في نور آية كريمة.. "قل هو من عند أنفسكم"


أمير سعيد








"أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"
أصاب بعض المسلمين حيرة واندهاش بعد هزيمتهم في غزوة أحد، وتساءلوا "أنى هذا؟!"، كيف ونحن المسلمين ننهزم، ونحن نقاتل في سبيل الله، وفينا رسوله صلى الله عليه وسلم، وأعداؤنا كفار مشركون، فلفتتهم الآية الكريمة إلى أن مرد هذه الهزيمة عائد إلى أنفسهم، ومخالفتهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوعد الله للمؤمنين بالنصر رهين بالتزامهم بشرطين اثنين، طاعة ربهم فيما استطاعوا، وأخذهم بالأسباب (والتي هي أيضاً من طاعة الله سبحانه)؛ فإذا ما استوفوا الشرطين كان حقاً على الله أن ينصرهم. إن قدر الله واقع لا محالة، وقدرة الله مطلقة، ولو أراد لنصرهم لكنه يضع بين أيديهم شروطاً ليختبرهم ويمحص صفهم فيخرج منه المنافقين ويمحق الكافرين.
لقد كنتم في أول غزوة أحد، "تحسونهم بإذنه"، تقطعون حسهم وتستأصلون شأفتهم، ولم يكن هذا إلا بإذن الله سبحانه، ووفقاً لقدره، وتصديقاً لوعده، وانهزمتم بإخلالكم لشرطي النصر، وفقاً لقدره أيضاً وتحقيقاً لقاعدتي النصر والهزيمة وشروطهما أيضاً بقدر الله، "إن الله على كل شيء قدير".
"أولما أصابتكم مصيبة"، بدأ الله سبحانه باستفهام تقريعي لاستنكارهم ما لا يتوجب الاستنكار؛ فإذ تحقق لهم النصر في بدر مصيبين من المشركين سبعين قتيلاً ومثلهم أسرى، فكانا مثلي شهداء بدر، أو تحقق لهم نصران في بدر وأول معركة أحد، أثار ذلك عجبكم واندهاشكم؟! هذا ليس محلاً للعجب؛ فلقد خالفتم أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم، فخلى الله بينكم وبين عدوكم؛ فانهزمتم بعلمه وقضائه وقدرته. هذا القضاء والقدر اللذان لا ينفيان السنن ولا يقعان بديلاً عن الأخذ بالأسباب أو مبرراً للتقصير فيهما، "إن الله على كل شيء قدير"، يقول د. ناصر العمر حفظه الله: "يخطئ كثير من الناس في فهم الإيمان بالقضاء والقدر؛ فكلما أصابتهم مصيبة قالوا (قضاء وقدر) فيغفلون عن الأسباب البشرية، وما يجب تجاه ذلك، ومنهج القرآن يربي على النظر في الأسباب لمعالجتها مع الإيمان بقضاء الله وقدره. تدبر "قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير" فبدأ بالسبب قبل بيان قدر الله".
إن الدرس كان واضحاً جلياً، استوعبه الصحابة رضوان الله عليهم جيداً، وعالجوه من فورهم؛ فكانت غزوة حمراء الأسد من بعدها التي خرج فيها المسلمون بعيد الهزيمة مباشرة بجراحهم وبملابس الهزيمة الملطخة بالدماء ليسطروا نصراً عزيزاً.. إنهم من بعد قد "استجابوا لله والرسول من بعدما أصابهم القرح"، فعادوا للنصر وعاد النصر إليهم. في أحد كان النصر في أولها تنفيذاً لسنة ربانية، والهزيمة لنفس السنة، ثم النصر من بعد للأسباب ذاتها..

في أحد كان التخطيط رائعاً، ولكن كان في التنفيذ خلل فاختلت معه الموازين وطاشت الكفة، ثم عاد الاتزان مع مراجعة الذات وتحقيق الشروط. وهذا الذي يلفت القرآن نظرنا إليه؛ فانتكاساتنا وهزائمنا المعاصرة إنما هي خاضعة لنفس الأسباب، ولقد نعلم جميعاً أنها كذلك، لكن الحقيقة أن المسلمين الأوائل لم يكتفوا بتشخيص المشكلة وتوضيحها وتناقل أسبابها وتحليل واقعها.. إن الله إذ نبه المسلمين إلى أن وقوع الهزيمة إنما كان وهو "على كل شيء قدير"، إنما ذكرهم بأن العدو لن يعدو قدره مهما انتفش، ومهما استظهر بقوته وجبروته.. إن السر يكمن عند المسلمين أنفسهم، أن يستجيبوا لله والرسول من بعدما أصابهم القرح، وكل قرح.. إن تلك الاستجابة هي سر الانتصار ومفتاحه الوحيد.