علامات ليلة القدر


محمد صالح المنجد


علامتها: فبعد أن تنتهي، تطلع الشمس صبيحتها لا شعاع لها، تصبح الشمس يومها ضعيفة حمراء، وهي ليلة مضيئة، بلجة، منيرة، لا يرمى فيها بنجم، ولا ترسل فيها الشهب، هذه الليلة التي فيها الشرف العظيم، والخير الوفير، هنا يعتكف العباد لأجلها، وهنا يواظبون على صلاة القيام والتهجد لإصابتها، هنا يجتهدون، ويسكبون العبارات، ويرفعون الأيدي،

ويسألون ويكثرون من قول: اللهم إنك عفوٌ تحب العفو فاعفو عني، هنا يتبعون السنة، ويجتنبون البدع، وهنا يريدون أن يكونوا من أهل الخير الذين أصابوها، وقد أصابها قبلهم من أصابها من المؤمنين على مر العصور السابقة، فهل لك -يا عبد الله- أن تلتحق بالموكب الشريف الذي مضى؟

وأيضاً: فإنه لا بأس لمن لا يستطيع إكمال الصلاة مع الإمام؛ أن يصلي في بيته، ولا يترك إتمام الصلاة، وإتمام الصلاة مع الإمام بجزئيها وقسميها هو الذي ينطبق عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة»

فإذا خشي ألا يستطيع إكمال الصلاة، أو كان عنده من العمل ما يمنعه من السهر، فإنه يكملها وحده في بيته، ولا يترك إكمال قيام الليل، ولو قام بعضها في مسجد، وبعضها في مسجد آخر فلا بأس، ولو أنه أراد أن يزيد بعد انتهاء صلاة الإمام والوتر في مسجد آخر، أو في بيته؛ صلى مثنى مثنى، ولا يعيد الوتر.
لا يجوز أن تكون العبادة النافلة مودية إلى تفويت الفريضة، ولذلك في غمرة الاجتهاد يجب اتخاذ كل الأسباب للقيام لصلاة الفجر، وصلاة الفجر وما أدراك ما صلاة الفجر، وكثير من الناس تساهلوا فيها سابقاً، فلا يجوز أن يكون في مواسم الخير تساهل فيها بحال، والسلف كانوا يصلون في آخر الليل فلا يبقى للفجر إلا بالكاد وقتاً للسحور،
ولذلك قال عبد الله بن أبي بكرٍ عن أبيه قال: "كنا ننصرف في رمضان من القيام فنستعجل الخدم بالطعام مخافة فوت السحور"، وفي حديث السائب، أن القارئ كان يقرأ بالمئين -يعني مئات الآيات- حتى كانوا يعتمدون على العصي، فما كانوا ينصرفون إلا في فروع الفجر، ولذلك فإن القيام في آخر الليل ومده إلى قرب الفجر من فوائده تحصيل السحور، وتحصيل صلاة الفجر.

واعلموا -رحمكم الله- أن الاستغفار بالأسحار مما ورد في كلام العزيز الغفار، فإنه أثنى تعالى على القانتين، وعلى المستغفرين بالأسحار، فإذا جمعت بين القنوت، وهو طول القيام والاستغفار بالأسحار؛ فإنه يرجى لك خير عظيم يا عبد الله، وإذا ختمت القرآن فإن من هدي السلف الدعاء، فلا حرج أن يدعوا بعد ختم كتاب الله تعالى كما كان أنس رضي الله تعالى عنه يفعل مع أهله، وقد وجد بحمد الله من العبّاد في هذا الزمان ما ذكرنا بأيام السلف، فوجد من يصلي بالليل من بعد العشاء إلى الساعة الثالثة، ووجد من يختم القرآن في ثلاث ليالٍ في القيام، ووجد من يختمه في أقل حتى خارج الصلاة، وناس لهم ختمات نسأل الله أن يغفر لنا تقصيرنا، أناس لهم ختمات في هذا الشهر، وكذلك فإن من عباد الله من يسارع إلى بيته تعالى، يرجوا حجة؛
لقوله عليه الصلاة والسلام: «عمرة في رمضان تعدل حجة»، «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما»، هذه العمرة إلى العمرة تنفي الفقر والذنوب، وهذه العمرة من فعلها وفق السنة، وأراد بها وجه الله، لا رياء، ولا إيذاء للناس، فإن له أجر عظيم.

وأيضاً: فإنه لا بد من التفقه في أحكام العمرة، وفي محظورات الإحرام حتى يجتنبها، وفي واجبات هذا العبادة العظيمة حتى يقوم بها، ونسأل الله عز وجل أن يزيدنا فقهاً في دينه، وأن يوفقنا للمزيد من فضله، وأن يجعلنا ممن يجتهد في عبادته، وأن يعيننا على ذكره، وشكره، وحسن عبادته.