسباب النصر، ومن أراد أن يستزيد فليعد إلى المراجع الكثيرة العظيمة التي تزخر بها المكتبة الإسلامية.
    والله أسأل أن ينفعنا بكل كلمة وحرف من هذه القصة العجيبة.










    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,739

    افتراضي رد:التتار من البداية إلى عين جالوت

    - التتار من البداية إلى عين جالوت


    حالة الأمة الإسلامية وقت ظهور التتار (2)


    راغب السرجاني



    عند تحليل كل قوة من هاتين القوتين نجد أن مساحة أمة الإسلام في ذلك الوقت تقترب من نصف مساحة الدنيا،
    فحدود البلاد الإسلامية كانت تبدأ من غرب الصين، وتمتد عبر آسيا وأفريقيا لتصل إلى غرب أوروبا وبلاد الأندلس، فقد كانت مساحتها شاسعة للغاية، ولكن للأسف الشديد كان وضع العالم الإسلامي في ذلك الوقت مؤسفاً جداً، فمع المساحات الواسعة من الأرض، والأعداد الهائلة من البشر، والإمكانيات العظيمة جداً من المال والمواد والسلاح والعلوم إلا أن الفرقة كانت شديدة جداً في العالم الإسلامي، والحالة السياسية لمعظم الأقطار الإسلامية متدهورة تدهوراً كبيراً، والغريب أن هذا الوضع المؤسف كان بعد سنوات قليلة من أواخر القرن السادس الهجري ما بين (20) إلى (30) سنة حيث كانت أمة الإسلام قوية ومنتصرة ومتوحدة ورائدة، ولكن سنة الله الماضية، {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140].

    وقد كان العالم الإسلامي في ذلك الوقت عبارة عن كيانات متفرقة: الكيان الأول: كان كياناً كبيراً جداً، ولكنه للأسف الشديد كان ضعيفاً جداً في أوائل القرن السابع الهجري، وهذا الكيان هو الخلافة العباسية.


    والخلافة العباسية خلافة قديمة جداً، فقد نشأت بعد سقوط الدولة الأموية سنة (132هـ)، أي: أن عمرها إلى أوائل القرن السابع الهجري (500) سنة تقريباً، وكانت تتخذ من بغداد عاصمة لها، ثم ضعفت الخلافة العباسية جداً في أوائل القرن السابع الهجري، حتى أصبحت لا تسيطر حقيقة إلا على وسط العراق وجنوبه، وكان حول العراق عشرات الإمارات المستقلة استقلالاً حقيقياً عن دولة الخلافة، وإن كانت لا تعلن نفسها كخلافة منافسة للخلافة العباسية، وكانت الخلافة العباسية في ذلك الزمن مجرد صورة خلافة، وليست خلافة حقيقية.


    ولكي نفهم معنى خلافة عباسية في ذلك الوقت، فلننظر إلى واقع بريطانيا الآن، فالإنجليز الآن يبقون على ملكتهم كرمز تاريخي فقط، وإلا فهي ليس لها دور يذكر في الحكم، وكذلك أبقى المسلمون في ذلك الزمن على الخليفة العباسي كرمز للمسلمين، وللخلافة العباسية العريقة التي حكمت العالم الإسلامي (500) عام، مع أن الخليفة العباسي كان يحكم وسط وجنوب العراق فقط.


    وكان يتعاقب على الخلافة العباسية في العراق خلفاء من بني العباس حملوا هذا الاسم العظيم الجليل: (الخليفة)، ولكنهم في هذه الفترة ما اتصفوا أبداً بهذا الاسم، ولا حتى رغبوا في الاتصاف به، إذ لم يكن همهم إلا جمع المال وتوطيد أركان السلطان في هذه الرقعة المحدودة جداً من الأرض، ولم ينظروا نظرة صحيحة أبداً إلى وظيفتهم كحكام، ولم يدركوا أن من مسئولية الحاكم أن يوفر الأمان لدولته، ويقوي جيشها، ويرفع مستوى المعيشة لأفراد شعبه، ويحكم في المظالم، ويرد الحقوق لأصحابها، ويجير المظلومين، ويعاقب الظالمين، ويقيم حكم الله عز وجل في العباد، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدافع عن كل ما يتعلق بالإسلام، ويوحد الصفوف والقلوب، فهم لم يدركوا أبداً هذه المهام الجليلة للحاكم المسلم،

    وكان كل ما يريدونه هو الاستمرار أطول فترة ممكنة في الحكم، ثم توريثه لأبنائهم، وتمكين أفراد عائلتهم من رقاب الناس، وكذلك كانوا يحرصون على جمع الأموال الكثيرة، والتحف النادرة، وإقامة الحفلات الساهرة، وسماع الأغاني والموسيقى واللهو والطرب، فحياة الحكام في هذه الفترة كانت حياة لا تصلح أن تكون حياة لفرد من عوام أمة الإسلام، فضلاً عن أن تكون حياة حاكم لأمة الإسلام، فقد ضاعت هيبة الخلافة، وتضاءلت طموحات الخليفة.

    هذه هي حالة الخلافة العباسية في أوائل القرن السابع الهجري، كانت تحكم نصف العراق أو ثلثه تقريباً.
    الكيان الثاني من العالم الإسلامي: كان متمثلاً في مصر والشام والحجاز واليمن، وقد كانت هذه الأقاليم في أوائل القرن السابع الهجري في أيدي الأيوبيين أحفاد صلاح الدين الأيوبي رحمه الله،

    ولكن للأسف الشديد هؤلاء الحكام الذين حكموا هذه الأقاليم، لم يكونوا أبداً على شاكلة هذا الرجل العظيم رحمه الله، بل تنازعوا الحكم، وقسموا الدولة الأيوبية الموحدة -التي هزمت الصليبيين في حطين هزيمة منكرة وفتحت بيت المقدس- إلى ممالك صغيرة متناحرة، فقد استقلت الشام عن مصر، وكذلك اليمن والحجاز، بل وانقسمت الشام إلى إمارات متعددة متحاربة،
    فقد انفصلت حمص عن حلب ودمشق، وفلسطين عن الأردن، ثم ما لبثت الأراضي التي حررها صلاح الدين الأيوبي رحمه الله من أيدي الصليبيين بعد جهد جهيد ودماء كثيرة أن تقع من جديد في أيدي الصليبيين، بعد هذه الفرقة الشنيعة بين المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


    الكيان الثالث: بلاد المغرب والأندلس، وقد كانت هذه البلاد في تلك الآونة تحت إمرة دولة الموحدين، وكانت هذه الدولة فيما سبق دولة قوية جداً، ومترامية الأطراف، فقد كانت تحكم من ليبيا شرقاً إلى المغرب غرباً، ومن الأندلس شمالاً إلى وسط إفريقيا جنوباً.








    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,739

    افتراضي رد: التتار من البداية إلى عين جالوت

    - التتار من البداية إلى عين جالوت

    حالة الصليبيين وقت ظهور التتار



    راغب السرجاني



    القوة الثانية:

    قوة الصليبيين، وكان مركزهم في ذلك الوقت في غرب أوروبا، وكان لهم هناك أكثر من معقل، وقد انشغل الأوربيون في ذلك الوقت بالحروب المستمرة مع المسلمين، فكان نصارى إنجلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا يقومون بالحملات الصليبية المتتالية المشهورة على بلاد الشام ومصر، وكان نصارى أسبانيا والبرتغال وكذلك فرنسا في حروب مستمرة مع المسلمين في الأندلس.

    وبالإضافة إلى هذا التجمع الصليبي الضخم في غرب أوروبا، كانت هناك تجمعات صليبية أخرى في العالم، وكانت هذه التجمعات على درجة عالية جداً من الحقد على الأمة الإسلامية، ولم تنقطع الحروب بينها وبين الأمة الإسلامية أبداً.
    وكان أشهر هذه التجمعات الإمبراطورية البيزنطية: الدولة الرومانية الشرقية، التي كانت تحكم شرق أوروبا، وكانت تقع في غرب الأناضول المسلم، ومع أن حروب الدولة البيزنطية كانت شرسة مع الدولة الإسلامية عبر تاريخها، إلا أنها في ذلك الوقت كانت قد وصلت إلى حالة من الضعف، لا تسمح لها بدخول الأراضي الإسلامية، كما أن الدولة الإسلامية في ذلك الوقت كانت ضعيفة ومفرقة.


    وكذلك التجمع الصليبي الذي كان في مملكة أرمينيا، التي تقع في شمال فارس وغرب الأناضول، فقد كانت أيضاً في حروب مستمرة مع المسلمين السلاجقة الأتراك في منطقة الأناضول تركيا.
    وكذلك التجمع الصليبي في مملكة الكورج -جورجيا الروسية الآن-، فقد كانت دولة نصرانية، وإن كان فيها بعض القبائل الوثنية تعيش في نفس المنطقة، ولم تتوقف الحروب بينها وبين أمة الإسلام، وبالذات مع الدولة الخوارزمية.
    ومن التجمعات الصليبية تجمع خطير جداً، ومع أنه كان قليل الحجم، إلا أنه كان في عمق العالم الإسلامي، وهو الإمارات الصليبية في الشام وفلسطين وتركيا، فقد كانت هذه الإمارات تحتل مناطق إسلامية في داخل هذه البلاد منذ أواخر القرن الخامس الهجري من سنة (491هـ)،

    وعلى الرغم من انتصارات صلاح الدين الأيوبي رحمه الله على القوات الصليبية في حطين وبيت المقدس وغيرهما إلا أن هذه الإمارات كانت لا تزال باقية، بل ولا تزال من آن إلى آخر تعتدي على الأراضي الإسلامية المجاورة غير المحتلة، وكان أشهر هذه الإمارات الصليبية: أنطاكيا، وعكا، وطرابلس، وصيدا، وبيروت وغيرها.

    وهكذا استمرت الحروب في كل بقاع العالم الإسلامي تقريباً، وزادت جداً ضغائن الصليبين على الإسلام، لكن كانت فترة نهاية القرن السادس الهجري سعيدة جداً على العالم الإسلامي، وتعيسة جداً على الصليبيين، ففي أواخر القرن السادس الهجري انتصر البطل صلاح الدين الأيوبي رحمه الله في موقعة حطين بالشام،

    وذلك في عام (583هـ)، وبعد ذلك بثمان سنوات فقط انتصر البطل الإسلامي الجليل المنصور الموحدي رحمه الله زعيم دولة الموحدين على نصارى الأندلس في موقعة الأرك الخالدة في سنة (591هـ)، وبالرغم من هذين الانتصارين العظيمين، إلا أن المسلمين في أوائل القرن السابع الهجري كانوا في حالة ضعف شديد، وكان الفارق بين زمان القوة والضعف عشرين سنة فقط.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,739

    افتراضي رد: التتار من البداية إلى عين جالوت

    - التتار من البداية إلى عين جالوت
    لمحة سريعة عن نشأة التتار (4)


    راغب السرجاني



    ظهرت قوة جديدة ثالثة ناشئة قلبت الموازين تماماً على الأرض، فغيرت من خريطة العالم تماماً، وفرضت نفسها كقوة ثالثة في الأرض، أو كانت القوة الأولى في الأرض في النصف الأول من القرن السابع الهجري وبلا منازع، وهذه القوة هي قوة دولة التتار أو المغول.


    ظهرت دولة التتار في عام (603هـ) -أي: في أوائل القرن السابع الهجري، ظهرت في منغوليا في شمال الصين، وكان أول زعمائها هو جنكيز خان، وجنكيز خان هذا ليس اسمه الحقيقي، وإنما يعني: قاهر العالم أو ملك ملوك العالم أو القوي، حسب الترجمات المختلفة للغة المنغولية، واسمه الأصلي تيموجين، وكان رجلاً سفاحاً سفاكاً للدماء، وقائداً عسكرياً شديد البأس، وله القدرة على تجميع الناس حوله،

    فقد ظهر في منغوليا ثم بدأ في التوسع تدريجياً في المناطق المحيطة به، وسرعان ما اتسعت مملكته، حتى بلغت حدودها من كوريا شرقاً إلى حدود الدولة الخوارزمية الإسلامية غرباً، ومن سهول سيبيريا شمالاً إلى بحر الصين جنوباً، وفي غضون سنوات قليلة أصبح يِضم بين طياته دولة الصين بكاملها، والصين وحدها (9) مليون كيلو متر مربع تقريباً، فضم الصين ومنغوليا وفيتنام وكوريا وكمبوديا وتايلاند وأجزاء من سيبيريا.

    واسم التتار والمغول يطلق على الأقوام الذين نشئوا في شمال الصين، في صحراء تسمى صحراء جوبي في منغوليا.
    فالتتار هم أصل القبائل في هذه المنطقة، ومنهم جاءت قبائل أخرى كثيرة، منها: قبيلة المغول والترك والسلاجقة وغيرها من القبائل، وعندما سيطر جنكيز خان على هذه المنطقة أطلق اسم المغول على هذه القبائل كلها، وكان للتتار ديانة عجيبة جداً، خليطة من أديان مختلفة، فقد جمع جنكيز خان بعض الشرائع من الإسلام ومن المسيحية ومن البوذية، واخترع أشياء من عنده، ثم أخرج من عنده كتاباً جعله كالدستور للتتار، وسمى هذا الكتاب: الياسق أو الياسك أو الياسة، حسب التسميات المختلفة، فكان دستور دولة التتار ودينهم.









    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,739

    افتراضي رد: التتار من البداية إلى عين جالوت


    - التتار من البداية إلى عين جالوت

    السمات المميزة لحروب التتار مع غيرهم (5)


    راغب السرجاني



    كانت حروب التتار مع غيرهم تتميز بصفات خاصة جداً:

    أولاً: سرعة انتشار رهيبة.
    ثانياً: أعداد ضخمة هائلة من البشر، وملايين من المقاتلين.
    ثالثاً: نظام محكم وترتيب عجيب جداً.
    رابعاً: تحمل للظروف قاسية، فهم يقاتلون في الحر والبرد والصحاري والأدغال وفي كل مكان.
    خامساً: قيادة عسكرية بارعة جداً، وليس فقط جنكيز خان وإنما جميع القادة الذين تحته كانت لديهم قدرة قيادية فذة حقيقية.
    سادساً: أنهم بلا قلب تماماً، فحروب التتار كانت حروب تخريب غير طبيعية، ومن السهل أن ترى في تاريخهم أنهم دخلوا مدينة كذا فدمروها وقتلوا كل سكانها، ولم يفرقوا في ذلك بين رجل وامرأة، ولا بين رضيع وشاب، ولا بين صغير وشيخ، ولا بين ظالم ومظلوم، ولا بين مدني ومحارب، بل أبادوهم إبادة جماعية رهيبة، فقد كانت طباعهم دموية لا تصل إليها الحيوانات الشرسة، وكأن قصدهم إبادة العالم، فهم لا يقصدون الملك والمال، ولا يريدون من الدنيا شيئاً إلا أن يخربوها.


    سابعاً: رفض قبول الآخر، وعدم قبول آخر يعيش بجانبهم، وإنما كان عندهم مبدأ القطب الواحد، ولا يقبلون التعامل مع الدول الأخرى المحيطة بهم، والغريب أنهم كانوا يتظاهرون دائماً بأنهم ما جاءوا إلى البلاد إلا ليقيموا الدين، ولينشروا العدل، وليخلصوا البلاد من الظالمين.


    ثامناً: أنهم كانوا لا عهد لهم مطلقاً، ولا أيسر عندهم من نقض العهود وإخلاف المواثيق، ولا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، وكانت هذه صفة أصيلة فيهم، لازمة لهم، لم يتخلوا عنها مطلقاً في أي مرحلة من مراحل دولتهم، منذ قيامها وإلى أن سقطت.
    هذه هي السمات التي اتصف بها جيش التتار، وهي صفات تتكرر كثيراً في كل جيش لم يضع في حسبانه قوانين السماء وشريعة الله عز وجل، والذين يملكون القوة ويفتقرون إلى الدين لا بد أن يكونوا بهذه الصورة، وقد يتفاوتون في الجرائم والفظائع، ولكنهم في النهاية مجرمون،

    فقد كانت حروب المرتدين قريباً من هذا، وكذلك حروب الفرس والرومان، وكذلك حروب الصليبيين في الشام ومصر والأندلس، ثم سار على طريقتهم بعد ذلك أتباعهم من المستعمرين من الأسبانيين والبرتغاليين والإنجليزيين والفرنسيين والطليان واليهود، ثم الأمريكيين، فكلهم شكل واحد، وقد يختلف الشكل الخارجي أحياناً، وتختلف الوجوه والأشكال، ولكن القلوب واحدة، فقد امتلأت حقداً وضغينة وشحناء وبغضاء على كل ما هو إسلامي، بل على كل ما هو حضاري، يقول الله عز وجل في حقهم: {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات: 53].

    إذاً: القوى التي كانت موجودة على الساحة في أوائل القرن السابع الهجري كانت ثلاث قوى رئيسية: القوة الأولى: قوة الأمة الإسلامية، وهي قوة ذات تاريخ عظيم جداً، وأمجاد معروفة، ولكنها كانت تمر بفترة من فترات الضعف، وهذا الضعف وإن كان شديداً إلا أنه لم يسقط هيبتها تماماً؛ لأن أعداءها كانوا يعلمون أن أسباب النصر وعوامل القوة مزروعة في داخل هذه الأمة، وهي فقط تحتاج إلى من يستخرج هذه الأسباب وينميها.


    القوة الثانية: قوة الصليبيين، وهم وإن كانوا أيضاً في حالة ضعف وتخلف علمي وحضاري شديدين بالمقارنة بالأمة الإسلامية، إلا أنهم كانوا قوة لا يستهان بها؛ لكثرة أعدادهم، وشدة حقدهم وإصرارهم على استكمال المعركة إلى النهاية مع المسلمين، وصدق الله العظيم إذ يقول في كتابه الكريم: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُم ْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217].
    فكانت قوة الإسلام وقوة الصليبيين تمثلان سوياً قوة العالم القديم في ذلك الوقت.


    ثم ظهرت القوة الثالثة الجديدة: وهي قوة التتار، وكانت قوة همجية بشعة، فهي قوة بلا تاريخ، وبلا حضارة، فقد ظهرت فجأة وليس عندها مخزون ثقافي أو حضاري أو ديني يسمح لها بالتفوق على غيرها، فكان لا بد لها من الاعتماد على القوة الهمجية والحرب البربرية؛ لفرض سطوتها على من حولها.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,739

    افتراضي رد: التتار من البداية إلى عين جالوت

    - التتار من البداية إلى عين جالوت

    تحالف قوى الكفر ضد الإسلام سنة ماضية (6)



    راغب السرجاني



    من سنة الله عز وجل أن يحدث الصراع بين القوى المختلفة، ويحدث التدافع بين الفرق المتعددة.
    ومن سنة الله عز وجل كذلك أن الأقوياء المفتقرين إلى الدين لا يقبلون أبداً بوجود الضعفاء إلى جوارهم، ولا يرحمونهم مطلقاً.
    ومن سنة الله عز وجل أيضاً أن الباطل مهما تعددت صوره، فلا بد أن يجتمع لحرب الحق مهما كانت الأيدولوجيات والتوجهات مختلفة.
    ومن سنة الله عز وجل كذلك أن الحرب بين الحق والباطل لا بد أن تستمر إلى يوم القيامة.


    فإذا وضعنا كل هذه السنن في أذهاننا، فإننا يجب أن نتوقع تعاوناً بين التتار والصليبيين -على اختلاف توجهاتهم وسياساتهم ونظرياتهم- لحرب المسلمين، وهذا ما حدث بالضبط.
    فقد أرسل الصليبيون وفداً رفيع المستوى من أوروبا إلى منغوليا -والمسافة بينهما مسافة تزيد على اثني عشر ألف كيلو متر ذهاباً فقط-؛ ليحفزوا التتار على غزو بلاد المسلمين، وإسقاط الخلافة العباسية، واقتحام بغداد درة العالم الإسلامي في ذلك الوقت،

    فقد كان الصليبيون غير قادرين على دخول العالم الإسلامي، فقد كانوا ضعفاء حال خروجهم من معركة حطين ومعركة الأرك، ويريدون أن يدمروا أمة الإسلام، فنظروا إلى هذه القوة الجديدة الناشئة، فأرسلوا إليها، يعرضون عليها التعاون معها، وعظموا لهم جداً من شأن الخلافة الإسلامية، وذكروا لهم أنهم سيكونون عوناً لهم في بلاد المسلمين، وعيناً لهم هناك، وبذلك تم إغراء التتار إغراء كاملاً، وحدث ما توقعه الصليبيون، فقد سال لعاب التتار لأملاك الخلافة العباسية، وقرروا غزو هذه البلاد الواسعة الغنية جداً بثرواتها، والمليئة بالخيرات، هذا مع عدم توافق التتار مع الصليبيين في أمور كثيرة، حتى إنه دارت بينهم بعد ذلك حروب في أماكن متفرقة من العالم، فقد حارب التتار الصليبيين في كل مكان، ولكنهم عندما يواجهون أمة الإسلام، فإنهم يوحدون صفوفهم لحرب الإسلام والمسلمين.

    وهذا الكلام ليس غريباً، بل هو من السنن الثابتة لأهل الباطل في حربهم على المسلمين، فقد تعاون قبل ذلك اليهود مع المشركين لحرب الرسول صلى الله عليه وسلم، مع الاختلاف الكبير جداً بين عقائد اليهود وعقائد المشركين، وتعاون بعدهم الفرس مع الرومان في حرب المسلمين، مع شدة الكراهية بين الدولتين الكبيرتين: فارس، والروم، ومع الثارات القديمة والخلافات المستمرة والحروب الطويلة بينهما، وتعاون أيضاً الإنجليز مع اليهود لإسقاط الخلافة العثمانية، واحتلال فلسطين، وزرع إسرائيل في داخل هذه الأرض المباركة، مع شدة العداء بين اليهود والنصارى، واليوم نرى التعاون بين الروس مع الأمريكان للقضاء على ما يسمونه بالإرهاب الإسلامي، فروسيا تسهل مهمة أمريكا في حروبها مع أفغانستان والعراق وفلسطين، وأمريكا تسهل مهمة روسيا في حربها ضد الشيشان، والضحية في الحالتين من المسلمين.


    فاتحاد أهل الباطل في حربهم ضد المسلمين أمر متكرر، وسنة ماضية؛ ولأجل ذلك لا يستقيم أن يتعامل المسلمون بالمبدأ القائل: عدو عدوي صديقي.
    بل لا بد أن يعرف المسلمون أعداءهم، وأن عدو عدوهم قد يكون أيضاً عدوهم، وقد يتحالف المسلمون أحياناً مع أعدائهم لهدف خاص، وإلى أجل معين، ولكن لا يصح أن يكون ذلك بتفريط في الدين، أو بتساهل في الحقوق، بل لا بد أن يكون بحذر كاف، وإلى أجل معلوم، ولا يصل الأمر إلى الولاء والصداقة ونسيان الحقائق التي ذكرها ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم حين قال: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120].


    والمهم في كل ذلك أن التتار بدءوا يفكرون جدياً في غزو بلاد العالم الإسلامي، ويخططون بحماسة لإسقاط الخلافة العباسية، ودخول بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية منذ خمسة قرون، فبدءوا في التفكير في التمركز في منطقة أفغانستان وأوزباكستان، وهذه الأحداث تتكرر اليوم بحذافيرها؛ لأن الله عز وجل يريد أن يرسخ في أذهاننا أن سننه سبحانه وتعالى ثابتة لا تتغير ولا تتبدل.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,739

    افتراضي رد: التتار من البداية إلى عين جالوت

    - التتار من البداية إلى عين جالوت
    احتلال التتار لكازاخستان وبخارى (7)


    راغب السرجاني



    أما جنكيز خان فقد جهز جيشه من جديد، واخترق إقليم كازاخستان -وكازاخستان دولة حجمها ثلاثة ملايين كيلو متر مربع تقريباً، يعني: ثلاثة أضعاف دولة مصر- وقطعه دون مقاومة تذكر، حتى وصل إلى مدينة بخارى -وهي الآن في دولة أوزباكستان، وهي بلدة الإمام الجليل والمحدث العظيم البخاري رحمه الله- فحاصرها سنة (316هـ)، ثم طلب من أهلها التسليم على أن يعطيهم الأمان، وكان محمد بن خوارزم شاه بعيداً عنها في ذلك الوقت، فقد كان يعيش في أورجندة -وهي تقع في دولة تركمانستان المسلمة الآن- فاحتار أهلها ماذا يفعلون، ثم ظهر رأيان:

    الرأي الأول: قال أصحابه: نقاتل التتار وندافع عن مدينتنا.
    الرأي الثاني: قال أصحابه: نأخذ الأمان ونفتح الأبواب للتتار؛ لتجنب القتل، وما أدرك هؤلاء أن التتار لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، وهكذا انقسم أهل البلد إلى فريقين: فريق من المجاهدين قرروا القتال واعتصموا بالقلعة في المدينة، وانضم إليهم فقهاء المدينة وعلماؤها، وفريق آخر من المستسلمين -وهم الفريق الأعظم والأكبر في المدينة- قرروا فتح أبواب المدينة والاعتماد على أمان التتار، ففتحت المدينة المسلمة أبوابها للتتار، ودخل جنكيز خان إلى المدينة الكبيرة، وأعطى أهلها الأمان فعلاً في أول دخوله خديعة لهم؛ وذلك حتى يتمكن من السيطرة على المجاهدين في القلعة الكبيرة داخل المدينة،

    وبدأ جنكيز خان في حصار القلعة، وأمر جنكيز خان أهل المدينة من المسلمين أن يساعدوه في ردم الخنادق حول القلعة؛ ليسهل فتحها، فأطاعوه، ولا تستغربوا ذلك، فنحن نرى كثيراً من جيوش المسلمين يحاربون مع أعدائهم إخوانهم المسلمين، فحوصرت القلعة عشرة أيام، ثم فتحت عنوة، ولما دخلها جنكيز خان عليه لعنة الله قتل من فيها من المجاهدين جميعاً، ولم يبق فيها مجاهداً، وهنا بدأ جنكيز خان في خيانة عهده، فسأل أهل المدينة عن كنوزها وأموالها وذهبها وفضتها، واصطفى كل ذلك لنفسه، ثم أحل المدينة المسلمة لجنده، ففعلوا فيها ما لا يتخيله عقل.

    يقول ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية مصوراً ما فعله التتار في بخارى: فقتلوا من أهلها خلقاً لا يعلمهم إلا الله عز وجل، وأسروا الذرية والنساء، وفعلوا مع النساء الفواحش في حضرة أهليهن، وارتكبوا الزنا مع البنت في حضرة أبيها، ومع الزوجة في حضرة زوجها، فمن المسلمين من قاتل دون حريمه حتى قتل، ومنهم من أسر فعذب بأنواع العذاب، وكثر البكاء والضجيج بالبلد من النساء والأطفال والرجال، ثم أشعلت التتار النار في دور بخارى ومدارسها ومساجدها فاحترقت المدينة تماماً، حتى صارت خاوية على عروشها.
    انتهى كلام ابن كثير رحمه الله.
    ولا حول ولا قوة إلا بالله.
    وقد روى البخاري ومسلم عن أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: (يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: « نعم، إذا كثر الخبث».
    والخبث كان قد كثر جداً في هذه البلاد.


    فمن الخبث ألا يرفع المسلمون سيوفهم ليدافعوا عن دينهم وأرضهم وعرضهم.
    ومن الخبث أن يصدق المسلمون بعهود الكافرين لهم.
    ومن الخبث أن يسلم المسلمون من رفعوا راية الجهاد فيهم إلى عدوهم.
    ومن الخبث أن يتفرق المسلمون ويتقاتلوا فيما بينهم.
    ومن الخبث ألا يحتكم المسلمون إلى كتاب ربهم وإلى سنة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم.
    هذا كله من الخبث.
    وإذا كثر الخبث فلا بد أن تحدث الهلكة، وصدق الرسول الحكيم صلى الله عليه وسلم.
    وهكذا هلكت بخارى في سنة (616هـ).


    هذه أول صفحات القصة، وبداية الطوفان والإعصار، وستكون صفحات القصة القادمة أشد سواداً وأكثر دماءً، وسيدخل المسلمون فيها أسوأ وأظلم السنوات التي مرت على تاريخ المسلمين منذ بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا، فماذا حدث في هذه السنة الرهيبة (617هـ)؟ وماذا فعل فيها التتار؟ وماذا فعل فيها المسلمون؟ وما هو مصير محمد بن خوارزم شاه الزعيم المسلم لدولة خوارزم الكبرى؟ وما هو مصير شعبه؟ وما هو مصير الدول الإسلامية المحيطة بدولة خوارزم؟ هذا ما سنعرفه وغيره إن شاء الله في الدرس القادم.


    أسأل الله عز وجل أن يفقهنا في سننه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يجعل لنا في التاريخ عبرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
    {فَسَتَذْكُرُون مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [غافر: 44].
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.








    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,739

    افتراضي رد: التتار من البداية إلى عين جالوت

    - التتار من البداية إلى عين جالوت

    هجوم التتار على الدولة الخوارزمية (8)



    راغب السرجاني


    بدأ الإعصار التتاري الرهيب على بلاد العالم الإسلامي، وجاء جنكيز خان بجيشه الكبير في الهجمة التتارية الأولى لغزو مملكة خوارزم شاه، وخرج له محمد بن خوارزم شاه بجيشه أيضاً، وكان هذا في سنة (616هـ)، أي: بعد ثلاث عشرة سنة فقط من قيام دولة التتار- فدولة التتار بدأت في منغوليا في جزء صغير جداً منها سنة (603هـ)، ولم تأت سنة (616هـ) إلا وكانت قد احتلت تقريباً كل شرق آسيا،
    ولم يبق غير الدولة الخوارزمية، والتقى جيش التتار مع جيش محمد بن خوارزم شاه في شرق الدولة الخوارزمية أو في غرب الصين، واستمرت الحرب أربعة أيام متصلة في شرق نهر سيحون، المعروف الآن باسم نهر سرداريا، والواقع في دولة كازاخستان المسلمة، فقتل من الفريقين خلق كثير، واستشهد من المسلمين في هذه الموقعة عشرون ألفاً، ومات من التتار أضعاف ذلك، ثم تحاجز الفريقان، وبعد أن تحاجز الفريقان انسحب محمد بن خوارزم شاه بعد أن وجد أن أعداد التتار هائلة،
    ثم ذهب إلى تحصين المدن الكبرى في مملكته وبالذات العاصمة أورجندة، وانشغل بتجميع الجيوش من أطراف مملكته، وقد كان منفصلاً ومعادياً للخلافة العباسية في العراق، ولغيرها من الممالك الإسلامية، فلم يكن على وفاق مع الأتراك، ولا مع السلاجقة، ولا مع الغوريين في الهند، فقد كانت مملكته منعزلة عن بقية العالم الإسلامي، ووحيدة في مواجهة الغزو التتري المهول،

    وهذه المملكة وإن كانت قوية وكبيرة، وثابتة في أول اللقاءات، إلا أنها لن تصمد بمفردها أمام الضربات التتارية المتوالية بلا شك.








    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,739

    افتراضي رد: التتار من البداية إلى عين جالوت

    - التتار من البداية إلى عين جالوت

    أسباب هزيمة المسلمين أمام التتار (9)



    راغب السرجاني



    لم يكن سبب المأساة الإسلامية بعد ذلك في الأساس هذه القوة التترية وبأسها وعددها، وإنما كان بسبب الفرقة والتشتت والتشرذم بين ممالك المسلمين، وصدق الله العظيم إذ يقول: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46].

    فالفشل جعله الله عز وجل قريناً للتنازع، والمسلمون في ذلك الوقت كانوا في نزاع مستمر وخلاف دائم، وعندما كانت تحدث بعض فترات الهدنة في الحروب مع التتار، كان المسلمون يغيرون على بعضهم بعضاً، ويأسرون بعضهم بعضاً، ويقتلون بعضهم بعضاً، وقد علم يقيناً أن من كانت هذه صفتهم فلا يكتب لهم النصر أبداً.


    فقد روى الإمام مسلم رحمه الله عن ثوبان رضي الله عنه وأرضاه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة» -يعني: لا يهلك أمة الإسلام بكاملها بقحط مثلاً- «وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم -يعني: لا يأتي عدو من أعداء أمة الإسلام فيستأصلها بكاملها، مهما كانت قوة هذا العدو- وإن ربي قال: يا محمد! إني إذا قضيت قضاء، فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وألا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها»، -أي: إذا اجتمع أهل الأرض جميعاً لحرب أمة الإسلام، فلن يستأصلوها، هذا وعد من رب العالمين سبحانه وتعالى- ثم قال: حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً»

    وكان المسلمون في تلك الفترة يهلك بعضهم بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً، فلا عجب إن غلبهم جيش التتار أو غيره.
    وبالإضافة إلى داء الفرقة، فقد أخطأ محمد بن خوارزم خطأ واضحاً في الإعداد، وهو أنه مع اهتمامه بتحصين العاصمة أورجندة إلا أنه ترك كل المساحات الشرقية في دولته دون حماية كافية، فعلى الرغم من كونه قائداً محنكاً وعلى دراية بالحروب، إلا أنه وقع في مثل هذا الخطأ الساذج، فقد ترك كل الحدود الشرقية دون حماية، وهذا لم يكن خطأً تكتيكياً في المقام الأول، ولكنه كان خطأً قلبياً أخلاقياً في الأساس.



    فقد اهتم محمد بن خوارزم الزعيم المسلم لدولة خوارزم بتأمين نفسه وأسرته ومقربيه، والحفاظ على كنوزه وكنوز آبائه، وأهمل تماماً تأمين شعبه والحفاظ على مقدراته وأملاكه، وعادة ما يسقط أمثال هؤلاء القواد أمام الأزمات التي تعصف بأمتهم، بل وتسقط الشعوب التي تقبل بهذه الأوضاع المقلوبة دون إصلاح.









    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,739

    افتراضي رد: التتار من البداية إلى عين جالوت

    - التتار من البداية إلى عين جالوت


    أسباب غزو التتار للدولة الخوارزمية (10)



    راغب السرجاني



    فكر جنكيز خان بالذهاب إلى أفغانستان وأوزباكستان قبل الذهاب إلى العراق؛ لأن المسافة كبيرة بين الصين والعراق، ولا بد من وجود قواعد إمداد ثابتة للجيوش التترية في منطقة متوسطة بين العراق والصين، وهذه المنطقة تعرف اليوم بالقوقاز، وكانت غنية جداً بثرواتها الزراعية والاقتصادية في ذلك الوقت، والآن في القرن الخامس عشر الهجري ظهر فيها أيضاً البترول، حتى أصبحت من أغنى مناطق العالم بالبترول،
    بل يقال: إن المخزون الذي فيها أعلى من المخزون الذي في الخليج، وكانت من حواضر الإسلام المشهورة، وكنوزها كثيرة، وأموالها وفيرة، هذا بالإضافة إلى أن جنكيز خان لا يستطيع تكتيكياً أو إستراتيجياً أن يحارب العراق وفي ظهره شعوب مسلمة قد تحاربه، أو تقطع عليه خطوط الإمداد، فمن أجل كل هذا فكر جنكيز خان أولاً خوض حروب متتالية مع المنطقة الشرقية من الدولة الإسلامية، والتي تعرف بالدولة الخوارزمية، فقد كانت تضم بين طياتها عدة أقاليم إسلامية، ولا مانع عندهم من نقض العهد وتمزيق كل الاتفاقيات السابقة، وهي سنة في أهل الباطل، قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 100].

    وحتى تكون الحرب مقنعة لكلا الطرفين، فلا بد من وجود سبب يدعو إلى الحرب، فهو الآن في حالة اتفاق، ويريد أن يدعي أن الاتفاقيات بين الدولتين لم تعد سارية، فبحث جنكيز خان عن سبب مناسب فلم يجد، ثم حدث أمر مفاجئ يصلح أن يكون سبباً مقنعاً للحرب، ولم يكن هذا السبب من إعداد جنكيز خان، ولكن لا مانع من استغلاله، وتقديم بعض الخطوات في خطة الحرب، وتأخير خطوات أخرى، فهو في كل الأحوال سيدخل أرض المسلمين وينقض العهد معهم، وليس في ذلك خلاف، ولكنه يريد سبباً منطقياً أمام المسلمين والتتار والعالم أجمع.


    وكان هذا الأمر أن مجموعة من تجار المغول ذهبوا إلى مدينة أوترار الإسلامية في شرق مملكة خوارزم شاه، وفي حدود الدولة التترية، فأمسكهم حاكم المدينة المسلم وقتلهم، وقد اختلف المؤرخون في سبب قتلهم.
    فمنهم من يقول: إنهم كانوا جواسيس أرسلهم جنكيز خان للتجسس على الدولة الإسلامية واستفزازها.
    ومنهم من يقول: إن هذا كان عمداً من حاكم مدينة أوترار؛ رداً على عمليات السلب والنهب التي قام بها التتار في بلاد ما وراء النهر، وهي بلاد خوارزمية مسلمة.
    ومنهم من يقول: إن هذا كان فعلاً متعمداً من حاكم أوترار المسلمة؛ لاستثارة التتار للحرب؛ ليدخل خوارزم شاه منطقة تركستان التي كانت في أملاك التتار في ذلك الوقت.


    وهذا الرأي مستبعد؛ لأن محمد بن خوارزم شاه لم تكن له أطماع تذكر في أرض التتار، وكل ما كان يريده هو بقاء كل فريق في مملكته دون تعد على الآخر، وليس من المعقول أن يستثير التتار وهو يعلم أعدادهم وجيوشهم، أو أنه لم يكن يدري عن قواتهم شيئاً، فهم الملاصقون له، وقد ذاع صيت جنكيز خان في كل مكان في ذلك الوقت.


    ومن المؤرخين من يقول: إنما أرسل جنكيز خان بعضاً من رجاله إلى أرض المسلمين؛ ليقتلوا تجار التتار هناك؛ حتى يكون ذلك سبباً لغزو بلاد المسلمين.
    ومنهم من قال: إن حاكم أوترار طمع في أموال التجار فقتلهم لأجلها.
    وكل هذه الاحتمالات واردة، قتل التجار أو الجواسيس.


    فلما وصل النبأ إلى جنكيز خان أرسل رسالة إلى محمد بن خوارزم شاه زعيم دولة خوارزم الكبرى يطلب منه تسليم القتلة إليه حتى يحاكمهم بنفسه، ولكن محمد بن خوارزم شاه اعتبر ذلك تعدياً على سيادة البلاد المسلمة، فهو لن يسلم مجرماً مسلماً ليحاكم في بلدة أخرى وبشريعة أخرى،

    وقال له: إنه سيحاكمهم في بلاده، فإن ثبت أنهم قتلوا التتار، عاقبهم في بلادهم حسب نصوص الشريعة الإسلامية.
    وكان هذا الكلام منطقياً ومقبولاً جداً في كل أعراف أهل الأرض وبقاعهم، فأي بلد يحدث في داخله جريمة، فإن المجرمين يعاقبون على جريمتهم بقانون هذا البلد، ولكن جنكيز خان لم يكن يرغب بالاقتناع بهذا الكلام، فليس المجال مجال الحجة والبرهان والدليل، وإنما كان تخطيطاً مسبقاً لغزو العالم الإسلامي، ولن يعطل هذا التخطيط حجة أو برهان أو دليل،


    فهو إنما كان فقط يبحث عن علة مناسبة لدخول الأراضي الإسلامية واحتلالها، وقد وجد في قتل التجار هذه العلة التي كان يبحث عنها.








    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,739

    افتراضي رد: التتار من البداية إلى عين جالوت

    - التتار من البداية إلى عين جالوت

    مقدمة ابن الأثير لحادثة التتار(11)



    راغب السرجاني


    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
    بسم الله الرحمن الرحيم.

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.


    أما بعد: ذكرنا في المحاضرة السابقة قصة نشأة دولة التتار، وحالة الضعف الشديد التي كانت تمر بها أمة الإسلام والفرقة والتشتت والترف والتمسك بالدنيا، وهذه الحالة أدت إلى اجتياح تتري لشرق الدولة الخوارزمية واحتلال مدينة بخارى المسلمة واستباحتها استباحة تامة، فقتل الرجال واغتُصبت النساء وأُسر الأطفال وأحرقت الديار والمساجد، كل هذا تم في أواخر السنة السادسة عشرة بعد الستمائة من الهجرة، وكانت هذه الأحداث المؤلمة مجرد مقدمة لأحداث أشد إيلاماً.


    انتهت سنة 616 هـ باحتلال مدينة بخارى وإقليم كازاخستان المسلم، لتبدأ سنة 617 هـ بأحداثها الرهيبة.
    وقد كانت 617 هـ من أبشع السنوات التي مرت على المسلمين منذ بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى هذه اللحظة، فقد علا فيها نجم التتار، حتى اجتاحوا البلاد الإسلامية اجتياحاً لم يُسبق، وأحدثوا فيها من المجازر والفظائع والمنكرات ما لم يُسمع به مطلقاً ولا يُتخيل أصلاً.


    وأرى أنه من المناسب أن نقدم لهذه الأحداث بكلام المؤرخ الإسلامي العلامة ابن الأثير رحمه الله في كتابه القيم الكامل في التاريخ، وكلامه يعتبر به في هذا المجال أكثر من غيره؛ لأنه كان معاصراً لهذه الأحداث، فقد عاش في نفس الفترة التي تمت فيها هذه الأحداث ورأى بعينه وسمع بأذنه رحمه الله، وليس من رأى كمن سمع، فهو يقدم لشرحه لقصة التتار في بلاد المسلمين بقوله: لقد بقيت عدة سنين معرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها، كارهاً لذكرها، فأنا أقدم إليه رجلاً وأؤخر أخرى.


    ثم يقول كلمة غريبة جداً وعجيبة ومؤلمة، يقول: فمن ذا الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ والذي كان معاصراً لهذه الأحداث ظن أن هذه بداية النهاية، وأنها علامات الساعة الكبرى، وأن الأرض ستنتهي الآن وسيبدأ يوم القيامة، ولم يظن أن أمة الإسلام ستبقى بعد هذه الأحداث.
    يقول رحمه الله: فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً.
    ثم يقول: إلا أنه حثني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف، ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعاً.
    أي: أن كتابة القصة أو عدم كتابتها لن يقدم ولن يؤخر، فلماذا لا تُكتب ليستفيد المسلمون بعد ذلك منها؟

    ثم يقول مقدماً للقصة: فنقول: هذا الفعل يتضمن ذكرى الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق، وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم منذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقاً، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها.


    ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث -أي: الحوادث السابقة- ما فعله بختنصر ببني إسرائيل من القتل، وتخريب البيت المقدس، وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرّب هؤلاء الملاعين من البلاد، التي كل مدينة منها أضعاف البيت المقدس؟ وما بنو إسرائيل إلى من قتلوا -أي: بنو إسرائيل كلهم في ذلك الوقت ما نسبتهم إلى الذين قُتلوا من المسلمين-؟ فإن أهل مدينة واحدة ممن قتلوا أكثر من بني إسرائيل، ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم.


    ثم يقول قولاً غريباً عجيباً، فيقول: ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا، إلا يأجوج ومأجوج، وأما الدجال فإنه يبقي على من اتبعه، ويُهلك من خالفه، وهؤلاء لم يبقوا على أحد.
    فعند ابن الأثير رحمه الله أن فتنة التتار وبأسهم وقوتهم أشد من فتنة الدجال، وفتنة الدجال أشد وأمر، ولكن من شدة المأساة وقع هذا الكلام على لسانه رحمه الله.
    ثم يقول: بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقوا بطون الحوامل، وقتلوا الأجنة في بطون أمهاتهم.
    فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
    كانت هذه مقدمة كتبها ابن الأثير رحمه الله لكلام طويل جداً يفيض ألماً وحزناً وهماً وغماً، لقد كانت كارثة على العالم الإسلامي بكل المقاييس، بمقاييس الماضي والحاضر والمستقبل، فإن هذه المصيبة تتضاءل إلى جوارها كثير من مصائب المسلمين في كل العصور.








    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,739

    افتراضي رد: إلى التتار من البداية إلى عين جالوت

    - التتار من البداية إلى عين جالوت

    احتلال سمرقند (12)


    راغب السرجاني




    بعد أن دمّر التتار مدينة بخارى العظيمة وأهلكوا أهلها وأحرقوا ديارها ومساجدها ومدارسها، انتقلوا إلى المدينة المجاورة سمرقند وهي في دولة أوزباكستان الحالية، مثل بخارى واصطحبوا في طريقهم مجموعة كبيرة من أسارى المسلمين من مدينة بخارى،

    وكما يقول ابن الأثير: فساروا بهم على أقبح صورة، فكل من أعيا وعجز عن المشي قُتل.


    وأما لماذا يصطحبون الأسرى معهم من بخارى إلى سمرقند؟

    فقد كان هناك أكثر من هدف لاصطحاب الأسرى من بخارى إلى سمرقند، وكانت هذه سنة من سنن التتار، ففي كل حرب كانوا يأخذون معهم الأسرى، لعدة أسباب.
    أولاً: كانوا يعطون كل عشرة من الأسرى علماً من أعلام التتار يرفعونه، فإذا رآهم أحد من بعيد ظن أن المجموع كله من التتار، فتكثر أعداهم جداً في أعين أعدائهم بشكل رهيب فلا يعتقدون مطلقاً أنهم يقدرون على قتالهم فيستسلمون، فتبدأ الهزيمة النفسية تدب في قلوب من يواجهونه.
    ثانياً: كانوا يجبرون الأسارى على أن يقاتلوا معهم ضد أعدائهم، ومن رفض القتال أو لم يظهر فيه قوة قتلوه، فكان الأسرى المسلمون يقاتلون المسلمين مع التتار كرهاً.
    ثالثاً: كانوا يتترسون بهم عند لقاء المسلمين، فيضعونهم في أول الصفوف كالدروع، ويختبئون خلفهم، فإذا أطلق المسلمون السهام على جيش التتار أصابت الأسرى المسلمين، والتتار يطلقون سهامهم من خلف صفوف الأسرى المسلمين.
    رابعاً: كانوا يقتلونهم على أبواب المدن لبث الرعب في قلوب أعدائهم، وإعلامهم أن هذا هو المصير الذي ينتظرهم إذا قاوموا التتار.
    خامساً: كانوا يبادلون بهم الأسرى في حال أسر رجال من التتار في القتال، وإن كان هذا قليلاً؛ لقلة الهزائم في جيش التتار.
    وكانت سمرقند من حواضر الإسلام العظيمة جداً، ومن أغنى مدن المسلمين في ذلك الوقت، ولها قلاع حصينة وأسوار عالية، ولهذه القيمة الاستراتيجية والاقتصادية الكبيرة ترك فيها محمد بن خوارزم شاه زعيم الدولة الخوارزمية خمسين ألف جندي خوارزمي لحمايتها فوق أهلها، فأهل سمرقند يقدرون بمئات الآلاف دون مبالغة.


    ولما وصل جنكيز خان إلى مدينة سمرقند حاصرها من كل الاتجاهات، ولم يخرج الجيش الخوارزمي النظامي للدفاع عن البلد، فقد دب الرعب في قلوبهم وتعلقوا بالحياة تعلقاً مخزياً، فاجتمع أهل البلد وتباحثوا في أمرهم بعد أن فشلوا في إقناع الجيش المتخاذل بالخروج للدفاع عنهم، فقرر بعض الذين في قلوبهم حمية من عامة الناس أن يخرجوا لحرب التتار، فخرج سبعون ألفاً من أهل الجلد من سمرقند، وخرج معهم العلماء والفقهاء على أرجلهم دون خيول ولا دواب، ولم يكن لهم دراية عسكرية تمكنهم من القتال، ولكنهم فعلوا ما كان يجب أن يفعله الجيش المتهاون الذي لم تستيقظ نخوته بعد، وعندما رأى التتار أهل سمرقند يخرجون لهم قاموا بخدعة خطيرة، وهي الانسحاب المتدرج من حول أسوار المدينة محاولين سحب المجاهدين المسلمين بعيداً عن مدينتهم، فبدءوا يتراجعون تدريجياً بعيداً عن سمرقند، وقد نصبوا الكمائن خلفهم، ونجحت خطة التتار، فبدأ المسلمون المفتقدون لحكمة القتال يطمعون فيهم، وتقدموا خلف الجيش التتري، حتى إذا ابتعد المسلمون عن المدينة بصورة كبيرة أحاط بهم جيش التتار، وبدءوا عملية تصفية بشعة لأفضل رجال سمرقند من المجاهدين والعلماء والفقهاء،

    واستشهد في هذا اللقاء غير المتكافئ السبعون ألفاً جميعاً الذين خرجوا، وفقد المسلمون في سمرقند سبعين ألفاً من رجالهم دفعة واحدة، ولقد كانت مأساة المسلمين عظيمة عندما فقدوا 70 رجلاً في غزوة أحد، وعندما فقدوا 70 رجلاً في بئر معونة كانت المصيبة كبيرة، وظل صلى الله عليه وسلم يدعو على أولئك الذين قتلوا هؤلاء المسلمين شهراً كاملاً،
    وهنا سبعون ألف مسلم في لحظات فنوا جميعاً، وقد كانوا أفضل أهل سمرقند، وليست مفاجأة أن يُقتل سبعون ألف مسلم على يد التتار، وهذا أمر متوقع، ودفع المسلمون ثمن عدم استعدادهم للقتال، وعدم اهتمامهم بالتربية العسكرية لأبنائهم، وعدم الاكتراث بالقوى الهائلة التي تحيط بدولتهم، فدولة التتار منذ 14 سنة تتوسع تدريجياً حولهم وتقترب تدريجياً من حدود بلادهم، فأين الاستعداد لمثل ذلك اليوم؟
    وبعد إفناء المجاهدين المسلمين عاد التتار لحصار سمرقند، وأخذ الجيش الخوارزمي النظامي قراراً مهيناً، فقد قرر أن يطلب الأمان من التتار على أن يفتح لهم أبواب المدينة، وهم يعلمون أن التتار لا يحترمون العقود ولا العهود، ولا يرتبطون باتفاقيات، وما أحداث بخارى عنهم ببعيد، ولكنهم تمسكوا بالحياة إلى آخر درجة، مثل ما فعل الفيلق الخامس من جيش العراق مع الأمريكان في الحرب الأخيرة، فقد سلموا العراق ببساطة.

    فوافق التتار على إعطاء الأمان، وقد عزموا عزماً أكيداً على النقض والمخالفة، ولم يقدر عامة الناس وجمهورهم على منع الجيش، لأنه كان كالأسد ضد شعبه وكالنعامة ضد أعدائه، ففتحوا الأبواب للتتار، وخرجوا مستسلمين، فقال لهم التتار: ادفعوا إلينا سلاحكم وأموالكم ودوابكم ونحن نسيّركم إلى مأمنكم،










    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,739

    افتراضي رد: إلى التتار من البداية إلى عين جالوت

    - التتار من البداية إلى عين جالوت


    مطاردة التتار لمحمد بن خوارزم وفراره منهم (13)



    راغب السرجاني



    وأما جنكيز خان لعنه الله فقد استقر في سمرقند وأعجبته المدينة العملاقة التي لم ير مثلها قبل ذلك،
    ثم إن أول شيء فكّر فيه هو قتل رأس الدولة الخوارزمية؛ لأنه لو قتل هذا الرأس فسيسهل عليه بعد ذلك احتلال البلد دون خوف من تجميع الجيوش ضده، فأرسل عشرين ألفاً من فرسانه يطلبون محمد بن خوارزم زعيم البلاد، وقال لهم: اطلبوا خوارزم شاه أينما كان ولو تعلق بالسماء، وكونه أرسل عشرين ألف جندي تتري فقط لهذه المهمة الكبيرة فيه إشارة واضحة جداً إلى استهزائه بـ محمد بن خوارزم وأمته؛ لأن هذا الرقم الهزيل لهذه الكتيبة التترية الصغيرة، ستدخل في أعماق الملايين المسلمة وهي لا تقارن بهم بأي حال.


    فانطلق الفرسان التتار إلى مدينة أورجندة العاصمة مباشرة حيث يستقر محمد بن خوارزم شاه، وكانت تقع على الشاطئ الغربي من نهر جيحون -واسمه الآن نهر أموداريا- فجاء جنود التتار من الجانب الشرقي للنهر، وفصل النهر بين الفريقين، وتماسك المسلمون لعلمهم أن النهر يفصل بينهم وبين التتار، وأن التتار ليس معهم سفن.


    فأخذ التتار في إعداد أحواض خشبية كبيرة ثم ألبسوها جلود البقر حتى لا يدخل فيها الماء، ثم وضعوا في هذه الأحواض سلاحهم وعتادهم ومتعلقاتهم، ثم أنزلوا الخيول إلى الماء -والخيول تجيد السباحة- وربطوا الأحواض بأذنابها، فأخذت الخيول تسبح وخلفها الأحواض الخشبية بما فيها من سلاح وغيره، وبهذه الطريقة عبر جيش التتار نهر جيحون الكبير، ولا ندري أين كانت عيون الجيش الخوارزمي المصاحب لـ محمد بن خوارزم شاه؟

    وفوجئ المسلمون في مدينة أورجندة بجيش التتار إلى جوارهم، ومع أن أعداد المسلمين كانت كبيرة جداً، إلا أنهم كانوا قد ملئوا من التتار رُعباً وخوفاً، وما تماسكوا إلا لاعتقادهم أن النهر الكبير يفصل بينهم وبين جيش التتار، أما وقد أصبح التتار على مقربة منهم فلم يُصبح أمامهم إلا طريق الفرار، وكما يقول ابن الأثير رحمه الله: ورحل خوارزم شاه لا يلوي على شيء في نفر من خاصته، فقد جمّع أقاربه ومحبيه وعائلته واتجه إلى نيسابور، وهي في إيران الآن.

    فانتقل من دولة إلى دولة، وأما الجند النظاميون فقد تفرق كل منهم في جهة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأما التتار فكانت لهم مهمة محددة معروفة، البحث عن محمد بن خوارزم شاه، ولذلك تركوا أورجندة ولم يدخولها وانطلقوا في اتجاه نيسابور مخترقين الأراضي الإسلامية في عمقها، وهم لا يزيدون عن العشرين ألفاً، وجنكيز خان ما زال مستقراً في سمرقند، وكان من الممكن أن تحاصر هذه المقدمة التترية في أي بقعة من بقاع العالم الإسلامي أثناء تجوالهم في أعماقه، ولكن دب الرعب في قلوب المسلمين،

    وأخذوا في طريق الفرار اقتداء بزعيمهم الذي ظل يفر من بلد إلى بلد، ومن مدينة إلى مدينة كما نرى، ولم يكن التتار في هذه المطاردة الشرسة يتعرضون لسكان البلاد بالسلب أو النهب أو القتل، فقد كان لهم هدف واضح، فهم لا يريدون أن يضيعوا وقتاً في القتل وجمع الغنائم، وإنما يريدون فقط اللحاق بالزعيم المسلم، ومن باب آخر فإن الناس لم يتعرضوا لهم؛ لئلا يثيروا حفيظتهم فيتعرضون لأذاهم، فكل الناس تفتح لهم الطريق، وهكذا وصل التتار إلى مسافة قريبة جداً من مدينة نيسابور العظيمة وفي فترة وجيزة جداً،
    ولم يتمكن محمد بن خوارزم شاه من جمع الأنصار والجنود والتتار في أثره، فلما علم بقربهم من نيسابور ترك المدينة واتجه إلى مدينة مازندران -وهي مدينة في إيران الآن أيضاً- فلما علم التتار بذلك لم يدخلوا نيسابور بل اتجهوا خلفه مباشرة، فترك مازندران إلى مدينة الري -وهي أيضاً في إيران- ثم إلى مدينة همذان -وهي أيضاً في إيران- والتتار في أثره، ثم عاد إلى مدينة مازندران مرة أخرى في فرار مخز فاضح، ثم اتجه بعد ذلك إلى مدينة طبرستان، وهي مدينة على ساحل بحر الخزر -وهو بحر قزوين الآن- فجد هناك سفينة فركب فيها، وهربت به في عمق البحر، وجاء التتار ووقفوا على ساحل البحر ولم يجدوا ما يركبوه، فنجحت خطة فرار الزعيم المسلم الكبير محمد بن خوارزم نجاحاً مبهراً، حتى وصل في فراره الفاضح إلى جزيرة في وسط بحر قزوين، ورضي بالبقاء فيها في قلعة كانت هناك في فقر شديد وحياة صعبة، وهو الملك الذي ملك بلاداً شاسعة وأموالاً لا تُعد،

    ولكنه رضي بذلك لكي يفر من الموت، والموت لا يفر منه أحد، وما هي إلا أيام ومات محمد بن خوارزم شاه في داخل القلعة في هذه الجزيرة وحيداً طريداً شريداً فقيراً، حتى أنهم لم يجدوا ما يكفنوه به، فكفنوه في فراشه الذي كان ينام عليه، واستمعوا إلى قول الله عز وجل: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء: 78]، ولو كنتم في هذه القلعة في وسط البحر، وليس بأيد التتار، ولكن الموت يأتي بغتة.










    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,739

    افتراضي رد: إلى التتار من البداية إلى عين جالوت

    - التتار من البداية إلى عين جالوت


    ترجمة محمد بن خوارزم وأسباب هزيمته (14)



    راغب السرجاني



    وعندما نقرأ كلام ابن الأثير وهو يتحدث عن سيرة محمد بن خوارزم شاه تجد كلاماً غريباً وأموراً غريبة، وتجد أنك أمام إمام عظيم من عظماء المسلمين، فإذا راجعت حياة الرجل الأخيرة وخاتمته وفراره وهزيمته تبدّى لك غير ذلك،

    يقول ابن الأثير رحمه الله في ذكر سيرته: وكان مدة ملكه إحدى وعشرين سنة وعدة أشهر، واتسع ملكه، وعظُم محله، وأطاعه العالم بأسره، وملك من حد العراق إلى تركستان، وهي بلاد مسلمة محتلة من الصين الآن، وملك بلاد غزنة -وهي في أفغانستان- وبعض الهند، وملك سجستان وكرمان -وهما في باكستان- وطبرستان وجرجان وبلاد الجبال وخراسان وبعض فارس -وكل هذه المناطق في إيران- فكل هذه المناطق ملكها هذا الزعيم الذي فر من التتار.


    ومن هذه الفقرة يتبين لنا أنه كان عظيماً في ملكه، وقد استقر له الوضع في بلاد واسعة لفترة طويلة، وهذا يظهر حسن إدارته لبلاده، حتى أن ابن الأثير يقول في فقرة أخرى: وكان صبوراً على التعب وإدمان السير، غير متنعم ولا مقبل على اللذات، وإنما همه في الملك وتدبيره وحفظه وحفظ رعاياه.


    وعندما تحدث ابن الأثير عن حياته العلمية الشخصية قال: وكان فاضلاً، عالماً بالفقه والحديث وغيرهما، وكان مكرماً للعلماء، محباً لهم، محسناً إليهم، وكان معظماً لأهل الدين، مقبلاً عليهم، متبركاً بهم.


    وهذا الوصف لـ محمد بن خوارزم شاه يمثل لغزاً كبيراً، فكيف يكون على هذه الصفة النبيلة، ثم تحدث له هذه الهزائم المنكرة؟ وكيف لا يجد جيشاً من كل أطراف مملكته الواسعة يصبر على حرب التتار حتى ينتهي هذه النهاية المؤسفة ويفر هذا الفرار الفاضح؟ كنت في حيرة من أمري وأنا أحلل هذا الموقف، ثم وجدت نصاً في مكان آخر في كتاب ابن الأثير يفسر كثيراً من الألغاز في حياة هذا الرجل.


    يقول ابن الأثير رحمه الله: وكان محمد بن خوارزم قد استولى على البلاد، وقتل ملوكها وأفناهم، وبقي هو وحده سلطان البلاد جميعها، فلما انهزم من التتار لم يبق في البلاد من يمنعهم، ولا من يحميها.
    وهذا النص تفسير واضح لمدى المأساة التي كان يعيشها المسلمون في ذلك الوقت.


    فقد كان محمد بن خوارزم شاه جيداً في ذاته وفي إدارته، ولكنه قطّع كل العلاقات بينه وبين من حوله من الأقطار الإسلامية، ولم يتعاون معها، بل على العكس قاتلها الواحدة تلو الأخرى، وكان يقتل ملوك هذه الأقطار ويضمها إلى مملكته، ولا شك أن هذا خلّف عليه أحقاداً كبيرة في قلوب سكان هذه البلاد، وهذا ليس من الحكمة في شيء.


    والرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان يفتح البلاد كان يولي زعماءها عليها؛ ليكسب بذلك ولاءهم وحب الناس له، فعلى سبيل المثال لما أسلم ملك البحرين المنذر بن ساوي رضي الله عنه أبقاه على حكم بلاده، وأبقى على حكم عمان ملكيها جيفر وعباد ممن أسلموا وتركهم على حكم البلاد، وأبقى على اليمن واليها باذان بن ساسان الفارسي.
    وهذا من السياسة والحكمة، وهو جمع جميل جداً بين الحزم والحب، وأسلوب راق جداً في الإدارة.


    وأما هنا فقد افتقد الزعيم محمد بن خوارزم هذا الجمع الجميل بين الحب والحزم، وأصبح حاكماً بقوته لا بحب الناس له، فلما احتاج وافتقر إلى الناس والأعوان لم يجدهم، ولم تكن خلافات الدولة الخوارزمية مع الخلافة العباسية فقط، وإنما قامت الدولة الخوارزمية نفسها على صراعات داخلية وخارجية في كل مكان، وعلى مكائد كثيرة ومؤامرات عدة، فلم تتوحد القلوب في هذه البلاد، ومن ثم لم تتوحد الصفوف، ومن المحال أن يحدث النصر والأمة على هذه الصورة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4]،

    هذا هو سر اللغز في حياة قائد عالم فقيه، اتسع ملكه وكثرت جيوشه ثم مات طريداً شريداً وحيداً فقيراً في عمق البحر، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم إذ يقول فيما رواه النسائي وأحمد عن أبي الدرداء رضي الله عنه وأرضاه: «عليكم بالجماعة؛ فإنما يأكل الذئب القاصية»، أي: الغنم القاصية.

    كانت الفرقة التترية التي قد توغّلت في أعماق الدولة الإسلامية وأصبحت المسافة بينها وبين القوى الرئيسية لـ جنكيز خان في سمرقند تزيد على ستمائة وخمسين كيلو متر، هذا في الطرق المستوية والمستقيمة، فإذا وضع في الاعتبار الطبيعة الجبلية لهذه المنطقة والأنهار الكثيرة التي تفصل بين سمرقند ومنطقة بحر قزوين، والتي تعتبر عوائق طبيعية صعبة جداً، علمت أن المسافة بين جنكيز خان وبين الفرقة التترية الصغيرة مسافة طويلة وكبيرة جداً، وإذا وضع في الاعتبار أن التتار ليسوا من سكان هذه المناطق، ولا يعرفون مسالكها ودروبها وطرقها الفرعية، وعادت الفرقة التترية الخاصة من شاطئ بحر قزوين إلى بلاد مازندران فملكوها في أسرع وقت، مع حصانتها وصعوبة الدخول إليها وامتناع قلاعها










    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,739

    افتراضي رد: إلى التتار من البداية إلى عين جالوت


    - التتار من البداية إلى عين جالوت

    احتلال التتار لمازندران والري وقزوين وأرمينيا والكرج (15)


    راغب السرجاني


    عادت الفرقة التترية الخاصة من شاطئ بحر قزوين إلى بلاد مازندران فملكوها في أسرع وقت، مع حصانتها وصعوبة الدخول إليها وامتناع قلاعها، مع أنها كانت من أشد بلاد المسلمين قوة،
    حتى أن المسلمين لما ملكوا بلاد الأكاسرة أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه من أدناها إلى أقصاها ما استطاعوا أن يدخلوا مازندران، ولم يدخلوها إلا في زمان سليمان بن عبد الملك رحمه الله الخليفة الأموي المعروف، ولكن التتار دخلوها بسرعة عجيبة جداً لا لقوتهم ولكن لضعف نفسيات أهلها في ذلك الوقت،
    ولما دخلوها فعلوا بها ما فعلوه في غيرها، فقتلوا وعذّبوا وسبوا ونهبوا وأحرقوا البلاد والعباد، ثم اتجهوا إلى الري، وهي أيضاً مدينة إيرانية كبيرة، وكأن الله عز وجل أراد أن يتم الذلة لـ محمد بن خوارزم شاه حتى بعد وفاته، فقد وجد التتار في طريقهم من مازندران إلى الري والدة محمد بن خوارزم وزوجاته ومعهن الأموال الغزيرة والذخائر النفيسة التي لم يسمع بمثلها قبل ذلك، فأخذوا كل ذلك سبياً وغنيمة، وأرسلوهم من فورهم إلى جنكيز خان المتمركز في سمرقند آنذاك.

    ولما وصل التتار إلى الري ملكوها ونهبوها وسبوا النساء والأطفال، وفعلوا الأفعال التي لم يسمع بمثلها قبل ذلك، ثم فعلوا مثل ذلك في المدن والقرى المحيطة بها، حتى دخلوا مدينة قزوين فقتلوا من المسلمين فيها أربعين ألفاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله،

    ثم اتجهوا إلى غرب بحر قزوين إلى إقليم أذربيحان المسلم، ومروا في طريقهم على مدينة تبريز، وهي مدينة من مدن أذربيحان، وهي الآن من مدن إيران، فقرر زعيمها المسلم أوزبك بن البهلوان أن يصالح التتار على الأموال والثياب والدواب، ولم يفكر مطلقاً في حربهم، فقد كان لا يفيق من شرب الخمر ليلاً أو نهاراً، وكثير من زعماء المسلمين يشربون الخمر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فرضي التتار منه بذلك؛ لأن الشتاء القارص كان قد دخل على هذه المنطقة،
    ثم اتجه التتار إلى الساحل الغربي لبحر قزوين، وتركوا تبريز إلى أجل، وبدءوا في اجتياح الناحية الشرقية لأذربيجان متجهين ناحية الشمال، وفي الطريق اجتاحوا وأرمينيا وجورجيا، وأرمينيا كانت مملكة يسكنها الكثير من النصارى، وأما جورجيا فقد كان يتجمع فيها قبائل الكرج، وهي قبائل نصرانية ووثنية، فقاتل التتار مملكتي أرمينيا والكرج، وانتهى القتال بهزيمة الكرج وأرمينيا، واجتاح التتار هذه البلاد وضموها في أملاكهم،
    وقُتل من الكرج في هذه الموقعة ما لا يحصى من العدد، فتعدى أمر التتار المسلمين إلى النصارى في أرمينيا والكرج.
    وكل هذا الذي ذكرناه من الاسترقاق والقتل والسبي فعل الفرقة التترية الصغيرة، العشرون ألفاً الذين أطلقهم جنكيز خان خلف محمد بن خوارزم شاه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.









    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,739

    افتراضي رد: إلى التتار من البداية إلى عين جالوت


    - التتار من البداية إلى عين جالوت

    تدمير التتار لإقليم فرغانة ومدينة ترمذ وقلعة كلابة (16)


    راغب السرجاني


    بعد أن اطمأن جنكيز خان إلى هروب محمد بن خوارزم زعيم البلاد باتجاه الغرب بدأ يبسط سيطرته على المناطق المحيطة بسمرقند، ووجد أن أعظم الأقاليم وأقواها في هذه المناطق هو إقليم خوارزم وإقليم خراسان.

    فأما إقليم خراسان فقد كان إقليماً شاسعاً، فيه مدن عظيمة كثيرة جداً، ومن أشهرها بلخ ومرو ونيسابور وهراة وغزنة وغيرها، وهو الآن يقع في شرق إيران وشمال أفغانستان.


    وأما إقليم خوارزم فقد كان نواة الدولة الخوارزمية، واشتهر بالقلاع الحصينة والثروة العددية والمهارة القتالية، فقد كان المنبع الذي قامت منه الدولة الخوارزمية، وكان يقع إلى الشمال الغربي من سمرقند، ويمر به نهر جيحون، وهو الآن في دولتي أوزبكستان وتركمانستان.


    فأراد جنكيز خان القيام بحرب معنوية تؤثر في نفسيات المسلمين قبل اجتياح هذين الإقليمين العملاقين، فقرر البدء بعمليات إبادة وتدمير تبث الرعب في قلوب المسلمين في هذين الإقليمين الكبيرين، فأخرج من جيشه ثلاث فرق: فرقة لتدمير إقليم سرغانة، وهو في أوزبكستان الآن على بعد حوالي 500 كيلو متر شرق سمرقند،

    وأرسل فرقة لتدمير مدينة ترمذ، وهي في تركمانستان الآن، وهي مدينة الإمام الترمذي صاحب السنن رحمه الله، وهو على بعد حوالي 100 كيلو متر جنوب سمرقند، وأرسل فرقة لتدمير قلعة كلابة، وهي من أحصن قلاع المسلمين على نهر جيحون، فقامت الفرق الثلاث بدورها التدميري كما أراد جنكيز خان،

    واستولت على كل هذه المناطق، وقامت فيها بالقتل والأسر والسبي والنهب والتخريب والحرب مثلما اعتاد التتار أن يفعلوا، ووصلت الرسالة التترية إلى كل الشعوب المحيطة، وكانت الرسالة تقول: التتار لا يرتوون إلا بالدماء، لا يسعدون إلا بالخراب والتدمير، التتار لا يهزمون، فعمّت الرهبة في أرجاء المعمورة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.








    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,739

    افتراضي رد: إلى التتار من البداية إلى عين جالوت

    - التتار من البداية إلى عين جالوت

    تدمير التتار لنيسابور وهراة وإبادة أهلها


    راغب السرجاني


    ثم جاوز التتار مرو إلى نيسابور، وكانت هي الأخرى مدينة كبيرة جداً من إقليم خراسان، وهي تقع الآن في الشمال الغربي لدولة إيران، وحاصروها خمسة أيام، ومع أنه كان في المدينة جمع كبير من الجنود المسلمين إلا أن أخبار مرو كانت قد وصلت إليهم فدب الرعب والهلع في أوساط المسلمين،

    ولم يستطيعوا أن يقاوموا التتار، فدخل التتار المدينة وأخرجوا كل أهلها إلى الصحراء وجاء من أخبر ابن جنكيز خان بأن بعضاً من سكان مرو قد سلم من القتل، فقد ضربوا بالسيف ضربات غير قاتلة، فظنهم التتار قد ماتوا فتركوهم فهربوا، فأمر ابن جنكيز خان في نيسابور أن يُقتل كل رجال البلد بلا استثناء، وأن تقطّع رءوسهم لكي يتأكدوا من قتلهم، ثم قام بسبي كل نساء نيسابور،
    وأقاموا في المدينة 15 يوماً يفتشون الديار عن الأموال والنفائس، ثم تركوا نيسابور كما يقول ابن الأثير أثراً بعد عين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    ثم اتجهوا إلى هراة شمال غرب أفغانستان، ولم تسلم المدينة من مصير مدينتي مرو ونيسابور،
    فقد قُتل كل من فيها من الرجال وسُبيت كل النساء، وخُرّبت المدينة كلها وأُحرقت، لكن أمير هذه المدينة واسمه ملك خان استطاع الهروب بفرقة من جيشه باتجاه غزنة في جنوب أفغانستان بعيداً عن أرض القتال، وهكذا في ذلك الزمن كان الملوك والرؤساء يوفقون دائماً إلى الهرب،
    بينما تسقط شعوبهم في براكين التتار، وفي التاريخ عبرة، وبسقوط هراة يكون إقليم خراسان قد سقط بكامله في أيدي التتار، ولم يبق فيه مدينة واحدة.
    وتمت كل هذه الأحداث التي ذكرناها في العام 617 هـ، وهذا من أعجب الأمور التي مرت في تاريخ الأرض مطلقاً.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,739

    افتراضي رد: إلى التتار من البداية إلى عين جالوت

    - التتار من البداية إلى عين جالوت

    احتلال التتار لمرو وإبادة أهلها (18)



    راغب السرجاني



    عاد جنكيز خان مع مرور الأيام إلى بلخ وأمر أهلها أن يأتوا معه ليعاونوه في فتح مدينة المسلمة، فجاءوا معه لمحاربة أهل مرو، والجميع من المسلمين، ولكن الهزيمة النفسية الرهيبة التي كان يعاني منها أهل بلخ نتيجة الأعمال البشعة التي تمت في مدينة ترمذ المجاورة جعلتهم ينصاعون لأوامر جنكيز خان، حتى وإن كانوا سيقتلون إخوانهم، وبذلك يكون جنكيز خان قد وفّر قواته لمعارك أخرى، وضرب المسلمين بعضهم ببعض.

    وهذا نراه في بقاع كثيرة من العالم الإسلامي الآن، فقد استخدم الأمريكان أهل الشمال في أفغانستان -نفس منطقة بلخ- لحرب المسلمين في كابل سنة 2002م، واستخدموا أيضاً أكراد الشمال العراقي في حرب بقية العراق، وهذا كما استخدم التتار أكراد الشمال العراقي في حرب بغداد.


    فهناك تطابق غريب في الأحداث، وهذه سنة من سنن رب العالمين سبحانه وتعالى، والتاريخ يتكرر بحذافيره، ولذلك نقص القصص للعبرة.
    أتى الجيش المسلم من بلخ مع الجيش التتري لفتح مرو، وكانت مرو مدينة كبيرة جداً في ذلك الوقت، وهي تقع الآن في دولة تركمانستان المسلمة على بعد حوالي 250 كيلو متر شرق مدينة بلخ الأفغانية، وكان على رأس جيش التتار بعض أولاد جنكيز خان،

    ولم تذكر الروايات عدد جيش التتار، ولكنه كان جيشاً هائلاً يقدر بمئات الألوف، غير من معه من المسلمين الذين أتوا معه من بلخ، وعلى أبواب مرو وجد التتار أن المسلمين في مرو قد جمعوا لهم خارج المدينة جيشاً يزيد على مائتي ألف رجل مسلم، وكان جيشاً كبيراً جداً بقياسات ذلك الزمن، وكانت موقعة رهيبة بين الطرفين على أبواب مرو،
    وحدثت المأساة العظيمة، ودارت الدائرة على المسلمين، وانطلق التتار يذبحون في الجيش المسلم حتى قتلوا معظمهم وأسروا الباقين، ولم يسلم إلا أقل القليل، ونهبت الأموال والأسلحة والدواب من الجيش، وقد علق ابن الأثير في أسى وإحباط شديدين على هذه الموقعة بقوله: فلما وصل التتر إليهم التقوا واقتتلوا، فصبر المسلمون ولكن التتار لا يعرفون الهزيمة.

    وتخيل جنداً يقاتلون عدواً يعتقدون أنه لا يهزم! كيف تكون نفسياتهم ومعنوياتهم؟ في الحضيض، فوقعت الهزيمة المرة بالجيش المسلم، وفتح الطريق إلى مدينة مرو ذات الأسوار العظيمة، وكان سكانها أكثر من سبعمائة ألف مسلم من الرجال والنساء والأطفال،

    ولما حاصر التتار المدينة الكبيرة دب الرعب في قلوب أهلها بعد أن فني جيشهم أمام أعينهم، فلم يفتحوا الأبواب للتتار مدة أربعة أيام، ثم في اليوم الخامس أرسل قائد التتار رسالة إلى حاكم مدينة مرو يقول فيها: لا تهلك نفسك وأهل البلد، واخرج إلينا نجعلك أمير هذه البلدة ونرحل عنك، فصدّق أمير البلاد ما قاله زعيم التتار، أو أوهم نفسه بالتصديق وخرج إليه فاستقبله قائد التتار استقبالاً حافلاً واحترمه وقربه، ثم قال له في خبث: أخرج إلينا أصحابك ومقربيك ورؤساء القوم حتى ننظر من يصلح لخدمتنا فنعطيه العطايا ونقطع له الاقطاعات ويكون معنا،
    فأرسل الأمير المخدوع إلى معاونيه وكبار وزرائه وجنده لحضور الاجتماع الهام مع ابن جنكيز خان شخصياً، وخرج الوفد الكبير إلى التتار، ولما تمكن منهم التتار قبضوا عليهم جميعاً وقيدوهم بالحبال، ثم طلبوا منهم أن يكتبوا قائمتين طويلتين، الأولى بأسماء كبار التجار وأصحاب الأموال في المدينة، والثانية بأصحاب الحرف والصناع المهرة، ثم أمر ابن جنكيز خان بأن يخرج أهل البلد أجمعين خارج البلد، فخرجوا جميعاً من البلد حتى لم يبق فيها أحد، ثم جاءوا بكرسي من الذهب جلس عليه ابن جنكيز خان ثم بدأ يصدر الأوامر:
    الأمر الأول: أن يأتوا بأمير البلاد وبكبار القادة والرؤساء فيُقتلون جميعاً أمام عامة أهل البلد، فقتلوا جميعاً.
    الأمر الثاني: إخراج أصحاب الحرف والصُنّاع المهرة وإرسالهم إلى منغوليا للاستفادة من خبراتهم الصناعية هناك.
    الأمر الثالث: إخراج أصحاب الأموال وتعذيبهم حتى يخبروا عن كل أموالهم، ففعلوا ذلك، ومنهم من كان يموت من شدة الضرب ولا يجد ما يكفي لافتداء نفسه.
    الأمر الرابع: دخول المدينة وتفتيش البيوت بحثاً عن المال والمتاع والذهب والفضة، حتى إنهم نبشوا قبر السلطان سنجر -وهو من سلاطين خوارزم القدماء- بحثاً عن الأموال والذهب، واستمر هذا البحث ثلاثة أيام.
    الأمر الخامس: أن يُقتل أهل البلد أجمعون، فبدأ التتار يقتلون كل سكان مرو من الرجال والنساء والأطفال، وقالوا: إن المدينة عصت علينا وقاومت، ومن قاوم فهذا مصيره.


    يقول ابن الأثير رحمه الله: وأمر ابن جنكيز خان بعد أن قُتلوا جميعاً أن يقوم التتار بإحصاء القتلى، فكانوا نحواً من سبعمائة ألف قتيل.
    فإنا لله وإنا إليه راجعون.
    قتل من مرو سبعمائة ألف مسلم ومسلمة، وهذا ما لا يتخيل، وحقاً إنه لم تمر على البشرية منذ خلق آدم ما يشبه هذه الأفعال مطلقاً من قريب ولا بعيد، ولا حول ولا قوة إلا بالله









    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,739

    افتراضي رد: إلى التتار من البداية إلى عين جالوت


    - التتار من البداية إلى عين جالوت

    اجتياح التتار لإقليم خوارزم (19)


    راغب السرجاني



    وأما إقليم خوارزم فقد كانت أشهر مدنه هي مدينة خوارزم، فقد كانت مركز عائلة خوارزم شاه، وكان بها تجمع ضخم جداً من المسلمين، وكانت حصون مدينة خوارزم من أشد حصون المسلمين بأساً وقوة،
    وهي تقع الآن على الحدود بين أوزبكستان وتركمانستان على نهر جيحون، وكانت تمثل للمسلمين قيمة اقتصادية واستراتيجية وسياسية كبيرة جداً،
    ولأهمية هذه البلدة وجه إليها جنكيز خان أعظم جيوشه وأكبرها، فقام هذا الجيش بحصار المدينة لمدة خمسة أشهر كاملة، ولم يتم له الفتح، فطلبوا المدد من جنكيز خان فأمدهم بخلق كثير فزحفوا على البلد زحفاً متتابعاً وضغطوا عليه من كل موضع، حتى استطاعوا أن يحدثوا ثغرة في الأسوار، فدخلوا المدينة، ودار قتال رهيب بين التتار والمسلمين وفني من الفريقين عدد كبير جداً إلا أن السيطرة الميدانية كانت للتتار،
    ثم تدفقت جموع جديدة من التتار على المدينة، وحلت الهزيمة الساحقة بالمسلمين، ودار القتل على أشده فيهم وبدأ المسلمون في الهروب والاختفاء في السراديب والخنادق والديار، فقام التتار بهدم سد ضخم كان مبنياً على نهر جيحون، يمنع الماء من دخول المدينة، فتدفق الماء الغزير طوفاناً على خوارزم، فأُغرقت المدينة بكاملها،
    ودخل الماء في كل السراديب والخنادق والديار، فتهدمت الديار بفعل الطوفان الهائل، ولم يسلم من مدينة خوارزم أحد البتة، فمن نجا من القتل قُتل تحت الهدم أو أُغرق بالماء، وأصبحت المدينة العظيمة خراباً، ولم يتركها التتار إلا وقد اختفت من على وجه الأرض، وأصبح مكانها ماء نهر جيحون، فكان من يمر على المدينة الضخمة بعد ذلك لا يستطيع أن يرى أثر لأي حياة سابقة.


    وهذا كما يقول ابن الأثير: ما لم يُسمع بمثله في قديم الزمان وحديثه، اللهم ما حدث مع قوم نوح عليه السلام، ونعوذ بالله من الخذلان بعد النصر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.


    كانت هذه الأحداث الدامية أيضاً في سنة 617 هـ، وبتدمير إقليمي خراسان وخوارزم سيطر التتار على المناطق الشمالية والوسطى من دولة خوارزم الكبرى، ووصلوا في تقدمهم ناحية الغرب إلى قريب من نهاية الدولة الخوارزمية على حدود العراق، ولكنهم لم يقتربوا بعد من جنوب دولة خوارزم.









    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    10,739

    افتراضي رد: إلى التتار من البداية إلى عين جالوت

    - التتار من البداية إلى عين جالوت

    معركة كابل (20)


    راغب السرجاني





    اطمأن جلال الدين إلى جيشه، وأرسل رسالة إلى جنكيز خان في الطالقان يدعوه إلى قتال جديد،
    ولأول مرة يشعر جنكيز خان بالألم، فجهّز جيشاً أكبر، وأرسله مع أحد أبنائه لقتال المسلمين، وتجهّز الجيش المسلم، والتقى الجيشان في مدينة كابل الأفغانية،
    وهي مدينة حصينة جداً، فهي تُحاط من كل جهاتها تقريباً بالجبال، ففي شمالها جبال هندكوش الشاهقة، وفي غربها جبال باروبا ميزوس، وفي جنوبها وشرقها جبال سليمان، ودارت موقعة كابل الكبيرة،
    وكان القتال عنيفاً جداً وأشد ضراوة من موقعة غزنة، وثبت المسلمون وحققوا نصراً غالياً ثانياً على التتار، وأنقذوا عشرات الآلاف من الأسرى المسلمين من يد التتار،
    فارتفعت معنويات المسلمين جداً، وفرح المسلمون جداً وفرحنا، وقلنا: إن هاتين الموقعتين كانتا نهاية لأحزان وآلام المسلمين، لكن بقيت في القصة مفاجأة عجيبة وقاسية،
    يعدها البعض نعمة وهي في الحقيقة نقمة، فقد حدث شيء أعاد الكرة للتتار وأضاع النصر من المسلمين، فيا ترى ما هو هذا الشيء؟
    وما هذه المفاجأة؟ وما هو مصير جلال الدين بن محمد بن خوارزم؟ وما هو مصير أفغانستان؟ وما هو رد فعل العالم الإسلامي لسقوط دولة خوارزم الكبرى بكاملها؟
    هذا ما سنعرفه وغيره إن شاء الله في المحاضرة القادمة.

    أسأل الله عز وجل أن يفقهنا في سننه، وأن يجعل لنا في التاريخ عبرة، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.



    {فَسَتَذْكُرُون مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [غافر: 44].
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.









    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •