حكم سؤال المقبور الشفاعة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: حكم سؤال المقبور الشفاعة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    12,986

    افتراضي حكم سؤال المقبور الشفاعة

    حكم سؤال المقبور الشفاعة (1)



    سالم بن سعيد المقبالي



    الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، كالمبتدعة والمشركين ؛ والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين ، وعلى آله وصحبه والتابعين .

    أما بعد ...

    فهذا بحث في حكم مسألة وهي : أن يسأل الحي ميتا بحضرة قبره بأن يدعو الله له ، أو يسأل الله له ؛ فقد ذهب بعض العلماء إلى أن هذا السؤال بدعةٌ ولا يصل إلى الشرك الأكبر ، وإنما هو وسيلةٌ إليه ، ونُسِبَ هذا القول لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .

    وقد تبين لي من خلال الدراسة أن هذه الصورة شرك أكبر ، وأن نسبة هذا القول لشيخ الإسلام غير صحيحة.

    وقبل الدخول في صلب الموضوع ينبغي التنبيه على أمور :

    أولاً : لا خلاف أن هذا الفعل مبتدع ومحرم غير مشروع ، وإنما النزاع في كون هذه الصورة شركاً أكبر أم لا .

    يقول شيخ الإسلام رحمه الله(1) : ( وأيضا فإن طلب شفاعته ، ودعائه ، واستغفاره بعد موته ، وعند قبره ، ليس مشروعاً عند أحد من أئمة المسلمين ، ولا ذكر هذا أحد من الأئمة الأربعة ، وأصحابهم القدماء ) .

    ثانياً : لا خلاف أيضاً ، أن سؤال الحي للمقبور بأن يدعو الله له ونحوه ، وهو غائب أو بعيد عن القبر ،أنه شرك أكبر .

    يقول الشيخ السهسواني رحمه الله(2) : ( وإن كان ذلك المدعو حياً غير حاضر ، أو ميتاً وينادى من مكان بعيد من القبر ، فهذا أيضاً شرك ، فإن فيه إثبات علم الغيب لغير الله تعالى ، وهو من الصفات المختصة به تعالى ) .

    ويقول الشيخ بكر أبوزيد رحمه الله(3): ( سؤال حي لميت ، وهو غائب عن قبره ، بأن يدعو الله له . وهذا النوع لا يختلف المسلمون بأنه شرك أكبر ، وأنه من جنس شرك النصارى في مريم وابنها – عليهما السلام – بدعائهما ، وأنهما يعلمان ما يفعله العباد حسب مزاعم النصارى ) .

    ثالثاً : ثبت أن بعض الصحابة طلبوا من رسول الله صلى الله عليه أن يدعو لهم في حياته ، وهو معنى أن يشفع لهم ، وأما بعد موته ، فأهل السنة مجمعون على أمرين :

    الأول : عدم مشروعية طلب الشفاعة ( الدعاء ) منه في قبره .

    الثاني : أن للنبي صلى الله عليه وسلم أنواعا من الشفاعات ، ولم يذكروا منها طلبها منه في قبر .

    رابعاً : أن دعاء العبادة ودعاء المسألة متلازمان ، فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة ، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة .

    قال شيخ الإسلام رحمه الله(4) : ( ولفظ الدعاء في القرآن يتناول هذا وهذا ، الدعاء بمعنى العبادة ، أو الدعاء بمعنى المسألة ، وإن كان كل منهما يستلزم الآخر ) .

    خامسا : ينبغي لمن أراد نسبة قول لعالم في مسألة معينة ، أن يجمع كلام هذا العالم في هذه المسألة المراد بحثها في جميع مواردها من كتبه ، حتى يتضح قوله ويتبين مراده ، وحتى لا ينسب إليه ما لا يعتقده ، خصوصا إذا كان هذا العالم معروفا بكثرة التأليف ، وتنوع عباراته العلمية ، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .

    ( الفصل الأول )

    ( سؤال الحي للميت بحضرة قبره شرك أكبر)

    وبيانه من وجوه :

    الأول : أن سؤال الحي للميت وطلبه منه أن يدعو الله له ، هو حقيقة الدعاء لغة وشرعا ، من حيث إنه سأل وطلب ، والسؤال والطلب دعاء ، والدعاء عبادة ، وصرف العبادة لغير الله شرك ؛

    قال الشيخ عبدالرحمن بن حسن رحمه الله(5) : ( وأكثر ما يستعمل الدعاء في الكتاب والسنة واللغة ولسان الصحابة ومن بعدهم من العلماء في السؤال والطلب ) ؛

    وقال(6) : ( فمن جحد كون السؤال والطلب عبادة فقد صادم النصوص وخالف اللغة واستعمال الأمة سلفا وخلفا ) .

    وسيأتي في كلام شيخ الإسلام ما يؤكد هذه الحقيقة ، حيث إنه في كثير من المواضع وهو يتكلم عن دعاء غير الله يذكر هذه الصورة التي هي محل البحث .

    الثاني : إذا تقررت المقدمة الأولى ، فإن هذا السؤال والطلب ، داخل في عموم النصوص الدالة على النهي عن دعاء غير الله ، وأن من فعل ذلك فقد أشرك بربه ، كقوله تعالى : { ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعآءِهم غافلون ، وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآءً وكانوا بعبادتهم كافرين } ، وقوله عز وجل : { والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ، إن تدعوهم لا يسمعوا دعآءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير } .

    الثالث : على تقرير أن دعاء العبادة ودعاء المسألة متلازمان ، وأن هذا السؤال والطلب من دعاء المسألة ، فعليه يكون طلبه من الميت كفراً وشركاً .

    الرابع : أن حقيقة هذا السؤال والطلب ( الدعاء )، هو طلب شفاعة هذا المقبور عند الله لمن سأله الدعاء ، وهذه هي عقيدة المشركين ؛

    يقول شيخ الإسلام رحمه الله(7) : (لكن هذا الاستسقاء والاستشفاع والتوسل به وبغيره كان يكون في حياته بمعنى أنهم يطلبون منه الدعاء فيدعو لهم فكان توسلهم بدعائه والاستشفاع به طلب شفاعته والشفاعة دعاء ) ؛

    ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله(8) : ( وكل من أعان غيره على أمر بقوله أو فعله فقد صار شفيعا له والشفاعة للمشفوع هذا أصلها فإن الشافع يشفع لصاحب الحاجة فيصير له شفعا في قضائها لعجزه عن الاستقلال بها ) ؛

    قال مقيده :وهذه الأمور التي ذكرها ابن القيم - ويدخل فيها أيضاً طلب الدعاء – مشروع طلبها من الحي الحاضر القادر عليها ، أما الميت فلا يشرع سؤاله شيئاً ؛

    ومما يوضح أن هذه الصورة من جنس الشفاعة الشركية ، أنه لو سئل لماذا تدعو المقبور أن يدعو لك ؟ لماذا لا تدعو الله مباشرة ؟ فلن يكون جوابه زائداً على قوله : أنا أسأله لكونه أقرب إلى الله مني ، ليشفع لي في ما أريد .

    والشفاعة ملك لله تعالى ، ولا تكون إلا بشرطين : إذن الله للشافع أن يشفع ، ورضاه عن المشفوع فيه ، فمن سأل ميتاً أن يدعوا الله له أو نحو ذلك ، فقد سأل هذا الميت الشفاعة ، وسؤال الشفاعة على هذا النحو غير مأذون فيه شرعاً ، وعليه يكون السائل قد سأل ما لا يقدر عليه الميت ، وهذا هو الشرك ، وهو داخل في قوله تعالى عن المشركين : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى }.

    الخامس : أن هذا الداعي لم يسأل هذا الميت إلا لاعتقادٍ فيه أنه قادر على الفعل وإجابة من سأله ، وإلا لما قصده ، وهذا الاعتقاد شرك ؛

    يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله(9)، في القسم الثالث من أقسام دعاء المخلوق : ( أن تدعو مخلوقاً ميتاً ، لا يجيب بالوسائل الحسية المعلومة ، فهذا شرك أكبر أيضاً ، لأنه لا يدعو من كان هذا حاله حتى يعتقد أن له تصرفاً خفياً في الكون ).

    السادس : أن من لازم هذا السؤال والطلب ( الدعاء ) أن يكون هذا السائل راغبا راجيا ، فيه من الذل والافتقار والخضوع بحسبه ، لا ينفك عن ذلك ، وهذه عبادات قلبية لا تصرف إلا لله وحده ، وصرفها لغير الله شرك أكبر ؛

    يقول الإمام ابن القيم رحمه الله(10): ( فإن عباد القبور يقصدونها مع التعظيم والاحترام والخشوع ورقة القلب ، والعكوف بالهمة على الموتى ، بما لا يفعلونه في المساجد ولا يحصل لهم فيها نظيره ولا قريب منه ) ،

    ويقول الشيخ حمد بن ناصر بن معمر رحمه الله(11): ( لا يتصور أن يخلو داع لله دعاء عبادة أو دعاء مسألة من الرغب والرهب والخوف والطمع له ) .

    السابع : يلزم على القول بأن هذه الصورة بدعة فقط ، لوازم باطلة ، منها : أن يطلب الحي – لا من الميت – بل من أحياءَ وهم الملائكة أن يدعوا الله له ؛

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله(12): ( فالملائكة يستغفرون للمؤمنين من غير أن يسألهم أحد ، وكذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأنبياء والصالحين يدعو ويشفع للأخيار من أمته ، هو من هذا الجنس ، هم يفعلون ما أَذن الله لهم فيه بدون سؤال أحد ، وإذا لم يشرع دعاء الملائكة ، لم يشرع دعاء من مات من الأنبياء والصالحين ، ولا أن نطلب منهم الدعاء والشفاعة ، وإن كانوا يدعون ويشفعون ، لوجهين :

    أحدهما : أن ما أمر الله به من ذلك هم يفعلونه وإن لم يطلب منهم ، وما لم يؤمروا به لا يفعلونه ولو طلب منهم ، فلا فائدة في الطلب منهم .


    الثاني : أن دعاءهم وطلب الشفاعة منهم في هذه الحال يفضي إلى الشرك بهم ، ففيه هذه المفسدة ، فلو قدر أن فيه مصلحة لكانت هذه المفسدة راجحة ، فكيف ولا مصلحة فيه ، بخلاف الطلب منهم في حياتهم وحضورهم ، فإنه لا مفسدة فيه ، فإنهم ينهون عن الشرك بهم ) ،


    وقال رحمه الله(13): ( قال طائفة من السلف : كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء ، فقال الله تعالى : هؤلاء الذين تدعونهم هم عبادي كما أنتم عبادي ، يرجون رحمتي كما ترجون رحمتي ، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي ، ويتقربون إليّ كما تتقربون إليّ ، فنهى سبحانه عن دعاء الملائكة والأنبياء مع إخباره لنا أن الملائكة يدعون لنا ويستغفرون ، ومع هذا فليس لنا أن نطلب ذلك منهم ، وكذلك الأنبياء والصالحون وإن كانوا أحياء في قبورهم ، وإن قدر أنهم يدعون للأحياء ، وإن وردت به آثار ، فليس لأحد أن يطلب منهم ذلك ، ولم يفعل ذلك أحد من السلف ، لأن ذلك ذريعة إلى الشرك بهم وعبادتهم من دون الله ، بخلاف الطلب من أحدهم في حياته ، فإنه لا يفضي إلى الشرك ، ولأن ما تفعله الملائكة ويفعله الأنبياء والصالحون بعد الموت هو بالأمر الكوني ، فلا يؤثر فيه سؤال السائلين ، بخلاف سؤال أحدهم في حياته ، فإنه يشرع إجابة السائل ، وبعد الموت انقطع التكليف عنهم ) ؛

    ومن اللوازم الباطلة أيضاً – وهي الطامة الكبرى - : أن يُسأل المقبور سؤالاً مباشراً على جهة الاستقلال ؛

    يقول الإمام ابن القيم رحمه الله(14): ( والمقصود : أن الشيطان بلطف كيده يحسن الدعاء عند القبر ، وأنه أرجح منه في بيته ومسجده ، وأوقات السحر ، فإذا تقرر ذلك عنده ، نقله درجة أخرى من الدعاء عنده إلى الدعاء به ، والإقسام على الله به ، وهذا أعظم من الذي قبله ؛ فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه ، أو يُسأل بأحد من خلقه ، وقد أنكر أئمة الإسلام ذلك ؛... فإذا قرر الشيطان عنده أن الإقسام على الله به ، والدعاء به أبلغ في تعظيمه واحترامه ، وأنجع في قضاء حاجته ؛ نقله درجة أخرى إلى دعائه بنفسه من دون الله ، ثم ينقله بعد ذلك درجة أخرى إلى أن يتخذ قبره وثناً ، يعكف عليه ، ويوقد عليه القنديل ، ويعلق عليه الستور ، ويبني عليه المسجد ، ويعبده بالسجود له ، والطواف به ، وتقبيله واستلامه ، والحج إليه ، والذبح عنده ، ثم ينقله درجة أخرى إلى دعاء الناس إلى عبادته ، واتخاذه عيداً ومنسكاً ، وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم ) .








    (1) التوسل والوسيلة (160) ، ط : مكتبة الفرقان .

    (2) صيانة الإنسان (238).

    (3) تصحيح الدعاء (250).

    (4) اقتضاء الصراط المستقيم (2/312).

    (5) فتح المجيد (204) .

    (6) الرجع السابق (206).

    (7) التوسل (274).

    (8) روضة المحبين (429) .

    (9) القول المفيد(1/260).

    (10) إغاثة اللهفان(1/370).

    (11) الدرر السنية(11/11).

    (12) التوسل (53-54).

    (13) الفتاوى (1/331).
    (14) إغاثة اللهفان (1/396-398).



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    12,986

    افتراضي رد: حكم سؤال المقبور الشفاعة

    حكم سؤال المقبور الشفاعة (2)
    سالم بن سعيد المقبالي




    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
    فهذا الفصل الثاني وهو تتمة للمقال السابق:
    الفصل الثاني: تحقيق نسبة هذه المقالة لشيخ الإسلام - رحمه الله -
    وبيان ذلك في قسمين:
    القسم الأول: أن وصف الشيخ لهذه الصورة بالبدعة، لا يعارض كونها شركاً أكبر، وهو كلام مستقيم، وبيانه في ثلاثة أمور:
    الأمر الأول: أن البدعة هي: كل ما أحدث في الدين مما ليس منه، ولا نزاع أن هذه المسألة من البدع باعتبار المعنى اللغوي والشرعي للبدعة، وعليه يحمل كلام الشيخ، خصوصا وأنه قد استعمل هذا الوصف في الشرك الأكبر في مواضع من كتبه، منها:
    قوله - رحمه الله - في رده على البكري(1): "وإذا كان كذلك، فما قال هذا المفتري وأمثاله هو بدعة لم تشرعها الرسل".
    وقال(2): "ومن هنا أدخل أهل النفاق في الإسلام ما أدخلوه، فإن الذي ابتدع دين الرافضة كان زنديقاً يهودياً"
    وقال(3): "وابتدعوا الشرك المنافي للتوحيد".
    وقال(4): "وهذه الأمور ونحوها، هي من الزيارة البدعية، وهي من جنس دين النصارى والمشركين، وهو أن يكون قصد الزائر أن يستجاب دعاؤه عند القبر، أو أن يدعو الميت ويستغيث به، ويطلب منه، أو يقسم به على الله في طلب حاجاته وتفريج كرباته، فهذه كلها من البدع التي لم يشرعها النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا فعلها أصحابه".
    وقال(5): "فإن دعاء الملائكة والأنبياء بعد موتهم وفي مغيبهم، وسؤالهم والاستغاثة بهم، والاستشفاع بهم في هذه الحال، ونصب تماثيلهم، بمعنى طلب الشفاعة منهم، هو من الدين الذي لم يشرعه الله، ولا ابتعث به رسولاً، ولا أنزل به كتاباً، وليس هو واجباً ولا مستحباً باتفاق المسلمين، ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا أمر به إمام من أئمة المسلمين، وإن كان ذلك مما يفعله كثير من الناس ممن له عبادة وزهد، ويذكرون فيه حكايات ومنامات، فهذا كله من الشيطان، وفيهم من ينظم القصائد في دعاء الميت والاستشفاع به والاستغاثة، أو يذكر ذلك في ضمن مديح الأنبياء والصالحين، فهذا كله ليس بمشروع، ولا واجب ولا مستحب باتفاق أئمة المسلمين، ومن تعبد بعبادة ليست واجبة ولا مستحبة وهو يعتقدها واجبة أو مستحبة، فهو ضال مبتدع بدعة سيئة لا بدعة حسنة باتفاق أئمة الدين، فإن الله لا يعبد إلا بما هو واجب أو مستحب".
    وقال(6): "وكان أصحابه يبتلون بأنواع البلاء بعد موته، فتارة بالجدب، وتارة بنقص الرزق، وتارة بالخوف وقوة العدو، وتارة بالذنوب والمعاصي، ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا قبر الخليل ولا قبر أحد من الأنبياء فيقول: نشكو إليك جدب الزمان، أو قوة العدو، أو كثرة الذنوب، ولا يقول: سل الله لنا أو لأمتك أن يرزقهم، أو ينصرهم، أو يغفر لهم، بل هذا وما يشبهه من البدع المحدثة التي لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين، فليست واجبة ولا مستحبة باتفاق أئمة المسلمين، وكل بدعة ليست واجبة ولا مستحبة فهي بدعة سيئة، وهي ضلالة باتفاق المسلمين".
    وقال(7): "واتفق أيضاً أئمة المسلمين على أنه لا يشرع لأحد أن يدعو ميتاً ولا غائباً، فلا يدعوه ولا يسأله حاجة، ولا يقول: اغفر لي ذنبي وانصر ديني وانصرني على عدوي أو غير ذلك من المسائل ولا يشتكي إليه ولا يستجير به كما يفعله النصارى بمن يصورون التماثيل على صورته، ويقولون: مقصودنا دعاء أصحاب التماثيل والاستشفاع بهم، فمثل هذا ليس مشروعاً: لا واجباً ولا مستحباً في دين المسلمين باتفاق المسلمين ومن فعل ذلك معتقداً أنه يستحب فهو ضال مبتدع".
    وقال(8): "والشرك بدعة".
    قال مقيده: فاستعمال الشيخ لمصطلح البدعة في ما هو كفر وشرك جارٍ على مقتضى اللغة والشرع، فلا إشكال فيه.
    الأمر الثاني: أن البدع تنقسم إلى قسمين: بدع مكفرة، وبدع غير مكفرة، وكلام الشيخ محمول على القسم الأول.
    الأمر الثالث: أن أهل السنة مجمعون أن للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنواعا من الشفاعات، ولم يذكروا منها سؤاله إياها في قبره، فهي بدعة باعتبار إحداثها بعد القرون الفاضلة، وأول من أحدث بدع القبور ونشرها، ومنها: سؤال المقبورين هم العبيديون.
    يقول شيخ الإسلام - رحمه الله - (9): "وإنما حدثت هذه المشاهد بعد القرون المفضلة التي أثنى عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - القرن الذي بعث فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، وإنما انتشرت في دولة بني بويه ونحوهم من أهل البدع والجهل".
    القسم الثاني: وفيه نصوص شيخ الإسلام الدالةِ على أن هذه الصورة المذكورة شركٌ أكبر:
    قال في كلامه عن مراتب دعاء المخلوق(10): "أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين: ادع الله لي، أو ادع لنا ربك، أو اسأل الله لنا، كما تقول النصارى لمريم وغيرها، فهذا أيضا لا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من سلف الأمة".
    وقال(11): "وإن قلت هذا إذا دعا الله أجاب دعاءه أعظم مما يجيبه إذا دعوته، فهذا هو القسم الثاني: وهو: ألا تطلب منه الفعل ولا تدعوه، ولكن تطلب أن يدعو الله لك، كما تقول للحي ادع لي، وكما كان الصحابة رضوان الله عليهم يطلبون من النبي صلى الله عليه الدعاء، فهذا مشروع في الحي كما تقدم، وأما الميت من الأنبياء والصالحين وغيرهم، فلم يشرع لنا أن نقول: ادع لنا، ولا اسأل لنا ربك، ولم يفعل هذا أحد من الصحابة والتابعين، ولا أمر به أحد من الأئمة، ولا ورد فيه حديث، بل الذي ثبت في الصحيح أنهم لما أجدبوا زمن عمر - رضي الله عنه - استسقى بالعباس وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون، ولم يجيئوا إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - قائلين: يا رسول الله ادع الله لنا واستسق لنا ونحن نشكوا إليك مما أصابنا ونحو ذلك، لم يفعل ذلك أحد من الصحابة قط، بل هو بدعة ما أنزل الله بها من سلطان".
    قال مقيده: هذان النقلان هما ما اعتمده القائلون بأن سؤال الحي للميت بحضرة قبره بأن يدعو الله له، أو يسأل الله له، بدعة فقط وليست شركا أكبر، وليس فيهما ما يدل على ذلك، بل كلامه ظاهر في أن هذه الصورة شرك وكفر، وبيان ذلك من وجوه:
    الأول: تقدم أن الشيخ يستعمل مصطلح البدعة فيما هو شرك وكفر، كما سبق، وكما في هذين النصين، فلا إشكال.
    الثاني: أن كلام الشيخ عام في كل ميت، لم يفرق بين سؤاله بحضرة القبر، أو وهو بعيد عن القبر، وله من النصوص في إثبات ذلك كثير، والمنازعون يفرقون بين الصورتين، فالأولى بدعة والثانية شرك أكبر، مع أن النص الذي اعتمدوه واحد ن فأين هذا التفريق في كلام الشيخ؟.
    يقول - رحمه الله -(12): "وهذا المقام مما يظهر به ضلال هؤلاء المشركين خلقا وأمرا، فإنهم مطالبون بالأدلة الشرعية على أن الله شرع لخلقه أن يسألوا ميتا أو غائبا أو يستغيثوا به، سواء كان ذلك عند قبره، أو لم يكن عند قبره، وهم لا يقدرون على ذلك".
    وفيه(13): "ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد موته ولا بغيره من الأنبياء، لا عند قبورهم ولا إذا بعدوا عنها".
    ويقول(14): "وهذا ونحوه مما يبين أن الذين يدعون الأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم وغير قبورهم من المشركين الذين يدعون غير الله"؛ قال مقيده: فالشيخ لا يفرق بين سؤال الميت بحضرة قبره أو وهو بعيد عن القبر، وعليه يلزمهم تعميم الحكم بالبدعة على كلتا الحالتين وهم لا يقولون بذلك.
    الثالث: أن الشيخ قرن الغائب بالميت في الحكم بالبدعة على هذا الفعل، وقد سبق أنه لا خلاف أن سؤال الغائب شرك أكبر، فيلزم من قال بأن سؤال الحي للميت بحضرة القبر بدعة فقط معتمدا على هذا النقل في قوله، وفي نسبته لشيخ الإسلام، أن يكون دعاء الغائب بدعةً أيضاً وليس بشرك عنده وعند شيخ الإسلام، ولا قائل بذلك من أهل التوحيد والسنة، وكثيراً ما يقرن الشيخ بين دعاء الميت والغائب ن مما يؤكد أنه لا يفرق في الحكم عليهما.
    يقول - رحمه الله - (15) في كلامه عن مراتب دعاء المخلوق: "أن يدعو غير الله وهو ميت أو غائب... ".
    ويقول(16): "وقد مضت السنة أن الحي يطلب منه الدعاء كما يطلب منه سائر ما يقدر عليه، وأما المخلوق الغائب والميت فلا يطلب منه شيء".
    ويقول(17): "سؤال الميت والغائب نبيا كان أو غيره، من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين".
    ويقول(18): "وذلك أن من الناس الذين يستغيثون بغائب أو ميت تتمثل له الشياطين".
    الرابع: نص الشيخ في الفقرة الأولى بأن السؤال والطلب بهذه الصورة من جنس ما تقوله النصارى في مريم وغيرها، وما تقوله النصارى هو الشرك الأكبر، ويحكي الشيخ - رحمه الله - اعتقادهم فيقول(19): "وإن أثبتهم وسائط بين الله وبين خلقه كالحجاب الذين بين الملك ورعيته بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه فالله إنما يهدي عباده ويرزقهم بتوسطهم، فالخلق يسألونهم، وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك الحوائج للناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك، لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مشبهون لله، شبهوا المخلوق بالخالق وجعلوا له أنداداً، وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لم تتسع له هذه الفتوى"، ثم يبين أن هذا من شرك النصارى فيقول(20): "والمقصود هنا أن من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية، فهو مشرك، بل هذا دين المشركين عباد الأوثان، كانوا يقولون إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وإنها وسائل يتقربون بها إلى الله، وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى".
    الخامس: قوله في الفقرة الثانية: "ولم يجيئوا إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - قائلين: يا رسول الله ادع الله لنا واستسق لنا ونحن نشكو إليك ما أصابنا ونحو ذلك"، لا خلاف أن الطلب من المقبور بياء النداء دعاء صريح، سواء طُلب منه أن يدعو أو غير ذلك وهذا من الشرك الأكبر.
    نقل الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في الفتح(21): "وقال الراغب: الدعاء والنداء واحد لكن قد يتجرد النداء عن الاسم والدعاء لا يكاد يتجرد"؛ وكلام الراغب في المفردات يقول(22): "الدعاء كالنداء، إلا أن النداء قد يقال بيا، أو أيا، ونحو ذلك من غير أن يُضم إليه الاسم، والدعاء لا يكاد يقال إلا إذا كان معه الاسم، نحو: يا فلان، وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر"؛
    وقال الشيخ عبدالرحمن آل الشيخ - رحمه الله - (23): "سمى النداء دعاء لأن مدلولها واحد من باب الترادف على معنى واحد".
    يقول شيخ الإسلام - رحمه الله - (24): "والمشركون من هؤلاء قد يقولون: إنا نستشفع بهم، أي نطلب من الملائكة والأنبياء أن يشفعوا، فإذا أتينا قبر أحدهم طلبنا منه أن يشفع لنا، فإذا صورنا تمثاله والتماثيل إما مجسدة وإما تماثيل مصورة كما يصورها النصارى في كنائسهم قالوا: فمقصودنا بهذه التماثيل تذكر أصحابها وسيرهم، ونحن نخاطب هذه التماثيل ومقصودنا خطاب أصحابها ليشفعوا لنا إلى الله، فيقول أحدهم: يا سيدي فلان، أو يا سيدي جرجس، أو بطرس، أو يا ستي الحنونة مريم، أو يا سيدي الخليل، أو موسى بن عمران، أو غير ذلك ن اشفع لي إلى ربك، وقد يخاطبون الميت عند قبره: سل لي ربك، أو يخاطبون الحي وهو غائب كما يخاطبونه لو كان حاضراً حياً، وينشدون قصائد، يقول أحدهم فيها: يا سيدي فلان أنا في حسبك أنا في جوارك اشفع لي إلى الله سل الله لنا أن ينصرنا على عدونا سل الله أن يكشف عنا هذه الشدة أشكو إليك كذا وكذا فسل الله أن يكشف هذه الكربة، أو يقول أحدهم سل الله أن يغفر لي... " ثم قال: "فهذه الأنواع من خطاب الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم وفي مغيبهم وخطاب تماثيلهم، هو من أعظم أنواع الشرك الموجود في المشركين من غير أهل الكتاب ن وفي مبتدعة أهل الكتاب والمسلمين الذين أحدثوا من الشرك والعبادات ما لم يأذن به الله"، قال مقيده: فهذا نص صريح في كون الصورة التي هي محل البحث شركاً أكبر.
    وقال - رحمه الله - (25): "وعلم أنه لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل ولا أحد من الأنبياء قبله، شرعوا للناس أن يدعوا الملائكة والأنبياء والصالحين ويستشفعوا بهم، لا بعد مماتهم ولا في مغيبهم، فلا يقول أحد: يا ملائكة الله اشفعوا لي عند الله، سلوا الله لنا أن ينصرنا، أو يرزقنا أو يهدينا، وكذلك لا يقول لمن مات من الأنبياء والصالحين: يا نبي الله، يا رسول الله ادع الله لي، سل الله لي، استغفر الله لي، سل الله لي أن يغفر لي أو يهديني أو ينصرني أو يعافيني، ولا يقول أشكو إليك ذنوبي أو نقص رزقي، أو تسلط العدو علي، أو أشكو إليك فلاناً الذي ظلمني".
    وقال(26): "ومثل هذا كثير في القرآن، ينهى أن يُدعى غير الله، لا من الملائكة، ولا من الأنبياء، ولا غيرهم، فإن هذا شرك أو ذريعة إلى الشرك، بخلاف ما يطلب من أحدهم في حياته من الدعاء والشفاعة، فإنه لا يفضي إلى ذلك، فإن أحداً من الأنبياء والصالحين لم يعبد في حياته بحضرته فإنه ينهى من يفعل ذلك، بخلاف دعائهم بعد موتهم، فإن ذلك ذريعة إلى الشرك بهم، وكذلك دعاؤهم في مغيبهم، هو ذريعة إلى الشرك، فمن رأى نبياً أو ملكا من الملائكة وقال له: ادع لي، لم يفض ذلك إلى الشرك به، بخلاف من دعاه في مغيبه، فإن ذلك يفضي إلى الشرك به كما قد وقع، فإن الغائب والميت لا ينهى من يشرك، بل إذا تعلقت القلوب بدعائه وشفاعته أفضى ذلك إلى الشرك به فدعي وقصد مكان قبره أو تمثاله أو غير ذلك، كما قد وقع فيه المشركون ومن ضاهاهم من أهل الكتاب ومبتدعة المسلمين".
    وقال(27): "وأما دعاء الرسول وطلب الحوائج منه وطلب شفاعته عند قبره، أو بعد موته، فهذا لم يفعله أحد من السلف، ومعلوم أنه لو كان قصد الدعاء عند القبر مشروعاً لفعله الصحابة والتابعون، وكذلك السؤال به، فكيف بدعائه نفسه وسؤاله بعد موته، فدل ذلك على أن ما في الحكاية المنقطعة من قوله [استقبله واستشفع به] كذب على مالك، مخالف لأقواله وأقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم التي نقلها مالك وأصحابه، ونقلها سائر العلماء، إذ كان أحد منهم لم يستقبل القبر للدعاء لنفسه، فضلاً عن أن يستقبله ويستشفع به، يقول له: يا رسول الله اشفع لي، أو ادع لي، أو يشتكي إليه المصائب في الدين والدنيا، أو يطلب منه أو من غيره من الموتى من الأنبياء والصالحين، أو من الملائكة الذين لا يراهم أن يشفعوا له، أو يشتكي إليهم المصائب، فإن هذا كله من فعل النصارى وغيرهم من المشركين ومن ضاهاهم من مبتدعة هذه الأمة".
    وقال(28): "وفي الجملة فقد نُقل عن بعض السلف والعلماء السؤال به، بخلاف دعاء الموتى والغائبين من الأنبياء والملائكة والصالحين، والاستغاثة بهم، والشكوى إليهم، فهذا مما لم يفعله أحد من السلف".
    وقال(29): "ولهذا ذكر الفقهاء في كتبهم في الاستسقاء ما فعلوه دون ما تركوه، وذلك أن التوسل به حياً هو من جنس مسألته أن يدعو لهم، وهذا مشروع، فما زال المسلمون يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حياته أن يدعو لهم، وأما بعد موته فلم يكن الصحابة يطلبون منه الدعاء، لا عند قبره، ولا عند غير قبره، كما يفعله كثير من الناس عند قبور الصالحين، يسأل أحدهم الميت حاجته، أو يقسم على الله به ونحو ذلك".
    وقال(30): "وقد مضت السنة أن الحي يطلب منه الدعاء كما يطلب منه سائر ما يقدر عليه، وأما المخلوق الغائب والميت، فلا يطلب منه شيء".
    وقال(31): "فأما قول القائل عند ميت من الأنبياء والصالحين: اللهم إني أسألك بفلان، أو بجاه فلان، أو بحرمة فلان، فهذا لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا عن الصحابة، ولا عن التابعين، وقد نص غير واحد من العلماء أنه لا يجوز، ونقل عن بعضهم جوازه، فكيف يقول القائل للميت: أنا استغيث بك و أستجير بك، أو أنا في حسبك، أو سل لي الله، ونحو ذلك، فتبين أن هذا ليس من الأسباب المشروعة، ولو قدر أن له تأثيراً، فكيف إذا لم يكن له تأثيرٌ صالحٌ بل مفسدته راجحة على مصلحته، كأمثاله من دعاء غير الله".
    قال مقيده: جمع الشيخ هنا بين الصورة التي هي محل البحث، وبين ما لا نزاع في كونه شركاً أكبر، ثم أكد ذلك بكونه من دعاء غير الله، ولو كان سؤال المقبور بأن يدعو الله للسائل بدعة فقط، لذكرها في أول كلامه مع السؤال بالجاه والحرمة مما هو بدعة بالاتفاق.
    وقال(32): "فليس لأحد أن يسأل غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله، لا نبياً ولا غيره ولا يستغيث بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق، وليس لأحدٍ أن يسأل ميتاً أو يستغيث به في شيء من الأشياء، سواءً كان نبياً أو غيره".
    وقال(33): "فلا يشرع لهم أن يدعوا ميتاً ولا يسألوه، ولا يدعوا إليه، ولا أن يستجيروا به، ولا يدعوه لا رهبةً ولا رغبةً، ولا يقول أحد لميت: أنا في حسبك، أو أنا في جوارك، أو أنا أريد أن تفعل كذا وكذا، ولا أن يخطوا إلى جهة قبرٍ ويسأله كما يفعل كثير من النصارى وأشباه النصارى من ضلال هذه الأمة بكثير من شيوخهم وغير شيوخهم، ولا يشرع لأحد أن يقول لميت: سل الله لي أو ادع لي، ولا يشرع لهم أن يشكوا إلى ميت، فيقول أحدهم مشتكيا إليه: عليّ دَيْنٌ، أو آذاني فلان، أو قد نزل بنا العدو، أو أنا مريض، أو أنا خائف ونحو ذلك من الشكاوى، سواء كان هذا السائل عند قبر الميت ن أو كانبعيدا منه، وسواء كان الميت نبياً أو غيره".
    وقال(34): "فإن ما نُفِيَ عنه وعن غيره من الأنبياء والمؤمنين، وهو أنهم لا يُطلب منهم بعد الموت شيء، ولا يطلب منهم في الغيبة شيء، لا بلفظ الاستغاثة ولا غير ذلك، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله حكم ثابت بالنص وإجماع علماء الأمة مع دلالة العقل على ذلك".
    وقال(35): "ومن رحمة الله - تعالى -، أن الدعاء المتضمن شركاً، كدعاء غيره أن يفعل، أو دعائه أن يدعو، ونحو ذلك، لا يحصل غرض صاحبه، ولا يورث حصول الغرض شبهة إلا في الأمور الحقيرة، فأما الأمور العظيمة، كإنزال الغيث عند القحوط، أو كشف العذاب النازل، فلا ينفع فيه هذا الشرك".
    وقال(36): "فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة التي تتضمن الدعاء لله خالصا عند القبور، لئلا يفضي ذلك إلى نوع من الشرك بربهم، فكيف إذا وجد ما هو نوع الشرك من الرغبة إليهم، سواء طلب منهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، أو طلب منهم أن يطلبوا ذلك من الله - تعالى –".
    قال مقيده: وجه بعضهم هذا النص بقوله: "علق الطلب هنا على الرغبة إليهم، بخلاف كلامه السابق، وهو يرى أن الرغبة خاصة لله لا تصرف لغيره، وصرفها لغير الله شرك، فبسبب وجود الرغبة وصف هذا الدعاء بالشرك"، وجوابه أن يقال:
    أولا: من خلال جمع كلام الشيخ في هذه المسألة يتبين أن الصورة محل البحث شرك أكبر، وإذا كان الشيخ في هذا الموضع قد نبه على قدر زائد من مجرد الطلب وهو الرغبة، فله من النصوص الكثير لا يقيد هذا السؤال بذلك، لسبب وهو:
    ثانيا: أن كلام الشيخ لا إشكال فيه، فإن من لازم هذا السؤال والطلب أن يكون السائل والطالب راغبا إلى المسؤول أن يجيب سؤاله وطلبه(37).
    وقال(38): "والمقصود هنا: أنه إذا كان السلف والأئمة قالوا في سؤاله بالمخلوق ما قد ذكر، فكيف بسؤال المخلوق الميت؟ سواء سئل أن يسأل الله، أو سئل قضاء الحاجة، ونحو ذلك، مما يفعله بعض الناس، إما عند قبر الميت، وإما مع غيبته، وصاحب الشريعة - صلى الله عليه وسلم - حسم المادة وسد الذريعة، بلعنه من يتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، وأن لا يصلى عندها لله، ولا يسأل إلا الله، وحذر أمته ذلك، فكيف إذا وقع نفس المحذور من الشرك وأسباب الشرك".
    قال مقيده: فبمجموع هذه النصوص يتبين أن سؤال الحي للميت بأن يدعو الله له، أو يسأل الله له، أو نحو ذلك من الأمور، سواء كان بحضرة قبره، أو بغير حضرة قبره أنه شرك أكبر، وأن هذا ما يقوله شيخ الإسلام - رحمه الله -، فلا تصح النسبة إليه بأن هذه الصورة بدعة فقط.
    __________________
    (1) (269).
    (2) الفتاوى (27/161).
    (3) الفتاوى (27/162).
    (4) الفتاوى (27/32).
    (5) الفتاوى (1/160-161).
    (6) التوسل (27-28).
    (7) قاعدة في الوسيلة (213). ط: الرشد، وجامع الرسائل المجموعة الخامسة (109)، وهي غير القاعدة المعروفة.
    (8) الاقتضاء (2/375)..
    (9) جامع المسائل المجموعة الرابعة (163).
    (10) الفتاوى (1/352).
    (11) المرجع السابق (27/76-77).
    (12) الرد على البكري (221).
    (13) المرجع السابق (222).
    (14) التوسل (51).
    (15) الفتاوى (1/351).
    (16) الفتاوى (1/345).
    (17) الرد على البكري (221).
    (18) المرجع السابق (226).
    (19) الفتاوى (1/127).
    (20) (1/135-136).
    (21) (11/113).
    (22) (315).
    (23) كشف ما ألقاه إبليس (71).
    (24) الفتاوى (1/159-160).
    (25) التوسل (26-27).
    (26) المرجع السابق (52).
    (27) المرجع السابق(141).
    (28) المرجع السابق(201).
    (29) المرجع السابق(284).
    (30) المرجع السابق(306).
    (31) الرد على البكري (225-226).
    (32) المرجع السابق (239).
    (33) المرجع السابق (404-405).
    (34) الاقتضاء (2/224).
    (35) المرجع السابق(2/224).
    (36) المرجع السابق(2/304-305).
    (37) يراجع الوجه السادس صفحة(4).
    (38) الاقتضاء (2/330)



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    12,986

    افتراضي رد: حكم سؤال المقبور الشفاعة

    حكم سؤال المقبور الشفاعة (3)
    سالم بن سعيد المقبالي



    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد:
    فهذا القسم الثالث من البحث وهو الأخير وهو تتمة للمقالات السابقة.
    ( الفصل الثالث )

    ( الإجابة عما استدل به من قال بأن هذه الصورة بدعة فقط )
    لم يذكر أحد ممن قال بأن سؤال الميت بحضرة قبره بدعة – على ما وقفت عليه – دليلاً يصح أن يعتمد عليه في إخراج هذه الصورة من الشرك الأكبر ، بل أكثرهم يذكرون المسألة من دون تدليل عليها ، والظاهر من حالهم – والله أعلم – أنهم اعتمدوا على ما فهموه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، وقد سبق بيان حقيقة قوله ، إضافة إلى ذكر بعضهم لشيئ من الأدلة عنده وهي كالتالي :
    ( الدليل الأول )
    ( طلب الدعاء من الآخرين ليس خاصاً بالله ، فلذا يجوز طلبه من الحي ، ولو كان خاصاً بالله لما جاز طلبه من الحي لكونه خاصاً بالله ) هذا بنصه ما علل به أحدهم سبب الحكم على هذه الصورة بالبدعة فقط ، وجوابه من وجوه :
    الأول : أن هذا كلام مضطرب أراد كاتبه إيصال معنىً إلى القارئ ولكنه أخطأ في عبارته ، لأن ظاهره أنه يجوز أن يسأل العبد ربه بأن يطلب من فلان أن يدعو الله له ، وهذا الظاهر الباطل لم يرده الكاتب ، ولكنه عبر بعبارة غير مستقيمة .
    الثاني : أن طلب الدعاء من الحي هو من جنس الأسباب الحسية المعلومة التي أقدره الله عليها ، بخلاف الطلب من الميت ، فإن هذه الأسباب قد انقطعت عنه ، فطلبه في هذه الحال طلب من شخص غير قادر على الإجابة ، وهذا من الشرك .
    الثالث : أن طلب الدعاء ممن يقدر عليه ، وهو الحي الحاضر القادر مرتبة ، وسؤال الميت وطلبه مرتبة أخرى ، وفرق بين الأمرين .
    ( الدليل الثاني )
    قال بعضهم في أثناء كلامه عن مراتب التوسل : ( أن يقول للميت والغائب : ادع الله لي ، أو اسأل الله لي ، أو اشفع لي في كذا ، فهذا لا خلاف بين السلف أنه غير جائز ، وأنه من البدع التي لم يقل به أحد من علماء الأمة ، وهو من ذرائع الشرك ، فهو من الشرك الأصغر ، والفرق بينه وبين الذي قبله واضح ، إذ الأول : دعاء غير الله ، والثاني : مخاطبة الميت بما لا يرد في الكتاب والسنة ، ولكنه لم يدعه ، ولم يسأله قضاء الحاجات ، وتفريج الكربات ، فلم يصرف له العبادة ، ولكنه ذريعة للغلو ، وبدعة ضلالة كما ذكرنا ) .
    قال مقيده : والجواب على ما قاله الكاتب من وجوه :
    الأول : كلام الكاتب عام في كل ميت ، فلم يقيده بسؤاله بحضرة القبر أو بغير حضرة القبر ، ولا قائل بذلك من أهل السنة والتوحيد ، فإنهم متفقون على أن سؤال الميت بغير حضرة قبره من الشرك الأكبر ، حتى الذين خالفوا في الصورة التي هي محل البحث ، لم ينازعوا في سؤال الميت بغير حضرة قبره أنه شرك مخرج من الملة ، معللين ذلك بأن فيه ادعاء علم الغيب للميت وهذا كفر بالإجماع .
    الثاني : أدخل الكاتب في هذه الصورة سؤال الغائب ، وهذا شرك أكبر بالاتفاق .
    الثالث : جعل الكاتب طلب الشفاعة من الميت من الشرك الأصغر ، وهذا مخالف للإجماع ، فإن طلب الشفاعة على هذا النحو من جنس ما كان يفعله المشركون الأولون .
    الرابع : قوله عن هذه الصورة بأنها مخاطبة للميت بما لم يرد في الكتاب والسنة وأنه لم يدعه ، يقال له : هذه المخاطبة دعاء لغة وشرعاً كما سبق بيانه ، وهي وإن لم تكن دعاء على جهة الاستقلال ، ولكنها دعاء على جهة التوسط والسببية بمعنى أنها طلب للشفاعة ، وهذا ظاهر .
    الخامس : النسبة للسلف بأن هذا الفعل شرك أصغر ، نسبة غير صحيحة وتَقولٌ عليهم ، ويحتاج مدعيها إلى ما يثبتها ، وأنى له ذلك ! .
    ( الدليل الثالث )
    يصرح بعضهم : أن سؤال الميت من بعيد فيه ادعاء علم الغيب له وهذا كفر ، وبالتالي يفهم من كلامهم : أن سؤاله بحضرة القبر ليس فيه ذلك .
    والجواب :
    أولاً : أن سؤال الميت سواء كان من قريب أم من بعيد ، هو حقيقة الدعاء والشفاعة الشركية.
    ثانياً : أن سؤال الميت من بعيد فيه أمر زائد على مجرد دعوى الغيب له ، وهي تعلق القلب والاعتقاد في هذا الميت بأنه يشفع عند الله لمن سأله ، وهو ما يشترك فيه سؤاله من بعيد مع سؤاله بحضرة القبر ، وهذا من الشرك الأكبر.
    ثالثاً : من الممكن أن يعلل سؤال الميت بحضرة قبره أيضاً بأن فيه ادعاء علم الغيب للميت !! ، ولا مانع من ذلك ، نعم هذه الدعوى ظاهرة في سؤال البعيد ، ولكنها غير ممتنعة في سؤال القريب ، فلماذا لا يقال بها ؟ .
    إيراد : قد يقول قائل : السبب في ذلك أن الميت يسمع ، وقد ثبت ذلك في بعض النصوص ، فبناءً عليه ، إذا سئل من قريب كان بدعة ، وإذا سئل من بعيد كان شركاً .
    والجواب :
    أن الأصل في الميت أنه لا يسمع لقوله تعالى : { وما أنت بمسمع من في القبور } ، وقوله سبحانه : { إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين } ، ويستثنى من ذلك ما ثبتت به السنة ، وسماع الميت إنما ورد في مواضع مخصوصة ، ولأشياء مخصوصة فيقتصر عليها ، وليس منها سؤال الميت الدعاء ، ولو فرض جدلاً أنه يسمع مطلقاً ، فإنه لا يستطيع إجابة من سأله لأنه قد انقطع عمله ، وهذا الحكم عام في القريب والبعيد ، وإلا للزم أن يخاطب بكل ما يخاطب به الحي لأنهما قد اشتركا في السماع .
    ( تنبيـــه )
    جعل الشيخ محمد بشير السهسواني رحمه الله قول القائل : يا فلان اشف مريضي ومقصوده الإسناد المجازي ، بمعنى كن سبباً لشفاء مريضي أي ادع الله أن يشفيه ، جعله بالنسبة لسؤال الميت عند قبره من البدع وأنه ليس بشرك(1) ،
    وما قاله الشيخ غفر الله له غير صحيح ، ولا يختلف المسلمون بأن السؤال بهذه الصورة شرك أكبر ، ودعوى الإسناد المجازي في مثل هذا القول دعوى باطلة ، ولا يجوز لتخريج الكلام الذي ظاهره شرك وكفر ، وهذا مجمع عليه ، ولم يحتج بالإسناد المجازي في مثل هذه الصورة إلا قلة من المتأخرين ممن عارضوا دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ، تخريجاً لأقوالهم الشركية(2) .
    ( الفصل الرابع )
    ( أقوال العلماء في هذه المسألة )
    (1) نقل الشيخ عبدالرحمن بن حسن رحمه الله كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من الاقتضاء (2/224) و (2/304-305) والذي سبق نقله (ص 11) ، في كتابه كشف ما ألقاه إبليس (213،131) مقراً له ، وفيه التنصيص على أن سؤال الميت بأن يدعو أو يفعل من الشرك الأكبر(3) .
    (2) ونقل الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن رحمه الله عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله في كتاب الرد على البكري أثناء كلامه عن دعاء المقبورين(4) : ( وعقلاؤهم يقولون : مقصودنا أن يسأل الله لنا ، ويشفع لنا ، ويظنون أنهم إذا سألوه بعد موته أن يسأل الله لهم ، فإنه يسأل ويشفع كما كان يسأل ويشفع لما سأله الصحابة الاستسقاء وغيره ، وكما يشفع يوم القيامة إذا سئل الشفاعة ، ولا يعلمون أن سؤال الميت والغائب غير مشروع البتة ، ولم يفعله أحد من الصحابة ، بل عدلوا عن سؤاله وطلب الدعاء منه ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء والصالحين وغيرهم ، لا يطلب من أحدهم بعد موته من الأمور ما كان يطلب منه في حياته ) ؛
    قال الشيخ عبداللطيف رحمه الله معلقاً : ( فانظر – رحمك الله – إلى ما ذكره هذا الإمام من أنواع الشرك الأكبر الذي وقع في زمانه ، ممن يدعي العلم والمعرفة وينتصب للفتيا والقضاء ، لكن لما نبههم الشيخ – رحمه الله تعالى – على ذلك ، وبين لهم أن هذا من الشرك الذي حرمه الله ورسوله ، تنبه من تنبه منهم وتاب إلى الله ، وعرف أن ما كان عليه شرك وضلال ، وانقاد للحق ) .
    وقال رحمه الله(5) : ( وسؤال العباد والاستعانة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك جلي ، ولو قال : يا ولي الله اشفع لي فإن نفس السؤال محرم ، وطلب الشفاعة منهم يشبه قول النصارى : يا والدة الله اشفعي لنا إلى الابن والإله ، وقد أجمع المسلمون على أن هذا شرك ، وإذا سألهم معتقداً تأثيرهم من دون الله فهو أكبر وأطم ).
    (3) ويقول الشيخ عبدالله أبا بطين رحمه الله(6) : ( والحاصل أن من سوى بين الحي والميت في استقضاء الحوائج فقد ضل في عقله ودينه ، ونصوص القرآن كثيرة في إبطال هذا القول . والله سبحانه جعل أهل الدنيا فيها وخولهم ما ملكهم فيها ، ولا يتم أمرهم إلا بمعاونة بعضهم بعضاً ولم يحجر عليهم سبحانه التعاون والتناصر فيما لا يسخطه ، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه .
    يوضح ذلك أن دعاء الإنسان للمسلمين واستغفاره لهم وقضاء حوائجهم وعاونتهم عليها من الأعمال الصالحة المرغب فيها ، فلو كان هذا يحصل من الميت لم يكن عمله قد انقطع ، وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به من بعده أو ولد صالح يدعو له ) ؛ فدل على أن هذه الأشياء التي يطلبها المشركون من الأموات من قضاء حوائجهم أو الدعاء لهم ونحو ذلك ، التي هي أعمال صالحة من الحي قد استحال وجودها من الميت ، فطلبها منه طلب مستحيلٌ لعجزه حساً ، فلا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً ، فهو داخل تحت قوله : { ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون } ) .
    (4) ويقول الشيخ عبدالرحمن بن قاسم رحمه الله(7) : ( وكذلك طلب الشفاعة وغيرها من نبي أو غيره بعد موته ، كأن يقول : يا رسول اشفع لي ، أو يا ولي الله أغثني ، أو أدركني ، أو أنا في حسبك ، أو يطلب منه نفعاً ، أو دفع ضر ، أو يلجأ إليه في مهماته ، هو أصل شرك المشركين ).
    وقال غفر الله له في القسم الثاني من أقسام الشرك(8) : ( شرك في الإلهية ، بأن يدعو غيره ، دعاء عبادة ، أو دعاء مسألة ، وفيه قوله : { إياك نعبد وإياك نستعين } والدعاء المتضمن شركاً ، كدعاء غيره أن يفعل ، أو دعائه أن يدعو ، ونحو ذلك ) .
    ( إيرادات علمية )
    يرد على من قال بأن سؤال الميت بأن يدعو الله أو يسأل الله بدعة لا يصل إلى الشرك الأكبر بعض الإيرادات ، هي في الحقيقة مما يبين ضعف هذا القول ، وهي كالتالي :
    أولاً : ما هو الدليل على إخراج هذه الصورة من الشرك الأكبر ؟
    ثانياً :ما الفرق بين سؤال المقبور بحضرة القبر ، وبين سؤاله وهو بعيد عن القبر، وما دليل التفريق؟
    ثالثاً : ما الفرق بين سؤال الحي وهو غائب ، وبين سؤال الميت بحضرة القبر ؟
    رابعاً : ما هو ضابط القرب من القبر والذي يجعل السائل مبتدعاً فقط ، وبين البعد عن القبر الذي يجعل السائل مشركاً ؟
    ( وحينئذٍ فيقال : هذه الدعوى – وهي الطلب من الأموات ما يطلب منهم في الحياة – دعوى كبيرة غليظة ، ليست كغيرها من الدعاوى ، فيحتاج مدعيها إلى ما يثبتها من الأدلة الشرعية ، والقوانين المرضية ، والسيرة السلفية ، وأما المقاييس الفاسدة فلا تفيد هنا ، وقد قال بعض السلف : ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس )(9).
    قال مقيده : هذا ما فتح الله به في هذه المسألة ، وهو آخر البحث ، والله أعلم .
    والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .



    (1) صيانة الإنسان (238).
    (2) يراجع هذه مفاهيمنا للشيخ صالح آل الشيخ (122-135) ، والرد على البردة للشيخ عبدالله أبا بطين (19).
    (3) من اللطائف و الغرائب أن هذا النقل الذي نقله الشيخ عبدالرحمن قد اعتمده أحد القائلين بأن سؤال الميت بحضرة قبره بدعة فقط ، ناسباً ذلك إلى شيخ الإسلام أيضاً ، في إثبات أن الشيخ عبدالرحمن ممن يذهب إلى أن هذه الصورة شرك أكبر ، مع أن الكلام في الحقيقة كلام شيخ الإسلام .!!
    (4) عيون الرسائل والأجوبة على المسائل (2/710).
    (5) البراهين الإسلامية في رد الشبه الفارسية (116).
    (6) تأسيس التقديس (89).
    (7) السيف المسلول على عابد الرسول (50).
    (8) المرجع السابق (63).
    (9) مصباح الظلام (392).





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •