أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد - الصفحة 2
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 21 إلى 33 من 33

الموضوع: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,213

    افتراضي رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد

    تجربة في الخطابة (الجزء الثالث)
    د. لطف الله خوجة



    عرضنا في الحلقة السابقة أنواع الخطبة، وكيفية التعاطي من الخطبة التقليدية، والإيجاز والاستيفاء فيها، وعرّجنا على أدوات التأثير في الخطبة، وتوجهها للعقول والقلوب وكلمات الواثق في الخطبة، ونتابع في هذه الحلقة الأخيرة ما بدأناه عن تأثر النبي -صلى الله عليه وسلم- وصدقه وإيمانه فيما يقول ويخطب.
    إذ كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحمل هذا النوع من المعاناة، فقد تركت أثرها فيه، فبدت في كلماته، وحركاته، يقول الله -تعالى- يصف حاله مع المعاناة الإصلاحية:
    "قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون* ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين* وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين* إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون".
    ليست النائحة الثكلى، كالنائحة المستأجرة، وليس الخطيب الثكلان، كالخطيب المستأجر..
    فمن أراد لكلماته الأثر في قلوب الناس، فليكن في كل ما يتكلم به:
    - كالنائحة الثكلى..
    - واليتيم الذي فقد أبويه..
    - والمظلوم المهضوم..
    - والمريض المتألم.

    كل هؤلاء يشكون بمرارة، ويصفون حالهم بحرارة، حتى يغرق السامع معهم، فيعيش مأساتهم بنفسه، ويراها رأي العين، فكذلك يراد من الخطيب أن يكون، حتى يعيش الناس كلماته وموضوعاته، كأنهم يرونها رأي العين.

    - قد يقول القائل: علمنا أهمية المعاناة لنجاح الخطبة، فكيف نولدها في نفوسنا؟
    وهذا سؤال مهم، وجوابه: مختصر، ومفصل:
    فأما المختصر فيقال فيه: إن الهم والمعاناة في القلب يتولد من اليقين بأمرين:
    - الأول: اليقين بأمر الآخرة، من الموت، وما يتبعه من أهوال القيامة، والنعيم للمتقين، والجحيم للمجرمين.
    - الثاني: اليقين بأمر الدعوة، بالعمل على استنقاذ الناس من عذاب الآخرة، شفقة، ورحمة، وخوفا عليهم.
    فإذا تمكنا من القلب حضر الهم، وتحرك القلب، فنطق اللسان، وكتب القلم، وحصل الأثر.
    وأما الجواب المفصل، فيقال فيه:
    لا يخلو الإنسان من الهموم، والهم همان: هم الدنيا، وهم الآخرة. فمن سلم من أحدهما لم يسلم من الآخرة، والغافل من كانت همه الدنيا، أما العاقل فهو من كانت همه الآخرة، فالإنسان بين هذين الهمين ولا ثالث.
    فإذا ثبت حصول الهم ولزومه للإنسان كان من العقل والحكمة أن يكون للآخرة، إذ هو المطلوب وصاحبه محمود مثاب، روى الإمام أحمد وابن ماجة بسنده عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
    "من كانت همه الآخرة، جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت همه الدنيا، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له".

    وعن همّ الآخرة يتولد ويتفرع هم الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإصلاح الناس، إذ من شغلته آخرته بالرغبة في الجنة والرهبة من النار، وتعلم من دينه محبة الخير، وجد ميلاً إلى وصية الناس ونصحهم، حيث إن يقينه بالآخرة يشخصه في صورة النذير العريان، وفي صورة منذر الجيش، يقول: (صبحكم، ومساكم).
    وحتماً لا بد أن يجد من يهمل وصيته، ومن يعرض عنه، ومن يجادله، ومن يعاديه، بجهل، وهذا حال البشر، لكن عنه يتولد ألم وهمّ في القلب، كالألم والهمّ يكون في قلب الأب من ضلال ولده وغوايته، فإذا صار كذلك، تكبد القلب المعاناة والحرقة، فحصل الأثر.
    إذن، لمن أراد التأثير في الآخرين فعليه: أن يحمل هم دينه وآخرته، ويحمل كذلك تبعاً هم إصلاح الناس وإرشادهم، فإذا حصل له ذلك، تفقت له آفاق الكلمة، واقتدر على الإبداع بلا تكلف، فحصل التأثير المطلوب.


    ذلك هو لب الموضوع، وأسّ الفكرة، ثم ما بعده إنما هي توجيهات يستكمل بها الموضوع، فمن ذلك:
    1- دوام القراءة في القرآن، فإنه ينير القلب، ويزكي النفس، ويخرج الكلمات تحمل النور والزكاء.
    2- متابعة أحوال المسلمين في العالم، ودوام الاطلاع على ما يستجد من الحوادث والأخبار، فهذه العناية لها أثر حسن على إعداد الخطبة، فمن المهم أن يكون الخطيب في دائرة الحدث…ومثله معرفته لأحوال المجتمع والحي الذي يقطن فيه، ومد الصلات بينه وبين السكان، والتعرف على مشكلاتهم، فإن هذا التعايش له أثر كبير في حسن إعداد الخطبة، خاصة إذا كانت تتعلق بمشكلة تتعلق بالحي، فليس الخبر كالمعاينة، ومن يتغلغل في أوساط الناس، فحديثه عنهم ليس كحديث المنعزل.
    3- القراءة في تراجم الصالحين، من أنبياء وصحابة وتابعين ومن تبعهم بإحسان، فإن لها أثر كبير في خشوع النفس ورقة القلب وزيادة الإيمان، وهي قوت الأفكار والمعاني المؤثرة في القلوب.
    4- ملك الخطيب أدوات الخطابة، من لغة سليمة، وعلم أصيل، فسلامة اللغة وصدق المعلومة أصل في إعداد الخطب، فاللغة السليمة لها جرس في الآذان، والمعلومة الصادقة تستقر في النفوس، وتزرع الثقة في القلوب.
    5- القراءة في كتب الأدب القديمة والحديثة، القديمة، مثل: عيون الأخبار، وأدب الكاتب لابن قتيبة الدينوري، والبيان والتبيين للجاحظ، والعقد الفريد لابن عبد ربه، والأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، والأمالي لأبي علي القالي، ومؤلفات الأدباء المعاصرين، كالرافعي والمنفلوطي والطنطاوي، وكذا الدعاة البارزين الذين لهم كلمات عميقة المعنى في باب الدعوة مثل: الأستاذ سيد قطب، والأستاذ محمد قطب، والشيخ محمد الغزالي، وغيرهم.
    6- اجتناب الكتب الصعبة في ألفاظها وأسلوبها، فإن تعابير الإنسان بنات قراءاته، فإذا كانت قراءته في الكتب السهلة في أسلوبها، البليغة في عباراتها، كانت تعابيره كذلك، وإذا كانت قراءاته في الكتب الصعبة في أسلوبها، الغامضة في عباراتها، كانت تعابيره كذلك، والواجب أن تكون الخطبة سهلة العبارة، مفهومة قريبة المعنى.
    7- أن تكون فكرة الخطبة واضحة كالنهار، وكذا التعبير عنها.
    8- عرض الخطبة قبل إلقائها على المختصين للتأكد من سلامتها وسهولتها.
    9- مراعاة التسلسل المنطقي للفكرة المطروحة، وميزانه: ألا تنفذ فكرة إلى أخرى إلا بوساطة وجسر صحيح، ومن الخطأ القفز من فكرة إلى فكرة بدون تلك الوساطة، فإن ذلك مما يغمض الكلام، ويبهم المعنى.
    10- عدم التكرار في الأفكار، فإن كان ولا بد فمرتان، وضبط الجمل والبحث عن أخصر التعابير، والبعد عن الشرح الممل الطويل.
    11- الخطبة تتألف من مقدمة وموضوع وخاتمة، وللمقدمة أهمية كبرى، وكذا الخاتمة، إذ هي المفتاح للدخول إلى الموضوع، فإذا أحسن كان الموضوع محل عناية الحاضرين واهتمامهم، وهنا نحن بحاجة إلى الإثارة الإعلامية، التي تجذب السامع، وطرق الجذب متعددة، مثل البدء بقصة، أو سؤال، أو التقاط أهم جملة في الموضوع والبدء به، وربما يكون بآية أو حديث أو قول لعالم، كل ذلك بحسب الأحوال، وعلى الخطيب أن يحسن اختيار مادة البدء.. وكذا الخاتمة، فإنها مهمة، ولعله من المناسب أن تكون بإعادة ذكر أهم جملة أو فكرة في الموضوع، أو بذكر ملخص شديد لما ورد في الخطبة، يستخدم فيها الحكم والأمثال أو الجمل عميقة المعنى.

    وللخطبة بعد كتابتها كتابة أولية عدة مراجعات:
    - فمراجعة أولى: ينظر في: جملها، وعباراتها، وصياغتها، فيعدل ويصلح ويحذف إن شاء، فهي لإعادة النظر في الصياغة.. وهي مراجعة لازمة، لكل كاتب.
    - ومراجعة ثانية: يكون فيها التصحيح الإملائي والنحوي، وينصح الخطيب بالتشكيل، كي يجتنب نسيان القاعدة النحوية، ومن ثم اللحن.
    - ومراجعة ثالثة: لوضع الفواصل والنقاط، ولمعرفة الوقفات، وعلامات الاستفهام والتعجب، وهذا الإعداد مهم في تيسير فهم الخطبة، فالإلقاء لا بد أن يكون محكوما بهذه القواعد، ليحصل بها الغرض، من: فهم الكلام، واستيعابه، وتصوره، ومن الخطأ إلقاء الخطب بدونها.
    - ومراجعة رابعة: يعد فيها الخطيب نفسه ويدربها على طريقة الإلقاء، يلقي الخطبة عدة مرات، والأفضل أن يحفظها، ويتدرب على إلقائها مرتجلاً، ليس لأنه يلزم أن يلقيها من على المنبر كذلك، كلا، بل ليكون مدركا لما يأتي من الجمل التي يقرأها، فيفهم ما يقول قبل أن يقول، فذلك أدعى للتفاعل مع الخطبة.
    تلك هي طائفة من الوصايا لإنتاج خطبة ناجحة، ولا أزعم أني أحطت بالموضوع، ولم يكن ذلك همي، وإنما همي فتح الطريق أمام راغب في: تعلم كيفية إعداد خطبة ناجحة.. والله الموفق.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,213

    افتراضي رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد

    الخطيب المتكامل
    محمود شمردن



    يميل الكثير من الخطباء إلى نوعية معينة من الخطب يحبونها ويفضلونها على غيرها وتستهويهم ويحبون المتعة فيها، فنجد أحدهم يفضل الحديث في الروحانيات مثل: الموت وسكراته، والقبر وما فيه، وعلامات الساعة، ويوم القيامة وأهواله وأحداثه ومصير الناس فيه؛ إما إلى الجنة أو النار.

    وهذا خطيب ثان يميل إلى الحديث عن الأخلاق الإسلامية وأنواعها، وثالث يتقن عرض السيرة النبوية من سرايا وغزوات ومواقف مرت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآخر غالب كلامه وحديثه عن الأمور الفقهية، وهناك من يجيد الحديث عن الواقع والأمة وآماله، ويتعرض لمشكلات المجتمع الذي يعيش فيه مثل: الربا - المخدرات - الزنا - الغش - قطعية الأرحام - الطلاق - الغيبة - الحسد وغيرها إلخ ..


    أي هؤلاء الخطباء أفضل وأحسن؟


    ولعل الإجابة التي يرتاح إليها الإنسان هي أن الخطيب الذي يجيد التحدث في أكثر من فن من هذه الفنون هو أحسنهم وأعلاهم مكانة، أما الذي لا يعرف إلا لوناً واحداً من العلوم لا يجيد غيرها فهو غير قادر على مواجهة الأحداث التي تواجه المجتمع الذي يعيش فيه هذا الخطيب.


    وبالتالي فالخطيب الذي يجيد الحديث في الإيمانيات والروحانيات والأسرة ومشكلاتها والعلاقات الاجتماعية والسيرة النبوية ولا ينسى الواقع الذي يحيا فيه - هو خطيب متميز تُوزن خطبه بالذهب ويرفعه الناس في منزلة رفيعة.


    وعلى هذا فالخطيب الذي يحصر نفسه في زاوية ضيقة هو أقل منزلة ممن يجيد العديد من فنون الخطابة.


    اختلاف معارف وثقافة الجمهور


    فالخطيب عليه أن يتذكر دائماً أن المستمعين إليه ليسوا على درجة واحدة من الثقافة والمعرفة؛ فبعض الجمهور يحب الاستماع إلى الروحانيات؛ ليرق قلبه وتدمع عيناه، ونوعية أخرى تحب معرفة رأي الشرع في الواقع الذي لا يغيبون عنه، وفئة ثالثة تفضل الاستماع إلى السيرة النبوية، وطائفة رابعة تحب الجهاد والفتوحات الإسلامية وتحب الحديث عن عظمة الإسلام وهكذا.


    وهذا يعنى أن الجمهور ليسوا غطاً واحداً أو أصحاب ثقافة واحدة وهذا يُلقي على الخطيب تبعة ثقيلة أن يشبع رغبات هذا الجمهور الذي تتنوع ثقافته ومعارفه فإذا استطاع أن يُسمع كل فئة ما يحبون فهذا هو عين النجاح والتوفيق.


    أما الخطيب الذي يحبذ فناً واحداً فهو يكفي أنه يشبع رغبة فئة واحدة أما باقي الفئات فهي بعيدة عن تذوق العيش في الجو الذي يجيده الخطيب.


    الخطيب أول الضحايا:


    فالخطيب الذي يحصر نفسه في لون واحد من الخطب لا يجيد عنه شيئاً. عن هذا جهله الكبير بباقي الفنون والعلوم الأخرى، ومن ثم ستصبح ثقافته الشرعية محدودة وقاصرة بينما زميله الذي يجيد العديد من الفنون سيصير ذا ثروة عالية من العلوم الشرعية وبالتالي يجعله قادراً على الحديث في أي موضوع وأي مكان نظراً لمعارفه الواسعة التي جمعها من غالب هذه العلوم.


    فالخطيب الذي يجيد فناً واحداً ستزداد مشكلته لو نُقل من مسجده إلى مسجد آخر وكان جمهور المسجد الجديد يحبون لوناً آخر غير اللون الذي يميل إليه الخطيب وهذا سيُلقي عليه عبئاً ثقيلاً في القراءة والاطلاع، وربما يحتاج إلى وقت وجهد ليجد الثمرة المرجوة.


    تربية غير متكاملة:


    فالخطيب الذي لا يعرف إلا لوناً واحداً من الموضوعات سيؤدى إلى إخراج شخصيات غير متكاملة من جميع الجوانب؛ الإيمانية، والأخلاقية، والسلوكية، وفي المعاملات مع الناس، بل سينجح في تغليب جانب واحد على باقي الأمور بصورة ليس فيها توازن ولا تناسب.


    فقد يترتب على كثرة الحديث الدائم عن الدار الآخرة بصورة مبالغ فيها قد تؤدي إلى زهد الناس في الدنيا وعدم السعي للتمكين للإسلام ومجاهدة الباطل وقد يظنون أن التمتع بالطيبات من الرزق لا يتفق من كمال الإيمان.


    وهذا يتنافى مع قوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ القِيَامَةِ …) الأعراف.


    صورة غير متكاملة عن الإسلام:


    فالإسلام دين شامل يشمل مظاهر الحياة فهو يتضمن: أخلاقاً، وسلوكاً، وعبادة، وعقيدة، ومعاملات، وإيمانيات، وسيرة، وتاريخ، وغيرها ..


    فعندما يتحدث الخطيب باستمرار عن فن واحد يظن المستمع أن هذا هو الإسلام، وأما غيره فليست لربه علاقة.. وهذه صورة خاطئة عن الإسلام الذي تميز بشموله فهو عقيدة، وعبادات، وأخلاق، ومعاملات، بينما هذا الخطيب لا يعرف إلا شيئاً واحداً وهذا يمثل ظلماً لهذا الدين قد أساء هذا الخطيب في عرض شريعة الله تعالى للمستمعين.


    في القرآن البيان والشفاء:


    والناظر في آيات القرآن الكريم سيجد أن السورة الواحدة ربما اشتملت على العديد من الموضوعات مثل الحديث عن قدرة الله عز وجل، وعن آياته في الكون، وتناول الأنبياء السابقين وما جرى مع أقوامهم، وقد تتطرق للحديث عن بعض الأخلاق الإسلامية، وقد تشير إلى يوم القيامة وما يكون فيه.


    فمثلاً لو أخذنا سورة الغاشية التي تتناول الحديث عن الآخرة وعن افتراق الناس إلى فريقين: أهل الجنة وما أُعد لهم ، وأهل النار وما ينتظرهم، ثم تأخذ الآيات إلى رحاب الكون الواسع والدعوة إلى التفكر في كون الله تعالى، وما حول الإنسان من الإبل والسماء والجبال والأرض، ثم الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأن مهمته قاصرة على البلاغ المبين، ثم بعد ذلك فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ثم الله تعالى يتولى حساب الخلائق يوم القيامة، افتح المصحف واقرأ هذه السورة جيداً يقول الله تعالى : (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ * وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ * لاَ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ * وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لاَ تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ) الغاشية.


    فالقرآن الكريم متكامل في عرضه للموضوعات والله تعالى يقول: (إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ …) الإسراء.


    وفي السنة النبوية المباركة الحُجة والبرهان:


    وإذا نظرنا إلى سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم سنجد أنها عامرة بالعديد من الموضوعات التي يحتاجها الفرد والمجتمع؛ سواء في علاقته مع ربه أو مع الناس، ولن نجد فناً واحداً أو إطاراً محدداً تنحصر فيه السنة النبوية هذا ما يدفع الخطيب إلى الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فمثلاً هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد، رضي الله عنه: عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن".


    فهذا يستطيع الخطيب أن يتحدث عن موضوع التقوى وثمراتها، وكذلك عن مآل الحسنات والطاعات وأجرها عند الله تعالى، وأخيراً الخلق الحسن عند معاملة الإنسان لغيره.


    وبالتالي فهنا ثلاثة موضوعات يمكن للمتحدث أن يتناولها في خِطابه وهي متنوعة لتعلم الخطيب أن يتنوع في خطابه مع الناس.


    وهكذا السنة تتناول العديد بل العشرات من الموضوعات وليس موضوعاً واحداً ويمكن لأي إنسان أن يعرف هذا دون بذل جهد كبير.


    انفضاض الناس من حوله:


    وإذا اعتاد الخطيب لوناً واحداً من الخطابة فقد يترتب على ذلك أن يفقد أعداداً كبيرة من مؤيديه ومحبيه الذين لا يجدون بُغيهم عنده أو ضآلتهم فيه، ويأخذون في البحث عن بديل آخر يشبع لهم رغبتهم؛ أما الخطيب الذي يجيد الحديث في أكثر من لون من فنون البيان فهذا سيزيد شعبيته بين الناس ويرفع أسهمه عند المستمعين.


    وقد سمعنا وعاصرنا العديد من الخطباء الذين ملكوا قلوب الناس وردد الجمهور خطبهم؛ لأنهم تميزوا بقدرتهم على الحديث في كل موضوع يخدم الإسلام والمسلمين.


    كلمة أخيرة لابد منها:


    ليس معنى ذلك أن الخطيب الجيد هو الذي يتحدث في كل الأمور بدرجة واحدة من الكفاءة والإتقان، ولكنه قد يكون متميزاً في جانب على باقي الجوانب، ولكنه يمتلك القدرة على الحديث في العديد من الموضوعات.


    أخي الخطيب رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة فهيا نبدأ من الآن الطريق نحو التميز في الخطابة. كيف الطريق: هذا ما سنكمله الحلقة التالية.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,213

    افتراضي رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد

    حرفة الوعظ
    فيصل يوسف العلي



    لقد شاع في البلاد واشتهر فيما بين العِباد والعُبّاد اتخاذ الدعوة إلى الله حرفة ومكسبًا لجمع الدنيا وسبيلًا، يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا، ويستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، فهم كحاطب ليل، لا يفرقون بين نفع وضر.
    تعيب دنيا وناسًا راغبين لها وأنت أكثر منهم رغبة فيها
    فالواجب على العاقل ألا يكون مفرطًا في الحرص على الدنيا فيصبح مذمومًا في الدارين، بل يكون قصده إقامة فرائض الله، ويكون لبغيته نهاية يرجع إليها، لأن من لم يكن لقصده منها نهاية آذى نفسه وأتعب بدنه.
    لا تخضعن لمخلوقٍ على طمع فإن ذاك مضر منك بالدين
    فطوبى لمن كان شعار قلبه الورع، ولم يُعْمِ بصره الطمع، ومن أحب أن يكون حرًّا فلا يهوى ما ليس له، لأن الطمع فقر، كما أن اليأس غنى، ومن طمع ذَلَّ وخضع، كما أن من قنع عف واستغنى.
    ولا تطلب عوضًا على عمل لست له فاعلًا، ويكفي من الجزاء لك على العمل أن كان له قابلًا، لأن الذي يسَّرَ لك هذا العمل هو الله «والله خلقكم وما تعملون».
    كيف تطلب العوض على عمل هو متصدق به عليك؟ أم كيف تطلب الجزاء على صِدقٍ هو مهديه إليك؟ «وما بكم من نعمة فمن الله».
    والذي يدفعني إلى الحوار بهذه المشكاة ما يلقاه الإسلام اليوم من هزائم متتابعة لضعف المتحدثين عنه وكثرة الآكلين به والمرائين، نخاف على ديننا من متحدث جاهل، أو منافق عليم اللسان، أو سياسي يتخذ إلهه هواه!
    «من كان يريد حرث الآخرة»، أي كسب الآخرة، والمعنى من كان يريد بعمله الآخرة «نزد له في حرثه» أي بالتضعيف، ونزيد في توفيقه وإعانته وتسهيل سبيل الخيرات والطاعات له،«ومن كان يريد حرث الدنيا» يعني يريد بعمله الدنيا مؤثرًا لها على الآخرة «نؤته منها» أي ما قدر وقسم منها «وما له في الآخرة من نصيب» يعني لأنه لم يعمل لها.
    وذلك أن الإحسان إلى الغير تارة يكون لأجل الله تعالى لا يريد به غيره، وهذا هو الإخلاص، وتارة يكون لطلب المكافأة وأخرى لطلب الحمد من الناس، وهذان القسمان مردودان لا يقبلهما الله تعالى، لأن فيهما شركًا ورياءً، فنفوا ذلك عنهم بقولهم «إنما نطعمكم لوجه الله».
    أين الصحابة من أصحابنا؟ هيهات ما القوم من أضرابنا، ولا ثوابهم في الأخرى مثل ثوابنا، آثر الصحابة الفقر والمجاعة، واشتغلوا عن الدنيا بالطاعة، أفينا مثل أبي حنيفة ومالك أو كالشافعي الهادي إلى السالك؟ أفينا أعلى من الحسن وأنبل، أو ابن سيرين الذي بالورع تُقبِّل، أو كأحمد الذي بذل نفسه وسبّل؟
    يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، أي يريدونه بأعمالهم، كانوا يصبرون على المجاعة، ويخلصون الطاعة، ولا يضيعون ساعة، فيا فخرهم إذا قامت الساعة!
    وكان المنصور يعظم عمرو بن عبيد- لنا زهده وإخلاصه- فقال له عظني فوعظه، ثم قال يا أبا عثمان هل من حاجة؟ قال: لا تبعث إلي فقال المنصور يعظمه:
    كلكم يمشي رويد
    كلكم يطلب صيد
    غير عمرو بن عبيد
    وقال عبدالله بن المبارك واعظًا ابن عُليَّة:
    يا جاعـل الــعلــم لـه بازيـا يصطاد أموال المساكين
    احـتلـت لـلـدنيـا ولـذاتـهـا بحيلة تذهـب بـالـديـن
    فصرت مجنونًا بها بعدما كـنـت دواء المـجــانـين
    وأنت تدرك أن فاقد الشيء لا يعطيه، فإذا لم يكن الداعية والواعظ موصولًا بالله فإن دعوته إلى الله لا تثمر ولا تنفع وليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة، لابد أن يكون فعلًا عاشقًا لدينه ولربه ولنبيه، ومحبًّا لنقل الخير إلى الناس بعشق ورغبة شديدة، وأما الصناعة فإنها قد تصلح في كل شيء إلا في الدعوة إلى الله.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,213

    افتراضي رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد

    استدلال الخطيب بالقرآن في خطبة الجمعة




    الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل





    صلاة الجمعة من أعظم الطاعات التي تقرب إلى الله تعالى، والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يحرصون على أدائها أكثر من غيرها، ولا يفرطون فيها وإن كان كثير منهم يقصِّرون في الصـلوات الخمس الأخرى، حتى الأعاجم من المسلمين في البلاد العربية يحضرونها في المساجد وإن لم يفهموا إلا قليلاً مما يقوله الخطباء.
    والمسلمون في البلاد الكافرة من غربية وشرقية يقيمونها في مراكزهم الإسلامية، ومن عجزوا عن إنشاء مسجد أو مركز أقاموها في دور بعضهم أو في الحدائق العامة أو غيرها، ولكنهم لا يتركونها - في الغالب - بحجة العجز عن مكان يجمعهم.


    وما يكاد الخطيب يدعوهم عقب الصلاة إلى التبرُّع بشيء من المال لشراء موقع المسجد أو توسيعه أو سداد إيجاره إلا انصرفت أيديهم إلى جيوبهم للمساعدة على ذلك. والمراكز الإسلامية في البلاد الكافرة لا تكاد تنفك عن طلب التبرع في كل جمعة، ومع ذلك ما ضجر المسلمون من كثرة ذلك فتركوا حضورها، ولا أمسكوا أيديهم عن البذل عقب صلاة الجمعة لتشييد مساجد لإقامتها.

    وكثيراً ما عجب الغربيون من الجاليات المسلمة حين يُقتِِِِّر أفرادها على أنفسهم وأولادهم لسداد إيجار المركز أو المسجد، أو شرائه، كما يعجبون أيضاً من تنامي المراكز والمساجد في بلاد الغرب، وكثرتها واتساعها شيئاً فشيئاً، ويعجبون أكثر حين يرون الزحام الشديد على هذه المراكز يوم الجمعة مع خلوِّ الكنائس يوم الأحد إلا من عدد قليل. وكل هذه دلائل على أهمية صلاة الجمعة في دين الإسلام، وعظيم مكانتها في قلوب المسلمين.


    والخطيب حين يعتلي درجات المنبر ليلقي خطبته يمسك المصلون عن الصلاة وقراءة القرآن وسائر أنواع الذكر والقُرُبات، ويتوجهون بأبصارهم وقلوبهم إلى خطيبهم، ويصغون إليه بأسماعهم، وينتبهون لما يقول؛ فإن استطاع الخطيب أن يشدَّهم إليه باستهلاله البارع، ومقدماته الضافية واصلوا الاستماع إليه، وتأثروا بمقوله لهم، وإلا ملّـوه وضجروا من ضعفه وأسلوبه، وانصرفت قلوبهم إلى أودية أخرى.


    والخطيب يلقي على الناس أفكار الخطبة، ويحاول إقناعهم بها، فيستدل لها بالمنقول وبالمعقول أو بأحدهما، وهو يأمرهم وينهاهم، والنفوس البشرية لا تحب الأمر والنهي، ولكنها قد تتخذه ديناً إذا علمت أن ذلك حكم الله - تعالى - وحكم رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، فتحبه وتدين به رغم ما فيه من تكليف بواجبات فيها مشقة، أو حبس عن شهوات محبوبة.


    • أهمية الاستدلال بالقرآن:


    القرآن معظَّم عند المسلمين، لا يتطرق إليه الشك لدى المصلين، وهو أقوى ما يستدل به أيُّ متحدث في المجتمعات المسلمة: {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 24].
    وأوصاف القرآن المنثورة فيما يتلى من الآيات تشد النفوس إليه، وتحبِّب القلوب فيه، فلا يملك قارئ آياته إلا الإذعان له والانقياد، وذلك للأسباب التالية:


    1 - فهو الهدى وما عارضه ضلال: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } [البقرة: 2]، وفي الآية الأخرى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 581]، وهدايته تكون إلى ما هو أحسن وأفضل وأقوم في كل الأمور التي تهمُّ الناس في الدنيا والآخرة: {إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9].


    2 - وهو النور وما عارضه ظلمات، ويُخرج المنقادين له من جميع أنواع الظلمات - ظلمات الكفر والنفاق والبدعة والجهل والظلم وغيرها - إلى النور: {قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [المائدة: 51 - 61]، وفي آية أخرى: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ وَإنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحديد: 9]، وفي ثالثة: {رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ} [الطلاق: 11].


    3 - وهو شفاء القلوب وطِبُّها من أدواء الكفر والنفاق والبدع والضلال وأنواع الشبهات والشهوات: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّـمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِين َ} [يونس: 75]، وفي أخرى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِين َ وَلا يَزِيدُ الظَّالِـمِينَ إلاَّ خَسَارًا} [الإسراء: 28]، وفي ثالثة: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [فصلت: 44].


    4 - وهو السعادة فلا يشقى به قارئه ولا المنقاد له، العامـل به: {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} [طه: 2]، وفي أخرى: {فَإمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقَى}. [طه: 321]
    كما أن هجره والإعراض عنه سبب للشقاء في الدنيا والآخرة: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} [طه: 421 - 621].


    5 - وهو من أعظم أسباب صلاح القلب، وخشوعه لله تعالى، وخشيته منه، ومحبته له: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَـمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 701 - 109], وفي الآية الأخرى: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. [الحشر: 12]


    كل هذه الأوصاف العظيمة للقرآن - وغيرها كثير - يقرؤها المسلم ويسمعها بين الحين والآخر حتى عَظُم القرآن في قلبه، ويكفيه عظمة عند المسلم أنه كلام الله تعالى؛ ولذلك لا يسمح أيُّ مؤمن في أبواب المجادلة والنقاش لأيِّ شخص كان أن يطعن في صدق كلام الله - تعالى - أو يسخر منـه أو يـدعـوه إلى عدم الإيمان به؛ لما للقرآن الكريم من مكانة عظيمة في نفوس المسلمين.


    ولأجل ذلك يلجأ الكفار والمنافقون والزنادقة وأشباههم حين يريدون صرف المسلمين عن القرآن إلى تحريف معاني الآيات، ويتركون تكذيبهم لكلام الله - تعالى - أو التشكيك فيه أو الطعن في آياته مع أنهم في قرارة أنفسهم لا يؤمنون به. وما ذاك إلا لما يعلمونه من مكانة هذا الكتاب العزيز في قلوب المسلمين حتى استولى عليها محبةً له، واقتناعًا به، وتعبدًا بقراءته والاستماع إلى آياته تُتلى.


    وإذا كان الأمر كذلك فحريٌّ بالخطباء أن يُولُوا الكتاب العزيز أهمية بالغة، فيكون هو المصدر الأول للخطبة كما كان هو المصدر الأول في جميع علوم الشريعة الإسلامية وفروعها.


    • أقسام الآيات في الاستدلال من حيث الكثرة والقلّة:


    لا تخلو الآيات التي جمعها الخطيب لإعداد خطبته من حالات ثلاث:


    الأولى: أن تكون كافية في الاستدلال، متناسبة مع الخطبة؛ فلا هي كثيرة تطول الخطبة بها، ولا قليلة تؤدي إلى قِصَر مخلٍّ.


    الثانية: أن تكون الآيات في موضوعه المختار قليلة.


    الثالثة: أن تكون الآيات كثيرة جداً لا يمكنه حشدها كلها في خطبته.


    فالحالة الأولى لا إشكال فيها. وأما الثانية وهي: أن تكون قليلة، بل قد لا يجد في موضوعه إلا آية أو آيتين، فبإمكانه تغيير الموضوع إلى آخر فيه من النصوص ما يخدم خطبته ويقوِّيها.


    فإن كان موضوعه مهمًّا كنازلة حاضرة لا يسوغ إهمالها، فبإمكانه معالجة ذلك بخيارات عدة:
    الخيار الأول: أن يجعل لموضوعه مدخلاً مناسبًا، تكون النصوص فيه متوافرة.


    مثال ذلك: لو وقع زلزال مدمِّر، وأراد الخطيب أن يعرض لموضوع الزلازل فسيجد أن الزلازل لم يأت ذكرها في القرآن إلا في موضعين: أول سورة الحج: {إنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج: 1]، وفي سورة الزلزلة، وهما في زلزلة يوم القيامة، لا في زلازل الدنيا. وجاء ذكر الزلزلة في موضعين آخرين على الاستعمال المعنوي لا الحسِّي، في البقرة: {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} [البقرة: 412]، وفي الأحزاب: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْـمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا} [الأحزاب: 11].


    ففي هذا المثال يستطيع الخطيب الحديث عن موضوعات عدة لها صلة بالزلازل، منها:


    1 - زلزلة القيامة، والآثار الناجمة عنها مستدلاً بهذين الموضعين، ومستحضراً آثار تلك الزلزلة العظيمة بأوصافها المذكورة في سورة الواقعة: {إذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا} [الواقعة: 4]، والتكوير والانفطار والانشقاق والقارعة، ثم يقارن بين ما خلَّفته الزلزلة التي شاهدها الناس من دمار جزئي في الأرض، وما ستخلِّفه زلزلة القيامة من دمار عام في الكون.


    2 - الجبال وفائدتها، وكونها أوتاداً تثبِّت الأرض، ويجمع الآيات في ذلك، وهي كثيرة.


    3 - قدرة الله - تعالى - على الخلق، وأنهم مهما بلغوا من القوة لا يستطيعون أن يردُّوا عذاب الله عز وجل، مستحضراً مـا وقـع مـن هـلاك المكـذبين السابقـين بأنواع العقوبات، مما حكاه القرآن من قصصهم.


    4 - آثار الذنوب والمعاصي، وأنها سبب للعذاب والدمار في الأرض، والآيات فيها كثيرة.


    الخيار الثاني: أن يقتصر على ما في موضوعه من آيات ولو كانت قليلة، ويدعم خطبته بالأحاديث والآثار، وهذا حَسَنٌ إن وجد في موضوعه نصوصاً في ذلك.


    الخيار الثالث: أن يعوض النقص في ذلك بكلامه هو، ويطيل في الوصف والعرض بكلام إنشائي خالٍ من النصوص، ولستُ أحبِّذ هذه الطريقة وإن سلكها كثير من الخطباء لما يلي:


    1 - أنها تحوِّل الخطبة إلى ما يشبه كلام الإعلاميين والإخباريين.


    2 – أ ن على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية نوراً إذا كسا به الخطيب خطبته كانت مباركة، وإذا خلت الخطبة من نصوصهما نُزعت البركة منها.


    3 – أ ن هذا يجعل خطبته مفيدة في كل زمان ومكان، ولو من النصوص التي جمعها، وإن تغيرت الصياغة والأفكار في ذلك.


    و قد ينازع بعض المتخصصين في الخطابة وأساليبها وأبوابها محتجين بأن شخصية الخطيب تذوب في النصوص. وهذا غير صحيح؛ لأن قدرة الخطيب على جمع النصوص، وحسن عرضها في خطبته، وقوته في الاستدلال بها، وانتزاع ما يفيده منها؛ إن لم يكن أعلى من جودة الأسلوب في الدلالة على براعة الخطيب فليس بأقل منها.


    وتصح المنازعة في ذلك لو كان الخطيب ضعيفاً في الاستنباط والاستدلال بحيث يضع النصوص في غير مواضعها، أو يتعسَّف في الاستنباط منها، ولا يحسن التعامل معها، أو يهمل قريب الدلالة ويورد بعيدها، ومن كان هذا حاله فالعلّة فيه لا في نصوص الوحيين.


    وقد ثبت أن النبي - عليه الصلاة والسلام - خطب بسـورة (ق) كـما في حديث أم هشام بِنْتِ حَارِثَةَ بن النعمان - رضـي الله عنها - قـالت: «ما حَفِظْتُ (ق) إلا من في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ بها كُلَّ جُمُعَةٍ»[1]، وكفى بها موعظة بليغة لمن ألقى السمع وهو شهيد، وسأفرد مقالة خاصة في الخطبة بآية أو آيات أو سورة - إن شاء الله تعالى. وجاء في حديث جَابِرِ بن سَمُرَةَ - رضي الله عنه - قال: «كانت لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - خطبتان يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيُذَكِّرُ الناس»[2]، واستناداً إلى ذلك فإن من الأئمة من يشترطون لصحة الخطبة قراءة ولو آية فيها.


    والخطبة خطاب شرعي محض، له أحكامه التوقيعية، فلا يُقاس بالأعمال الأدبية التي يُتَوَسَّع فيها، ويُظهر الكاتب شيئاً من بلاغته وفنِّه.


    موضوعات لا نصوص فيها أو هي قليلة:


    قد تكون بعض الموضوعات ملجئة للخطيب إلى عدم الإكثار من النصوص؛ كحديثه عن سِيَر الأعلام وقصص التاريخ والمغازي ونحوها، وهذه الموضوعات ونحوها بإمكان الخطيب أن يجد لها من النصوص ما يناسبها سواء في ثنايا القصة أو الغزوة أو في الدروس المستفادة منها. كذلك بعض القضايا المعاصرة قد تلجئ الخطيب إلى التقليل من النصوص بسبب تناول الخطيب الموضوع من جانب تاريخي أو عقلي يرى أنه مهمٌّ؛ كالحديث عن تاريخ بيت المقـدس أو تاريخ بعض الفِرَق، أو بعض المصطلحات الحادثة ونحو ذلك، ومثـل هـذه الموضوعات يُعذَر فيها الخطـيب، ولا سيما إذا دعت الحاجة إليها لنازلة فرضتها واقعاً، والناس يتحدثون فيها، وينتظرون تحريراً شرعياً لها من الخطباء. ولكن الخطيب يُعاتَب ويُؤاخَذ إذا كانت السمة الغالبة لخطبه فيها إعراضٌ عن النصوص، أو يقلل منها لحساب إنشـائه وبـيانه وبلاغـته، أو لحساب ما يعرضه من قصص أو أقوال أو حجج عقلية أو غير ذلك. ويشتد العتاب عليه إذا كان الموضوع الذي يختاره مملوءًا بالنصوص القرآنية والنبوية فيُعرض عنها إلى ما هو أدنى منها من حجج وقصص وأقوال ونقول.


    وليعلم الخطيب أن من أهمِّ مهماته التي يرتقي درجات المنبر لأجلها: تربية الناس على تعظيم نصوص الوحيين، وتقديمها في الاستدلال على غيرها، والإذعان لها، والتسليم بها، وعـدم مـنازعـتها بـما هـو دونـها من حجـج أو قصص أو أقاويل أو نُقول ونحوها. فإذا كان الأمر كذلك فكيف يقبل الناس دعوة خطيب إلى تعظيم الكتاب والسنة، والتسليم بهما، وهم يرونه قليل الاستدلال بهما، مستبدلاً بهما غيرهما؟! وأحسب أن هذه اللوثة المستهينة بنصوص الكتاب والسنة تسرَّبت إلى الخطباء من المناهج العقلانية التي تُعنى بحجج العقل على حساب النص، أو من الاتجاهات الأدبية التي تُعْلي من شأن الإنشاء والأساليب البلاغية واللغوية وتقدمها على النصوص. كما أن انتشار لغة الصحفيين والإعلاميين في الآفاق أثَّر سلباً على بعض الخطباء فصاروا يحاكونهم في أساليبهم، ويستخدمون ما أحدثوه من مصطلحات ومفردات وعبارات بلا نظر في صحتها اللغوية، أو عدم مخالفتها الشريعة.


    ولا ينبغي أن يُفهم من تقرير ذلك أن نصوص الكتاب والسنة تعارض الحجج العقلية أو الأساليب البلاغية؛ فالقرآن مملوء بتقرير ما يوافق العقول الصريحة، ويحوي كثيرًا من الآيات التي تُعْنى بمفردات العقل والبرهان والآية والدليل ونحوها، وهكذا السنَّة.


    وكلام الله - تعالى - هو أبلغ الكلام، وكثير من قوانين اللـغة وقـواعـد الـبلاغـة إنما أُخـذت مـنه، ويستدل به لها أو عليها، وما عارضه من قواعد اللغة والبلاغة والبيان فليس بشيء، ولا يحتج به . والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد أُوتي جوامع الكلم، وهو أفصح البشر وأبلغهم، وأحاديثه الجامعة للمعاني الكبيرة الغزيرة في كلمات قليلة تدل على ذلك.


    بيدَ أن بعض الخطباء يتأثر بالمناهج الفلسفية الكلامية في الاستدلال، أو يجنح إلى أساليب أهل البلاغة والبيان على حساب نصوص الكتاب والسنة.


    وأما الحال الثالثة وهي: أن تكون الآيات كثيرة جداً لا يمكنه حشدها كلها؛ كالخطبة عن التقوى فإنها جاءت ومشتقاتها في أكثر من أربعين ومئتي موضع من القرآن، والصبر جاء ذكره فيما يزيد على مئة آية؛ هذا عدا موضوعات التوحيد والترغيب والترهيب، وذكر الجنة والنار وغيرها.


    وفي هذه الحالة للخطيب خياران:


    الخيار الأول: أن يرتب ما يناسب للاستدلال من هذه الآيات على وحدات موضوعية، يضم الآية فيها مع نظيرتها، مثل: جمعه للآيات الآمرة بالتقوى، ويجمع آيات ثمرات التقوى، وآيات صفات المتقين... وهذه الطريقة وإن كان فيها مشقة فإنها تمكِّن الخطيب من صنع خطب عدة في الموضوع الواحد ليس فيها تكرار، وتزيد من قوته العلمية واستحضاره للآيات، ومعرفته طريقة القرآن في عرض الموضوعات.


    الخيار الثاني: أن يختار من هذا الكمِّ الكبير من الآيات ما يراه مناسباً لخطبته.


    وثمَّة أمر مهم وهو أن كثيرًا من الخطباء لا يطلعون على كل الآيات في الموضوع الذي سيخطبون فيه، وفي هذا شيء من القصور، وقد يؤدي إلى ترك الاستدلال بآيات هي أقوى في الدلالة على موضوعاتهم من الآيات التي اختاروها.


    • ما يلزم مراعاته في الاستدلال بالآيات: لا في الاستدلال بالآيات القرآنية أرى أنه ينبغي للخطيب مراعاة أمور:
    أولها: التأكد من كون الآية أو موضع الشاهد منها قد كتبه بشكل صحيح لا خطأ فيه؛ وذلك يكون بمراجعة المصحف، وعدم اعتماده على حفظه مهما كان قوياً؛ لأن بعض الآيات تشتبه بالأخرى، وقد يكون فيها زيـادة كلـمة أو حرف لا ينتبه له فيقع في الخطأ، أو في القَلْب بالتقديم والتأخير، أو إسقاط شيء منها؛ ولأن استحضار آية واحدة أو جزء منها أكثر احتمالاً للخطأ من القراءة المستمرة للسورة كلها أو جزء كبير منها.


    وأرى أن الخطيب لا يعذر بخطئه في الآيات؛ لإمكانية عدم الوقوع في ذلك إذا وجد الحرص والاهتمام، وقد يترتب على ذلك مفاسد كالخطب التي تسجل أو التي تنقل على الهواء مباشرة في القنوات الفضائية، أو مواقع الشبكة العالمية، فتنتقل إلى الناس، وتنتشر في الآفاق بالخطأ الذي في بعض الآيات، ويكون ذلك أخطر إذا ترتب على الخطأ فساد المعنى.


    ويُعذَر الخطيب في ذلك إذا كان يرتجل الخطبة؛ لأن الإنسان يسهو ويغفل ويخطئ، وتشتبه عليه النصوص في بعض الأحيان، ولكن إذا كثر ذلك منه حال ارتجاله بسبب ارتباكه أو ضعف حفظه فيجب عليه كتابة هذه النصوص، وقراءتها من الورقة.


    ثانيها: التأكد من صحة استدلاله بالآية.


    والخطأ في الاستدلال يكون من أوجه:


    أ - قد يسوق الآية لمعنى يريده وهي لا تفيد ذلك المعنى، وسبب ذلك اعتماده على فهمه لظاهر الآية، وعدم مراجعته كتب التفسير.

    ب - أو يكون في الآية أقوال عدة يختار أحدها - وقد يكون قولاً ضعيفاً أو شاذاً - فيحمل الآية عليه.
    جـ - أو يكون في الآية أقوال أخرى متساوية، أو بعضها أقوى من بعض، أو هي من قبيل اختلاف التنوع، فيحصر معنى الآية في القول الذي اختاره وهي تدل على المعاني الأخرى أو الآية تحتملها.


    ثالثها: التركيز على موضع الشاهد من الآية؛ فمن شأن ذكر كل الآية والشاهد جزء قليل منها؛ أن يشوش على المستمع، وقد يضيع منه موضع الاستشهاد ولا سيما إذا كانت الآية طويلة.
    ورابعها: أرى أن لا يرتل الآية أو موضع الشاهد منها، أو يميزه عن سائر كلامه، كما هي طريقة بعض الدعاة والوعاظ والخطباء؛ لأنه ليس في محل القراءة والتعبد بها حتى يرتل الآيات، وإنما هو في موضع الاستشهاد وإثبات ما يقول بآيات القرآن، وللاستشهاد محله وطريقته كما أن للتلاوة محلها وطريقتها، ولا يحسن الخلط في ذلك. وكما أنه لا يسوغ لمن يقرأ القرآن إلا أن يرتله، ولا يقرأ بعض الآيات كما يقرأ كلاماً آخر غير القرآن؛ فكذلك لا يسوغ لمن يستشهد بالقرآن أن يسوقه مساق الترتيل.

    خامسها: ينبغي له أن يرتب الآيات التي يستشهد بها حسب ترتيب سورها في القرآن؛ لأن الإجماع منعقد على أن ترتيب الآيات توقيفي، وأما ترتيب السور فقال قوم: إنه توقيفي، وقال آخرون: إنه اجتهادي، ولو قيل: إنه من اجتهاد الصحابة رضي الله عنهم؛ فإن الأمة أجمعت على مصحف عثمان رضي الله عنه، وعلى ترتيب سوره. فإن كان ترتيب سوره توقيفياً فأُحب للخطيب أن يلتزم به، ولا يخالفه، وإن كان من اجتهاد الصحابة - رضي الله عنهم - فاجتهادهم خير من اجتهادنا، ثم إن انعقاد الإجماع على هذا الترتيب يجعله حجة.
    وأرى أنه يحسن بالخطيب أن لا يخلَّ بترتيب الآيات في الاستشهاد عن ترتيب آيات المصحف وسوره إلا لمعنى يقتضي عدم الترتيب؛ كأن تكون الآية التي يقدمها نصاً فيما يريد، والآيات الأخرى تفيد المعنى ذاته، وآيات أخرى يستأنس بها، فيقدم ما يكون نصاً في قضيته على غيرها من الآيات لقوة دلالتها على ما يريد، ثم يتبعها بالآيات الموافقة لها في المعنى، ثم الآيات التي يستأنس بها.


    سادسها: إذا كان عنده عدد من الآيات التي يستشهد بها، وبعض هذه الآيات واضح الدلالة للمستمع، وبعضها بعيد المنزع عما يريد، أو يتطرق إليه الاحتمال؛ فالأَوْلى أن يقتصر على الآيات الواضحة دون غيرها؛ لئلا يُحْدِث بذكر الآيـات المحتـمـلة تشويشاً على المـستمع، وتضعف في ذهنه القضـية الـتي استدل لهـا الخطـيب بهذا الدليل المـحتمل، أو بعيد الدلالة.


    وإذا كانت القضية محل نزاع في المجتمع، وتتجاذبها أطراف شتى؛ كالحجاب والسفور، والاختلاط وعدمه، وخروج المرأة وقرارها في البيت، وقضايا الحرية والديمقراطية والانتخابات؛ فكل هذه القضايا ومثيلاتها محل نزاع بين التيارات العَلْمانية من جهة، والتيارات الإسلامية من جهة أخرى، وصوت الدعاة والعلماء فيها يكون في المساجد وعلى المنابر وعبر وسائل إعلام محدودة، وصوت العَلْمانيين فيها يكون في الصحف وأكثر المجلات والقنوات الفضائية والإذاعية، والناس يشهدون هذه المعارك الفكرية، ويعيشونها كل يوم، فأرى أن لا يكون استدلال الخطباء على ما يرونه حقاً في تلك القضايا إلا بالأدلة الواضحة التي لا ينازع فيها إلا مكابر؛ لأن من شأن الاستدلال بالأدلة المشتبهة أو المحتملة أو الضعيفة الدلالة أن يقضي على قضيته في أذهان الناس، ولو جاء بالأدلة الواضحة معها؛ لما يلي:


    أولاً: إن الأدلة الواضحة على المعنى الذي يريده تفي بالمقصود، وهو يخاطب مسلمين مستسلمين - في أغلبهم - للنصوص الشرعية، ويكفيهم منها دليل واحد
    واضح للقبول والانقياد عن عشرة أدلة ليست واضحة، أو في الاستدلال بها عسف وتكلف.
    ثانياً: إن الأدلة المحتملة قد تنسي المصلين الأدلة الواضحة، وقد ينشغلون بالتفكير في مدى صحة الاستدلال بها أو الإيرادات التي ترد عليها عن الاستماع إلى الخطيب، فيصرفهم أو بعضَهم عنه، وهو يريد منهم الاستماع إليه.


    ثالثاً: إن الخصوم يتعلقون بضعيف الدلالة ويجعلونه أصلاً في المناقشة، فتنقل القضية من أصلها إلى مناقشة دليل محتمل أو ضعيف، فيُحشَر الخطيب في زاوية الدفاع عن استدلاله، وتُنسى القضية الأصل، وللمنحرفين مكرٌ كُبَّار في ذلك، وبراعة في التشويش على العوام من هذا الباب، ولا سيما أن أكثرهم ممن إذا خاصم فجر. وحتى لو لم تجرِ مناقشة ذلك مع الخطيب في حينه؛ فليفترض الخطيب أن المصلين عقب الجمعة يناقشون في مجالسهم ما قاله الخطيب، وفي الغالب نجد أن مجالس الناس تجمع التيارين أو المتعاطفين مع أحدهما، فإذا أثبت المخاصم للناس ضعف استدلال الخطيب بدليل واحد من عشرة أدلة في قضيته التي ساقها فإنه يكسب بذلك أمرين:


    1 - صرف نظر الناس عن موضوع الخطبة وأدلتها الأخرى إلى هذا الدليل الضعيف أو المحتمل.
    2 - التشكيك في كل ما ذكره الخطيب من القضايا الأخـرى، بل التشكيك فيما سيلقيه مستقبلاً، ونزع ثقة الناس فيه.
    سابعها: إذا أنهى الخطيب صلاته، ثم سئل عن معنى في آية استشهد بها، أو أورد أحد المصلين عليه إشكالاً في استدلاله، أو دليلاً آخر ينقض ما قرره في خطبته، فلا يخلو الخطيب من حالين:
    الأولـى: أن يكــون عنـده جـواب لهـذا الإشكال، ويعلم ما قد يورد على استدلالاته من أدلة أخرى، ولديه أجوبة لها - ولا يتأتَّى ذلك للخطيب إلا بالتحضير الجيد - فَلْيُزِلْ تلك الإشكالات، ويُجِبْ عنها بما آتاه الله - تعالى - من علم وفقه وتحضير جيد لموضوعه.
    الثانية: أن لا يكون عنده جواب لهذا الإشكال، ولا يعلم بالأدلة التي أوردت عليه، فلا يجوز له حينئذ أن يُخلِّص نفسه من هذا المأزق بالكذب، أو بنفي ما لا يعلم مع احتمال ثـبوته، ولا يَحِلُّ له أن يُصِرَّ على رأيه وهو غير متأكد مما أُورِد عليه، وسأورد مثالاً على ذلك - إن شاء الله تعالى - من السنَّة في مقال مستقل بعنوان (استدلال الخطيب بالسنة). ثم إن المناقشين لما في الخطبة من معلومات على أَضْرُبٍ ثلاثة:
    الأول: أهـل العـلم والفـقه والفضـل ممن يـوقن الخطيب أو يغلب على ظـنه صـوابـهـم وخـطـؤه، وهـؤلاء يجب عليه أن يخـضـع لهـم، لا ويستفيد من علمهم، ويشكرهم على تعقُّباتهم له.
    الثاني: المسترشدون، وهم غالباً ناصحون محبون للخير، متأثرون بالخطبة، ويريدون التطبيق والعمل، فيسألون عن بعض التفصيلات، أو انقدحت عندهم إشكالات مما ذكره الخطيب؛ لوجود مقررات سابقة لديهم، أو نصوص تعارض ما قاله خطيبهم. وهؤلاء يجب على الخطيب العناية بهم، والتلطف معهم، وإزالة ما لديهم من إشكالات. فإن قدر الخطيب على ذلك ساعة سؤاله فذاك، وإلا طلب منهم إمهاله حتى يبحث مسائلهم فيجيبهم عنها، وبحثه لها يفيده هو أكثرمما يفيدهم هم.
    الثالث: المكابرون المتصيدون، وهم غالباً لا يكونون على وفاق مع منهج الخطيب وأفكاره، أو في قلوبهم ضغينة عليه، أو حسد له، فيريدون إسقاطه وإحراجه.
    وأرى في تعامل الخطيب مع هؤلاء أن يدرأهم عنه قدر الإمكان، ويداريهم في الحق ما استطاع، ويجتنب جدالهم ومناقشتهم؛ لأنهم ليسوا طلاب حق. والمجادلة معهم تحقق غرضهم، وقد تصل بالخطيب إلى حد المماراة التي نهي عنها، والإعراض عنهم خير من مواجهتهم.






    ______________________________ __________
    [1]
    أخرجه مسلم (873).
    [2] أخرجه مسلم (862).

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,213

    افتراضي رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد

    الإشارة في الخطابة
    مرشد الحيالي




    تُعتبر الإشارةُ باليد مِن الوسائل الهامَّة النافِعة في تدعيم الفِكرة، وترسيخ المعلومة في الذِّهن، وتدخُل ضمنَ ما يُسمَّى بلُغة الجسد، ومعنى لغة الجسد: تلك "الحَرَكات التي يستخدِمها بعضُ الأفراد إراديًّا، أو غير ذلك؛ مثل الإشارة باليَد، ونبرة الصَّوْت، وهز الكَتِف أو الرأس، أو نفض اليد(1).
    ونحو ذلك مِن أجْلِ تفهيمِ المخاطَب أو المدعو بشكلٍ آكد، ولها وسائلُ عِدَّة ليس الغرَضُ هنا بسطَها، أو تفصيل الكلام فيها، ولما كان لها مِن التأثيرِ في إيضاح المعنى جاءتِ السُّنة المطهَّرة بالاهتمام بها في بيانِ معاني الإسلام، واهتمَّ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - باستخدامها كثيرًا في خُطَبه ومواعظه؛ للتعبيرِ عن مشاعرِه، وعن معاني الدِّين، كما كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يفهمون ما يَرْمي إليه الرسولُ مِن رسائلَ من خلال إشاراته، ويُدركون معانيَها ودلالتها العظيمة، وحسبُنا أن نذكر بعضًا من النصوص النبوية التي استخَدَم فيها الإشارة باليدِ؛ لكونها ممَّا لها صلة بموضوعنا، وبعدَها نتكلَّم حولَ الضوابط العامة في الموضوع، ومِن الله التوفيق والإعانة.




    1- الدَّلالة على الوَحْدة والائتلاف: وقد صحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: ((المؤمن للمؤمن كالبنيانِ، يشُدُّ بعضُه بعضًا، وشبَّك بيْن أصابعه))(2).
    2- التحذير من بعضِ المحرَّمات: كحديثِ معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قلتُ: يا رسولَ الله، أخبِرْني بعملٍ يُدخلني الجنة، ويُباعِدني من النار، قال: ((لقدَ سألتَ عن عظيم، وإنَّه ليسيرٌ على مَن يسَّره الله عليه، تعبُد الله لا تُشرك به شيئًا، وتُقيم الصلاة، وتُؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجُّ البيت، ثم قال: ألاَ أدلُّك على أبوابِ الخير؟ الصوم جُنَّة، والصدقة تُطفِئ الخطيئةَ كما يطفئ الماءُ النار، وصلاةُ الرجل مِن جوف الليل، ثم تلا (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ) (السجدة: 16)، حتى بلغ (يَعْمَلُونَ) ([السجدة: 17)، ثم قال: ((ألاَ أُخبرك برأسِ الأمر، وعموده، وذِروة سنامه؟)), قلت: بلى يا رسولَ الله، قال: ((رأسُ الأمرِ الإسلام، وعموده الصلاة، وذِروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألاَ أخبرك بمِلاك ذلك كله؟)) قلت: بلى يا رسولَ الله، فأخَذ بلسانه، قال: ((كُفَّ عليك هذا))، قلت: يا نبيَّ الله، وإنَّا لمؤاخذون بما نتكلَّم به؟, فقال: ((ثكلتك أمُّك، وهل يَكبُّ الناسَ في النار على وجوههم - أو على مناخرهم - إلا حصائدُ ألسنتهم))؛ رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح(3).




    3-بيان معنًى مِن معاني العقيدة الإسلامية؛ حيث خطَب النبي - صلى الله عليه وسلم - في أمَّتِه يومَ عرفة، فقال لهم: ((ألاَ هل بلغت؟)) قالوا: نعم، فرفَع إصبعَه إلى السماء يقول: ((اللهمَّ اشهد))، فهذا الفعْل منه - صلى الله عليه وسلم - يدلُّ على علوِّ الله - عز وجل –(4).
    4-بيان أشراطِ الساعة وما يَسبِقها مِن أحداث وفِتن: عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: ذكَر النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((اللهمَّ بارِكْ لنا في شامِنا، اللهمَّ باركْ لنا في يمننا))، قالوا: يا رسولَ الله, وفي نجْدِنا؟, قال: ((اللهمَّ بارِكْ لنا في شامِنا، اللهمَّ بارِكْ لنا في يمننا))، قالوا: يا رسولَ الله، وفي نجدنا؟, - فأظنُّه قال في الثالثة -: ((هنالك الزلازل والفتن، وبها يَطلُع قرْنُ الشيطان))؛ لفظ البخاري، في لفظ لمسلم: ((إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قام عندَ باب حفصةَ، فقال بيده نحوَ المشرِق: الفِتنة ها هنا من حيثُ يطلع قرْنُ الشيطان)) قالها مرَّتين أو ثلاثًا(5).




    ولَمَّا كانتِ الإشارة باليد ممَّا يكثر استعمالُه للتعبيرِ عن المعاني، وخاصَّة مِن لدن الخطيب الذي يرْتَقي المِنبر، أو الواعِظ الذي يُلقي درسًا أو محاضرة؛ وجَب التنبيهُ على بعضِ الأمور، تجعَل الخطيب متوازنًا معتدلاً في تصرُّفاته وحركاته، كما هو مطلوبٌ منه أن يكون متوازنًا معتدلاً في كلامِه وطرْحه وأسلوبه، ومِن ذلك:
    أولاً: عدَم الإكثار مِن الإشارة بدون سببٍ، فيكون حالُه كالممثِّل على خشبةِ المسرَح، بل يتمَّ توزيعُ ذلك باعتِدال تامٍّ أمامَ الحاضرين، والحرَكة الكثيرة هي مِن عادة بعضِ الخطباء ممَّا يجلب انطباعًا غير محمود، ولو كانتْ خطبته رنانة.
    ثانيًا: أيضًا مِن غير المستحسَن أن يبقَى الخطيب جامدًا كأنَّه عمود لا يتحرَّك، فيبقَى طولَ الخُطبة لا يعبِّر بيده عمَّا يَجيش في صدْره، فيملّ الناس مِن موعظته(6).




    ثالثًا:الالْتفا المعقول، والحِكمة في استعمالِ الإشارة، فلا يُشير إلى أحدٍ بعينه، أو طائفةٍ مِن النَّاس وهو يتكلَّم - مثلاً - عن المنافقين أو الكافرين؛ لئلاَّ يقعَ في سوء الظَّنِّ، ويكون ذلك سببًا لنفور الناس عنه، وإنْ لم يقصدْ هو ذلك.
    رابعًا:أن يكون متحكِّمًا في انفعالاتِه ومشاعره مِن غضِبٍ وتألُّم، وتحسُّرٍ وتأسُّف، وحبٍّ، فتكون مبنيةً على أساسٍ قويم، ومنهجٍ سليم، تتناسَب مع المقامِ والحال، وظروف مَن يخاطبهم؛ ولذا مِن غير المستحسَن أن يتخبَّطَ في حركاته أمامَ مَن يخاطبهم، فيضرب بقوَّة على المِنبر، أو يجذب إليه (الميكرفون)، أو يضطرب في حركاتِه، أو نحو ذلك(7).




    خامسًا: من المهمِّ جدًّا - كما سَبَق - أنْ تتناسب حركةُ يده مع كلماته، وأن "يناسِب بيْن الحرَكة والنطق، والإشارة والعِبارة، ويراعي ألاَّ يشعر المتحدِّث أنه ملزمٌ بالجمود في بقعة محدَّدة، أو أنَّ أعضاء جسمِه ممنوعةٌ مِن الحرَكة، فالمهم ألاَّ ننفرَ مِن استخدام الإيماءات ونوظِّفها بنجاح(8).
    والمقصود أن يكونَ الخطيب ذا مهابة ووقار، وأن تكونَ له مهابةٌ في القلوب، فيستعمل خُلُقَ الورَع والخوف مِن الله، كما هو دَأب أوْلياءِ الله الصَّالِحين، حتَّى تعظِّمَه النفوس، وتنقاد إلى سماعِه الآذان، فلا يظهر بمظْهَر الهازل أمامَ مَن يدعوهم، وأعظم ما يُحقق له هذا المقصودُ هو تقوى الله، وترجمة ما يقوله إلى واقِعٍ ملموس، فإنَّ ما في الباطن يؤثِّر - بلا شكٍّ - على المظهر، ومَن خشَع قلبُه سَكَنتْ جوارحه، فلا يحتاج إلى التصنُّع أو المداهنة.
    والأمر الثاني: دراسة سِيرة الرسول المكرم، وهديه في مواعظه وخُطَبه، ففي ذلك رصيدٌ لمن أراد أن يتصدَّى للوعْظ والموعظة.
    فائدة:في سؤال وُجِّه إلى سماحة الشيخ العلاَّمة ابن جبرين - رحمه الله - سُئِل فيه ما يلي:




    ما الحُكْم في إمامٍ يخطب الجُمُعة، ويُكثِر الحركَة على المنبر، ويتمايل كثيرًا أثناءَ الخُطبة، وكلَّ لحظة وأخرى يقول: وحِّدوا الله، وصلُّوا على رسولِ الله، ويطلب مِن الجالسين أن يرفعوا أصواتهم؟.
    فأجاب: على كلِّ خطيب أن يؤدِّيَ الخُطبة المعتادة، وإذا تفاعَل وتحمَّس في الإلْقاء؛ ليثيرَ النفوس، ولا بأسَ بحرَكة الرأس والالْتِفات يمينًا وشمالاً عندَ الحاجة، فأمَّا الحاضرون فعليهم الإنصات، ولا يجوز لهم رفْع الصَّوْت بالكلام، ولا يكلّفهم الإمام بذلك، ويجوز لهم التأمينُ على الدُّعاء، ولهم أيضًا الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - عندَ ذِكْرِه، أو نحو ذلك، والله أعلم(9).
    وصلَّى الله على محمَّد، وآله وصحْبه أجمعين.




    --------------------------------
    الهوامش:
    (1) من بحث موسَّع، نُشِر على (الموسوعة الحرة)، بعنوان "لغة الجسد".
    (2) الحديث رواه البخاري عن الصحابي أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - برقم (6026).
    (3) انظر: "السلسلة الصحيحة"؛ للشيخ الألباني - رحمه الله - رقم (3284) قال عنه: إسناده صحيح رجاله.
    (4) الحديث رواه البخاري عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنه - رقمه (1742).
    (5) رواه البخاري عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنه - رقمه 3279.
    (6) بعضُ الخطباء يضع يدَه على صدره طيلةَ وقت الخطبة، يظنُّ أنَّ الحركة في الخُطبة تنافي الخشوع والتواضع، وهو مجانب للصواب.
    (7) رأيتُ بعضًا مِن هؤلاء الخطباء - أصلحه الله - يجذب إليه (الميكرفون بقوة)، وبضرب على المنبر بشدَّة، حتى يخرجَ رذاذ البصاق مِن فمه، وكأنَّه في حلبة مصارعة، يريد أن يقتُلَ خصْمه، ولا يدري أنَّه يخاطب العقول والقلوب، فيحتاج إلى قدرٍ كبير من الحِكْمة والتعقُّل، والانفعال المعقول.
    (8) من بحث بعنوان "نبرة الصوت والحركة" للأخ الفاضل عبدالغني مزهر، تجده على موقع (ملتقى الخطباء)، وموقع (الألوكة).
    (9) من موقع سماحة الشيخ عبدالله بن جبرين - رحمه الله -.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,213

    افتراضي رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد

    خُطب الجمعة
    علي الطنطاوي


    كان وفد من العلماء يزور واحدًا من كبار أولي الأمر من عهد قريب، يشكو إليه فساد الأخلاق، وانتشار المعاصي، وهذه المنكرات البادية، فقال لهم: "أنا أعجب من أمركم؛ عندكم هذه المنابر التي تستطيعون أن تصلحوا بها كل فاسد، وتقوِّموا كلَّ معوجٍّ، ثم تَشْكُون إليَّ ما تجدون! ".
    وهي كلمة أجراها الله على لسانه لتقوم بها الحجة علينا مرتين: مرة لأنها كلمة حق، لا ينازع في صحتها منازع، ومرة لأنها جاءت موعظة منه هو لمن يتصدُّون لوعظ الناس! ولو كان عُشْر هذه المنابر في أيدي جماعة من الجماعات العاملة المنظمة؛ لصنعت بها العجائب؛ فما بالنا وهي في أيدينا لا نصنع بها شيئًا؟!
    وما أذهبُ في الاستدلال إلى عرض أوجه الاحتمال، وعندي الواقع الذي ليس فيه جدال، هو منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذه المنابر..
    كان للرسول - صلوات الله عليه - منبر واحد: درجات من الخشب، ليس فيها براعة النقش، ولا فيها روعة الفن، ليس عليها قُبَّة، ولا لها باب، دعا منها فلبَّت الدنيا واستجاب العالم، وترك بها على الأرض أعظم أثرٍ عرفه تاريخ الأرض، وعندنا اليوم مائة ألف منبر، مبثوثة ما بين آخر أندونيسيا وآخر المغرب، كلها مزخرفٌ منقوشٌ، استنفد جَهْد أهل العمارة وعبقرية أهل الفن، وفيها المكبرات والإذاعات تحمل الصوت منها إلى آفاق الأرض؛ فيُسمع خطباؤها الملايين، ولا نرى لها مع ذلك أثرًا في إصلاحٍ ولا عملاً في نهضة؛ فما هو السر في تلك القوة، وفي هذا الضعف؟
    تعالوا نفكر في ذلك جميعًا، نعرض أحوال هذه الخُطَب، ونفتِّش عن حالها، ولا يغضب مني أحدٌ، فما أريد الفضيحة ولا التشهير؛ إن أريد إلا الإصلاح، وأنا بعدُ واحدٌ من الخطباء، لستُ غريبًا عنهم ولا مبرَّأ من عيوبهم، وما يُقال فيهم يُقال مثله فيَّ أنا، ومن أجراكَ مجرى نفسه ما ظلمكَ.
    ولو سألت مَنْ شئت من المصلين عن هذه الخُطَب؛ لسمعت منه طرفًا من عيوبها:
    فمن عيوبها: هذا التطويل وهذا الإسهاب، حتى لتزيد الخطبة الواحدة - أحيانًا - إلى نصف ساعة، مع أنَّ السنَّة تقصير الخطبة وتطويل الصلاة، وألا تزيد الخطبة على سورة من أوساط المفصَّل؛ أي على صفحتين اثنتين فقط.
    وهذه خطب الرسول المأثورة، وخطب الصحابة، منها ما هو صفحة واحدة أو أقل من ذلك، ويا ليت دائرة الإفتاء أو الأوقاف تُلزم الخطباء بألا تزيد أطول خطبة يلقونها عن ربع ساعة.
    وأنا أخطب في مسجد جامعة دمشق؛ فلا تمرُّ ثُلُث ساعة، أو خمس وعشرون دقيقة على أذان الظهر - حتى تكون قد انتهت الخطبة والصلاة، ذلك لأننا تركنا هذه البدع التي تكون قبل الخطبة؛ فلا نقرأ ما يسمَّى (الصمديَّة)، ولا يجهر المؤذن بهذه الصلوات؛ بل نسمع أذان الظهر فنصلِّي السنَّة، ويصعد الخطيب المنبر فورًا.
    وكذلك كان يفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ولا خير فيما لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
    ومن عيوبها: أنه ليس للخطبة موضوع واحد معين؛ بل تجد الخطيب يخوض في الخطبة الواحدة في كل شيء، وينتقل من موضوع إلى موضوع، فلا يوفِّي موضوعًا منها حقَّه من البحث، فإذا جاء الجمعة الثانية عاد إلى مثل ما كان منه في الجمعة الأولى؛ فتكون الخطب كلها متشابهة متماثلة، وكلها لا ثمرة له، ولا يخرج السامع له بنتيجة عمليَّة، ولو أن الخطيب اقتصر على موضوع واحد - جلَّ أو دَقَّ، كَبُرَ أو صغر - فتكلم فيه ولم يجاوزه إلى غيره؛ لكان لخطبته معنى، ولأخذ السامع منها عبرة، وحصَّل منها فائدة.
    ومن عيوبها: أن الخطيب - أعني بعض مَنْ يخطب - يحاول أن يصلح الدنيا كلها بخطبة واحدة، فلا يخاطب الناس قَدْرَ عقولهم، ولا يكلِّمهم على مقتضى أحوالهم، ولا يسير بهم في طريق الصلاح خطوةً خطوة؛ بل يريد أن يبلغوا الكمال بقفزة واحدة، مع أن الطفرة في رأي علمائنا محالٌ.
    ومن عيوبها: أنها صارت (كليشات) معيَّنة، ألفاظ تُردَّد وتُعاد، لاسيَّما في الخطبة الثانية، مع أن الخطبة الثانية لا تختلف في أصل السنَّة عن الأولى، وما يلتزمه الخطباء فيها من الصلاة الإبراهيمية، والترضِّي على الخلفاء والتابعين بأسمائهم - لم يلتزمه أحدٌ من السلف.
    وخطبة الجمعة عند الحنفية لا يُشترط لصحَّتها إلاَّ أن تكون دينية، وأن يكون فيها تذكيرٌ بالشَّرع، وهذه (الكليشات) كلها ليست من شروط الخطبة.
    والدعاء الذي يكون في آخر الخطبة ليس شرطًا، ولا كان السلف يواظبون عليه.
    والدعاء مطلوبٌ، وهو مخُّ العبادة وروحها، ولكنَّ الدعاء المطلوب هو الذي يكون عن قلبٍ حاضر، ومراقبة الله، وثقةٍ بالإجابة، فإن كان الدعاء بالمأثور كان أحسن، أما أن يكون الغرض منه إظهار سَعَة الحفظ وبلاغة اللفظ؛ فلا.
    والدعاء للسلاطين بأسمائهم بدعة، وقد نصَّ الحنفية على أنه مكروهٌ إن ذُكِرَ السلطان بالتعظيم، فإن قال عنه ما ليس فيه - كما كان بعض الخطباء في مصر يقولون عن فاروق - فكذبٌ وافتراءٌ.
    وآية: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) [النحل: 90] التي يلتزمها الخطباء في آخر الخطبة، ويظنها العامَّة من شرائط الخطبة - ليست شرطًا فيها، فإن تلاها أو تلا غيرها، أو لم يتل في ختام الخطبة شيئًا - لم يكن عليه شيءٌ.
    وكونهما خطبتَيْن والقعود بينهما سنَّة؛ فإن جعلها خطبةً واحدةً ولو جملاً معدودات فقالها ونزل - لا شيء عليه عند الحنفية.
    ولما ولي عثمان الخلافة؛ صعد المنبر ليخطب أول جمعة فأُرْتِجَ[1] عليه ولم يستطع الكلام؛ فقال: "إنَّ مَنْ كان قبلي كان يُعِدُّ لهذا المقام كلامًا، وأنا إن أَعِشْ فستأتيكم الخطب على وجهها - إن شاء الله"، ونزل! وكانت هذه هي الخطبة ولم يعترض عليها أحدٌ من الصحابة.
    ومن عيوبها: هذا التكلُّف في الإلقاء، وهذا التشدُّق في اللفظ، وهذه اللهجة الغريبة، وخير الإلقاء ما كان طبيعيًّا لا تكلُّف فيه، والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد كره المتشدِّقين وذمَّهم.
    ومن أعظم عيوب الخطبة في أيامنا: أن الخطيب ينسى أن يقوم مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويتكلَّم بلسان الشَّرع، وأنَّ عليه أن يبيِّن حكم الله فقط لا آراءه هو وخطرات ذهنه، ويحرِّض على رضا الله وحده لا على رضا الناس، فلا يتزلَّف إلى أحد، ولا يجعل الخطبة وسيلةً إلى الدنيا، وسببًا للقبول عند أهلها.
    ومن عيوبها: أن من الخطباء مَنْ يأتي بأحكام غير محقَّقة ولا مسلَّمة عند أهل العلم، يُفتي بها على المنبر، ويأمر الناس بها، ولو اقتصر على المسائل المتَّفق عليها وأمر بها العامَّة، وترك الخلافيَّات لمجالس العلماء - لكان أحسن.
    ومنهم - وهذا كثير - من يأتي بالأحاديث الموضوعة أو الضعيفة المتروكة، مع أنه لا يجوز لأحد أن يُسنِد حديثًا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يتوثَّق من صحَّته، بأن يصحِّحه أحد المحدِّثين الموثوق بهم؛ كأصحاب الكتب الستة - على اختلاف شروطهم في تصحيح الأحاديث - أو يعتمده فقهاء مذهب من المذاهب الأربعة، ويتفقوا على الأخذ به.
    ومَنْ أخذ كل حديث يجده في كتاب، أو يسمعه من فم إنسان، فنسبه على المنبر إلى الرسول من غير أن يعرف درجته من الصحة، ومن غير أن يبحث عن مخرجه وراويه - أوشك أن يكون داخلاً تحت حديث: ((مَنْ كذب عليَّ متعمدًا؛ فليتبوَّأ مقعده من النار))، فليتنبَّه الخطباء إلى هذا؛ فإنه لمن أهمِّ المهمَّات.
    ويا ليت خطيب كل مسجد يُعِدُّ لخطب الشهر برنامجًا يعلقه على باب المسجد، أو يبيِّن للناس على الأقل أن خطبة الجمعة القادمة موضوعها كذا، ومدتها كذا؛ ليكون المصلِّي على بيِّنة من أمره، ويجعل الخطبة الثانية مطلقةً، يتكلم فيها عمَّا يجد بعد إعلان موضوع الخطبة الأولى، أو يجعلها موعظة عمليَّة.
    وأن يكون منهج الخطيب: أن يعمل لإصلاح الأفراد أولاً، ثم يتكلم عن إصلاح الأُسَر والبيوت، ثم يبحث في الإصلاح العام، وأن يبدأ بما بدأ به الشَّرع؛ فيصحِّح التوحيد أولاً، ثم يأمر باجتناب المحرَّمات، ويعددها، ويجعل لكل منها خطبةً: من آفات اللسان (كالكذب والغيبة والنميمة)، إلى السرقة، والزنا، والغشّ، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور وأمثالها.
    ثم يأمر بالفرائض، ويجعل لكلٍّ منها خطبةً يبيِّن فيها أحكامها، لا بيان الفقيه الذي يعدِّد الشروط والأركان والسنن والمكروهات؛ بل بيان المُرْشِد الذي يبيِّن الأعمال، ويدل على طريق الإخلاص فيها، فيتكلم عن الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والأمر بالمعروف، وما إلى ذلك.
    وعلى السامعين أن يعلموا أن سماع الخطبة ليس للبركة فقط؛ بل للاتعاظ بها، والعمل بما يتعلَّمه منها، والعاقل منهم مَن استفاد من صحة القول ولو شكَّ في حال القائل، والحكمة ضالَّةُ المؤمن؛ يأخذها من حيث وجدها.
    هذه خواطرٌ في الموضوع، لم أقصد فيه لمَّ جوانبه، وجمع أطرافه، واستيفاء القول فيه؛ لأن الكلام فيه طويل، والمجال قليل، والقصد التنبيه.
    ـــــــــــــــ ــــــــــــ
    [1] أي:انسد عليه باب الكلام، والإرْتاجُ: الإغلاق، ومنه رتاج الباب.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,213

    افتراضي رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد

    وصايا وخواطر في إلقاء الكلمات الدعوية
    سلطان بن عبد اللّه العمري


    أنا أريد أن ألقي كلمة في المدرسة أو في المسجد أو بين جماعتي، فما نصيحتك لي؟
    الجواب: لابد من الحرص على ما يلي:
    لابد من معرفة أصناف الناس الذين سوف تخاطبهم، هل هم كبار أو صغار وما هي مستوياتهم العلمية (جاهل، متعلم)؟
    هل عندك علم تستطيع من خلاله دعوة هؤلاء، وأنا لا أقصد أن تكون محيطاً بجميع العلوم، وإنما قصدي " أن يكون عندك علم بالشيء الذي تدعو إليه".
    احرص على تجديد النية لوجه الله - تعالى -.
    احرص على جمال مظهرك وملبسك.
    إذا بدأت فابدأ " ببسم الله ".
    ادع للناس في بداية كلامك مثال: أسأل الله أن يجمعنا بكم في دار كرامته ـ أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الفردوس الأعلى...".
    أخبرهم بأنك ستأخذ دقائق يسيرة وأنهم سيجدونها في ميزان حسناتهم.
    أخبرهم بعنوان الكلمة، مثال" سأتحدث معكم عن فضل التوبة.... ".
    استخدم عبارة "أيها الأحبة في الله ".
    10ـ استخدم طريقة السؤال، مثال: هل سمعتم بقصة ذلك التائب الصادق؟.... ثم تبدأ بسرد القصة.
    11ـ انظر للناس جميعاً حتى يتفاعلوا معك.
    12ـ عليك باختيار الكلمة الواضحة المعنى، وبدون تكلف.
    13ـ كن رفيقاً في طريقة كلمتك، حتى يحبك الناس.
    14ـ ابتعد عن هذه الألفاظ:
    كثير من الناس، وقل بعضاً من الناس.
    وأصحاب المعاصي: وقل يا من يرتكب الذنوب.
    ويسهرون على الأفلام الماجنة، وقل يسهرون على المحرمات...

    15ـ لا بد من إيراد قصة في بداية الكلمة، وفي أثناءها، وفي نهايتها، لأن القصص محببة للنفس.
    16ـ في أثناء الكلمة "ادع للناس" بدعوة تناسب الكلمة، فإذا كانت الكلمة عن الجنة، قل: اللهم اجمعنا فيها...".
    17ـ لا بد من الاستدلال بالقرآن والسنة، مثال: آية، حديث، لأن فيها خير كثير، وهدى ونور، وأي كلمة ليس فيها أدلة، فهي جافة غير مباركة.
    18ـ لا تطيل في الكلمة، حتى لو شعرت أن الناس مستفيدين، لأن النفوس تمل، كما يمل البدن، وما أجمل أن تنتهي والناس يريدون بقائك، أما أن تطيل والناس يتمنون أن تتوقف، فهذا لا نريده.
    19ـ لا تخرج عن الموضوع الذي بدأت به، إلا لحاجة ضرورية.
    20ـ كن حماسياً محرك للمشاعر والعواطف والهمم.
    21ـ إياك والحديث عن النفس، مثال: لات ردد عبارة "أنا..... لي، وعندي... " فالناس يكرهون ذلك.
    22ـ عليك باختيار بعض أقوال السلف ففيها بركة كبيرة.
    23ـ حاول أن تذكر أسلوب الأرقام في كلماتك، مثال: هل سمعتم بفضل مجالس الذكر، إن فيها خمسة فضائل.. ".
    24ـ اذكر حلول المشاكل التي تريد طرحها، مثال: عنوان الكلمة " قسوة القلب " فإذا انتهيت منها، اذكر علاج قسوة القلب، مثال آخر: عنوان الكلمة: فضل العلم " اذكر في النهاية: وسائل تحصيل العلم.
    25ـ بعض الكلمات قد يناسب أن تدخل فيها بعض الطرائف والابتسامات، وبعضها لا يناسب، فكن حكيماً في ذلك.
    26ـ كن حليماً في اختيار الألفاظ، واحذر من الكلمات التي تضرك، أو تضر الصحوة ونحو ذلك.
    27ـ لا نريد الحماس الذي يحرك المستمعين للاندفاع إلى أعمال غير مدروسة، وغير متزنة بميزان الشرع، وإنما نطالب بالحماس المظبوط بالظوابط الشرعية.
    28ـ احذر من سرعة الكلام، فالكلام السريع، لا يفهمه غالب الناس، وخاصة العامة، وما أجمل الهدوء المعقول، المقرون بالكلمات المعبرة.
    29ـ ما أجمل أن تستشهد ببعض الأبيات الشعرية التي تحتوي على المعاني الراقية، و" إن من الشعر لحكمة".
    30ـ تستطيع من خلال كلماتك أن تجعل الناس يتحركون إلى الخير ويندفعون إلى صالح الأعمال، وتستطيع أن تجعلهم يقنطون من أنفسهم ويخرجون وهم متشائمين، وهذا لا نريده.
    31ـ ازرع التفاؤل والخير والدين في نفوس المستمعين.
    32ـ اعلم أن المستمع ينصت لك، فاتق الله في كلماتك.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,213

    افتراضي رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد

    الموعظة .. والطريق إلى القلوب
    خالد رُوشه




    للموعظة مكان معروف في قلوب الطيبين , تذكرهم بالخير , وتدعوهم إلى الاستقامة , تبشرهم وتنذرهم , ترغبهم في التوبة والعودة والإنابة إلى الله والمسارعة في الخيرات , والتربية الإيمانية تعتمد الوعظ طريقة تعليمية توجيهية مستوحاة من كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم , قال سبحانه " ياايها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين " , ولكي نحصل على موعظة مثالية مؤثرة اقدم لك قارئي الكريم تلك الوقفات
    اولا : الموعظة ترتكن ابتداء على إخلاص قائلها , فما خرج من القلب سيجد له طريقا إلى القلوب , وما اقتصر على كلمات اللسان فلن يجاوز الآذان , ولما سئل أحد الصالحين عن واعظ يعظ الناس طويلا ولا يؤثر فيهم وعن آخر يقل في موعظته لكنه يؤثر في الناس قال : ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة , فالأول مستأجر يؤدي دور ببرود , والثاني صادق ولو كان قليل الكلام
    ثانيا : الموعظة إنما هي كلام طيب , لا سوء فيه ولا إساءة , فلا يصح فيها غيبة الناس ولا انتقاصهم , ولا يجوز فيها سوء الظن بهم , كما لايعتبر فيها الإساءة إلى العصاة الراغبين في التوبة والإنابة ولا ازدراء صاحب الغفلة , فإن الاستهانة بأهل الغفلة من رعونات النفوس ونقائصها , فالموعظة كلم طيب قائم على الترغيب بأحسن الاساليب والطفها أو الترهيب بأكثرها تاثيرا مما يذكر بالله وعظمته ولاينفر عاصيا أو بعيدا , بل يقربهم ويؤويهم ويحببهم في العودة إلى سبيل الله المستقيم
    ثالثا : الموعظة تقوم اساسا على اللغة العربية , التي زينتها البلاغة وحسن اختيار الألفاظ والتعبيرات الجذابة , فلا موعظة بمهجور الكلمات , ولا بغريب الألفاظ , ولا موعظة بالكلام الركيك عديم القيمة , إنما الواعظ هو البليغ جذل اللفظ واضح البيان وإن قلت كلماته
    رابعا : يظن الكثيرون أن الموعظة تقوم على رفع الاصوات وانقطاعها , واحمرار الوجوه واكفهرار الصورة , والعبوس والغضب , وهو ظن خاطىء سلبي , وهم يستدلون على صحة فعلهم بما روي من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب أسمع , وأنه ربما كان يعلو صوته ويحمر وجهه كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم ..
    ومكمن خطئهم أنهم اعتبروا هذه الحالة المروية في الحديث إنما هي الحالة الأصلية التي يجب أن يكون عليها الواعظ , ونسوا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حكيما عليما , يضع الشىء موضعه , فلم يكن ليقسو في مواطن الرفق , ولا ليرفق في مواطن لقاء العدو ومواطن البلايا والفتن , فلكل مقام مقال , ولكل حالة اسلوب .
    فربما كان الوعظ في بعض الموضوعات يناسبه الابتسام الرائق والصوت المنخفض أكثر مما يناسبه الصراخ والعبوس , كمثل أن يتحدث الواعظ عن الجنة ونعيمها أو يتحدث عن الأخلاق وشمائلها وهكذا
    خامسا : يجب أن يختار الواعظون أوقات وعظهم , ولا يكثروا منه فتمل قلوب الناس و وفي الصحيح من قول عبد الله بن مسعود " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا "
    سادسا : يجب أن ينشىء المتحدث والواعظ بينه وبين المستمع حالة من المحبة والشفقة والرحمة والعطف والرفق , لا أن يشعره بالقسوة والغلظة , فإنشاء الحالة الإيجابية يكون دافعا إيجابيا لقبول الموعظة وداعما قويا للتفاعل معها .
    سابعا : لا موعظة بغير قدوة , ولئن وعظ الواعظون بصالح الأخلاق بينما سلوكياتهم تناقض ذلك فإن مواعظهم لن تجاوز أفواههم , فليهتم كل خطيب وواعظ بسيرته الذاتية طاعة لله سبحانه وإنابة له , وإلا فلا أثر لكلماته ولاقيمة لجهده , فالناس يريدون أن يروا الموعظة تطبيقيا في سلوك صاحبها حتى يتاثروا بها , فكم سمعوا من كلمات ومحاضرات وخطب , ولما سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلقه صلى الله عليه وسلم قالت : كان خلقه القرآن
    ثامنا : ينبغي أن يعيش الواعظ الواقع الحقيقي , وألا يكون حديثه مجرد عظات جافة أو كلمات بعيدة عن الواقع , فينبغي عليه أن يضرب المثال الواقعي لتطبيق النصائح التي يقدمها , وينبغي عليه أن يضع يده على جروح المجتمعات وأمراض الناس وآفات الجماعات , كما ينبغي عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بكلماته , وألا يكون كوعاظ السلاطين يتحدثون بما يحبه أمراؤهم ويكتمون الحق عما يغضبهم , بل يقول كلمة الحق في الرضا والغضب , ويبلغ الدين , وينصح العالمين
    يقول الغزالي رحمه الله :" وليس كل من ادعى العلم أو اعتلى المنابر اصبح واعظا , فالوعظ زكاة نصابها الاتعاظ , ومن لا نصاب له كيف يخرج الزكاة ؟ وفاقد النور كيف يستنير به ؟! ومتى يستقيم الظل والعود أعوج ؟! "

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,213

    افتراضي رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد

    من قاموس مفردات الدعوة (العظة)
    عبد اللّه بن إبراهيم الطريقي


    ما أحوج الإنسان إلى من يخاطب عقله ووجدانه، أو قلبه ونفسه، ليكون سهل العريكة، لين الجانب.

    وما أشد حاجة الداعي إلى فقه النفس الذي به يخاطب الآخرين، والإسلام جاء بأسلوب تربوي متكامل، يأخذ بكل أسباب التأثير ووسائله مما لا يتعارض مع محكمات الشرائع والعقول.
    ولعل الموعظة من أهم الوسائل التربوية وأساليبها المشروعة والمرغب فيها في الإسلام.
    فما مفهومها؟ وما منزلتها في القرآن العظيم وسنة النبي الكريم؟ ولدى رجال العلم والبيان والأدب؟
    مفهوم الموعظة:
    الموعظة اسم من وعظ يعظ وعظاً وعِظَة: التخويف والإنذار هذا رأي ابن فارس.
    وقال الخليل: هو التذكير في الخير بما يرقق القلب.
    وقال في الصحاح: الوعظ: النصح والتذكير بالعواقب.
    والهاء في لفظة: العظة عوض عن الواو المحذوفة، إذ الأصل وعظ[1].
    ذلك عن المفهوم اللغوي.
    فإذا ما بحثنا عن المفهوم الشرعي أو الاصطلاحي، فإننا نجد المطابقة للمفهوم اللغوي، حيث لا اختلاف بينهما[2].
    مادة العظة في القرآن الكريم:
    جاءت مادة (وعظ) خمسًا وعشرين مرة في القرآن.
    فقد وردت بالفعل الماضي، كقوله -تعالى-: (قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ)[الشعراء: 136].
    ووردت بالفعل المضارع، كقوله - تعالى -: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ)[البقرة: 231].
    ووردت بفعل الأمر، كقوله - تعالى -: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ)[النساء: 63].
    ووردت باسم الفاعل، كما في الآية السابقة: (قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ)[الشعراء: 136].
    كما وردت بالمضارع المبني للمجهول، كقوله - تعالى -: (ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ)[الطلاق: 2].
    وأخيرًا وردت بالمصدر، كقوله - تعالى -: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)[النحل: 125].
    وجملة تقاصد هذه المادة هنا لا تخرج عن المعاني اللغوية المشار إليها آنفًا.
    مادة العظة في السنة النبوية:
    وردت مادة (وعظ) في السنة عشرات المرات.
    سواء أكان ذلك في حديثه وكلمه، كما في قوله: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن في زيارتها عظة وعبرة"[3] وورودها هنا قليل.
    أم كان ذلك في فعله والحكاية عنه، كما في حديث أبي سعيد الخدري قالت النساء للنبي "غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يومًا من نفسك فوعدهن يومًا لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن..."[4]؛ الحديث..
    وقد وردت المادة هنا كثيرًا.
    كما وردت كثيراً عن السلف. كقول ابن مسعود - رضي الله عنه - "الشقي من شقى في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره"[5].
    وقول ابن عباس: "كفى بالشيب واعظًا"[6].
    مادة العظة في لسان العرب:
    وردت هذه المادة على لسان العرب كثيرًا ولاسيما في أمثالهم كقول أكثم بن صيفي: لم يضع من مالك ما وعظك[7].
    ومن أمثال المولدين: ما وعظ امرأ كتجاربه[8].
    ذلك من حيث ورود المادة ذاتها.
    أما من حيث مضمونها ومقصودها فإننا نجد المواعظ متناثرة بين آي القرآن العظيم وفي السنة وفي كلام السلف وخطبهم.
    لمحة عن العظة في القرآن والسنة والآثار:
    أما القرآن الكريم فالموعظة هي من أعظم مقاصد أحكامه وقصصه وأمثاله فعندما تأتي الأوامر والنواهي الإلهية نجد الإشارة إلى العظة والتذكير كما في قوله - تعالى -: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النحل: 90].
    وفي سورة آل عمران يقول الله - عز وجل - بعد أن أشار إلى تحريم الربا وأكله ووجوب طاعة الله ورسوله، والمسارعة إلى مغفرة الله، وذلك بفعل الأوامر واجتناب النواهي، يقول الله بعد ذلك كله: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ)[آل عمران: 138].
    وفي أول سورة الطلاق يبين الله - تعالى - كيفية الطلاق ووقته، وكيف تعامل المرأة المطلقة، ثم يقول - سبحانه -: (ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ)[الطلاق: 2].
    وعندما نأتي القصة في القرآن، نلحظ أنها كثيرًا تختم بالإشارة إلى غايتها وهدفها وهو العظة والعبرة.
    فمثلاً حينما جاءت الإشارة إلى أصحاب السبت من بني إسرائيل وما عوقبوا به، وذلك في قول الحق - تعالى -: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ)[البقرة: 65]. قال الله بعد ذلك: (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ)[البقرة: 66].
    وفي خاتمة سورة يوسف التي احتوت تفصيل قصته، جاءت الإشارة الموجزة إلى الأنبياء ونهاية مواقفهم مع أقوامهم، ثم قال الحق - سبحانه -: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)[يوسف: 111].
    والعبرة: هي كما يقول ابن منظور: كالموعظة مما يتعظ به الإنسان ويعمل به ويعتبر ليستدل به على غيره[9].
    أما في مقام الحوارات والجدل في القرآن فللموعظة مكان فسيح ومقام رفيع بصفتها أحد أساليب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
    يقول - سبحانه -: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)[النحل: 125].
    ويقول: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)[لقمان: 13].
    ويقول: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى)[سبأ: 46].
    وفي قصة نوح مع ابنه الذي رفض الركوب في السفينة وأصر على الاعتزال ينادي نوح - عليه الصلاة والسلام - ربه مناجيًا وداعيًا أن ينقذ ابنه وألا يكون مع الهالكين.
    بيد أن الله - تعالى - وله الحكمة البالغة وبيده الهدى والضلال - ينصح نوحًا بأن يكف عن ذلك وألا يتمادى في سؤال ما ليس له به علم ثم يقول - سبحانه -: (فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)[هود: 46].
    وقصارى القول أن العظة في القرآن الكريم ذات منزلة واسعة وتكاد تبسط أجنحتها في كل سورة بل في كل آية.
    ولذا يقول الحق - سبحانه -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ )[يونس: 57].
    قال عبد الحق ابن عطية عند تفسير هذه الآية: "هذه آية خوطب بها جميع العالم، والموعظة: القرآن، لأن الوعظ إنما هو بقول يأمر بالمعروف ويزجر ويرقق ويوعد ويعد، وهذه صفة الكتاب العزيز"[10].
    بل ما أكثر ما يرد الأمر بالتقوى وهي موعظة وأي موعظة!!
    تلك لمحة عن العظة في القرآن العزيز.
    فإذا انتقلنا إلى السنة الشريفة أو السيرة العطرة فإننا نجد معالم العظة ظاهرة جلية في معظم الأحاديث.
    لكن منها ما تأتي العظة فيها بطريق الإشارة.
    كقوله: "الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السموات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها"[11]، ولعلك تلمح العظات في كل جملة من الحديث، وبالأخص آخرها.
    وربما كان حديثه أو خطبته كلها موعظة، كما قال العرباض بن سارية - رضي الله عنه -: "وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد... الحديث" [12].
    ونظراً لتنوع الأحاديث والسنة الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعالجتها - كشأن القرآن - لأمور الحياة أجمع، فقد صنفها أهل العلم من المحدثين وغيرهم في أبواب، بحسب موضوعاتها.
    ونجد أبوابًا عديدة تتعلق بالعظة والتذكير مثل: باب الأمر بالتقوى، باب الزهد والرقائق، باب التوبة، باب النصح. وهكذا.
    فإذا ما انتقلنا من دوحة القرآن والسنة إلى آثار العلماء والأدباء فسنجدها موشاة بحلية العظة في كثير من المقامات والمناسبات.
    وعلى الأخص إذا كان ذلك في خطب أو وصايا، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر. ومن هنا نلحظ كتب الأدب لا تكاد تخلو من هذا النوع من الأساليب[13].
    بل الشعر يتخذ من الموعظة غرضًا من أهم أغراضه في القديم والحديث، وأبو العتاهية قد ضرب بسهم وافر في هذا المجال، حتى ليستحق لقب واعظ الشعراء.
    أما ما صنف في العظات وعن العظات فكثير كثير.
    ولعل من أقدمها وأشملها كتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي الذي عنى به كثير من العلماء تهذيبًا وتلخيصًا وتخريجًا لأحاديثه ويوجد به بعض الأخطاء والشطحات فيؤخذ منه ما كان موافقًا للكتاب والسنة.
    وربما خص بعض المؤلفين في عظاته فئات معينة كالسلاطين والملوك ولابن الجوزي القدح المعلى في طرق باب العظة والتذكير، حيث نجد كثيرًا من مصنفاته متخصصة في هذا الموضوع، بل كان يعظ في دروسه العلمية وكان وعظه آية، يقول الإمام الذهبي: "وحصل له من الحظوة في الوعظ ما لم يحصل لأحد قط، وحضر مجالسه ملوك ووزراء، بل وخلفاء من وراء الستر ويقال: في بعض المجالس حضره مائة ألف فيما قيل"[14].
    والله ولي والتوفيق.
    _________________
    [1] انظر: تاج العروس 20-289.
    [2] ينظر: المفردات في غريب القرآن للأصفهاني ص 527.
    [3] رواه الإمام أحمد في المسند 5-356.
    [4] رواه البخاري في صحيحه. ك: العلم باب 36.
    [5] رواه مسلم في صحيحه. ك: القدر ح/3.
    [6] كشف الخفاء ومزيل الإلباس للعجلوني 2-147.
    [7] مجمع الأمثال للميداني 2-191.
    [8] المرجع السابق 2-327.
    [9] لسان العرب 4-531.
    [10] المحرر الوجيز 9-56.
    [11] رواه مسلم في صحيحه. ك: الطهارة ح/1.
    [12] رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. ك: العلم باب 16. انظر مثلاً: عيون الأخبار لابن قتيبة. الجزء السادس كله.

    [13] انظر مثلًا: عيون الأخبار لابن قتيبة، الجزء السادس كله.
    [14] تذكرة الحفاظ 4-1344.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,213

    افتراضي رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد

    موافقة قول الخطيب عمله

    د. مصطفى عطية جمعة










    حين يقف خطيب الجمعة أمام الناس متحدثاً؛ فهو يذكرهم ويعظهم، ويدلهم على ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، ويحـذرهـم ممـا يضرهم فيهـما، والأصـل أنه لا يبتغي من وراء ذلك جزاءً دنيوياً، ولا شكوراً من الناس، إنْ هو إلا مصلح يترسم خطى المرسلين - عليهم السلام - في دعواتهم، ويتأسى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في دعوته، ويقتبس هدي الصالحين من هذه الأمة سلفها وخلفها في أقوالهم وأفعالهم وسمتهم.
    ولما كانت الحكمة من مشروعية الخطبة نفع الناس بها كان الأولى أن ينتفع الخطيب بما ألقاه على الناس قبل أن يلقيه؛ لعلمه به وقناعته بمضمونه؛ فإنه ما نصح به الناس إلا وفيه خير لهم، وهو أَوْلَى بهذا الخير من غيره.
    ولكن النفس البشرية مطبوعة على الظلم والجهل إلا أن يتعاهدها صاحبها بالإيمان والتقوى والتوبة والاستغفار. ودليل ذلك كثرة ما يقع ممن يتصدرون للكلام في شؤون الناس الدينية والدنيوية من مخالفة أفعالهم أقوالَهم، وليس ذلك حكراً على الخطباء والدعاة والعلماء فحسب، بل حتى أهل السياسة والاقتصاد والطب والفكر والإعلام وغيرهم يكثر فيهم مخالفة أقوالِهم أفعالَهم؛ فيوصون الناس بأشياء لا يفعلونها هم، ويحذرونهم من أشياء يقعون هم فيها، ولكن هؤلاء لا يؤاخذهم الناس كما يؤاخذون أهل العلم والدعوة والخطابة، ولا يثرِّبون عليهم مثلهم؛ لأن الناس وضعوا أهل العلم والدعوة والخطابة قدوة لهم - وهذا حق وشرف ومسؤولية - فكانت مخالفة العالم أو الداعية أو الخطيب أقواله أفعاله أشد على الناس من مخالفة غيرهم؛ ولهذا فإنه يجب على العالم والداعية والخطيب أن يراعوا هذه الخصوصية لهم، ويحافظوا على هذه المنزلة التي بوأهم الله - تعالى - إياها، ويحفظوا مكانتهم في قلوب الناس بإتباع العلمِ العملَ، وعدم مخالفة القول الفعلَ؛ ليصدر الناس عنهم، ويقبل الناس منهم، ويكون لخطابهم وَقْعٌ في القلوب، وتأثير في النفوس.


    ذم مخالفة القولِ الفعلَ:
    تظاهرت نصوص الكتاب والسُّنة على ذم مخالفة قول الإنسان عملَه؛ لأن ذلك نوع من الكذب، ويدل على ضعف الإيمان، وهو طريق إلى النفاق. نعوذ بالله - تعالى - من ذلك، والنصوص الواردة في ذلك على أنواع:
    النوع الأول: نصوص تثبت أن الأنبياء، عليهم السلام - وهم رؤوس المصلحين وأئمة الدعاة والخطباء - توافق أقولُهم أفعالهم؛ حتى إن المكذبين بهم من أقوامهم لم يرموهم بمخالفة أفعالهم أقوالَهم مع حاجتهم لمثل هذه التهمة في صرف الناس عن الدعوة، لكنهم لم يفعلوا ذلك؛ لعلمهم أن الناس لا يصدقونهم؛ لأنه من الكذب الظاهر.
    ومن الأنبياء من صرح بذلك كما فعل شعيــب - عليه السـلام - حين وعـظ قـومه، فبين لهـم أنـه أول مـن يمتثـل ما يدعوهم إليه حين حكى الله - تعالى - عنه قوله: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلاَّ الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} [هود: 88].
    النوع الثاني: نصوص تفيد أن الله - تعالى - قد ذم بني إسرائيل على عدم إتْبَاع العلم العمل، فقال - سبحانه -: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44]. فإنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وهم يعصونه، فعيَّرهم الله، تعالى[1].
    النوع الثالث: نصوص تثبت الوعيد الشديد المتنوع في مخالفة الإنسان قولَه فعلَه:
    1 - فصاحبه متوعَّد بمقت الله - تعالى - كما في قوله - سبحانه -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2 - 3].


    2 - ومتوعد بالعذاب في النار كما في قول الله - تعالى -: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ* كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} [المدثر: 49 - 51].
    قال الشنقيطي - رحمه الله تعالى -: «فيجب على المذكِر (بالكسر) والمذكَر (بالفتح) أن يعملا بمقتضى التذكرة وأن يتحفظا عن عدم المبالاة بها؛ لئلا يكونا حمارين من حُمُر جهنم»[2].
    3 - وعذابه في النار يكون بطــريقة بشـعة منفِّــرة جاء تصويرها في حديث أســامة بــن زــيد - رضــي الــله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ! مَا شَأْنُكَ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنْ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ»[3].
    النوع الرابع: أن الخطباء جاء فيهم وعيد خاص إذا خالفت خطبهم أفعالَهم كما في حديث أَنَــسِ بْنِ مَــالِكٍ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالاً تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ. قُلْتُ : مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ : هَؤُلاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا يَعْقِلُونَ»[4].
    وقد تمسَّك بهذه النصوص من يرى أن من كان مقارفاً للمعصية فلا يأمر ولا ينهى، وهاهنا ثلاث مسائل:
    المسألة الأولى: اشتراط أن يكون الخطيب أو الداعية خالياً من المعاصي وإلا لا يعظ الناس ولا يخطب فيهم، ولم أقف على أحد يقول بهذا، ولازم القول به تعطيل الأمر والنهي الشرعيين؛ لاشتراط العصمة من الذنوب في صاحبه.


    ولهذا يجوز أن ينصح المفضولُ الفاضلَ، وأن يعظ الطالبُ العالمَ؛ لأنه لا أحد من البشر فوق النصح والموعظة مهما كانت منزلته، ومهما علا كعبه في العلم والفضل.
    المسألة الثانية: اشتراط موافقة قولِه فعلَه فيما يخطب به، فلا يحل له الكلام إلا فيما وافق فيه قولُه فعلَه، وما خالف فيه قولُه فعلَه فلا يخطب به، وفي هذه المسألة قولان:
    القول الأول: يشترط ذلك؛ لأن ظاهر النصوص السابقة تدل على تقبيح من خالف قولُه فعلَه؛ بمعنى أنه لا يأمر بما لا يفعل، ولا ينهى عما يفعل؛ لئلا يتناوله الوعيد الوارد في النصوص السابقة. قال أبو القاسم القشيري الصوفي: «فَشَرْطُ الأمرِ بالمعروف استعمالُ ما تأمر به والانتهاء عما تنهى عنه»[5]. ويتأيد هذا القول بالآثار التالية:
    1 - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه جاءه رجل فقال: «يا ابن عباس، إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر. قال: أَوَبلغت؟ قال: أرجو. قال: فإن لم تخش أن تفتضح بثلاثة أحرف في كتاب الله - عز وجل - فافعل. قال: وما هن؟ قال: قوله - عز وجل -: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44] أحكمت هذه الآية؟ قال: لا. قال: فالحرف الثاني؟ قال: قوله - عز وجل -: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2 - 3] أحكمت هذه الآية؟ قال: لا. قال: فالحـرف الثـالث؟ قال: قـول العبـد الصالح شعيب - عليه السلام -: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود: 88] أحكمت هذه الآية؟ قال: لا. قال: فابدأ بنفسك»[6].
    2 - وقال النخعي - رحمه الله تعالى -: «ثلاث آيات منعتني أن أقص على الناس {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} [البقرة: ٤٤] {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود: 88] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2][7].
    3- وعن بعض السلف أنه قيل له: «حدثنا. فسكت ثم قيل له: حدثنا. فقال: أترونني أن أقول ما لا أفعل فأستعجل مقت الله، تعالى»[8].
    القول الثاني: لا يُشترَط في المتصدي للخطابة أن لا يعظ الناس إلا بما وافق فيه قولُه فعله، بل يعظهم بما يحتاجون ولو كان مخالفاً فيه، وهو قول عامة العلماء، ويُستدل له بما يلي:
    1 - عموم أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، تعالى؛ إذ ليس في شيء منها منع من فرَّط في طاعة من الدعوة إليها، ولا منع من وقع في معصية من النهي عنها.
    2 - قول الله - تعالى -: {كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 79] فذمهم الله - تعالى - لأن بعضهم لم ينهَ بعضاً عما قارفوا من المنكرات.
    3 - أن حكم الله - تعالى - في عباده كتابةُ حسناتهم وسيئاتهم، ومحاسبتهم على أعمالهم، وليس من لازم اكتساب السيئة بطلان الحسنة إلا ما كان محبطاً للعمل وهو الشرك. ودعوة الناس للخير وتحذيرهم من الشر حسنة يثاب العبد عليها، ووقوعه في المنكر سيئة يحاسب بها، فالجهة منفكة بين ميادين اكتساب الحسنات، وميادين اجتراح السيئات.


    وهذا القول هو الراجح، وأما الجواب عن النصوص المنفرة من مخالفة القول الفعل فإن الذم فيها على المعصية مع العلم بها، وليس على النهي عنها، وعلى هذا المعنى اجتمعت كلمة المحققين من العلماء:
    قال الجصاص - رحمه الله تعالى -: «من لم يفعل سائر المعروف ولم ينته عن سائر المناكير فإن فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير ساقط عنه»[9].
    وقال القرطبي - رحمه الله تعالى -: «اعلم - وفقك الله تعالى - أن التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر لا بسبب الأمر بالبر»[10].
    وقال الشنقيطي - رحمه الله تعالى -: «فالحق أن الأمر بالمعروف غير ساقط عن صالح ولا طالح، والوعيد على المعصية لا على الأمر بالمعروف؛ لأنه في حد ذاته ليس فيه إلا الخير»[11].
    وأما الآثار الواردة عن ابن عباس والنخعي وغيرهما فهي غير ثابتة، فإن ثبت شيء منها أو ثبت مثلها عن بعض السلف فتُحمَل على التشديد في إتباع العلمِ العملَ، والترهيب من مخالفة القول للفعل.
    وقد نُقل عن السلف ما يقابل الآثار السابقة، ومن ذلك:
    1 - قول أبي الدرداء - رضي الله عنه -: «إني لآمركم بالأمر وما أفعله ولكني أرجو فيه الأجر»[12].
    ويُحمَل قوله - رضي الله تعالى - عنه على بعض المندوبات؛ لأن الإنسان مهما بلغ فلا يستطيع أن يأتي بالسنن كلها لا يفوته منها شيء، فكان يأمر بأنواع من المندوبات لا يتمكن من فعلها.
    2 - قول عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى -: «لو أن المرء لم يعظ أخاه حتى يحكم نفسه ويكمل في الذي خُلِقَ له لعبادة ربه إذاً تواكل الناس بالخير، وإذاً يرفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واستُحلَّت المحارم وقل الواعظون والساعون لله بالنصيحة في الأرض»[13].
    3 - قول سعيد بن جبير - رحمه الله تعالى -: «لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحدٌ بمعروف ولا نهى عن منكر. قال مالك: وصدق من ذا الذي ليس فيه شيء؟»[14].


    المسألة الثالثة: قد يتلبس الخطيب بمعصية مثل: ترك واجب كصلة الرحم، أو فعل محرَّم كقطيعتها؛ فهل له أن يؤجل الكلام عنها حتى يتوب من معصيته؛ لأنه متلبس بها أم يبادر إلى إنكارها ولو لم يتب منها؟
    إن الذي يظهر - والله تعالى أعلم - أن ذلك منوط بحاجة الناس، فإذا احتاجوا إلى العلم بها والتنبيه عليها فلا يؤخَّر الحديث عنها إلى أن يتوب؛ لما يلي:
    1 - عموم نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، تعالى؛ فليس في شيء منها تأجيل الأمر والنهي الشرعيين لمخالفة الآمر والناهي ما يقول، وإنما فيها ذم من فعل ذلك كما مضى، وذمه لعدم انتفاعه بالخير الذي يدعو إليه لا لدعوته.
    2 - قول النبي - صلى الله عليه وسلم - تعليقاً على الذي قتل نفسه في غزوة خيبر: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلا مُؤْمِنٌ وَإِنَّ الله لَيُؤَيِّدُ هذا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ»[15].
    3 - أن الخطبة شرعت لمعالجة ما يحتاج الناس من موضوعات، فلا يعدل الخطيب عن حكمة ذلك لعلة فيه هو.
    4 - أن دعوته إلى طاعة قصَّر هو فيها، أو نهيه عن معصية وقع هو فيها، طاعة وقربة تقرِّب إلى الله، تعالى؛ فلا يؤخر الطاعة؛ للأمر بالاستباق إلى الخيرات، ولعلها تكون كفارة لذنبه؛ فقد قال الله - تعالى -: {إنَّ الْـحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] وفي الحديث: «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا»[16] أو لعله يُرزَق بسببها التوبة من ذنبه؛ لما يقوم في قلبه من الخجل والحياء من الله - تعالى - أو لتأثره بما ألقى على الناس من موعظة، أو لتأثره بتأثير خطبته في الناس فيرى فضل الله - تعالى - عليه بانقياد الناس له في هذا الأمر، فتدعوه نفسه لأن يكون أول الممتثلين.
    على الخطيب أن يجاهد نفسه على ما يلي:
    1 - خشية الله - تعالى - بالغيب؛ فإن الخطيب مذكِّر بكلام الله - تعالى - وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فأولَى به أن يكون أوَّل متعظ به، وقد خاطب الله - تعالى - نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم - فقال - سبحانه -: {إنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} [يس: 11].
    2 - الحذر من معاصي السر، والإصرار عليها، فإنها سلَّم يهبط بالعبد إلى درك النفاق المظلم، وهي سبب لذهاب الحسنات؛ كما في حديث ثَوْبَانَ - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَاماً من أُمَّتِي يَأْتُونَ يوم الْقِيَامَةِ بِحَسَنَــاتٍ أَمْثَــالِ جِبَـالِ تِهَــامَــةَ بِيضــاً فَيَجْعَلُهَــا اللــه - عز وجل - هَبَاءً مَنْثُوراً. قال ثَوْبَانُ يا رَسُولَ اللَّهِ! صِفْهُمْ لنا، جَلِّهِمْ لنا أَنْ لَا نَكُونَ منهم وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ. قال: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ من اللَّيْلِ كما تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إذا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا»[17].
    3 - اللجوء إلى الله - تعالى - بالدعاء والإخبات والاستغفار، وسؤاله الثبات على الدين، مع الخوف الشديد من عاقبة ذنبه.
    4 - الإكثـار مـن الأعمـال الصالحة المكفـرة. قـال اللـه - تعالى -: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إنَّ الْـحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114].
    5 - وعلى الخطيب أن يحذر من كثرة مخالفة فعله لقوله، وتعدد ذنوبه، وإصراره عليها، واستهانته بها؛ لئلا يقع في النفاق، أو يرديه الشيطان إلى الانتكاس.





    [1] جاء ذلك عن السدي وقتادة - رحمهما الله تعالى - كما في تفسير الطبري: 1/258.
    [2] أضواء البيان: 1/463.
    [3] رواه البخاري: (3094)، ومسلم: (2989).
    [4] رواه ابن أبي شيبة: 8/446، وأحمد: 3/120، وعبد بن حميد: (1222) وحسنه البغوي في شرح السنة: (4159) والألباني في صحيح الجامع: (129).
    [5] لطائف الإشارات: 2/55. وغالب الذين يتكلمون عن هذه المسألة ينسبون هذا القول للماوردي وأبي يعلى في الأحكام السلطانية لكل واحد منهما، وينسبونه لغيرهما ممن بحثوا أحكام الحسبة؛ لأنهم ذكروا في شروط المحتسب أن يكون عدلاًً، وفي ظني أن هذه النسبة غير دقيقة؛ لأن الذين تناولوا الحسبة وشرطوا هذا الشرط أرادوا والي الحسبة الذي يعيَّن من قِبَل ولي الأمر، كما هو ظاهر كلام الماوردي، ص271، وهذا لا يفيد أنهم يرون أن من وقع في معصية فلا ينهى عنها، ولا أن من قصر في طاعة لا يأمر بها، وحكى هذا القول ابن كثير في تفسيره لكنه لم ينسبه لمعيَّن، فقال: وذهب بعضهم إلى أن مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها، وهذا ضعيف.ا هـ: 1/86.
    [6] رواه البيهقي في الشعب: (7569) والشجري في الأمالي: 2/320، وابن عساكر في تاريخه: 23/73، وهو أثر لا يصح، في سنده بشر بن الحسين الأصبهاني الهلالي يرويه عن الزبير بن عدي. قال أبو حاتم: يكذب على الزبير، وقال البخاري: فيه نظر، وقال الدارقطني: متروك. انظر: المغني في الضعفاء: 1/105، رقم (898) ولسان الميزان: 2/21.
    [7] تفسير القرطبي: 18/80، ولم أقف عليه مسنداً.
    [8] تفسير القرطبي: 18/80، ولم أقف عليه مسنداً أو منسوباً لمعين.
    [9] أحكام القرآن للجصاص: 2/320.
    [10] تفسير القرطبي: 1/366.
    [11] أضواء البيان: 1/463.
    [12] رواه ابن أبي شيبة: 7/111.
    [13] رواه أبو نعيم: 5/276 - 277.
    [14] تفسير القرطبي: 1/368، وتفسير ابن كثير: 1/86، ولم أقف عليه مسنداً.
    [15] رواه البخاري: (6232)، ومسلم: (111).
    [16] رواه الترمذي وقال: حسن صحيح: (1987) .
    [17] رواه ابن ماجه: (4245).

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,213

    افتراضي رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد

    خطبة الجمعة بين الواقع والمأمول

    د. عامر الهوشان




    على الرغم من كون صلاة الجمعة فريضة تعبدية , إلا أن لها في الإسلام حكمة وغاية , شأنها في ذلك شأن سائر الفروض التعبدية الأخرى , ولعل أولى حكم صلاة الجمعة الألفة والمحبة واجتماع المسلمين , إضافة إلى التذكير بحقوق الله والالتزام بأوامره ونواهيه .
    وعلى الرغم من أهمية صلاة الجمعة في الإسلام , وعظيم أثرها في تعليم المسلمين أمور دينهم , وتذكيرهم بربهم وآخرتهم , وتصحيح مفاهيمهم وأفكارهم المغلوطة عن الإسلام , وتقويم اعوجاجهم في سلوكهم وأخلاقهم , إضافة لفوائدها الاجتماعية الكبيرة والخطيرة , إلا أن أداءها على الوجه الأكمل كما طلب الإسلام ما زال دون المأمول , فهناك فجوة وبون شاسع بين الثمرة المرجوة من أداء هذه الفريضة على الفرد والمجتمع المسلم , وبين الواقع الذي يوحي بضعف تأثير صلاة الجمعة على المسلمين .
    إن فضل الله تعالى ونعمته على أمة محمد صلى الله عليه وسلم باختصاصهم بهذه الفريضة عظيمة وجليلة , فإن أعداء هذه الأمة طالما تمنوا اختصاصهم بهذه الفريضة عوضا عن المسلمين , وطالما صرحوا بعظيم ما كانوا سيفعلون لو كانت هذه الفريضة موجودة في دينهم , بعد أن اختلفوا بشأن يوم الجمعة فحرمهم الله منه واختصه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم , فقد ورد في الحديث عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمْ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللَّهُ فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ الْيَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ ) صحيح البخاري برقم876 .
    ورغم أن الله اختص هذه الأمة وحدها بهذه العبادة ,إلا إن واقع خطبة الجمعة في عصرنا الحالي يضج بالملاحظات والهفوات التي كان لها كبير الأثر في عدم تحقيقها المأمول من تشريع الله لها , ولعل أهم هذه الملاحظات تتعلق بالخطيب وموضوع خطبة الجمعة والوقت .
    1- أهم الملاحظات على الخطيب
    أما بالنسبة للخطيب فأولى الملاحظات السلبية وأكثرها وضوحا وظهورا في كثير من الخطباء – إلا ما رحم ربك – هي اللغة العربية , حيث يشيع الخطأ واللحن فيها بشكل كبير وخطير , حتى يصل الأمر في اللحن والخطأ عند البعض إلى الخطأ في تلاوة الآية القرآنية أو ذكر الحديث النبوي أثناء الخطبة , وهو ما يعتبر خطأ فادحا وسلبية لا تغتفر, ناهيك عن الأخطاء الكثيرة أثناء الخطبة من خلال رفع المنصوب ونصب المرفوع وجر ما يلزم تسكينه .

    ويمكن تجاوز هذه الملاحظة بالعودة إلى أصول اللغة العربية تعلما وممارسة , من خلال التدرب على عدم اللحن أثناء الكلام , وهذا يحتاج بلا شك إلى جهود شخصية من الخطيب , إضافة إلى جهود من المؤسسات الدينية بإقامة دورات تنمية مهارة سلامة التحدث باللغة العربية لغويا ونحويا .
    وتأتي الملاحظة الثانية المختصة بالخطيب فيما يتعلق بالتأثير على الحضور المستمعين , فمع الاعتراف بدور خطبة الجمعة في تعليم الناس أمور دينهم , وإزالة الشبهات التي تحوم حول عقيدتهم , إلا أن ذلك لا يعني أن تتحول إلى محاضرة علمية بحتة , تخلو من الحالة الإيمانية الخشوعية المطلوبة .
    والحقيقة أنه لا يمكن للخطيب أن يؤثر في الناس إيمانيا وعاطفيا إلا إذا كان حاضر القلب فيما يقول ويعظ , متأثرا ومتفاعلا مع الكلام الذي يلقيه على الناس , منفذا ومطبقا لما يقول قدر المستطاع , فلسال الحال أبلغ من لسان المقال كما هو معروف , والكلام الذي يخرج من القلب يصل إلى القلوب بلا استئذان , والكلام الذي يخرج من اللسان لا يتجاوز الآذان .
    2- ملاحظات حول موضوع الخطبة
    وفيما يتعلق بموضوع الخطبة فهناك الكثير من البعد عن واقع الناس وهمومهم والقضايا الساخنة التي تشغل بالهم , فبينما يتساءل الكثير من المسلمين في هذه الأيام عن مدى علاقة ما يحدث في العالم الإسلامي من أحداث جسام وحروب عظام بقرب ظهور علامات قيام الساعة الكبرى , كظهور المهدي والدجال , لا نرى كثيرا من الخطباء يتكلمون عن هذا الموضوع الحساس , وبيانه كما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة , حتى لا يختلط الأمر على المسلمين , ويكون بابا لدخول بعض الأساطير والخرافات إلى هذا الدين .
    وبينما تتوالى أخبار اضطهاد المسلمين في معظم أرجاء العالم , قد نرى الكثير من المسلمين لا يعلمون شيئا عن ذلك , لأن خطيب مسجدهم لم يتناول هذا الأمر لا من قريب ولا من بعيد في اللقاء الأسبوعي الإسلامي .

    وعلى الرغم من أن الساحة العالمية تعج بالأفكار الملحدة والمذاهب والتيارات المنحرفة , والتي تمثل شبهات خطيرة قد تودي بإيمان بعض المسلمين , لا نرى اهتماما ملحوظا بتناول هذه الأفكار والمذاهب والتيارات بالنقد والتمحيص في خطب الجمعة بالمستوى المطلوب والمأمول .
    وفي حين تتزايد الشكاوى من ظاهرة فصل الدين عن حياة المسلمين اليومية , من خلال تناقض ظاهر وفاضح بين ممارسة بعض المسلمين لعباداتهم الشعائرية بانتظام - كأداة الصلاة والصيام والحج – بينما عباداتهم التعاملية والأخلاقية – كأداء الأمانة وإتقان العمل والبعد عن المال الحرام – فيها الكثير من الخلل والعوار , ومع هذا لا نلمس وجود تركيز على هذا الأمر في خطبة الجمعة , من خلال برنامج موضوعي لمعالجة هذه السلبيات بتناولها عبر سلسلة من الخطب المتتالية أو المتفرقة .
    إن اختيار وانتقاء موضوع خطبة الجمعة يحتاج إلى كثير من العناية والاهتمام من الخطباء , حيث يقدم الموضوع الأهم حسب الزمان والمكان وحاجة المسلمين , ولعله ليس من المبالغة في شيء القول : بأن حسن أو سوء اختيار وانتقاء موضوع خطبة الجمعة من أهم أسباب نجاح الخطبة أو فشلها , خاصة إذا استوحى الخطيب المسؤولية أمام الله عن هذا المقام الكبير والخطير الذي أقامه الله فيه واختصه له .
    3- وقت الخطبة بين التطويل والتقصير
    على الرغم من أنه ورد في السيرة النبوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطيل خطبته أحيانا ويقصرها أحيانا ، بحسب حاجة الناس وتغير الأحوال , إلا أن المشهور من سنته صلى الله عليه وسلم أنه يتوسط ويقصر الخطبة , ويؤكد ذلك حديث جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : ( كُنْتُ أُصَلِّى مَعَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - الصَّلَوَاتِ فَكَانَتْ صَلاَتُهُ قَصْدًا وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا) صحيح مسلم برقم 2040 .

    وإذا أردنا أن نلتمس العذر لطول خطبة بعض الخطباء الذين يجيدون انتقاء الموضوع ويتقنونه , ويجذبون انتباه واهتمام المصلين من شدة تفاعلهم وحرصهم على نفع المسلمين والتأثير فيهم , فإن طول خطبة الكثير دون اتقان للموضوع ولا تفاعل أو شد لانتباه المصلين , مع تكرار بعض العبارات و الأفكار , إضافة لكثرة الأخطاء اللغوية وربما الشرعية , يثير الكثير من تذمر المصلين واستيائهم .
    إن الالتزام بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في التوسط بوقت خطبة الجمعة يساعد في معالجة ظاهرة تأخر كثير من المصلين عن أول وقت صلاة الجمعة بحجة أن الخطيب يطيل الخطبة – رغم عدم شرعية ذلك - كما أنه أدعى لاستيعاب مضمون الخطبة وفهمها ومن ثم تطبيقها , فإن كثرة الكلام ينسي بعضه بعضا , وما قل وكفى خير مما كثر وأهلى .
    ملاحظات يمكن تداركها , وهفوات يسهل اجتنابها , لنعيد لخطبة الجمعة رونقها ونحقق حكمة الله في فرضها , فهل إلى ذلك من سبيل
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,213

    افتراضي رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد

    من صفات الداعية والخطيب


    مرشد الحيالي









    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، سيِّد الأوَّلين والمعلِّمين محمد بن عبدالله، أرسله الله بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسِراجًا منيرًا.





    وبعد:


    فيقول علماء الأخلاق: إن البيئة التي يعيش فيها الفردُ لها تأثير عظيم في تكوينه النفسي والأخلاقي، فإن كان المجتمع الذي يعيش فيه الفرد صالحًا، انتقل ذلك إلى الأفراد من غير أن يشعروا، وكذلك الفرد الصالح يؤثِّر فيمن حوله، وهذه الحقيقة أشار إليها القرآن في قوله تعالى: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ ﴾ [الممتحنة: 4]؛ فالقدوةُ الحسَنة للخطيب وسيرتُه الطيبة وأخلاقه الزكية بين الناس لها تأثيرٌ في صلاح الناس، ويكون بذلك كالكتابِ المفتوح يقرأ الناسُ فيه معانيَ الحق فيؤمنون به، ويصدِّقونه، ويتأثرون به، ولقد آمَن الكثيرُ برسول الله صلى الله عليه وسلم بمجرد أنهم عرَفوا حاله، وسيرته العطرة، وأخلاقه الزكية، بل وكان يلقَّب بينهم بـ: (الصادق الأمين)، بل إن بعضَهم آمن به بمجرد أن رآه ونظر إليه؛ حيث قال ذلك الأعرابي البسيط: (والله ما هذا الوجه بوجهِ كذَّاب، ولا الصوت بصوت كذاب)[1]، فاستدل بضياء وجه الرسولِ صلى الله عليه وسلم، ورنَّة صوته على صِدق ما يحمله ويدعو به، وينادي به من الحق، وقالت خديجه زوجته: (إنك لتصِلُ الرَّحِم، وتحمل الكَلَّ، وتَكسِبُ المعدوم، وتُعِين على نوائب الدهر)، إلى صفات أخرى ذكرَتْها تصديقًا له، وإيمانًا برسالتِه، وتطييبًا لقلبه الشريف.





    والداعية والواعظ مِن أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الدين، فوجَب عليه أن يطابق خُلقُه خُلقَ الرسول صلى الله عليه وسلم في الصبر، والجهاد، وتحمُّل الأذى، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة، والصفات الحسنة؛ ولهذا كان من أعظمِ ما ينبغي للخطيب أن يتحلى به أن يقتديَ برسول الله صلى الله عليه وسلم في أعماله وأخلاقه، وعقائده وآدابه وسُنَنه، وألا يخالفَ قولُه فِعلَه؛ لأن التأثُّر بالسلوك أبلغُ بكثير من التأثُّر بالقول فقط، والناس مجبولة على التأثُّر بمن يعمل وإن كان قليلَ العلم، أعظم ممن يخالف قوله فعله وإن كان علاَّمة زمانه، وقد قيل: "إن ما يخرج من اللسان لم يتجاوز الآذانَ، وما خرج من القلب وصَل إلى القلب.





    ومن صفاتِ الداعية أو الخطيب العامة:


    أن لا يخشى في الله لومةَ لائم، فلا يفعل ما يفعل ويترك ما يترك خشية الناس، أو خوفًا من قانون أو من جهة رسمية، بل يفعل الخير ويترك الشر ابتغاء مرضاةِ الله، فيُحِب ما يقرِّبُه إلى الله، ويُبغِض ما يُبعِده عن سبيله ومرضاته، ويُخلص لله في أمورِ الدعوة؛ لأن ذلك أساسُ النجاح، وأن لا يتطلعَ إلى مكاسبِ الدنيا وما في أيدي الناس، أو يجعل الوعظ وسيلةً لنيلِ مآربه وحاجاتِه الدنيوية، وإلا سقَط من أعينهم، وفشِل في دعوته.





    وعلى الخطيب أو الداعية كذلك أن يجعل زادَه في الدعوة والإرشاد الصبرَ وتحمُّل الملامِ في ذات الله، فيكون ثابتًا لا يتقلَّبُ، ويستعذبُ المُرَّ في سبيل الله، ويتأسَّى بإمام الخطباء الذي قال: ((اللهم اغفِرْ لقومي فإنَّهم لا يعلمون))، ويتحلَّى بصفتينِ عظيمتين أساسيتين؛ قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [السجدة: 24].





    ومِن صفات الداعية أن تكون له معرفةٌ قوية بأحوال الناس ونفسيَّاتهم، ويحرص على هدايتهم وإنقاذِهم مما هم فيه من جَهالة ومعصية، وينزل إلى واقعِهم، فيتكلَّم بما يناسب مستوياتهم ومداركهم، ويتفرَّس في وجوههم، وأي مرض يغلب عليهم، وأي شيء يحتاجونه أكثرَ من غيره فيبدأ به، ويربط ذلك بمعاني العقيدةِ والتوحيد، فإن (كانوا بحاجة إلى التخويف والترهيب لِما يلمِسُه فيهم من الجرأة والمخالَفات الشرعية، فيذكر لهم الآيات والأحاديث الواردة في تلك، ويخوِّفهم من طول الأمَل، وإن الحزم يقتضي المبادرةَ بأخذِ العُدَّة قَبْل حلول الأجل، والعُدَّة هي تقوى الله، وإنها خيرُ ما يَتزوَّد بها المسافر إلى الله؛ ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ [البقرة: 197]، وإن لذة المعصية - وهي قصيرة - تعقُبُها حرارةُ الندم والعذاب مدة طويلة، والعاقل مَن صبَّر نفسَه عن لذة حرامٍ لا تدومُ؛ ليظفر بلذة النعيم المؤبد، ولينجوَ من عذاب دائم مقيم، وإذا رأى في القوم الذين يخطُبُ فيهم شعورًا باليأس والقنوط، وصعوبة الرجوع إلى الله ذكَّرهم بعظيم رحمةِ الله، وأن الله يقبَل التائبين الصادقين...)[2].





    والخطيبُ أو الداعي إلى الله رجلٌ حكيم سياسي[3] يدعو بالحِكمة والموعظة الحسنة، ويتسلَّل إلى قلوب الحاضرين، فيصِلُ إلى ما ينكرونه دون أن يشعُروا، فيشتد في مواضعِ الشِّدة، ويَلِين في موضعٍ آخر، وهو قادرٌ على أن يعِظَ الناسَ جميعًا على اختلافِ مشاربهم ومذاهبهم دون طائفة على حساب أخرى؛ لأنه رجلٌ داعية للناس أجمعين.





    ومن الصفات الهامة للداعية:


    أولاً: أن يكون عالِمًا بالعقيدة وما يناقضها من وسائل الشِّرك وأسبابه؛ كيلا يوجِّه الناس بغير علم، ولا يزيغ هو عن جادة الحق؛ لذا فعليه الاهتمامُ بمعاني العقيدة، مثل: الإيمان بالله، واليوم الآخر، وبالقدر خيرِه وشره، مستعينًا بآياتِ الكتاب، وأحاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام، وضَرْب الأمثال، ويشد الخَلق إلى غاية عظيمة جليلة، وهي ابتغاء مرضاة الله، وتقديم طاعة الله ورسولِه على طاعة ما سواهما، والتطلع إلى ما عند الله خير مما عند خَلقه، بحيث يجعل حبَّه وخوفَه ورجاءه لله وحده؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162، 163]، والخطيب إذا كان جاهلاً بمعاني العقيدة، معتقدًا بالخرافات والخزعبلات والجهالات التي لا تمتُّ لدِين الإسلام بصلة، كان ما يفسد أكثرَ مما يصلح، بل ربما أفسَد عقائدَ المدعوين، وخرَّب عليهم دينهم.





    ثانيًا: أن يكونَ الخطيبُ عالِمًا بسائر الأحكام الشرعية، ومسائل الخلاف بقدر الإمكان والاستطاعة، ومدارك العلماء، ومن أين أخذوا؛ كي يتمكَّنَ من إجابةِ الناس على بينة، ويردَّهم دائمًا إلى الطريق القويم في مسائل العبادات والمعاملات، ويبين أن الواجبَ عليهم بعد إيمانهم برسول الله نبيًّا هو تصديقُه بكل ما يخبر به عن الله، وطاعته في كل ما يأمر به عن الله، والانتهاء عن كلِّ ما نهى عنه، وقَبول ذلك بتسليم تامٍّ ورضا كامل، وأنه لا يجوز للمسلم تقديمُ أي قول لأحد من الناس كائنًا مَن كان على قول الله ورسوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [الحجرات: 1]، ولا يجوزُ عليه أن يحملَ الناس على رأي فلان أو مذهب فلان، فيخبط في الدين خَبْطَ عشواء.





    ثالثًا: وينبغي كذلك عليه أن تكونَ له مهابةٌ في قلوب الناس، ويستعمل خُلُق الوَرَع والخوف من الله عز وجل، فلا يرتكب كبيرة، ولا يُصِرُّ على صغيرة؛ حتى تعظِّمَه النفوس، وتنقاد إلى سماع كلامه ووعظِه؛ قال ابن الحاج رحمه الله: (وينبغي أن يكونَ في خُطبته على حال الخشوع والتضرع؛ لأنه يعِظُ الناس، والمقصود من الموعظة حصولُ الخشوعِ والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى باتِّباعِ أمره، واجتناب نهيِه، والخوف منه، والخوف مما أوعَد به، وقوة الرَّجاء فيما عنده، وحُسْن الظن به سبحانه، فإذا كان الخطيب مستعمِلاً في نفسه ما ذُكِر، كان ذلك أدعى إلى قَبولِ ما يُلقيه على السامعين؛ لاتِّصافه بما يتصف به هو في نفسه، كما مر...، فيُبادر إلى فعل ما نادى إليه أولاً، فيكون أدعى إلى صلاح القلوب؛ لأن العلمَ إذا خرج من عاملٍ تشبَّث بالقلوبِ، وإذا خرَج من غيره، انساب عن القلوب)[4].





    رابعًا: أن تكونَ له معرفة قوية باللغة العربية، مثل: علم الإعراب، وعلم الأساليب (المعاني والبيان)، وهذا إنما يحصُلُ بممارسةِ الكلام البليغ ومزاولته؛ حتى تكونَ له مَلَكَةٌ على تأليفِ الكلام وإنشائه، فيُعبِّر عن المعاني العديدة بألفاظٍ وجيزة بيِّنة، وقد كان سلفُنا الصالح يتكلَّمون بما يوافق القواعد قبل أن توضَعَ في الكتب، وهذه نقطة مهمة جدًّا، وهي أنه يجب على المسلمين - وخاصه العلماء منهم والوعَّاظ - إحياء اللغة العربية، وتحصيل مَلَكة الذوق العربي؛ لأن فَهْم القرآن وتدبُّر معانيه لا يكون إلا بفَهْم أساليب اللغة، وإني أعتقد أن المسلمين ما زال مُلكُهم العريض، وما سُلبت منهم السيادة والكرامة إلا حين اختلطت العُجمة باللسان حتى فسد اللسان، ومن المؤسف حقًّا أن نرى أو نسمع بعضَ الخطباء يُقِيم شعائر الإسلام العظيمة - كالأذان والخُطبة - بلغتهم ولسانهم، وقد أجمع علماء الأمة وفقهاؤُها على العمل على إقامةِ شعائر الإسلام بالعربية الفصحى، وإذا أردتَ أن تعرفَ أهمية اللغة في فهم القرآن وتعلقه والتأثر به، فإليك هذه الحكاية الطَّريفة، ومجمل الحكاية أن الأصمعيَّ كان يمشي فسمع بنتًا تُنشِد وتقول:



    أستغفِرُ الله لذَنْبي كلِّه

    قتلت إنسانًا بغيرِ حلِّه



    مثل الغزال ناعمًا في دلِّه

    انتصَف الليلُ ولَم أُصلِّه








    فقال لها: قاتلكِ الله ما أفصحكِ! فقالت: ويحَك أَوَيُعَدُّ هذا فصاحةً مع قول الله عز وجل: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [القصص: 7]؛ فقد جمَع سبحانه في آيةٍ واحدة بين أمرينِ ونهيينِ وخبرين وبشارتين!





    الخطيب والقرآن:


    من الخطأ أن يكون رصيد الخطيب من كتاب الله وحفظه وتلاوته وقراءة تفسيره ضعيفًا، حتى إنك لتجدُ عوامَّ الناس أعظمَ اهتمامًا وتلاوة منه، بل تجد أن الخطيب بعد أن يسلك وظيفة الخطابة يقلُّ رصيدُه من حفظ كتاب الله؛ ولذا ينبغي على الهيئاتِ الرَّسمية في الدول الإسلامية[5] إجراءُ اختبارات سنوية لبيان مدى التزام الخطيب بكتاب الله وحِفظه، وتجويده وإتقان حروفه ومعانيه، وكذا دورات لفهم معاني القرآن وتفسيره بما يوافق مستوياتِ المدعوين، وأن يعود الخطيب على فهم القرآن واستنباط معانيه من خلال مراجعة كُتب التفسير المنوعة، من أجل أن يقرِّب معانيَه بأسلوب العصر، وترك التعصب والجمود في تفسير آيات القرآن وَفْق مفاهيم خاطئة، أو لا توافق عصرنا الحاضر، وتجنُّب تفاسير أهل البدع، ومحاولة تفسير القرآن على ضوء سنَّة الله في خَلقه، وبما كُشِف في ضوء العلم الحديث.





    الخطيب وسنَّة رسولنا الكريم:


    وكما يقال في علاقة الخطيب بكتاب الله يقال أيضًا في سنَّة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأن تكونَ للخطيب معرفةٌ بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية، والتقريرية؛ وذلك بقراءة كتب السيرة والحديث، ومن أعظمها نفعًا: (زاد المعاد في هدي خير العباد) لابن القيم رحمه الله، ودراسة مصطلح الحديث؛ ليتمكنَ من معرفةِ الصحيح من الواهي أو الموضوع، وتجنب الاستدلال بالضعيف ما أمكن، وإهمال الموضوع مطلَقًا.





    الخطيب والفقه:


    لا شك أن الخطيب لا بد أنَ يكون قد درس مسائل الفقه وأدلتها من الكتاب والسنَّة وأقوال الفقهاء، وأن يكون له حظٌّ وافر من مجالسة العلماء، والأخذ من أفواههم، وله اطلاع لا بأس به على كتب الفقه المنوَّعة؛ ليتمكن من الإجابة على الأسئلة الفقهية التي تعرض عليه، وفي الفتوى ينبغي له الرجوع إلى أهل الشأن؛ لأن الفتوى ليست من اختصاصه، وإنما هي من اختصاص العلماء الراسخين في العلوم الشرعية، وإنما وظيفته تعليم الناس وإرشادهم إلى ما فيه صلاح الدِّين والدنيا، بالحِكمة والموعظة الحسنة، وقد حصل من تدخل الخطباء في الفتوى - وخاصة في النوازل - بلاءٌ وشر مستطير، وخَلْط للأوراق، ونزاع، وقتال وتفرُّق، وقد سُئل الشيخ ابن باز رحمه الله عن أهمية الفتوى فأجاب:


    أهل الفتوى هم الذين قد تفقَّهوا في كتاب الله وسنَّة رسوله عليه الصلاة والسلام، وحصلت لهم معرفةٌ جيدة بما أحلَّ الله وبما حرم الله وما أوجب الله، وشهِد لهم أهل العلم والفقه والخير بالمعرفة، وأنهم أهل لأن يُفتوا، ولا ينبغي أن يستفتى كل أحد، ولو انتسب إلى الدِّين أو إلى العبادة أو إلى العلم، حتى يسأل عنه أهل العلم، ويتبصر السائل بواسطة العارفين به، والذين يطمئن إليهم أنهم أهلُ علمٍ حتى يذكروا له أنه أهل للفتوى، وأهل لأن يفتيَ في الحلال والحرام، ونحو ذلك، المقصود أن هذا يحتاج إلى تثبُّت في الأمر، وعدم تساهل، فليس كل من انتسب إلى الدين أو إلى العبادة أو إلى العلم يصلح لذلك، بل لا بد من فقهٍ في الدين وتبصُّر، ولا بد من ورَعٍ وتقوى لله، ولا بد من حذر مِن تسارع في الفتوى، والجرأة عليها بغير علم وبغير حق، ولا حول ولا قوة إلا بالله)[6].





    والحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الداعي الأمين، سيد الأنبياء والمرسَلين وآله والصحب، ومَن كان لهم متبعًا ومحبًّا إلى يوم الدين.







    [1] عن زُرارةَ بن أبي أوفى، قال: حدثني عبدالله بن سلاَم قال: لما قدم النبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينة، انجفَل الناس قِبَله، وقيل: قدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قدِم رسول الله، قدم رسول الله، ثلاثًا، فجئت في الناس لأنظرَ، فلما تبينتُ وجهه، عرفتُ أن وجهه ليس بوجه كذَّاب، فكان أول شيء سمعته تكلم به أن قال: ((يا أيها الناس، أفشُوا السلام، وأطعِموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنةَ بسلام))؛ سنن ابن ماجه، ت. الأرناؤوط (4/ 397)، باب: إطعام الطعام.




    [2] أصول الدعوة للعلامة عبدالكريم زيدان رحمه الله، ص 471.




    [3] ليس معنى السياسة الدهاء والمكر والخديعة على إخفاء الحقِّ، وإرضاء الناس بالباطل، بل معناه: الحكمة في مراعاة شؤون الناس ومعرفة أحوالهم.




    [4] المدخل لابن الحاج ج2 ص 214.




    [5] قامت الهيئة العامة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة الإمارات العربية المتحدة بإجراء اختبارات سنوية للأئمَّة والموظَّفين والعاملين في مساجد الدولة؛ لغرَض رفع مستوياتهم وكفاءتهم الوظيفية، وقد (انتهت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف من تشكيل اللجنة المخوَّلة بإعداد الترتيبات اللازمة، لإجراء اختبارات حِفظ القرآن الكريم والموجهة للأئمة العاملين بالهيئة، وذلك بعد إقرار الهيئة إجراء امتحانات للأئمة للتأكد من مدى حِفظهم للقرآن الكريم.

    وكانت الهيئة لاحظت أن بعضَ الأئمة عادة ما يأتون للدولة وهم يحفظون القرآن، إلا أنه بعد فترة يبدأ مستوى حِفظهم يتراجع؛ ولذلك ارتأت الهيئة إجراءَ تقييم سنوي للأئمة العاملين بالهيئة، وأنه تم إمهالُ الأئمَّة والوعَّاظ بالهيئة فترةً لمدارسة ومراجعة المصحف الشريف، والاستعداد للاختبارات) من موقع الهيئة.





    [6] الموقع الرسمي لسماحة الشيخ ابن باز رحمه الله، برنامج: نور على الدَّرب.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    19,213

    افتراضي رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد


    خطبة الجمعة أداة فعالة للتغيير، وطاقات مهدرة (1)











    د. محمد بن لطفي الصباغ






    يومُ الجمعة أفضلُ أيام الأسبوع، أكرَمنا اللهُ بأن هدانا إليه فجعله عيدًا لنا كل أسبوع، نؤدِّي فيه صلاة الجمعة، التي هي أجلُّ صلاةٍ فرَضها الله على المسلمين.





    روى البخاري ومسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((نحن الآخِرُون الأوَّلون يوم القيامة، بَيْدَ أنهم أُوتوا الكتابَ مِن قَبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرَض الله عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، والناس لنا فيه تبع؛ اليهود غدًا، والنصارى بعد غد))؛ رواه البخاري برقم 876، ومسلم برقم 855.





    وقال ابن القيم في شرح قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((أَكثِرُوا من الصلاة عليَّ يومَ الجُمعة وليلة الجمعة)): "ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيد الأنام، ويوم الجُمعةِ سيد الأيام، فلِلصلاة عليه في هذا اليوم مزية ليست لغيره، مع حكمة أخرى، وهي: أن كلَّ خير نالتْه أمته في الدنيا والآخرة فإنما نالته على يده - صلى الله عليه وسلم - فجمَعَ الله لأمته بين خيرَي الدنيا والآخرة، فأعظمُ كرامة تَحصُل لهم فإنَّما تَحصُل يومَ الجُمعة؛ فإنَّ فيه بَعْثَهم إلى منازلهم وقصورهم في الجنة، وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوا الجنة، وهو يوم عيدٍ لهم في الدنيا، ويومٌ فيه يُسعِفُهم اللهُ تعالى بطَلِباتهم وحوائجهم، ولا يردُّ سائلهم، وهذا كله إنَّما عرَفوهُ وحصَل لهم بسببه وعلى يده، فمِن شُكرِه وحَمدِه وأداء القليل من حقه - صلى الله عليه وسلم -: أن نُكثِر من الصلاة عليه في هذا اليوم وليلته"[1].





    إنَّ يوم الجُمعةِ هو العيد الأسبوعي عند المسلمين، يتفرَّغون فيه لأداء صلاة الجُمعة وسَماع خطبتها، ولصِلة الأرحام وتفريح الأولاد من البنين والبنات، ولذِكر الله ودعائه والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - والتضرُّع إليه وسؤاله من فضله[2].





    قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((خير يوم طلعتْ فيه الشمسُ يوم الجمعة؛ فيه خُلِق آدم، وفيه أُدخِل الجنة، وفيه أُخرِج منها))؛ رواه مسلم برقم 854، والترمذي برقم 488، وأبو داود 1046، والنسائي وغيرهم، وفي هذا اليوم ساعةٌ يُستَجابُ فيها الدعاء، وقد أخفاها الله؛ ليَجتهد المسلمُ اليوم كلَّه في طلبها، جاء في رواية للبخاري 935 ومسلم 852 وابن ماجه قال - صلى الله عليه وسلم -: ((وفيه ساعة لا يُوافِقها عبدٌ مسلم وهو قائم يصلي فيسأل الله شيئًا، إلا أعطاه إياه))، وفي رواية: ((يسأل الله خيرًا)).





    هذا، وقد كتب ابن القيم في زاد المعاد فصلاً طويلاً في ذِكْر فضائل يوم الجمعة وخصائصه (1: 364 - 440) من طبعة الأرناؤوط، وكذلك الإمام المُنذري، وفي كتب السنَّة أبواب كثيرة في فضل هذا اليوم المبارك.





    يَملِك الدعاة المسلمون وسيلة فعالة في الدعوة إلى دينِهم، والتمكين له، وشرحه وبيانه، لا يَملِكها غيرُهم؛ إنها خُطبة الجُمعةِ.





    وفي المسلمين خُطباء مَوهوبون أوتوا علمًا وملَكةً تعبيرية فائقة وموهبةً عظيمةً، ولكن أكثرهم - لأسباب بعضُها يعود إليهم، وبعضها يعود إلى غيرهم - عن المنابر مُبعَدون، وقليلٌ منهم من يقوم بهذه المهمَّة الجَليلة.





    لقد فرَض اللهُ على كل مسلم مُكلَّفٍ قادر مقيم أن يصلي صلاة الجمعة، وأن يستمع لخُطبتها، وأن يُنصِتَ مُصغيًا مدة إلقاء الخطيب خطبته، وهذه فرصة عظيمة للدعاة لبثِّ الوعي الديني، وتبصير الناس بالطريق السوي الذي يَحُلُّ لهم مشكلاتهم، ويُنقِذهم من عذاب أليم.





    إن الملايين من المسلمين يَستمِعون في كل أسبوع إلى خطبة الجمعة، مهما كان رأيُهم في الخطيب، سواء أكانوا يُنكِرون عليه قوله ويَذمُّونه، أم كانوا به مَعجَبين، وله مُوافِقين، فلو كان هؤلاء الخُطباء أو أكثرهم على المستوى الجيد المطلوب يُدرِكون دورَهم العظيمَ في التوعية والإصلاح والتقويم، وكانوا يَعرفون دينهم معرفة سليمة دقيقة، وواقع أمَّتِهم وبلادهم وعصرهم، ويَمتلِكون موهبةَ البيان والتأثير، ويُحسِنون اختيار الموضوعات، ويُؤثِرون ما عند الله، ولا يخافون في الله لومة لائم.. لو كانوا كذلك لتغيَّر واقع المسلمين تغيُّرًا جذريًّا، ولانْتشَرَ دينُ الله في الأرض، ولقلَّت المُخالفات الشرعية، ولكنَّنا - وا أسفاه - لا نجد العددَ الكافي من الخُطباءِ الذين تتوافَرُ فيهم هذه الصفاتُ.





    إن لكلمةِ الحق سلطانًا وتأثيرًا إن قيلتْ في الوقت المُناسِبِ والأسلوب المناسب، إن دعوات الرسُل وأتباعهم والمُصلحين جميعًا كانت في أول أمرِها كلمات حق، أحسَن حمَلَتُها في تبليغها الناس، فسادتْ وانتَشرتْ، وكانت آثارُها خيرًا وصلاحًا، وعدلاً وتقدُّمًا وفَلاحًا.





    إن الذين تتوافَرُ فيهم هذه الصفات موجودون بعددٍ مَحدودٍ، وكثير منهم لا يَرتقون المنابر، وإننا لنرجو أن يَزيد عددُهم، وأن يتقدَّموا لهذه المهمَّة ويَنفعوا الناس بشيء ممَّا آتاهم الله من فضله، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.







    [1] زاد المعاد (1: 376) ط الأرناؤوط.




    [2] ويُؤسِفني أن يكون يوم العطلة الرسمية - أي: يوم العيد الأسبوعي للمسلمين - في بعض الدول الإسلامية يوم الأحد، ويكون يوم الجُمعة يوم عمل عِندهم، وأخبَرَني الأستاذ باسل حميدة أن المغرب وتونس ولبنان وباكستان وتركيا وإندونيسيا وعددًا من ولايات ماليزيا يُعطِّلون الأحد ويعملون يوم الجمعة، إن هذا الأمر عجيب! كيف يكون هذا وقد أخبرنا نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - أن الله هدانا لهذا اليوم وضلَّ عنه اليهود والنصارى؟! إنه والله لهو التقليد الأعمى الذي أخبرنا عنه سيدُنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله: ((لتتبعُنَّ سننَ من كان قبلكم شبرًا بشبرٍ، وذِراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه))، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: ((فمَن إذًا؟!))؛ رواه البخاري برقم 7320 ومسلم 2669 وابن ماجه 3994.

    قد يقول قائل منهم: إن البنوك في كل الدول تُعطل يوم الأحد، فنحن من أجل ذلك نُعطِّل، ونقول: ما لنا وللبنوك؟ إن الذين يتعاملون مع البنوك من المسلمين نسبة قليلة؛ لأن أكثر المسلمين فقراء، بل إن كثيرًا منهم لا يجدون لقمة العيش، وليس معهم ما يتعاطون به مع البنوك.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •