دروس وعبر من سير الصحابة الكرام
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: دروس وعبر من سير الصحابة الكرام

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,078

    افتراضي دروس وعبر من سير الصحابة الكرام

    دروس وعبر من سير الصحابة الكرام - (1)

    محمد لطفي الصباغ



    إنَّ صَحابة رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - جيلٌ مِثاليٌّ، أكرَمَ الله به هذه الأمَّة، وهذا الجيل هو الذي بلَّغ الدُّنيا المعمورةَ دينَ الله، وهو الذي ثبَّت دَعائِمَه في دُنيا الواقع بعد وَفاةِ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يومَ أنِ ارتدَّ كثيرٌ من العرب، فكان أفراده أبطال حُروب الرِّدَّة وأبطال الفتوح.

    إنَّه جيلٌ يصعُب تكراره، جيلٌ ربَّاه رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فكانوا خيرَ الناس في عصرهم، وبقيَتْ آثارهم الطيِّبة بعد وَفاتهم، جيلٌ أثنَى عليهم ربهم في الكتاب الكريم، وأثنَى عليهم رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فيما صَحَّ من الحديث، فكان قرنهم خيرَ القرون.

    عن عبدالله بن مسعود -رضِي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «خيرُ الناس قرني، ثم الذين يَلُونهم، ثم الذين يَلُونهم» (رواه البخاري برقم: 2652) ، (ومسلم برقم: 2533) ، (والترمذي برقم: 3859) ، (وابن ماجه برقم: 2362).
    لقد كانوا مُلهَمين مُسدَّدين، وكانوا مجاهدين صادِقين، وكانوا عُلَماء مُصطفين، وكانوا دُعاةً مُوفَّقين.
    أين نجدُ في تاريخنا وتاريخ أُمَمِ الدنيا أمثالَ أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي وسعد وسعيد والزبير وأبي عبيدة وعبدالرحمن بن عوف وطلحة وغيرهم؟


    أين نجدُ أمثالَهم في التاريخ القديم وفي التاريخ الحديث؟

    ألا يحقُّ لنا -نحن المسلمين- أنْ نفتَخِر بهؤلاء الأبطال العظماء -رضي الله عنهم أجمعين- وإنِّي أرى أنَّ من الواجب على الدعاة إلى الله أنْ يعرضوا سير هؤلاء الرجال الأفذاذ بطريقةٍ جذَّابة، وبأسلوبٍ مُؤثِّر، وأنْ يعرضوها على الأجيال الناشئة من المسلمين؛ ليكونوا لهم قدوةً وأسوةً حسنة.
    بل أنْ يعرضوها على الأمم بلغاتها المختلفة، وهذا من أيسر حُقوقهم علينا -رضي الله عنهم وأرضاهم- وهناك جهودٌ مشكورة في هذا المجال قام بها بعضُ أهل العلم في القديم والحديث، ولكنَّنا نريدُ منها المزيدَ بأساليب جديدة نثرًا وشعرًا وقصَّة.
    ويُؤسِفني أنْ أُقرِّر أنَّ هناك ناسًا مجرمين خُبَثاء يدَّعون أنهم مسلمون محبُّون لآل البيت، وهم أبعَدُ ما يكونون عن الإسلام والأمانة التي دعا المسلمين إلى الاتِّصاف بها، وأبعد ما يكونون عن أخْلاق الإسلام، لقد جعَلُوا همَّهم الهجوم الظالم بالأكاذيب والافتراءات الباطلة على أولئك الصَّحْبِ الكرام البرَرَة، الطائفة المباركة الميمونة التي كانت زاخرةً بالأئمَّة الهداة والفرسان والعبَّاد وبالآمِرين بالمعروف الناهين عن المنكر، على هؤلاء المعتدين من الله ما يستحقُّون!
    والحق أنَّ هؤلاء المجرمين لا يريدون النَّيْلَ من ذاك الجيل العظيم فقط، بل يريدون من وَراء ذلك هدمَ الدِّين الإسلامي العظيم.
    ولكنَّهم لن يصلوا إلى مُرادهم؛ فإنَّ الله -تعالى- تولَّى حِفظ هذا الدِّين؛ قال -تعالى- {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} [الحجر: 9].
    وقال -سبحانه-: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30].
    لقد اتَّهم هؤلاء المجرمون الصَّحابة -رضوان الله عليهم- بالكُفر بعد وَفاة النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-: {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16]، {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} [الكهف: 5].
    إنَّ هذا الاتِّهام جريمةٌ كبرى؛ إذ فيه اتِّهامٌ للنبي المربِّي الأعظم يتَّهِمونه بأنَّه لم يُحسِن التربية، كيف يربِّي قومًا زمنًا طويلاً ثم عندما سمعوا بوَفاته ارتدُّوا على أعقابهم كفارًا، كفروا عن بَكْرةِ أبيهم إلا نفرًا قليلاً؟!
    كيف يَرضَى مسلم أنْ يُسِيء إلى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- بهذه القولة الظالمة الفاجرة الكاذبة؟!
    كيف يرضى مسلم أنْ يُسِيء إلى زوجاته -صلَّى الله عليه وسلَّم- الطاهرات أمَّهات المؤمنين؟ رضِي الله عنهنَّ وأرضاهنَّ.
    إنَّ هؤلاء الذين يقفون هذا الموقف الخسيس من الصحابة ومن أمَّهات المؤمنين قومٌ هدَّامون، يجبُ أنْ تعرف الأمَّة حقيقتهم ومَقاصدهم، وأنْ تحذَرَ كيدهم ومَكرَهم.
    إنَّهم يلعَنُون الصحابة، قاتَلهُم الله أنَّى يُؤفَكون، ولا سيَّما الشيخان -رضي الله عنهما- بل إنهم يُمجِّدون المجوسي قاتِل سيدنا عمر أمير المؤمنين، وبلغَنِي أنهم أقاموا له مَقامًا في إيران تعظيمًا له.
    وقد تفاقَمَ خطَرُهم الآن في بلاد أهل السُّنَّة في العراق والشام ولبنان.
    نسأل الله أنْ يدفَع شرَّهم عن المسلمين.


    وللحديث صلةٌ، والحمدُ لله ربِّ العالمين.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,078

    افتراضي رد: دروس وعبر من سير الصحابة الكرام


    دروس وعبر من سير الصحابة الكرام - (2)

    محمد لطفي الصباغ


    هذه الحلقةُ الثانية من الدُّروس والعِبَرِ التي نَقِفُ عليها من سِيَرِ الصحابة -رضوانُ الله عليهم- وسأُورِدُ في هذه الحلقات أخبارَ بعضِ الصحابة العَطِرَة التي نَلمَس فيها الإيمانَ العميق الراسِخ، وحُبَّ الله -سبحانه- وحبَّ رسوله -صلى الله عليه وسلم- والتي يظهَرُ فيها ثَباتهم على الحقِّ في مختلف الظُّروف، وقِيامهم بالعمل الصالح، وإيثار ما عندَ الله على مَتاع الحياة الدُّنيا وعلى الأهل والمال والوطَن ونحو ذلك.

    سأُورِدُ بعضَ هذه الأخبار -وما أكثَرَها!- ليَأخُذ مَن يَطَّلعُ عليها من جِيلنا الدُّروسَ والعِبَر، وليَعرِف مَن يطَّلع عليها فضلَهم العظيم، وليسيرَ على طريقهم الذي هو طريق الإسلام.

    وقبلَ ذلك أُورِد تعريفَ (الصحابي) عند أهل السُّنَّة والجماعة، وأُبيِّن أنَّ الصحابة درجاتٌ؛ فهم -رضِي الله عنهم وأرضاهم- ليسوا سواءً.
    وفي ذلك كلِّه بيانٌ لفضلهم وتقريرٌ لمكانتهم.
    إنهم -جميعًا- عدولٌ بتزكية الله -تبارك وتعالى- لهم؛ كما جاء في كتاب الله - تعالى
    وصُحبة هذا النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- شرفٌ عظيم، ومَنقَبةٌ عُظمَى، أكرم الله بها هذا النَّفَرَ الكريم المحظوظ، على نحوٍ لم يحظَ بها آخَرون.

    كما يودُّ المسلم الصادق الذي لم يلقَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لو أنَّه أدرَك ذاك العَصر؛ فكان خادِمًا لهذا النبيِّ الكريم، يعيشُ معه -صلى الله عليه وسلم- ويَشهَدُ تنزُّل الوحي عليه، ويشهَد هذا المستوى الرفيع من الأخلاق والمعاملة التي كان عليها رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم.

    هنيئًا للصحابة الكرام ذلك الشَّرَف العظيم الذي حازوه، وكانوا له أهلاً.
    فقد قاموا بأداء الأمانة، وكانوا مُسارِعين إلى طاعة الله ورسوله، مُمتَثِلين قولَ الله -تبارك وتعالى-: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133].

    وكانوا مُسابِقين إلى طلَب المغفرة من الله والجنَّة، ممتثِلين أمرَ الله: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } [الحديد: 21].

    يَدُلُّ على ذلك طاعتُهم أمرَ الله في اجتناب الخمر لَمَّا نزَل قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون} [المائدة: 90- 91]، فقالوا: انتهينا يا رب، انتهينا يا رب؛ [انظر: "مسند أحمد" 1/53 و2/351، و"سنن أبي داود" برقم 3670، و"سنن النسائي" 8/286-287 و"جامع الترمذي" برقم 3050].

    وتذكُر كتب السنَّة أنهم سارَعوا إلى إهراق ما في بُيوتهم من دِنان الخمر حتى جرتْ بها سِكَكُ المدينة؛ [انظر: "صحيح البخاري" برقم 4611، 4620].

    وقد أراد رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أنْ يُدخِل السُّرور على أمثالنا ممَّن لم يُتَحْ لهم شرفُ الصُّحبة بسبب مُرور الزمان، فجعَل المسلمين كلَّهم إخوانه؛ كما جاء في حديث أبي هريرة الذي أخرَجَه مسلمٌ برقم 249، وابن ماجه برقم 4306، وهو حديثٌ جميلٌ قائمٌ على الحوار؛ عن أبي هُرَيرة -رضِي الله عنه- أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دخَل المقبرة فقال: «السلامُ عليكُم دارَ قومٍ مؤمنين، وإنَّا -إنْ شاء الله- بكم لاحِقون، وَدِدت أنَّا رأينا إخواننا»، قالوا: أوَلَسْنا إخوانَك؟! قال: «أنتم أصْحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعدُ».

    قالوا: كيف تعرفُ مَن لم يأتِ بعدُ من أمَّتك يا رسول الله؟
    فقال: «أرأيت لو أنَّ رجلاً له خيلٌ غرٌّ محجَّلة بين ظَهراني خيلٍ دُهمٍ بُهمٍ، ألا يعرف خيلَه» ؟.
    قالوا: بلى يا رسولَ الله.
    قال: «فإنهم يَأتُون غُرًّا محجَّلين من الوضُوءِ...» الحديث.
    وهذا شرفٌ لِمَن رُزِقَ ذلك، جعَلَنا الله منهم.


    للكلام صلةٌ



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,078

    افتراضي رد: دروس وعبر من سير الصحابة الكرام

    دروس وعبر من سير الصحابة الكرام - (3)

    محمد لطفي الصباغ


    تعريف الصحابي: هو مَن لَقِيَ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- مؤمنًا به ومات على الإسلام.



    فيدخُل في هذا التعريفِ مَن لقيه وطالتْ مجالستُه له، ومَن قصُرت مجالستُه له، ومَن روى عنه ومَن لم يروِ عنه، ومَن غَزا معه ومَن لم يغزُ معه، ومَن رآه رؤيةً ولو لم يجالسْه، وكذلك مَن لم يرَهُ لعارضٍ كالعمى.

    الصحابة درجات:

    أفضَلُهم العشرة المبشَّرون بالجنَّة، وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدون الأربعة: أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعلي، وهم في الفضل بهذا الترتيب.

    وبقيَّة العشرة معروفون، وهم: أبو عبيدة، وعبدالرحمن بن عوف، وسعد، وسعيد، وطلحة، والزبير - رضي الله عنهم أجمعين.


    مكانة الصحابة:

    إنَّ مكانتهم -رضي الله عنهم- مكانةٌ كبيرة جدًّا عندنا نحن المسلمين، لقد كُنَّا نعيشُ قبلَ الإسلام على هامش التاريخ، لا يدري بنا العالم، نعيشُ هُمومنا وحُروبنا ومَآسينا التي تحدَّثنا عنها آنفًا، فلمَّا جاء الإسلام وأسلَمْنا دخَلْنا التاريخ من أوسع أبوابه بهؤلاء القوم الكرام بقِيادة سيِّدنا محمد بن عبدالله - صلواتُ الله وسلامُه عليه - فحرَّرْنا الشُّعوب، ونشَرْنا التوحيد، وحقَّقنا العَدالة، وقضَيْنا على الشِّرك والوثنيَّة والخُرافة، وأنصَفْنا المظلوم.


    إنهم أبطالنا ومُعلِّمونا وهُداتنا -رضي الله عنهم وأرضاهم.


    إنَّ مكانتهم عاليةٌ، يدلُّ على ذلك أمران؛ هما: نصوص دينيَّة، ووقائع التاريخ التي تذكُر جِهادهم وسُلوكهم.
    1- فالنُّصوص الدِّينيَّة التي تُثنِي عليهم وتَذكُر فضلَهم في الكتاب والسُّنَّة- كثيرة، فمن ذلك ما أثنى الله -تبارك وتعالى- عليهم في مواضعَ من كتابه الكريم؛ لقد ذكر الله -تبارك وتعالى- أنَّه رضي عنهم، وأنزَل السكينة عليهم؛ قال -تعالى-: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18].

    وأثنى عليهم مَرَّةً أخرى فذكَر -سبحانه- أنَّه رضي عنهم وأنهم رَضُوا عنه؛ فقال -تعالى-: {وَالسَّابِقُون الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100].
    ووصفَهُم -تبارك وتعالى- بأنهم يَنصُرون الله ورسوله، وأنهم هم الصادقون؛ فقال -جلَّ جلاله-: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8].

    ومن ذلك ما جاء في السُّنَّة المطهَّرة في ذِكر فَضلِهم وعلوِّ منزلتهم -رضي الله عنهم- فقد ذكَر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أنهم في منزلةٍ عالية لا يستطيع أنْ يَبلُغَها أحدٌ من غيرهم، ونهى عن سبِّهم، فقال: «لا تسبُّوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أنفَقَ أحدُكم مِثْلَ أُحدٍ ذهبًا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه»؛ (رواه البخاري برقم: 3673) ، (ومسلم برقم: 2540)، (وأبو داود برقم: 4658)، (والترمذي: 3861) ، (وابن ماجه برقم: 161).

    2- والأمر الثاني هو جهادهم في سبيل الله باللسان والبيان، وبالسيف والسِّنان، وبذْلهم أموالَهم وأرواحَهم في سبيل الله، وقيامهم بنُصرة دِين الله ونشْره في رُبوع الدُّنيا، وأخلاقهم الكريمة من الصِّدق والإخلاص، والجُرأة والإقدام، والصَّدع بالحق لا يخافون في الله لومةَ لائم، والأمانة والحكمة، والصبر والرحمة، والبر والتعاون، والنصح لإخوانهم، وغير ذلك من مكارم الأخلاق.


    وهذا الذي يَحكِيه تاريخُهم الأغرُّ -رضي الله عنهم وأرضاهم.

    إنهم جيلٌ فريدٌ لم يظهر بعدَه جيلٌ مثلُه، وهو جيلٌ مميَّز في تاريخ الإسلام كله؛ وذلك -والله أعلم- أنَّ رسالة الإسلام الخاتمة لا بُدَّ لها من رجالٍ يحملونها، فقضتْ حكمةُ الله -تبارك وتعالى- أنْ يكون هذا الجيل على المستوى العالي الذي صاغَه الله -تبارك وتعالى- وهيَّأ الأسباب لتكوينه؛ كان ذلك ليَنشُروا دِينَ الله، وليكونوا لمن بعدهم أسوةً، ويكونوا قُدوةً لمن يدعونهم.

    لقد أُتِيحَتْ لهم مُصاحَبة النبيِّ العظيم -صلى الله عليه وسلم- وتلقِّي وحي الله منه -صلى الله عليه وسلم- مباشرةً بلا واسطة، وهذا شرفٌ عظيم، وأُتِيح لهم تعليمُه -صلى الله عليه وسلم- إيَّاهم أركانَ دِينهم وأحكامه قولاً وعملاً، وأُتِيحت لهم مشاركتُهم رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- في غَزواته ونشْر الإسلام - رضي الله عنهم وأرضاهم.


    والله وليُّ التوفيق.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •