الفاعل النحوي والمعنى اللغوي
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الفاعل النحوي والمعنى اللغوي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,716

    افتراضي الفاعل النحوي والمعنى اللغوي

    الفاعل النحوي والمعنى اللغوي
    الدكتور مصطفى أحمد النماس




    نعرف أن الفاعل هو الذي قام به الفعل أو وقع منه، والمفعول به هو الذي وقع عليه الفعل.

    ومعروف كذلك الفرق بين الفاعل والمفعول به من الناحية اللفظية لدى النحاة فالفاعل مرفوع والمفعول به منصوب، وهذا الفرق اللفظي يستتبع عندهم فرقا اصطلاحيا في معنى كل جملة فمثلا إذا قلت:

    "تحرك الشجر" لفظة الشجر تعرب فاعلا نحويا لكن هذا الإعراب لا يتفق مع المعنى اللغوي الواقعي لكلمة (فاعل) وهو من أوجد الفعل حقيقة وباشر بنفسه إبرازه في الوجـود، لأن (الشجر) لم يفعـل شـيئا إذ لا دخـل لـه في إيجاد هذا التحـرك وجعله حقيقة واقعة بعد أن لم تكن، وبالاختصار ليس لكلمة (الشجر) عمل إيجابي مطلقا في إحداث التحرك وكل علاقته بالفعل أنه استجاب له فقامت الحركة به ولابسته من غير أن يكون له دخل في إيجاد الحركة، فأين الفاعل الحقيقي الذي أوجد التحرك وكان السبب الحقيقي في إبرازه للوجود، بالطبع ليس في الجملة ما يدل عليه، أو على شيء ينوب منابه.

    لكنك إذا قلت حرك الهواء الشجرة تغير الأمر وظهر الفاعل الحقيقي المنشئ للتحرك الذي وقع أثره على المفعول به. وما قيل في (تحرك الشجر) يقال في (تمزقت الورقة) فإعراب الورقة فاعلاً نحوياً لا يوافق المعنى اللغوي لكلمة (فاعل) ولا يوافق الأمر الواقع، لأن الورقة في الحقيقة لم تفعل شيئاً فلم تمزق نفسها ولا دخل لها في تمزقها ولم تحدث التمزق ولكنها تأثرت بالتمزق حين أصابها، فأين الفاعل الحقيقي الذي أوجد التمزق لا النحوي؟ لا وجود له في الجملة ولا دليل يدل عليه، لكن إذا قلت مزق الطفل الورقة ظهر الفاعل الحقيقي واتضح من أوجد الفعل بمعناه اللغوي الدقيق.

    ومن خلال ما سبق يتضح أن الفاعل النحوي أحيانا لا يكون هو الفاعل الحقيقي وإنما هو المتأثر بالفعل وليس في الجملة ما يدل على الفاعل الحقيقي أو ما ينوب منابه، وليس فيها تغيير لصورة الفعل يرشد إلى أن ذلك على سبيل النيابة عن الفاعل.

    فالأفعال التي وردت على صورة المبني للمجهول ما بعدها فاعل نحوي في الرأي الشائع الذي ورد صريحا في كثير من المراجع كالقاموس المحيط في مقدمة (مسألة) وإن لم يتفق على المعنى اللغوي الواقعي لكننا [1] نقول بفاعليته لأنه تأثر بالفعل وما فيه من حدث وإن كان في الواقع ونفس الأمر واقعا عليه خاصة أن بعض الأفعال الثلاثية الحدث فيها ليس من أفعال الآدميين ولا يتضح إسنادها إلا إذا أدخلت عليها همزة التعدية ولو أردت نسبتها إلى اللّه تعالى لكانت على (أفعل). والثلاثي الذي ورد على صورة المبني للمجهول يدل على الأداء.


    رأي ابن الحاجب المتوفى سنة 646هـ[2] :

    وقد قال في شرح الكافية ما يؤيد هذا: جاء في كلامهم بعض الأفعال على ما لم يسم فاعله ولم يستعمل منه المبني للفاعل والأغلب في ذلك الأدواء، ولم يستعمل فاعلها لأنه من المعلوم في غالب العادة أنه هو اللّه تعالى فحذف للعلم به وتلك الأفعال نحو: جن، وسلّ، وزكم، وورد، وحم، ووعك، قال سيبويه [3] : "لو أردت نسبتها إليه تعالى لكان على أفعل نحو أجنة اللّه، [4] وأسله اللّه، وأورده أي فعل به ذلك، وذلك لأن فعل المذكور لم يأت منه (فعلته) ولعل ذلك لأنه لما لم يأت من فعل المذكور كجنّ وسلّ (فعلته) صار كألم، ووجع وعمى ونحو ذلك من الآلام التي بابها فعل (المكسور العين) فصار يعدى إلى المنصوب كما يعدى باب (فعل) وذلك بالنقل إلى (أفعل) المتعدي.."

    انتهى كلام الكافية.


    رأي ابن سيده المتوفى سنة 458هـ [5]:

    وقبل ابن الحاجب بمائتي سنة تقريبا نجد ابن سيده يقرر بأن هذه الأفعال منها ما لا يستعمل إلا على تلك الصيغة كعنيت بحاجتك، ومنها ما تكون عليه هذه الصيغة أغلب كزهيت علينا، فإن ابن السكيت حكى (زهوت) وابن سيده يقرر في المخصص نفسه[6] (باب ما جاء (فعل) منه على غير أفعلت) وذلك نحو جنّ وسلّّّ، وورد، (ومعنى ورد حم) وكذلك رعد ومرعود ومورد (ومحموم بمعنى واحد، وقالوا على هذا مجنون ومسلول ومحموم ومورود، وإنما جاءت هذه الحروف على (جننت) و (سللت) وإن لم يستعمل في الكلام ثم قال: وقال بعضهم رجل محبوب وكان حقه أن يقال في فعله (حببته) فهو محبوب كما يقال: وددته فهو مودود، والمستعمل (أحببته) وقد قال بعضهم (حببته) قال الشاعر وهو غيلان ابن شجاع النهشلي[7]:

    ولا كان أدنى من عبيد ومشرق
    فواللّه لولا تمره ما حببته

    وقد ذكر أبو العباس محمد بن يزيد المبرد في الكامل [8] أن أبا جار العطاردي قرأ: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه..} وذكر أن فيه شيئين من المخالفة:

    أحدهما: أنه فتح الياء من (يحبكم)، والآخر أنه أدغم وذكر غير سيبويه أن هذه الأشياء[9] التي ليست من أفعال الآدميين وقد جاءت على مفعول وفعله مما لم يسم فاعله إذا نسبت الفعل إلى اللّه عز وجل كان على (أفعل) نحو أجنه اللّه وأسله وأزكم وأورده، أي فعل اللّه به ذلك، ومما أورده غير سيبويه من هذا النحو: محزون، ومزكوم، ومكزوز، ومقرور.

    قال أبو عبيد: وإنما ذلك لأنهم يقولون في هذا كله:

    قد (فعل) ثم بني مفعول على هذا، قال ولا يقولون حزنه الأمر ويقولون (يحزن) وهذا خلف من نقله وإنما أوردته للتحذير من اعتقاده، وقد قدمت من كلام سيبويه ما دل على ذلك، (وحزنه) مقولة كثيرة (أبو عبيد) وكل هذا يقال فيه: مفعول ولا يقال (مفعل) إلا حرف واحد وهو قول عنترة:

    مني بمنزله المحب المكرم
    ولقد نزلت فلا تظني غيره

    وقال: أزعقه فهو مزعوق على هذا القياس حكاها عن الأموي.. وقال غيره: زعقته بغير ألف فانزعق أي فزع فإذا كان هذا فمزعوق على القياس وأنشد:

    لا مبطئا ولا عنيفا زاعقا
    تعلّمن أن عليك سائقا

    لبّا[10] بإعجاز المطي لاحقا

    ثم قال وقال الفراء: "برّ حجّك" فهو مبرور فإذا قالوا: "أبر اللّه حجك" قالوا بالألف فهو مبرور وقالوا: المبروز من أبرزت وأنشد:

    الناطق المبروز والمختوم
    أو مذهب جدد على الواحنَ

    وقالوا: المضعوف من أضعف قال لبيد:

    جمان ومرجان يشد المفاصلا
    وعالين مضعوفا ودرا سموطه

    ومن هذا الباب [11] أمرضه اللّه فهو من المرض، أرضه من الأرض وهو الزكام، وأملاه من الملاءة، وأضأده من الضؤده وكله الزكام وكل هذا يقال فيه مفعول ولا يقال (مفعل) وكذلك مهموم من أهمه اللّه تعالى.


    رأي ابن جني المتوفى سنة392هـ :

    قال في الخصائص[12]: وعلة ما جاء من أفعلته فهو مفعول نحو: أجنه فهو مجنون، وأسله فهو مسلول وبابه أنهم إنما جاءوا به على (فعل) نحو: جن فهو مجنون، وزكم فهو مزكوم، وسل فهو مسلول وكذلك بقيته، فإن قيل لك من بعد: وما بال هذا خالف فيه الفعل مسنداً إلى الفاعل صورته مسند إلى المفعول، وعادة الاستعمال غير هذا وهو أن يجيء الضربان معاً في عدة واحدة نحو: ضربته وضرب، وأكرمته وأكرم، وكذلك مفاد هذا الباب.

    قيل إن العرب لما قوي في نفسها أمر المفعول حتى كاد يلحق عندها برتبة الفاعل وحتى قال سيبويه[13] فيهما: "وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم" خصوا المفعول إذا أسند الفعل إليه بضربين من الصنعة، أحدهما تغيير صورة المثال المسند إلى المفعول عن صورته مسند إلى الفاعل والعدة واحدة وذلك نحو: ضرب زيد وضرب، وقتل وقتل، وأكرم وأكرم، وحرج ودحرج.

    والآخر أنهم لم يرضوا ولم يقتنعوا بهذا القدر من التغيير حتى تجاوزوه إلى أن غيروا عدة الحروف مع ضم أوله كما غيروا في الأول الصورة والصيغة وحدها وذلك نحو قولهم: (أحببته وحب) أزكمه وزكم وأضأده وضئد، وأملأه اللّه ومليء.

    قال أبو علي[14]: فهذا يدلك على تمكن المفعول عندهم وتقدم حاله في أنفسهم إذ أفردوه بأن صاغوا الفعل له صيغة مخالفة لصيغته وهو للفاعل، وهذا ضرب من تدريج اللغة عندهم[15]، ألا ترى أنهم لما غيروا الصيغة والعدة واحدة في نحو: ضرب، وضرب، وشتم وشتم تدرجوا من ذلك إلى أن غيروا الصيغة مع نقصان العدة نحو: أزكم وزكم وأرضه، وأرض.

    هذا الموضع هو الذي دعا أبا العباس أحمد بن يحي في كتاب فصيحه أن أفرد له بابا فقال هذا باب (فعل) بضم الفاء نحو قولك عنيت بحاجتك وبقية الباب. إنما غرضه فيه إيراد الأفعال المسندة إلى المفعول ولا تسند إلى الفاعل في اللغة الفصيحة، ألا تراهم يقولون: "نخى زيد" من النخوة ولا يقال: نخاه كذا، ويقولون امتـقع لونه، ولا يقولون امتقعه ويقولون: انقطع الرجل ولا انقطع به هكذا فلهذا جاء بهذا الباب أي ليريك أفعالا خصت بالإسناد إلى المفعول دون الفاعل كما خصمت أفعال بالإسناد إلى الفاعل دون المفعول، نحو قام زيد وقعد جعفر وذهب محمد، وأنطلق بشر، ولو كان غرضه أن يريك صورة ما لم يسم فاعله مجملا غير مفصل على ما ذكرنا لأورد فيه نحو: ضرب وركب، وطلب، وقتل، وأكل، وسمل، وأكرم، وأحسن إليه، واستقصى عليه، وهذا يكاد يكون إلى ما لا نهاية له، فاعرف هذا الغرض فإنه أشرف من حفظ مائة ورقة لغة... انتهى.


    رأي ابن درستويه المتوفى سنة 347هـ [16] :

    وسبق أن تعرضت لرأي ابن درستويه في هذا المقام حيث يقول:"عامة أهل اللغة يزعمون أن هذا الباب لا يكون إلا مضموم الأول، ولم يقولوا: إنه إذا سمي فاعله جاز بغير ضم، وهذا غلط منهم، لأن هذه الأفعال كلها مفتوحة الأوائل في الماضي، فإذا لم يسم فاعلها فهي كلها مضمومة الأوائل ولم نخص بذلك بعضها دون بعض وقد بينا ذلك بعلته وقياسه فيجوز: عنيت بأمرك وعناني أمرك، وشغلت بأمرك وشغلني أمرك، وشدهت بأمرك وشدهني أمرك".

    ولا شك أن ما بعد هذه الأفعال مسند إليها على الفاعلية، سواء أكان الفعل فاعلا في الواقع وِنفس الأمر، أم كان المتأثر بالفعل وليس في الجملة ما يدل على الفاعل كالحال مع بعض الأساليب التي يكون الفعل فيها مسندا حقيقة إلى الله، ويجئ بعدها الاسم المتأثر بالفعل نظرا لعدم وجود الفاعل الحقيقي خاصة بعض الأفعال جاءت على سمت مخصوص وهو ضم الفاء في غالب استعمالها فيظن بعضهم أنها مبنية للمجهول وملازمة لهذا الشكل نظرا لغلبة استعمال العرب لهذا الشكل ولا يجوز القياس على ما قل وهو ورود الكلمة على ضبط آخركفتح الفاء مثلاً في الفعل الذي ألزم بعضهم ضم أوله يقول ابن جني:[17].

    "وإن كانت إحدى اللفظتين أكثر في كلامه من صاحبتها، فأخلق الحالين به في ذلك أن تكون القليلة في الاستعمال هي المفادة، والكثيرة هي الأولى الأصلية، نعم، وقد يمكن في هذا أن تكون القليلة منهما إنما قلت في استعماله لضعفها في نفسه، وشذوذها عند قياسه، وإن كانتا جميعا لغتين له ولقبيلته وذلك أن من مذهبهم أن يستعملوا من اللغة مـا غيره أقوى في القياس منه".

    أو أن ذلك ليس لغة ولكنه صنعة في التدريج وذلك أن يشبه شيء شيئا من موضع فيمضى حكمه على حكم الأول، ثم يرقى منه إلى غيره فلما وجدوا أن الفعل بضم الفاء أجروه مجرى المبني للمجهول، ثم تدرجوا فجعلوه ملازماً للبناء للمجهول حقيقة... ولكن هذا كما يقول ابن درستويه وابن برى وكثير من المحققين لا يخرجه عن جواز استعمال حالته الأولى..

    يقول ابن جني:[18] "وهذا باب مطرد متقاود وقد كنت ذكرت طرفا منه في كتابي (شرح تصريف أبي عثمان) غير أن الطريق ما ذكرت لك فكل ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم ولهذا قال من قال في العجاج ورؤبة: أنهما قاسا اللغة وتصرفا فيها وأقدما على ما لم يؤت به قبلهما، وقد كان الفرزدق يلغز بالأبيات، ويأمر بإلقائها على ابن اسحق"[19].


    رأي ابن برّى المتوفى سنة 582هـ:

    من المحققين الذين أدلوا برأيهم في هذا الموضوع العلامة ابن برّى وقد أنكر ما وضعه ثعلب في فصيحه من الأفعال الملازمة للبناء للمجهول وقد وضح هذا من خلال انتصاره للعلامة الحريري مما نسبه إليه ابن الخشاب ولقد خطأ الزجاج المتوفى سنة 310 هـ ثعلبا في فصيحه وتعقبه باعتراضات عشرة بينما كتاب الفصيح كله عشرون ورقة وقد ذكرت هذه الاعتراضات في معجم الأدباء ترجمة الزجاج، كما ذكرت أيضاً في الأشباه والنظائر للسيوطي الفن السابع، وكذلك المزهر النوع التاسع معرفة الفصيـح حتى إن ثعلبا كاد ينكر نسبة الفصيح إليه، ولقد تعصب ابن خالويه لأنه كوفي النزعة فرد على اعتراضات الزجاج وردوده مبسوطة في الأشباه والنظائر الفن السابع جـ 4.


    ثمرة الخلاف والبحث:

    الملحوظ أن بعض الأساليب في اللغة العربية له علاقة عند صوغه بالفعل المبني للمعلوم، فمثلاً أسلوب التعجب لا يصاغ على ما أفعله وأفعل به إلا من الفعل المبني للمعلوم، وأسلوب التفضيل يشترط لتأديته معنى المفاضلة بدون واسطة أن يكون فعله مبنيا للمعلوم.. فإذا كان الفعل مبنياً للمجهول لا يصاغ أسلوب التعجب وأسلوب التفضيل إلا بواسطة ويذكر بعدها مصدر الفعل الذي كان مبنياً للمجهول.

    أما الأفعال التي عرفناها قبل وبوب لها اللغويون أنها ملازمة للمجهول سماعاً فهذه الملازمة فيها الخلاف المذكور عن العلماء سابقاً، فعلى رأي أبي العباس ثعلب ومن معه أن هذه الأفعال ملازمة للبناء للمجهول ولا يتعجب منها مباشرة بل يتعجب منها بالواسطة، وكذلك يصاغ أسلوب التفضيل منها بالواسطة...

    وترتب على هذا طرح كثير من أساليب التعجب وأساليب التفضيل من هذا النوع لأنه بدون واسطة فيكون شاذاً لا يقاس عليه فلا يصح أن تقول على مذهب بعضهم ما أزهى كذا ولا يصح أن تقول: هو أزهى من ديك... وفي هذا تضييق على اللغة العربية.

    والتحقيق أن هذه الأفعال المعروفة ببنائها للمجهول دائماً ليست كغيرها من بقية الأفعال الأخرى فهي تبنى حيناً للمعلوم وتارة أخرى تبنى للمجهول على حسب مقتضيات المعنى ودواعي الاستعمال الصحيح..

    وبناء على ذلك أنه يجوز أن يصاغ من مصادر الأفعال مباشرة من غير وسيط (صيغتا التعجب) القياسي وهذه الصياغة قياسية وليست بشاذة ولا مخالفة فيها وكذلك يصاغ من مصادر تلك الأفعال مباشرة من غير واسطة (أفعل التفضيل) وفوق هذا يؤيد فريق من النحاة ومنهم ابن مالك صياغة التعجب من مصدر تلك الأفعال على فرض أنها ملازمة البناء للمجهول أما الأفعال الأخرى التي ليست ملازمة البناء للمجهول فلا يصح التعجب المباشر منها اتفاقا إذا كانت مبنية للمجهول عند الصياغة للتعجب أو التفضيل.

    ويكون قولهم: هو أزهى من ديك، وقولهم: ما أزهى كذا، وقولهم: ما أعني فلانا بحاجتك، وهو أعنى بحاجتك من الأساليب القياسية التي يصح أن تحذو حذو فعلها وتنسج على منوالها دون شذوذ كما استعمله سيبويه.


    إليك آراء العلماء:

    رأي ابن الحاجب[20]:

    قال في مبحث أفعل التفضيل: "وقياسه للفاعل يعني يقاس لتفضيل الفاعل على غيره في الفعل كأضرب أي ضارب أكثر ضرباً من سائر الضاربين ولا يقال أضرب بمعنى مضروب أكثر مضروبية من سائر المضروبين وإنما كان القياس في الفاعل دون المفعول لأنهم لو جعلوه مشتركا بين الفاعل والمفعول لكثر الاشتباه لا طراده وأما سائر الألفاظ المشتركة فاغتفر فيها الاشتباه لقلتها لكونها سماعية وأرادوا جعله في أحدهما أظهر دون الآخر فجعلوه في الفاعل قياساً لكونه أكثر من المفعول إذ لا مفعول إلا وله فاعل في الأغلب ولا ينعكس وإنما قلنا في الأغلب احترازاً من نحو مجنون ومبهوت فلو جعلوه حقيقة في المفعول لبقي اسم الفاعل مع أنه أكثر عريا عما يطلب فيه من معنى التفضيل إلا بالقرينة لعدم اللفظ الدال عليه حقيقة وقد استعملوه في المفعول أيضاً على غير قياس نحو أغدر، وأشهر، وألوم، وأشغل أي أكثر معذورية، ومشهورية، وملومية، ومشغولية ومنه أعنى في قول سيبويه وهم بشأنه أعنى".

    وقال في مبحث التعجب:

    "ولا يبنى فعل التعجب من المبني للمفعول لما مر في أفعل التفضيل ويجوز تعليل اقتناع مجيئهما للمفعول بكونهما مأخوذين من فعل المضموم العين كما ذكرنا وهو لازم وربما بني من المبني للمفعول إذا أمن التباسه بالفاعل نحو ما أجنه وما أشهره، وما أمقته إلى وما أعجبه إلى، وما أشهاه إلى فيتعدى كما ذكرنا في أفعل التفضيل إلى ما هو فاعل في المعنى بإلى أو بعند نحو أحظى عندي وذلك إذا تضمن معنى الحب والبغض. قال سيبويه: جميع ذلك مبني على فعل وإن لم يستعمل فكأن أبغضه وأعجبه وأمقته من بغض وعجب ومقت وإن لم يستعمل وأشهاه من شهو كما يقال نعمت اليد يده وقياس التعجب من المبني للمفعول أن يكون الفعل المبني له صلة لما المصدرية القائم مقام المتعجب منه بعد".

    وقد يتعين أن يرفع أفعل التفضيل نائب الفاعل وذلك بقرينة تحتاج إلى توضيح فالمعروف أن أفعل التفضيل إذا كان مصدر فعل متعد بنفسه دال على الحب أو البغض أو بمعناها فإٍن تعدى باللام كانت اللام ومجرورها مفعولاً به في المعنى لا في الاصطلاح النحوي نحو المؤمن أحب للدين من الغربي وأبغض للخروج على أحكامه، فالتقدير يحب المؤمن الدين ويبغض الخروج على أحكامه، وإذا تعدى بإلى كانت إلى ومجرورها فاعلاً معنوياً لا نحوياً وما قبل أفعل هو المفعول المعنوي لا النحوي نحو العلم أحب إلى النابغ من متع الحياة فالتقدير يحب النابغ العلم أكثر من متع الحياة، وقد يرفع أفعل التفضيل الفاعل الظاهر كما في قولك: ما رأيت رجلا أكمل في وجهه الإشراق منه في وجه العابد المخلص.

    فالإشراق فاعل لأفعل التفضيل والتقدير ما رأيت رجلاً يكمل في وجهه الإشراق فحيث صح إقامة الفعل مقامه صح أن يرفع الفاعل.

    فإن كان أفعل التفضيل الرافع للظاهر من مادة الحب أو البغض تعين أن يكون مرفوعه نائب فاعل كما في قول الرسول صلى اللّه عليه وسلم: "ما من أيام أحب إلى الله منها الصوم منه في عشر ذي الحجة"، وفي رواية أخرى من "أيام العشر"، فالصوم مرفوع نائب فاعل أحب لأنه بمعنى محبوب من حب الثلاثي ففيه شذوذ لبنائه من المجهول إلا عند من جوزه مع أمن اللبس وانظر حاشية الخضري جـ 2 ص 52 هـ ومثله ما ورد في الأشموني: لا يكن غيرك أحب إليه الخير منك إليه فالخير نائب فاعل، فالقرينة هنا أن أفعل من مادة الحب أو البغض قد تعدي بإلى وهي ومجرورها فاعل في المعنى فالمرفوع بعده يكون نائب فاعل قال في شرح الكافية ج 2 ص 220.

    "وإن كان الفعل يفهم منه الحب أو البغض تعدى إلى ما هو فاعل في المعنى أي المحب أو المبغض بإلى نحو هو أحب إلى وأشهر إلى، وأعجب إلى وهو أبغض إليك، وأمقت إليك، وأكره إليك لأن أفعالها تتعدد إلى المحب والمبغض بإلى أيضاً كقوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ} وهذه كلها بمعنى المفعول كأحمد وأشهر وأجن وقد مر أنه غير قياس" .


    رأي يس العيمي والشيخ خالد الأزهري:

    قال وفي التصريح[21] "وبعضهم يستثني من الفعل المبني للمفعول ما كان ملازماً لصيغة (فعل) بضم أوله وكسر ثانيه نحو:

    عنيت بحاجتك، وزهى علينا بمعنى تكبر، فيجيز التعجب منه لعدم اللبس فتقول: ما أعناه بحاجتك، وما أزهاه علينا وجرى على ذلك ابن مالك وولده بناء على أن علة المنع خوف الالتباس، وأما من جعل عدة المنع التشبيه بأفعال الخلق بجامع أن كلا منها لا كسب للمفعول فيه فينبغي أن لا سيتثنى شيئاً ويؤول ما ورد من ذلك على أن التعجب فيه من فعل مفعول في معنى فعل فاعل لم ينطق به".

    قال السيوطي في الأشباه والنظائر[22] قال في البسيط: "قياس التفضيل في أفعل أن يكون على الفاعل نحو: زيد فاضل وعمرو أفضل منه، لا على نحو خالد وبكر أفضل منه لأنهم لو فضلوا على الفاعل والمفعول لالتبس التفضيل على الفاعل بالتفضيل على المفعول فلما كان يفضي إلى اللبس كان التفضيل على الفاعل أولى لأنه كالجزء من الفعل والمفضول فضله فكان التفضيل على ما هو فالجزء أولى من التفضيل على الفضلة".

    وقال في التصريح مبحث التفضيل[23]:

    وسمع بناؤه من فعل المفعول كهو أزهى من ديك بنوه من زهى بمعنى تكبر قال في الصحاح: لا تتكلم العرب به لا مبنياً للمفعول وإن كان بمعنى الفاعل، وحكى ابن دريد زها يزهو أي تكبر، فعلى ما حكاه ابن دريد لا شذوذ فيه لأنه من المبني للفاعل، وقال الصبان[24] مثل ذلك: وسمع هو أشغل من ذات النحيين بنوه من شغل بالبناء للمفعول وسمع هو أعنى بحاجتك بنوه من عنى بالبناء للمفعول وسمع فيه عنى كرضى بالبناء للفاعل فعلى هذا لا شذوذ فيه.

    وقد علق الصبان على هذا بقوله: "إنما كان مصوغا من المبني للمفعول لأن المراد أنها أكثر مشغولية لا أنها أكثر شغلا لغيرها وإنما كان يصاغ من المبني للفاعل إذا ناسب المقام، ومن مجيء فعله مبنيا للفاعل: {شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا} فما ذكره الناظم من أن شغل مما لزم البناء غير مسلم، انتهى تعليق الصبان على المثل.."

    وقال الأشموني[25]: "وبعضهم يستثني ما كان ملازما لصيغة فعل نحو عنيت بحاجتك، وزهى علينا فيجيز ما أعناه بحاجتك، وما أزهاه علينا" وقال في مبحث التفضيل: "وسمع صوغه من فعل المفعول كهو أزهى من ديك، وأشغل من ذات النحيين".

    وبالبحث في كتب اللغة وجدت أساليب كثيرة تصحح لنا أن نتوسع فيما ضيقوا حتى تنتهي إلى قياسية كثيرة مما اعتبروه شاذا ففي الأمثال الميداني وأمثال القالي وشرح الألفية والتسهيل، فقد سمع عنهم أنهم قالوا: أجن من دقة [26] (من أجن)، أزهى من ديك[27]

    وأشغل من ذات النحيين [28], وأشهر من الحمر[29].

    يتبع


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    15,716

    افتراضي رد: الفاعل النحوي والمعنى اللغوي

    الفاعل النحوي والمعنى اللغوي
    الدكتور مصطفى أحمد النماس


    وقال أبو قطيعة:

    أشهى إلى القلب من أبواب جبزون
    القصر فالنخل فالجماء بينهما

    وأعمر من نسر (عمر)[30].

    أعني في كلام سيبويه مثل به الزمخشري في المفصل وأقصف من بردقة [31] أكسى من بصلة (من كسى) وأولع من كذا[32]، وأشهر من كذا وردت أمثلة كثيرة منه في أمثال القالي والميداني.

    وقد حصر بعض أعضاء مجمع اللغة العربية أكثر من هذا [33]. فكثرة الأمثلة تجوز القياس عليه، وقد قال ابن مالك في التسهيل أن فعل التعجب يبنى من فعل المفعول إذا أمن اللبس، قال المرادي: وذلك مذهبه في أفعل التفضيل، ولا غرو فهو أوغل علماء العربية في هذا المسلك من قياس أحد البابين على الآخر، وقد سبق ابن مالك في هذا الزمخشري في المفصل وتبعه ابن الحاجب في الكافية وجاء بعدهما ابن مالك في كتبه كلها.. فقد حملوا كلا من بابي التعجب وأفعل التفضيل، على الآخر بحيث أنه لا يصاغ أفعل التفضيل إلا مما يصاغ منه فعلا التعجب وكل ما امتنع أن يصاغ منه فعلا التعجب امتنع أن يصاغ منه أفعل التفضيل وما لا فلا. وقد جعل الزمخشري وابن الحاجب التفضيل أصلا لهذا القياس وجعل ابن مالك التعجب أصلا لهذا القياس والتفضيل فرعا، والذي درج عليه الزمخشري وتابعوه من القياس الجاري بين أفعل التفضيل وأفعل في التعجب يكاد يكون أمرا لم يرجع إليه ليتخذ ضابطا في التعليم والتأليف لتقريب المسائل وطر القواعد وتيسير حفظ لا غير.. وليس في ذلك من أنواع القياس التي أطنب فيها أبو الفتح ابن جني في الخصائص فإنها كلها ترجع إلى إعطاء حكم إعرابي أو صيغة اشتقاقية للفظ لم يرد في كلام العرب على ذلك الحكم أو تلك الصيغة فيقرر حكم النظير المسموع للنظير غير المسموع إلحاقا به وقياسا عليه.. لأن هناك فوارق بين التعجب والتفضيل تفضي بنا إلى أن قياس أحدهما ليس له مسلك ممهد وإنما هو مجرد قياس شبه كما يقول الأصوليون وهو غير معتبر على أن التحامل بين البابين لم يتبين فيه أصل من فرع.


    كثرة الاستعمال اعتمدت في كثير من أبواب العربية:

    وحيث أن الأساليب التي جاءت من الفعل المبني للمفعول للدلالة على التعجب أو أفعل التفضيل قد كشفت عن عدد كثير من الأمثلة ولست أدري كيف خفيت هذه النصوص على كثير من اللغويين والنحاة القدامى حتى رتبوا على وجود نوع وهمي من الأفعال يلازم البناء للمجهول أحكاما خاصة كمنعهم مجيء صيغتي التعجب من الثلاثي مباشرة وعدم صحته إلا بواسطة ومنعهم صوغ أفعل للتفضيل من مصادرها إلا بالواسطة كذلك، وقد عثرنا على الأساليب التي توحي بكثرة الاستعمال من هذه الأفعال، وكثرة الاستعمال قد اعتمدت في كثير من أبواب العربية وهاأنذا أسوق طرفا منها مما جاء في كتاب الأشباه والنظائر للسيوطي[34] فقد عقد بابا تحت هذا العنوان (كثرة الاستعمال اعتمدت في كثير من أبواب العربية:

    1- منها حذف الخبر بعد لولا قال ابن يعيش في (شرح المفصل) حذف خبر المبتدأ من قولك: لولا زيد خرج عمرو لكثرة الاستعمال حتى رفض ظهوره ولم يجز استعماله.

    2- وقال صاحب البسيط: "إنما اختصت غدوة بالنصب بعد أن دون بكرة وغيرها لكثرة استعمال غدوة معها وكثرة الاستعمال يجوز منه مالا يجوز مع غيره".

    3- وقال ابن جني: "أصل (هلم) عند الخليل (ها) للتنبيه (ولم) أي لم بنا ثم كثر استعمالها فحذفت الألف تخفيفا".

    4- وفي تذكرة الفارسي: حكى أبو الحسن والفراء أنهم يقولون (أيش لك) قال والقول فيه عندنا أنه أي شيء فخفف الهمزة وألقي الحركة على الياء فتحركت الياء بالكسرة فكرهت الكسرة فيها فأسكنت فلحقها التنوين فحذفت لالتقاء الساكنين، كما أنه لما خففت ( هو يرم إخوانه) فحذفت الهمزة وطرح حركتها على الياء كره تحركها بالكسرة فأسكنتها وحذفها لالتقائها مع الخاء من الإخوان فالتنوين في (أيش) مثل الخاء في إخوانه، قال: فإن قلت الاسم يبق على حرف واحد قبل إذا كان ذلك شيء في (أيش) وحسن ذلك أن الإضافة لازمة فصار لزوم الإضافة مشبها له بما في نفس الكلمة حتى حذف منها فقالوا فيم وبم ولم فكذلك (أيش).

    5- وقال ابن فلاح في المغني: "المصدر الذي يجب إضمار فعله إنما وجب إضماره لكثرة الاستعمال ومعنى كثرة الاستعمال أنه تقرر في أذهانهم أنهم لو استعملوها لكثرة استعمالها فخففوها بالحذف وجعلوا المصدر عوضا منها".

    6- وقال ابن الدهان في الغرة ذهب الأخفش إلى أن ما غير لكثرة استعماله إنما تصورته العرب قبل وضعه وعلمت أنه لا بد من استعماله فابتدءوا بتغييره علما بأن لا بد من كثرة استعماله الداعية إلى تغييره كما قال:

    فصير أخره أولا
    رأي الأمر يفضي إلى آخر

    ومن هذه النصوص يتبين أن العرب قد اعتمدت كثرة الاستعمال فلم لا نعتمد كثرة استعمال أفعل التفضيل وصيغتي التعجب من هذه الأفعال التي توهموها ملازمة للبناء للمجهول قياسا يقاس عليه؟

    ففي هذا توسيع لما ضيقه بعضهم وجعله شاذا لأنهم بنوا حكمهم على وجود نوع وهمي من الأفعال يلازم البناء للمجهول.

    فهذه الأفعال التي حصرها قدماء اللغويين وحصروها في باب الأفعال الملازمة للبناء للمجهول معظمها يرجع إلى ثلاثي مبني للمعلوم وإن كان لا يلحظه البعض بسهولة أو لا يطـرد فيه ذلك نتيجة للخلط بين الفاعل النحوي والمعنى اللغوي وبعضها لا يسهل تحقيق ذلك فيه لأنه من المعلوم في غالب العادة أنه هو اللّه تعالى فحذف للعلم به حتى قال سيبويه: "لو أردت نسبتها إليه تعالى لكان الفعل على (أفعل) نحو أجنه اللّه أي فعل به ذلك" وقال غير سيبويه[35] إن هذه الأفعال التي ليست من أفعال الآدميين وقد جاءت على مفعول وفعله مما لم يسم فاعله إذا نسب الفعل إلى اللّه عز وجل كان على (أفعل)... فمجيء الصفة على مفعول دليل قاطع على الجذر الثلاثي للفعل وأنه مبني للمعلوم جاء على صورة المبني للمجهول ففي هذا جانب من صواب وفائدة على أن ابن جني في الخصائص[36] يعقد بابا في نقض العادة يقول: غير أن ضربا من اللغة جاءت فيه هذه القضية معكوسة مخالفة فنجد فعل فيها متعدية وأفعل غير متعد وذلك قولهم: أجفل الظليم وجفلته الريح، وأشفق البعير إذا رفع رأسه وشنقته، وأنزف البئر إذا ذهب ماؤها ونزفتها واقشع الغيم وقشعته الريح وأنسل ريش الطائر ونسلته، وأمرت الناقة ومريتها إذا در لبنها ونحو من ذلك نحو ألوت الناقة بذنبها ولوت ذنبها، وصر الفرس[37] أذنه، وأصر بأذنه وكبه الله عن وجهه، وكب هو، وعلوت الوسادة وأعليت عنها..

    فهذا نقص عادة الاستعمال لأن فعلت فيه متعد وأفعلت غير متعد، وعلة ذلك عندي أنه جعل تعدي فعلت وجمود أفعلت كالعوض لفعلت من علية أفعلت لها على التعدي نحو جلس وأجلسته ثم يقول: ونحو من ذلك ما جاء عنهم من أفعلته فهو مفعول وذلك نحو أحببته فهو محبوب وأجنه الله فهو مجنون وأزكم فهو مزكوم، وأكزه فهو مكزوز[38]، وأقره فهو مقرور، وأرضه فهو مأروض، وأملاه فهو مملوء وأضأده فهو مضئود[39] وأحمه الله فهو محموم (من الحمى) وأهمه - من الهم - فهو مهموم وأزعقته فهو مزعوق أي مذعور... قالوا وعلة ما جاء من أفعلته فهو مفعول نحو أجنه الله فهو مجنون وبابه أنهم إنما جاءوا به على (فعل) (بضم أو كسر ثانيه) نحو جن فهو مجنون وزكم فهو مزكوم.. الخ[40].

    فهذا النوع من الأفعال جاء على صورة المبني للمجهول لأن العرب خصوا المفعول بنوع من العناية حتى قوي في أنفسها وكأنهم أولا غيروا صورة الفعل وهو مسند إلى المفعول عن صورته وهو مسند إلى الفاعل والصورة والصيغة واحدة ثم ترقوا من ذلك وتدرجوا إلى أن غيروا الصيغة فضموا الأول مع نقصان العدد فقالوا أزكم (وزكم) بضم أوله وكسر ثانيه فهذا من باب التدريج في اللغة الذي عناه ابن جني بقوله[41]:

    "وذلك أن يشبه شيء شيئا من موضع فيمضي حكمه على حكم الأول ثم يرقى منه إلى غيره". فأنت تشاهد أن هذه الأفعال بعد هذا التدريج أصبح لها صورتان الصورة الأصلية والصورة المسموعة عن أكثر العرب نتيجة هذا التدرج في الاستعمال والذي يدل على هذا أن المعاجم العربية تشير إلى هذا الأصل الذي أصبح في عالم النسيان عند بعض اللغويين كثعلب ففي القاموس مادة (عناه) الأمر يعنيه ويعنوه عناية بالكسر وعناية بالفتح وعينا بالضم أهمه وعنى بالضم عناية كرضى قليل، وعنى الأمر... باب (علم يعلم) نزل وحدث، وقال ابن المنظور: "وشغف بالشيء شغفا على صيغة ما لم يسم فاعله أولع به، وشغف بالشيء شغفا على صيغة الفاعل قلق" وقال: وشغفه يشغفه شغفا وشغفا بسكون الغين وفتحها ولذلك (وعك الرجل) ورجل وعك ووعك وموعوك ووعكة كوعده دكه فجاء بالمبني للمعلوم وإن كان مستعملا في معنى آخر، وهزل الرجل والدابة قال في القاموس، هزل كنصر ويضم وهزل كمنع الخ فلم ترد المادة تحت ضبط واحد وهو ضم الفاء وانظر مادة (زهى علينا)، وبهت الرجل (وقد شهر في الناس).

    والكثير من الأفعال التي حصرها بعض العلماء تحت عنوان الأفعال الملازمة للبناء للمجهول ترجع إلى الأمور التي ترجع إلى اللغات مثل تعدد صورة المضارع والماضي مع اختلاف الصيغ من فعل، وفعل مع اتفاق المعنى أو اختلافه، وقد تابعت أكثر هذه الأفعال التي حصرها ابن سيدة في المخصص وثعلب في الفصيح والسيوطي في المزهر في معاجم اللغة فوجدت أنها جاءت على صيغ مختلفة بعضها استعمل كثير وأصبح هو المسموع عن أكثرهم ولكن هذا لا يجعلنا نغفل بعض الأساليب الواردة عن العرب تبعا لأحكام تتعلق ببعض الصيغ كصيغتي التعجب وصيغة أفعل التفضيل، وقد بينت آراء العلماء في هذه الأساليب، والتحقيق في هذا البحث يجعلنا نضم أصواتنا إلى أصوات العلماء الذين يحاولون إيجاد صورة مبنية للمعلوم لهذه الأفعال الملازمة للبناء للمجهول كابن درستويه ومن نحا نحوه واقتدى به الذي يعتد بأصل لهذا الفعل فهي أفعال لها أصول ليست مرفوضة وحيث أنها ليست مرفوضة فيصح مراجعتها إذا احتيج إليها وقد قال السيوطي في الأشباه والنظائر قال ابن جني: "اعلم أن الأصول المنصرف عنها إلى الفرع على ضربين [42].

    أحدهما: إذا احتيج إليه أن يراجع والآخر ما لا يمكن مراجعته لأن العرب انصرفت عنه فلم تستعمله.

    وهذه الأفعال قد استعمل أصلها الذي رفضه بعض العلماء فمراجعة الأصل لهذه الأفعال قد أثبته ابن القطاع وابن دريد وبعض اللغويين مما رجعت إلى بعضه في القاموس وغيره.. ولو كان أصلها المبني للمعلوم ممنوعا لنص عليه ابن جني في مبحث مراعاة الأصول وإهمالها ثم يقول ابن جني[43]: وإذا جاز أن تراعى الفروع فمراعاة الأصول أولى وأجدر. ولا شك أن المبني للمجهول فرع عن المبني للمعلوم فهذه الأفعال ليست ملازمة للمفعول بل هي مفتوحة الأوائل في الماضي فإذا لم يسم فاعلها فهي مضمومة الأوائل بدليل أن الاسم بعدها فاعل في المعنى لأنه هو الذي وقع منه الفعل أو قام - وفي نهاية التحقيق في هذا البحث أختم قولي بما قاله ابن درستويه:

    "عامة أهل اللغة يزعمون أن هذا الباب لا يكون إلا مضموم الأول، ولم يقولوا أنه إذا سمي فاعله جاز بغير ضم وهذا غلط منهم لأن هذه الأفعال كلها مفتوحة الأوائل في الماضي فإذا لم يسم فاعلها فهي كلها مضمومة الأوائل ولم يختص بذلك بعضها دون بعض"، وقال ابن خالويه المتوفى سنة 370 هـ في شرح الفصيح بعد أن ذكر هذه الأفعال "ومعناه أن الفعل من هذا الباب لا ينطق به على لفظ ما لم يسم فاعله وعليه فبعض المذكورات فيه نظر والصحيح ما قاله بعضهم أن بعضا لم يبن قط للفاعل وبعضها بني له أيضا لكن الفصيح بناؤه للمفعول"[44] وسبق أن عرفنا نزعته الكوفية ولا شك أن الأخذ بهذه الآراء يؤدي إلى إلغاء الأحكام الخاصة بهذه الأفعال ويبيح في الثلاثي التعجب المباشر وكذلك التفضيل المباشر ويرد لتلك الأفعال اعتبارها وحقها ويجعل شأنها شأن غيرها من باقي الأفعال التي يصح أن تبنى للمعلوم حينا وللمجهول حينا آخر على حسب مقتضيات المعنى.


    ومن ثمرة البحث:

    حكم المضارع والأمر من هذه الأفعال:

    لكن ما حكم مضارع هذه الأفعال الملازمة للبناء للمجهول وكذا الأمر منه أيكون ملازما للبناء للمجهول كالماضي؟ أم يقتصر منه على ما ورد مسموعاَ عن العرب؟

    الفيروز أبادي صاحب القاموس يعطينا رأياً قاطعاً حيث يقول في مقدمة القاموس: "هل المضارع فيها يأتي كذلك وفعل الأمر كما في قوله تعالى: {فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ} أو أن مرجعه إلى السماع، والظاهر الثاني كما يدل له قول مترجم القاموس: "حم الأمر مبني للمفعول من باب نصر فنقول في المضارع: (يحم) ومثله (جن)، ونتجت الناقة من باب ضرب فتقول: في المضارع: (تنتج)، وعقرت المرأة من باب (حسن) فنقول في المضارع: (تعقر) فلينظر في حاشيته الشهاب الخفاجي في الصافات أو شرح أدب الكاتب في باب (المبني لما لم يسم فاعله صورة) وقد قال الشهاب الخفاجي في حاشيته على البيضاوي في سورة الصافات عند قوله تعالى: {فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ}.

    الإهراع الإسراع الشديد كأنهم يزعجون على الإسراع على آثارهم وفيه إشعار بأنهم بادروا إلى ذلك عن غير توقف على نظر وبحث قال الشهابي معقباً على هذا: كأنهم يزعجون أخذه من فعل الإهراع المجهول وقال أيضاً في سورة هود {وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْه}.

    يسرعون إليه كأنهم يدفعون دفعاً لطلب الفاحشة من أضيافه.

    ثم يعقب الشهابي على هذا بقوله: ويهرعون جملة حالية والعامة على قراءته مبينا للمجهول، والإهراع الإسراع وقال الهروي هرع، وأهرع استحث، وقرأ جماعة {يَهرعُون} (بفتح الياء مبنياً للفاعل من هرع وأصله من الهرع وهو الدم الشديد السيلان كأن بعضه يدفع بعضا)َ فالمعنى على القراءتين يسوقون أو يسوق بعضهم أو يساقون بمعنى يسوقهم كبيرهم فتفسيره بيسرعون بياناً للمراد منه عليهما، وقوله كأنهم يدفعون على المجهول إشارة إلى أنه استعارة.

    ومن خلال رأي الشهابي أن المضارع من هذه الأفعال لا يخضع لصورة الماضي على البناء للمجهول فيجوز أن يبنى للفاعل.

    وانظر لقوله: والعامة على قراءته مبنياً للمجهول وقراءة بعضهم بفتح الياء..

    كل هذه النصوص ترشدنا إلى أن المضارع والأمر لا يكون على الصورة الملازمة للمجهول تبعا للماضي...

    والحمد للّه من قبل ومن بعد فإذا وقعت علي هفوة فسبحان من انفرد بالكمال وتنزه عن الشريك والمثال، وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.




    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] انظر القاموس المحيط في مقدمة تحت عنوان: (المقصد في بيان الأمور التي اختص بها القاموس) (مصدر فعل)

    [2] انظر شرح الكافية جـ 2 ص 272

    [3] انظر سيبويه جـ ا ص 15.

    [4] يقال أجنة وأجنه .. وجن عليه الليل إذا أظلم عليه وستره جنونا وجنانا وجننت الرجل وأجننته إذا وقفت (انظر كتاب فعلت وأفعلت للزجاج باب الجيم ص 135).

    [5] انظر المخصص جـ 15 ص 72 باب ما جاء من الأفعال على صيغة ما لم يسم فاعله.

    [6] انظر المخصص السفر 14 ص 176.

    [7] انظر اللسان (حبب).

    [8] انظر الكامل جـ ا ص 339 باب الرجل من بني أسد يمدح ابن حيان.

    [9] الملحوظان الفعل (حب) ط معناه الحقيقي مسند لله تعالى: على قول الرسول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك" (لأنه في معرض الحديث عن الحب).

    [10] اللب: اللازم لها لا يفارقها يقال رجل لبٌّ وامرأة لبة أي نظيفة قريبة من الناس.

    [11] انظر المزهر جـ 2 ص 235.

    [12] انظر الخصائص جـ ا ص.

    [13] انظر سيبويه جـ ا ص 15.

    [14] أبو علي الفارسي إسنادا ً ابن جني توفي سنة 377هـ.

    [15] لابن جني بحث في تدريج اللغة جـ ا ص 347 من كتاب الخصائص فانظره.

    [16] انظر شرح ابن درستويه على الفصيح 78.

    [17] انظر الخصائص جـ ا ص 372.

    [18] انظر الخصائص باب في تدريج اللغة جـ ا ص 347.

    [19] انظر الخصائص باب في تدريج اللغة جـ ا ص 369.

    [20] انظر الكافية جـ 2 ص 214 مبحث أفعل التفضيل.

    [21] انظر: التصريح جـ 2 ص 93 مبحث التعجب.

    [22] أنظر: الأشباه والنظائر ص 270 مبحث اللبس محذور.

    [23] أنظر: التصريح جـ 2 ص 101.

    [24] أنظر الصبان على الأشموني جـ 3 ص 33.

    [25] أنظر الأشموني جـ 3 ص 17- 33.

    [26] أمثال الميداني.

    [27] أمثال الميداني والقالي .

    [28] أمثال الميداني والقالي.

    [29] أمثال الميداني.

    [30] أمثال الميداني.

    [31] المرجع السابق.

    [32] شرح التسهيل.

    [33] انظر البحوث والمحاضرات لمجمع اللغة العربية سنة 1963-1964م.

    [34] انظر الأشباه والنظائر جـ ا ص 266ـ270 فقد اختصرت ما قاله هنا.

    [35] انظر سيبويه جـ ا ص 15.

    [36] انظر الخصائص جـ2 ص 214ـ217.

    [37] سوى أذنه ونصبها للاستماع.

    [38] أصلبه الكزاز وهو تشنج يصيب الإنسان من شدة البرد وتعتريه منه رعدة.

    [39] أصابه بالزكام.

    [40] وقد سبقت الإشارة إلى ذلك عند الحديث عن رأي ابن جني.

    [41] انظر الخصائص جـ ا ص 347- 356 . جـ 2 ص 118 .

    [42] أنظر: الخصائص لابن حني جـ 2 ص 347 باب فيما يراجع من الأصول مما لا يراجع.

    [43] أنظر: الخصائص جـ 2 ص 304.

    [44] أنظر: مقدمة القاموس.




    الدكتور/ مصطفى أحمد النماس

    المدرس بكلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية
    مجلة الجامعة العدد : 45


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •