أحكام مراتب الجرح والتعديل
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: أحكام مراتب الجرح والتعديل

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,516

    افتراضي أحكام مراتب الجرح والتعديل

    أحكام مراتب الجرح والتعديل (1)


    لحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
    وبعد:
    أود التنبيه على أن هذه المشاركة هي في الأصل: موضوع المبحث الثالث من التمهيد لرسالة علمية أعددتها في مرحلة الماجستير، بعنوان: "دراسة ألفاظ: (مقارب الحديث) و (صدوق) و (لا بأس به) وأحكامها عند الإمام البخاري رحمه الله".
    فمن أجل دراسة هذه الألفاظ الثلاثة وأحكامها، كان عليّ دراسة مراتب الألفاظ واعتبارات أهل العلم في تصنيفها وأحكام تلك المراتب، فكان هذا المبحث.
    تتفاوت الألفاظ التي استعملها أئمةُ النقد في تعديل الرواة وجرحهم تبعًا لتفاوت الرواة أنفسهم في الأوصاف المعتبرة لقبول الروايات، وتتنوع تلك الألفاظ تبعًا لمقاصد الأئمة منها، كما أن التعبير عن المعنى الواحد لا يتقيد بلفظ واحد؛ ومن هنا صارت ألفاظُ التعديل والجرح مصنفةً في مجموعات على مراتب، كلُّ مرتبةٍ تَضُمُّ عددًا من الألفاظ التي يُعَبَّرُ بها عن معنى واحد أو متقارب، وتَتَدَرَّج تلك المراتبُ بحسب دلالاتها من أعلى درجات التعديل إلى أدنى درجات الجرح مرورًا بالمراتب الوسيطة [1]، وتأخذ كل مرتبة أحكامها وَفقًا لدلالات ألفاظها، وهذه الدلالات تستند إلى المعنى اللغوي، لكنها تأخذ تحديدًا أكثر استنادًا إلى المعنى العرفي الملابس للممارسة النقدية، ولذا كان المعنى العرفي هو المعتبر في تصنيفها.
    ويُعَدُّ الإمامُ ابنُ أبي حاتم صاحبَ السبق في ترتيب هذه المراتب وتهذيبها وبيان أحكامها [2]، ثم أورد كلامَه أبو بكر الخطيب بغير إضافات [3]، ثم جاء ابن الصلاح فنوّه بصنيع ابنِ أبي حاتم وأشاد، وأَوْرَدَ كلامَه مُضيفًا بعضَ التعليل والتوجيه، ومذيّلًا بألفاظ أخرى تَرَكَ ابنُ أبي حاتم ذكرها [4]. وجَعَلَ ابنُ الصلاح ذلك إحدى المسائل المتفرعة على "النوع الثالث والعشرين" من أنواع علوم الحديث، واسم ذلك النوع: "معرفة صفة مَنْ تُقبل روايته ومَنْ تُرد روايته، وما يتعلّق بذلك من قدح وجرح وتوثيق وتعديل".
    ولأن كتاب ابن الصلاح نال عناية كبيرة ممن جاء بعده، بل صارت المصنفات في علم المصطلح تدور حوله [5]؛ فقد كان لذلك أثر في تنامي الاهتمام بمراتب التعديل والجرح ضمن كتب المصطلح، وصار "النوع الثالث والعشرون" في الكثير من كتب المصطلح حافلًا بالكلام حول مراتبِ التعديل والتجريح وأحكامِها.
    ولا يمكن أن يهمل فضلُ الحافظِ العراقي في إثراء هذا المبحث، في شرحه لكتاب ابن الصلاح، وفي ألفيته التي نَظَمَ فيها كتابَ ابن الصلاح وفي شرحِه لها، فقد حقّقَ لذلك المبحث نوعًا من التميز والظهور، وحرَص على استيعاب عدد وفير من مصطلحات التعديل والجرح في كلام منظوم، قال في مطلعه:
    والجرحُ والتعديلُ قد هذّبهُ * * * ابنُ أبي حاتم [6] إذ رَتَّبَهُ
    والشيـخُ زاد فـيـهمـا وزِدْتُ * * * ما في كلامِ أهـلِهِ وَجَـدْتُ
    يعني بـ"الشيخ": ابنَ الصلاح.
    والموازنة بين كلام الحافظ العراقي وكلام الحافظ الذهبي في خطبة "ميزان الاعتدال" [7] تدل على أن الحافظ العراقي أفاد من كلام الحافظ الذهبي في ترتيب مراتب التعديل والجرح، وبذلك صرح الحافظ العراقي نفسه في شرح كتاب ابن الصلاح [8].
    كما لا يصح إهمال عمل الحافظ السخاوي الذي يُعدّ كتابه "فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي" من أكثر كتب المصطلح بسطًا لمبحث مراتب التعديل والتجريح، وأظهرها عناية به.
    والواقع أن من يراجعُ كتبَ المصطلح يكاد يصل إلى قناعة بأن هذه المواضعَ المشارَ إليها سابقًا قد حوتْ جُلَّ ما يَقصده مَن يريد الوقوف على المسائل المتصلة بمراتب التعديل والجرح، لا سيما كتاب "فتح المغيث" للسخاوي الذي ظهر فيه جهد المؤلف في توضيح المقاصد وتتبع الشوارد وتدوين الفوائد.
    وأما الأحكام التي تُذكر في مراتب التعديل والجرح فلم يدخلها زيادة، ولا ظهر فيها اختلاف مِنْ حيثُ تعليقُها بالمراتب بحسب دلالة الألفاظ. وكلامُ ابن أبي حاتم هو الأصل في بيان هذه الأحكام.
    والحديث عن أحكام مراتب التعديل والجرح، يستدعي توضيح العلاقة بين مصطلحات التعديل والجرح وبين الممارسة النقدية، ثم بيان نوع العلاقة بين هذه المصطلحات وبين أحكامها.
    أولًا: علاقة المصطلحات بالممارسة النقدية:
    لا تخفى أهمية مصطلحات كلّ علم في ضبط المنهج وتقويم المسار، ولا ريب أن علم "مصطلح الحديث" من أكثر العلوم اصطلاحًا، وأظهرها بالاصطلاحات اهتمامًا.
    ولكن مما ينبغي التنبيه عليه: أن دراسة المصطلحات الحديثية، وتحديد مدلولاتها، لا يعني أن يتم التعامل معها بطريقة ظاهرية [9]، بل لا بد من ربطها بمسالك أئمة النقد، ووصلها بقواعد الممارسة النقدية وضوابطها عندهم؛ لأن المتعين أن يكون التعامل معها مرتكزًا إلى معرفة كافية بمقاصد الأئمة ومذاهبهم في نقد الرواة والروايات، وهذا ينطبق على دراسة ألفاظ الجرح والتعديل ومقتضياتها وأحكامها.
    قَصْرُ الكلام: أن الممارسة النقدية التي أنتجت تلك الألفاظ، والمعاني التي تم التعبير عنها بها، كما يُعدُّ فهمُها شرطًا لازمًا لفهم تلك الألفاظ، فهو أيضًا يُعَدُّ شرطًا ضروريًا لتحقيق مناطات أحكامها.
    إن العمدة في معرفة مصطلحات الجرح والتعديل هم أئمة النقد السابقين؛ لأنهم هم من ابتدأ استعمالها، وعن طريق استقراء مواضعها عندهم نتوصل إلى مقتضياتها ودلالاتها.
    ومن المعلوم أن هذه المصطلحات لا تستند إلى أي وضع سابق، وإنما جرت على مقتضى العادة في التعبير، وتحدّدت معانيها بناء على امتزاجها بالممارسة النقدية.
    كما أنه من المعلوم أن نقد الأحاديث كان سابقًا زمنيًا للحكم على غالب الرواة؛ أي أن نقد الأحاديث هو الذي أنتج المعرفة بأحوال غالب الرواة، ومهّد لاستعمال الألفاظِ المُعَبِّرِ بها عن أحوالهم.

    وتوضيحُ ذلك: أن الراوي يَنظرُ الناقدُ إليه من جهتين: أولاهما: دلائل صدقه، والثانية: دلائل حفظه.
    وأحاديث الراوي التي يستند إليها الناقد في الحكم عليه ثلاثة أنواع:
    1-ما يشاركه غيره في روايته، فينظر فيه الناقد من جهة الموافقة لهم أو المخالفة.
    2- ما يتفرد به، فينظر فيه الناقد من جهة احتمال التفرد منه أو عدم احتماله.
    3- ما يسوقه على أكثر من وجه، فينظر فيه الناقد من جهة كونه حَفِظَهُ أو اضطرب فيه.
    وكل هذه الأنواع مناط لقياس مدى الثقة بالراوي:
    1- فإذا كثرت موافقته للثقات المعروفين، دلت على ثقته.
    2- وإذا كثرت مخالفته لهم، كان لذلك أثره في الحكم عليه.
    3- وكذلك إذا أكثر التفرد عن الشيوخ مع قلة الأحاديث التي يشارك فيها غيره يكون لذلك أثر في الحكم عليه.
    4- وينسحب ذلك على الموقف من حديثه إذا رواه على أكثر من وجه.
    والمقصود: أن الموافقة تزيد من الثقة بالراوي، وأن سوء الحفظ يظهر أثره في المخالفة أو التفرد أو الاضطراب.
    وهذا ما لخّصه أبو بكر البرديجي في حالة خاصة تشبه أن تكون ضبطًا لجميع نظائرها، فقال: "يزيد بن إبراهيم، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، صحيح؛ إذا لم يكن الحديثُ منكرًا أو مضطربًا أو معلولًا" [10].
    ومن النصوص العامة الدالة على ما سبق:
    قول الإمام مسلم بن الحجاج: "حُكْمُ أهلِ العلم، والذي نَعرف مِن مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدِّثُ مِن الحديث: أن يكونَ قد شارك الثقاتِ مِنْ أهلِ العلمِ والحفظِ في بعضِ ما رَوَوا، وأَمْعَنَ في ذلك على الموافقةِ لهم؛ فإذا وُجد كذلك، ثم زاد بعدَ ذلك شيئًا ليس عند أصحابِه قُبلتْ زيادتُه". ومرادُ مسلم بقوله: "قُبلت زيادتُه": ما يتفرد به الراوي من الأحاديث، وسياق كلامه يدل على ذلك. وهذا يتأثر بما إذا كان الشيخ الذي تفرد عنه من أهل العلم وكبار الحفاظ الذين لهم أصحاب يعتنون بأحاديثهم أو ليس كذلك، ولذلك أردف مسلم بهذا المثال: "فأما مَنْ تراه يَعمدُ لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة -وحديثُهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل عنهما أصحابُهما حديثَهما على الاتفاق منهم في أكثره- فيروي عنهما أو عن أحدهما العددَ من الحديث مما لا يعرفه أحدٌ من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم-: فغيرُ جائزٍ قبولُ حديثِ هذا الضَّرْبِ من الناس" [11].
    فهذا النص الثمين من الإمام مسلم بيّن فيه أن المشاركة والتفرد كلاهما مناط للحكم على الراوي، وأن الراوي إنما ينال نصيبه من الثقة بحسب ما يرويه من الأحاديث المحفوظة، التي يُعرف أنها محفوظة برواية غيره ممن عُرفوا بالثقة والإتقان.
    وقال الحافظ الذهبي: "اعلم أن أكثر المتكلّم فيهم، ما ضعّفهم الحفاظ إلا لمخالفتهم الأثبات" [12].
    وقال الحافظ ابن رجب: "فاختلاف الرجل الواحد في الإسناد، إن كان متهمًا فإنه ينسب به إلى الكذب، وإن كان سيئ الحفظ ينسب به إلى الاضطراب وعدم الضبط، وإنما يحتمل مثل ذلك ممن كثر حديثه وقوي حفظه كالزهري وشعبة ونحوهما" [13].
    وقال المعلمي: "جُلُّ اعتمادهم في التوثيق والجرح، إنما هو على سبر حديث الراوي" [14].
    فهذه نصوص عامة تدل على أن أكثر الأحكام على الرواة تتفرع عن الأحكام على أحاديثهم.
    وأما الشواهد في الحالات الخاصة، فأكثر من أن تُحصر، ومن طالع كتب العلل والتواريخ والجرح والتعديل وقف على الكثير من ذلك.
    ومن الواضح أن سبر حديث الراوي يتأثر بكون الراوي مقلًا أو مكثرًا، لأن المادة النقدية تتفاوت بين هذا وذاك، ولهذا قال ابن رجب في وصف أهل الإتقان، في النص السابق: "ممن كثر حديثه وقوي حفظه"، لأن الإتقان تزيد دلائله بكثرة الصواب، وهذا يستلزم كثرة الحديث.
    وجميع ذلك يتأثر باجتهاد الناقد وشخصيته.
    ولا ريب أن اللفظ الذي يُحْكَمُ به على الراوي لا يضبط هذه الجهات جميعًا، لا سيما من يكون في المراتب الوسيطة، التي لم يصل أصحابها إلى منزلة من يُحتج بهم، ولم يبلغوا إلى المنزلة التي يترك معها حديثهم جملة؛ لأن الناقد في مثل هذه المراتب يُعَبِّرُ عن المعنى الإجمالي المتحصل من نقد أحاديث الراوي، ولا يضع حكمًا كُليًا يشمل كل أحاديث الراوي بالقبول أو الرد.
    وهذا ما يدل عليه كلام أهل العلم في أحكام تلك المراتب، حيث أقاموا للنظر والاعتبار المتعلق بالرواية قيمة في النقد، ولم يجعلوا الحكم على أحاديث هذا النوع من الرواة منوطًا بمجرد الألفاظ المستعملة في وصفهم، كما سيأتي.
    ثانيًا: علاقة المصطلحات بالأحكام:
    إن اللفظ من ألفاظ الجرح أو التعديل، كما أنه حكمٌ، فهو أيضًا يتضمن حكمًا؛ هو حكمٌ مبنيٌّ غالبًا على سَبْرِ الناقد لحديث الراوي بما يتوفر له من القرائن، ثم التعبير عن ذلك بلفظٍ له حكمٌ ومقتضى.
    وهذا يقتضي أن القرائن التي استعملها الناقد في مرحلة السبر، قبل أن يصف الراوي بذلك اللفظ، تنبغي مراعاتها عند تحقيق مناط ذلك اللفظ في أي حديث من أحاديث ذلك الراوي [15].
    يوضح ذلك:
    أن مسار النقد عند الأئمة الأوّلين كان في الغالب مرتبًا على هذا النحو [16]:
    1- تتبع أحاديث الراوي، ونقد كل حديث منها بخصوصه، بما يتوفر من القرائن والاعتبارات.
    2- تحديد نسبة وقوع الغلط في حديث الراوي، بعد أن لا يظهر ارتياب في صدقه.
    3- التعبير بلفظ يدل على مدى الثقة في حفظ الراوي عمومًا (لفظ الجرح أو التعديل).
    أما مسار الحكم على الأحاديث عند مَن بعدهم، فقد أصبح مرتبًا على هذا النحو:
    1- مدى الثقة في حفظ الراوي عمومًا (لفظ الجرح أو التعديل).
    2- مرجحات في ذلك الحديث بخصوصه، وهي القرائن والاعتبارات.
    3- الحكم على الحديث.
    ومن الواضح أن اللفظ المعبر عن مدى الثقة في حفظ الراوي (لفظ التعديل أو الجرح) كان نتيجة عند أئمة النقد، فأصبح منطلقًا عند من بعدهم، وأن الناقد عبر بذلك اللفظ عن معنى عام يتعلق بالراوي، وليس من اللازم أن ينسحب على كلّ حديث من أحاديثه، بل يتفاوت ذلك بحسب دلالة اللفظ.
    وقد قال الحافظ ابن رجب في وصف طريقة أئمة النقد: "لهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه" [17].
    وليس مراد ابن رجب نفي الضوابط، وإنما أراد تفاوت جهات النظر من حديث إلى آخر، بحسب القرائن.
    وهذا الذي ذكره الحافظ ابن رجب ينصب على طريقة أئمة النقد السابقين، أما بالنسبة لمن جاء بعدَهم فيتعين اتخاذ أحكام الأوائل على الرواة سبيلًا للحكم على الأحاديث، مع الأخذ في الاعتبار أن ألفاظهم في وصف الرواة لا تتفاوت في المراتب فحسب، بل تتفاوت أيضًا في قوة اعتمادها عند الحكم على أحاديث بأعيانها:
    فبعض هذه الألفاظ غالبة اللزوم لأحكامها، مثل ملازمة لفظ "حجة" ولفظ "ثقة" لحكم "الاحتجاج" [18].
    وبعضها دائمة اللزوم لأحكامها، مثل ملازمة لفظ "متروك" و"ذاهب الحديث" لحكم "الترك".
    وبعضها لا تعدو أن تكون مرجحات توضع في كلّ حديث جنبًا إلى جنب سائر القرائن، مع ملازمتها غالبًا لحكمِ مطلق القبول للراوي المُعبّر عنه بقولهم "يُكتب حديثه"، ومع تفاوت قوتها في الترجيح بحسب قوة مراتبها.
    إن من المعلوم أن الرواية إخبار، فكل راو هو مخبر لمن دونه وشاهد على من فوقه بما أخبر، وكما قال الشافعي: "كلُّ واحدٍ منهم مُثبِتٌ لِمَنْ حدّثه، ومُثبِتٌ على مَنْ حدّث عنه" [19]، فإذا صَدَقَ خبرُ كلِّ راوٍ عَمّنْ فوقَه، فالحديث محفوظ، وإلا فلا، وهذا يعني أنه في كلّ خبر حتى يثبت لا مناص من تحقق أمرين:
    الأول: أن يكون كل راو سمع ذلك الخبر ممن فوقه.
    الثاني: أن يكون قد حفظه حتى أداه إلى من دونه.
    وعن الأول، انبثق شرط الاتصال والصدق.
    وعن الثاني، انبثق شرط الضبط.
    فالشروط في حقيقة الأمر تعود إلى هذه الثلاثة؛ لأن شرط الضبط ليس موقوفًا على ذلك الوصف الذي وُصِفَ به الراوي من ألفاظ الجرح والتعديل، بل المقصود بالضبط المتعلق بالرواية: أن يكون الراوي حَفِظَ تلك الرواية المعيَّنَة للدراسة، بحيث إذا ظهرت دلائل غلطه في ذلك الحديث ورجحت، انتفى شرط ضبطه لذلك الحديث، أو على الأقل وقع فيه تردد يقتضي ترك الاحتجاج به؛ وعليه، فإن اشتراط السلامة من الشذوذ والعلة يعود إلى اشتراط ضبط الراوي لذلك الحديث بخصوصه؛ لأن حفظ الرواية لا يستنبط دائمًا من اللفظ الذي وصف به الراوي، وإنما يؤخذ من مجموع أمرين: النظر الخاص بالحديث، واعتبار أوصاف رواته.
    والمقصود أن الضبط له متعلقان:
    الأول: الضبط الذي يتعلق بذات الراوي، وهو عَرَض، كسائر الأعراض البشرية، وهو المعنى الذي يعبر عنه في ألفاظ الجرح والتعديل، بعد أن يكون الراوي من أهل الصدق.
    الثاني: الضبط الذي يتعلق بذات الرواية، وهو حكم نقدي، ويدخله اجتهاد المتأهلين المنضبط بشروطه، كسائر الأحكام النظرية الاجتهادية.
    والعلاقة بين المعنيين: هي أن المعنى الأول يكشف عن مدى الثقة في حفظ الراوي، بحيث يكون ذلك حاضرًا عند النظر في ذلك الحديث، كأحد المرجحات لكون الحديث محفوظًا أو غير محفوظ، وليس باعتباره دائمًا الدليل الوحيد.
    وإذا كان مدى الثقة في حفظ الراوي رفيعًا، قوي استقلالُه في إنتاج الحكم بأن الحديث محفوظ، كما أن مدى الثقة في حفظ الراوي إذا كان ضئيلًا جدًا، قوي استقلاله في إنتاج الحكم بأن الحديث غير معتبر به، ولكن في حالة توسط الراوي أو اختلاف النقاد فيه، تقوى الحاجة إلى المرجحات الأخرى، ومن ذلك نشأ اصطلاح "الاعتبار" واصطلاح "النظر" في أحكام مراتب التعديل والجرح، كما سيأتي.
    على سبيل المثال، راويان: وقف الناقد من كليهما على دلائل الصدق، وتحقق من إتقان أحدهما، فوصفه بما يدل على ذلك، وظفر على الآخر بعدد من الأخطاء الدالة على قصور ضبطه، فعبر عن ذلك بواحدة من العبارات الدالة على توسطه في الضبط، أو أثنى عليه بما لا يدل على إتقان، أو أشار فيه إلى لين -: فقد اختلف حال الراويين، فاختلف اللفظان، ولكن الأهم أن اللفظين متفاوتان من حيث قوة اعتمادهما عند الحكم على حديث الراوي.
    وذلك أن اللفظ الدال على الإتقان، يقتضي أن يُحكم لأحاديث صاحبه بالاحتجاج، إلا أن يعارضه في حديث معين دليل أقوى من مقتضى ذلك اللفظ.
    أما اللفظ الآخر، فلا يؤخذ منه حكم عام، لأن الناقد عبّر به عن التفاوت في حفظ ذلك الراوي لأحاديثه، فغاية هذا اللفظ اعتبار معناه عند النظر في كلّ حديث لذلك الراوي.
    وعلى هذا دل كلام أهل العلم في أحكام مراتب التعديل والجرح، كما سيأتي.
    [1] يلاحظ نوع من التلاقي في معاني أدنى درجات التعديل مثل "صويلح" وأرفع درجات الجرح مثل "للضعف ما هو"، وأن تصنيفها قام على أساس ظاهر اللفظ.
    [2] يُنظر "الجرح والتعديل" (2/37).
    [3] الكفاية (ص23).
    [4] مقدمة ابن الصلاح (157-161).
    [5] وفي ذلك يقول الحافظ ابن حجر: "عكف الناس عليه، وساروا بسيره، فلا يُحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر". "نزهة النظر" (ص40).
    [6] بغير تنوين للوزن، أو بالتنوين مع ترك همزة ما بعده. فتح المغيث (2/109).
    [7] (1/4)
    [8] التقييد والإيضاح (ص157).
    [9] العمل النقدي بطبيعته لا يتفق مع الوقوف عند الظواهر.
    [10] شرح علل الترمذي (2/688).
    [11] صحيح مسلم (1/7)، في المقدمة.
    [12] الموقظة (ص52).
    [13] شرح علل الترمذي (1/424).
    [14] التنكيل (1/67).
    [15] وهذا يعني الحرص على أحكام النقاد السابقين باعتبارها دالة على قرائن ربما ظهرت لنا وربما غابت عنا؛ إذ لا سبيل إلى الوقوف على جميع ما كان في صدورهم من القرائن والاعتبارات، لكن الاسترشاد بإشاراتهم ممكن مع طول الممارسة وحسن التدبر.
    [16] لا حاجة إلى التذكير بأن ذلك لا يشمل الأئمة الحفاظ الكبار، ممن استفاض ذكرهم بالحفظ والمعرفة، فهؤلاء لا يتوقف توثيقهم على سبر أحاديثهم، بل إن أحاديثهم ميزان لأحاديث غيرهم، ومنهم جهابذة يزنون غيرهم. انظر "الجرح والتعديل" (1/6 تحت ما عنون له بـ "طبقات الرواة"، و(1/10 تحت ما عنون له بـ"مراتب الرواة"، الطبقة الأولى في الموضعين.
    [17] شرح علل الترمذي (2/582).
    [18] أما لفظ "حجة" فالأمر فيه واضح لصراحة دلالته، وأما لفظ "ثقة"، فهذا هو الأصل اعتبارًا للاصطلاح الغالب، إلا أن ترشد القرائن إلى أن الناقد توسع في استعماله وأراد مطلق الثقة.
    [19] "الرسالة" للإمام الشافعي (ص371-372).
    منقول











    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,516

    افتراضي رد: أحكام مراتب الجرح والتعديل

    أحكام مراتب الجرح والتعديل (2)


    ثالثًا: الأحكام الأربعة لمراتب التعديل والجرح:
    سبق أن ابن أبي حاتم كان له فضل السبق في ترتيب مراتب التعديل والجرح، وأن أهل العلم بعده زادوا ألفاظًا لم يذكرها ابن أبي حاتم مما يستعمله النقاد في التعديل والجرح، حيث لم يظهر أن ابن أبي حاتم قصد استيعاب تلك الألفاظ، كما أن الذين جاءوا من بعده لم يَدَّعِ أحدٌ منهم استيعابها، بل صرح الحافظ السخاوي أن ما زاده الحافظ العراقي كان بغير استقصاء، وقال: "فمن نظر كتب الرجال، ظفر بألفاظ كثيرة" [1].
    ولم تقتصر الزيادات بعد ابن أبي حاتم على جمع الألفاظ المستعملة في التعديل والجرح مما لم يذكره ابن أبي حاتم، بل تعدّت ذلك إلى استنباط مراتب أخرى؛ فكانت عند ابن أبي حاتم: أربعًا في التعديل ومثلَها في الجرح، وانتهت عند الحافظ السخاوي: ستًّا في التعديل ومثلَها في الجرح [2].
    إلا أن تلك الزيادات التي زادها المتأخرون في المراتب لا تُعَدّ من المقاصد، والغالب فيها مراعاة التوكيد في الصيغة، نحو مرتبة "أوثق الناس"، ومرتبة "لا يُسأل عن مثله"، ومرتبة "ثقة ثقة"، وهي ثلاث مراتب عند السخاوي فوق مرتبة "ثقة"، فلما كان ابن أبي حاتم قد ابتدأ بمرتبة "ثقة"، صارت المرتبة الأولى عنده تحلّ رابعة عند السخاوي، والخطب في ذلك يسير.

    أما أحكام مراتب التعديل والجرح عند ابن أبي حاتم فقد ظلّت كما هي عند اللاحقين له كافة، ولم يظهر منهم مخالفة في تعليق هذه الأحكام بمراتبها حسب دلالات الألفاظ على تحقق شرطي الصدق والضبط في الراوي: من حيث أصل معنى اللفظ، ومن حيث مدى دلالته على ذلك.
    وبذلك أضحت الأحكام بالاستقراء محصورة في:
    1- من يحتج به من الرواة.
    2- من يُكتب حديثه.
    3- من يُترك حديثه جملة.
    ثم الذين يكتب حديثهم درجات، تبدأ بمن نزل عن تحقق شروط الاحتجاج فيه شيئًا، وتنتهي بمن لم يصل إلى حدّ الترك، وهي الدرجات الأكثر عددًا، نظرًا لكثرة التفاوت بين الرواة.
    كما أن هذه الدرجات لما قَصُرَتْ عن تحقيق شروط الاحتجاج وارتفعت عن حد الترك صارت مجالًا لاعتبار القرائن وطلب المرجحات، وهو ما اصطلح على تسميته بالنظر والاعتبار، أي من يكتب حديثه وينظر فيه، ومن يكتب حديثه ويُعتبر به. ولذلك فإن الأحكام التي نص عليها ابن أبي حاتم، وجرى عليها من بعده، أربعة، وهي على الترتيب: الاحتجاج، ثم الكتابة للنظر، ثم الكتابة للاعتبار، ثم الترك.
    قال ابنُ أبي حاتم:
    "وجدتُ الألفاظ في الجرح والتعديل على مراتب شتى":
    فإذا قيل للواحد: إنه ثقة، أو: متقن ثبت، فهو ممن يُحتجّ بحديثه.
    وإذا قيل: إنه صدوق، أو: محله الصدق، أو: لا بأس به، فهو ممن يُكتَبُ حديثُه، ويُنظَرُ فيه، وهي المنزلة الثانية.
    وإذا قيل: شيخ، فهو بالمنزلة الثالثة، يُكتَبُ حديثُه، ويُنظَرُ فيه، إلا أنه دون الثانية.
    وإذا قيل: صالح الحديث، فإنه يُكتَبُ حديثُه للاعتبار.
    وإذا أجابوا في الرجل بـ"لين الحديث"، فهو ممن يُكتَبُ حديثُه، ويُنظَرُ فيه اعتبارًا.
    وإذا قالوا: ليس بقوي، فهو بمنزلة الأول [3] في كتبة حديثه.
    وإذا قالوا: ضعيف الحديث، فهو دون الثاني، لا يُطرَحُ حديثُه، بل يُعتَبَر به.
    وإذا قالوا: متروك الحديث، أو: ذاهب الحديث، أو: كذاب، فهو ساقط الحديث، لا يُكتَبُ حديثُه، وهي المنزلة الرابعة" [4].
    فذكر ابن أبي حاتم الأحكام الأربعة، وجعل الاحتجاج لمن دلّ وصفه على توفر الصدق والضبط فيه، وهي مرتبة واحدة، وجعل آخر مراتب التجريح: الترك لمن سقطت عدالته أو وصف بما يدل على وهائه الشديد
    وأما المراتب بين هاتين المرتبتين، فقد جمع بينها في حكم الكتابة، ثم جعل لبعضها حكم النظر، ولبعضها حكم الاعتبار، مع تفاوت ما بينها في ذلك.
    ثم جاء أبو بكر الخطيب فنقل كلام ابن أبي حاتم، وقال قبل ذلك: "فأما أقسام العبارات بالإخبار عن أحوال الرواة، فأرفعها أن يقال: حجة أو: ثقة، وأدونها أن يقال: كذاب أو: ساقط" [5].
    ثم جاء الحافظ ابن الصلاح، فذكر كلام ابن أبي حاتم، وزاد ألفاظًا يستعملها النقاد، لكنه لم يُدخل هذه الألفاظ في المراتب، وإنما ذكرها مرسلة اكتفاء بوجود نظائرها في المراتب التي عدّها ابن أبي حاتم [6].
    ثم جاء الحافظ الذهبي، فتابع التقسيم الرباعي في مراتب التعديل، مع إضافة صيغة التكرير للتوثيق، ورتب ألفاظ التجريح في خمس مراتب [7].
    ثم جاء الحافظ العراقي، فتابع الحافظ الذهبي [8].
    وأما الحافظ ابن حجر، فلم يسرد المراتب في "شرح النخبة"، بل اقتصر على أرفع مراتب التعديل وأدناها، وأسوأ مراتب التجريح وأسهلها [9].
    ثم جاء الحافظ السخاوي، فضم هذه الزيادات، وانتهت عنده المراتب إلى ست في حالتي التعديل والتجريح [10].
    وأما الأحكام، فقد بقيت على الحال التي ذكرها ابن أبي حاتم، فبعض هؤلاء لم يذكر الأحكام أصلًا، وبعضهم تابع ابن أبي حاتم في تعليق الأحكام بمراتبها، بحيث كانت الزيادات في المراتب تُعطَى أحكامُها بمراعاة ما جاء في كلام ابن أبي حاتم.
    فبقي الاحتجاج حكمًا لمن كان في المرتبة الأولى من مراتب التعديل عند ابن أبي حاتم، أو من وُصف بصيغة فوقها من باب أولى، كمن قيل فيه: "أوثق الناس"، أو: "أثبت الناس"، أو: "إليه المنتهى في التثبت"، ويلي ذلك من قيل فيه: "لا يسأل عن مثله"، ويليه من قيل فيه: "ثقة ثبت"، ونحوها من تكرير التوثيق، وهذا لا يضيف شيئًا إلى الأحكام، باعتبار أن تحقق الصدق والإتقان هو الوصف الذي نيط به حكم الاحتجاج.
    واستقر الترك لمن كان في مرتبة دون مرتبة من قيل فيه: "ضعيف"، وهذا يوافق كلام ابن أبي حاتم من حيث المعنى، وإن كان ابن أبي حاتم قد جمع في المرتبة الرابعة من مراتب التجريح ألفاظًا متفاوتة عند غيره.
    وتوبع ابن أبي حاتم على الأحكام التي ذكرها فيما بين ذلك، مع توجيه بعض تلك الأحكام بما يدل على صراحة الموافقة لابن أبي حاتم.
    فنقل ابن الصلاح قول ابن أبي حاتم في حكم ثانية مراتب التعديل: "يكتب حديثه وينظر فيه"، وقال: "هذا كما قال؛ لأن هذه العبارات (يعني: صدوق، ومحله الصدق، ولا بأس به) لا تشعر بشريطة الضبط، فينظر في حديثه ويختبر حتى يُعرف ضبطه" [11].
    وحصر السخاوي الاحتجاج في مرتبة من قيل فيه: "ثقة"، أو: "ثبت"، فما فوق، قال: "وأما التي بعدها (أي من مراتب التعديل)، فإنه لا يحتج بأحد من أهلها، لكون ألفاظها لا تشعر بشريطة الضبط، بل يكتبُ حديثهم ويُختبر" [12].
    وفي جانب الجرح، عدّ السخاوي مرتبة "ضعيف" وما فوقها ممن يخرج حديث أصحابها للاعتبار، وقال: "لإشعار هذه الصيغ بصلاحية المتصف بها لذلك، وعدم منافاتها له" [13].
    وهذا الاستعراض المجمل يستفاد منه ما يلي:
    1- أن كلام ابن أبي حاتم هو الأصل في معرفة أحكام المراتب.
    2- أن تعليق الأحكام بالمراتب روعي فيه دلالة الألفاظ على الصدق والضبط، وأن أكثر التفاوت كان بسبب تفاوت الضبط.
    3- أن الأحكام الصريحة [14]حكمان: الاحتجاج، والترك.
    4- أن الأحكام الدالة [15]حكمان: النظر والاعتبار، وهما يصاحبان صلاحية الراوي للكتابة عنه.
    5- أن ابن أبي حاتم استند في ذلك إلى الاستقراء، كما دلّ عليه صدر عبارته، ولم يكن غرضه بيان اصطلاحه الخاص.
    6 - أن هذا الاستقراء لم يدخل فيه التفصيل المبني على تشدد بعض النقاد وتساهل البعض واعتدال آخرين؛ ولذلك توبع ابن أبي حاتم على تلك الأحكام.
    يُبَيِّنُ ذلك أن التشدد والتساهل يؤثر في إطلاق الوصف على الراوي، لا في أصل دلالة اللفظ.
    معنى: الاحتجاج والاعتبار والترك:
    وأما تفسير هذه الأحكام الأربعة التي ذكرها أهل العلم، فقد حصل اتفاق على ثلاثة منها، وهي الاحتجاج، والاعتبار، والترك، وذلك أن معانيَها معروفة مشهورة، وتجري كثيرًا على ألسنة النقاد، فيذكرون الاحتجاج على معنى قبول الراوي فيما يتفرّد به، ويعنون بالترك طرح حديثه وترك الكتابة عنه، ويعنون بالاعتبار إجمالًا: أن الراوي دون من تحصل الطمأنينة بتفرده، فيُبحَث عمن يعضده لأجل قبول روايته.
    وقد يتوسعون في الاحتجاج، فيطلقونه على مطلق القبول فيشمل ما يرويه الراوي موافقًا لغيره، كما قد يتوسعون في الترك، فيعنون به ترك الاحتجاج، كما قد يتوسعون في الاعتبار، فيطلقونه على سبر حديث الراوي، أو الكتابة عنه للتعريف بحاله ومعرفة رواياته، وإنما يستدل على مثل ذلك بالسياق.
    فمن إطلاق الاعتبار على معنى السبر لحديث الراوي: قول ابن عدي في الحُرَيش بن الخِرّيت، أحد المقلين: "ولا أعرفُ له كثيرَ حديثٍ، فأعتبرَ حديثَه؛ فأعرفَ ضعفَه من صدقِه" [16].
    ومن إطلاق الاعتبار على معنى التعريف بحال الراوي ومعرفة رواياته: قول ابن حبان في النضر بن سلمة، شاذان، أحد المتهمين: "يسرق الحديث، لا يحل الرواية عنه إلا للاعتبار" [17]، وقوله في هارون بن زياد القشيري، أحد المتروكين: "يضع الحديث على الثقات، لا يحل كتب حديثه ولا الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار" [18].
    وقول ابن حبان يحتمل المعنى الذي أشرتُ إليه، وهو التعريف بحال الراوي ومروياته، ويحتمل معنى آخر، يشبه القصة المعروفة عن الإمام يحيى بن معين حينما رآه الإمام أحمد بصنعاء يكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس، فإذا اطلع عليه إنسان كتمه! فقال له أحمد: تكتب صحيفة معمر عن أبان، وتعلم أنها موضوعة!! فلو قال لك قائل: أنت تتكلم في أبان، ثم تكتب حديثه على الوجه؟! فقال: رحمك الله يا أبا عبد الله، أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق عن معمر على الوجه فأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء بعدُ إنسانٌ فيجعل بدل أبان ثابتًا ويرويها عن معمر عن ثابت عن أنس، فأقول له: كذبت! إنما هي عن معمر عن أبان؛ لا عن ثابت [19]. فأنت ترى أن الإمام أحمد تعجب من كتابة يحيى هذه الصحيفة، لأن حكمها الترك، فهي موضوعة، ولكن يحيى بيّن أنه يكتبها ليعتبر بها أخطاء الرواة أو يكتشف بها كذبهم، إذا رووها بالإبدال.
    ومن إطلاق الاحتجاج على معنى مطلق القبول: قول ابن حبان في ترجمة عبد الحميد بن سليمان من "المجروحين": "كان ممن يخطئ ويقلب الأسانيد، فلما كثر ذلك فيما روى، بطل الاحتجاج بما حدث صحيحًا، لغلبة ما ذكرنا على روايته" [20].
    أي أنه لما غلب عليه الغلط، وصار يُخشى من غلطه حتى مع موافقة الثقات، بطل قبوله فيما وافقه غيره عليه، وتُرك جملة [21].
    ومن إطلاق الترك على معنى ترك الاحتجاج: قول الدارقطني في عمر بن إبراهيم العبدي: "لين، يُترك" [22]. وليس في ترجمة عمر بن إبراهيم ما يدل على تركه [23]، ولا عبارة الدارقطني بمجموعها تدل عليه، بل قد قال الدارقطني: "إذا قلت: فلان لين، لا يكون ساقطًا متروك الحديث" [24].
    وغالب إطلاقات النقاد تجري على التفريق بين الاحتجاج والاعتبار، وعلى أن الاحتجاج يراد به ما يكون عند التفرد، وعلى أن الترك يعني طرح حديث الراوي وترك كتابته، وعلى أن الاعتبار بالراوي يعني قبوله في الشواهد والمتابعات.
    ال أحمد بن حنبل: "ما حديثُ ابنِ لهيعة بحجّة، وإني لأكتب كثيرًا مما أكتبُ أعتبرُ به، وهو يُقوّى بعضُه ببعض" [25].
    وقال أيضًا: "ابن لهيعة، ما كان حديثه بذاك، وما أكتب حديثه إلا للاعتبار والاستدلال، إنما قد أكتب حديث الرجل كأني أستدل به مع حديث غيره يشده، لا أنه حجة إذا انفرد" [26].

    والاستدلال هنا يريد به أحمد: الاعتبار، كما هو ظاهر السياق، وجعل الاحتجاج مختصًا بحالة الانفراد.
    وقال ابن أبي حاتم: "سألتُ أبا زرعة عن أبي الزبير، فقال: روى عنه الناس. قلتُ: يُحتجّ بحديثه؟ قال: إنما يُحتجّ بحديث الثقات" [27].

    وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبى عن مروان بن سالم، فقال: منكر الحديث جدًا، ضعيف الحديث، ليس له حديث قائم، قلت: يُترَك حديثُه؟ قال: لا، بل يُكتَب حديثُه" [28].
    وشواهد ذلك أكثر من أن تُحصى.

    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـ
    [1] فتح المغيث (2/ 109)، بتصرف.
    [2] فتح المغيث (2/ 109 - 110)، ثم (2/ 120).
    [3] أي الذي قبله، وهذا يدل على أن الذي قبله أول مراتب الجرح، وأن المراتب الأربع قبل ذلك هي مراتب التعديل.
    [4] الجرح والتعديل (2/ 37). ومما يجدر التنبيه عليه: أن الإمام ابن أبي حاتم لم يذكر مراتب ألفاظ الجرح والتعديل وأحكامها في غير هذا الموضع من كتابه، وأما مراتب الرواة وطبقاتهم فقد ذكرهم في موضعين في مقدمة كتابه، كما سأشير إليه لاحقًا بإذن الله.
    [5] الكفاية (ص22 - 23).
    [6] مقدمة ابن الصلاح (ص160 - 161).
    [7] ميزان الاعتدال (1/ 4).
    [8] شرح ألفية العراقي، للعراقي (2/ 3، 10)، لكن قال: "مراتب التعديل على أربع أو خمس طبقات"، فقد تردد.
    [9] نزهة النظر (ص136 - 137). وأما المراتب التي ذكرها في كتابه "التقريب"، فهي اصطلاح كتاب، وليست بيانًا لاصطلاح عام، وإن كان قد شارك الاصطلاح العام في جمهور ما شرحه من المراتب، ويكفي للدلالة على ذلك: اصطلاحه في كلمة "مقبول"، إذ لا يُعرف هذا الاصطلاح لغيره - رحمه الله.
    [10] فتح المغيث (2/ 108 - 130)، مع شرحها وبيان أحكامها وما يتصل بذلك.
    [11] مقدمة ابن الصلاح (ص158).
    [12] فتح المغيث (2/ 116)، والاختبار عند السخاوي هو تفسيره للنظر عند ابن أبي حاتم، وسيأتي.
    [13] فتح المغيث (2/ 125).
    [14] لأن الحكم منصوص عليه، فالاحتجاج قبول، والترك رد.
    [15] لأن تسمية ذلك حكمًا لا يخلو من تجوز، بل هو دال على معنى يُضم إلى القرائن، مع أن ذلك المعنى يتفاوت بحسب دلالة اللفظ، لكنه دون الاحتجاج الصريح، وفوق الترك.
    [16] لكامل (2/ 442).
    [17] كتاب "المجروحين" (3/ 51).
    [18] كتاب "المجروحين" (3/ 94).
    [19] انظر: الجامع لأخلاق الراوي (2/ 192)، تاريخ ابن عساكر (65/ 25)، تهذيب الكمال (31/ 575)، شرح علل الترمذي (1/ 383).
    [20] كتاب المجروحين (2/ 141)، ولم أقف على هذا الاستعمال عند غير ابن حبان.
    [21] لأن مجرد الموافقة لا تدل على أن الراوي حفظ الحديث، لا سيما إذا كان الراوي يغلط في عامة ما يرويه، وكذلك المتهم في صدقه لا يُنظر فيمن تابعه، لأنه لا يوثق في صدقه حتى وإن وافق الثقات.
    [22] سؤالات البرقاني (رقم349).
    [23] له ترجمة مفصلة في باب الرواة الذين قال فيهم البخاري: "مقارب الحديث".
    [24] الكفاية (ص23).
    [25] تهذيب الكمال (15/ 493)، شرح علل الترمذي (1/ 420).

    [26] شرح علل الترمذي (1/ 385).
    [27] الجرح والتعديل (8/ 75).
    [28] نفسه (8/ 274).








    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,516

    افتراضي رد: أحكام مراتب الجرح والتعديل

    أحكام مراتب الجرح والتعديل (3)

    الراوي يُختبر ضبطه في نفسه بالنظر في أحاديثه جملة، وأنه قبل استيفاء النظرِ المُبَيِّنِ لحال الراوي، فليس أمام من احتاج إلى حديث من أحاديثه إلا أن يعتبر ذلك الحديث عند غير ذلك الراوي.
    التصنيفات: الحديث وعلومه - النهي عن البدع والمنكرات - الجرح والتعديل وعلومه -
    معنى: يُكتب حديثُه ويُنظر فيه:
    سبق أن الإمام ابن أبي حاتم ذكر في سياق مراتب التعديل والجرح أربعةَ أحكام: الاحتجاج، والنظر، والاعتبار، والترك، وسبق الكلام على ثلاثة منها، وهي: الاحتجاج والاعتبار والترك.
    وأما حكم "النظر"، فهو الذي عبّر عنه بقوله: "يُكتب حديثُه، ويُنظر فيه"، وذلك في مرتبتين من مراتب التعديل، وهما المرتبة الثانية والمرتبة الثالثة، فقال: "وإذا قيل: إنه صدوق، أو: محله الصدق، أو: لا بأس به، فهو ممن يُكتَبُ حديثُه ويُنظَرُ فيه، وهي المنزلة الثانية. وإذا قيل: شيخ، فهو بالمنزلة الثالثة، يُكتَبُ حديثُه ويُنظَرُ فيه، إلا أنه دون الثانية".
    وقبل الكلام على الأوجه المحتملة في تفسير "يكتب حديثه ويُنظر فيه" يحسن توضيح العلاقة بين الأحكام الأربعة عند ابن أبي حاتم من جهة الرتبة، فهي كما يلي:
    1- المرتبة الأولى في التعديل، حكمها: الاحتجاج.
    2- المرتبة الثانية في التعديل، حكمها: الكتابة والنظر.
    3- المرتبة الثالثة في التعديل، حكمها: الكتابة والنظر، إلا أنها دون الثانية.
    4- المرتبة الرابعة في التعديل، حكمها: الكتابة والاعتبار.
    5- المرتبة الأولى من الجرح، حكمها: الكتابة والاعتبار [1].
    6- المرتبة الثانية من الجرح، حكمها: الكتابة والاعتبار، بمنزلة الأولى من جهة الحكم.
    7- المرتبة الثالثة من الجرح، حكمها: الكتابة والاعتبار، إلا أنها دون الثانية.
    8- المرتبة الرابعة من الجرح، حكمها: ترك الكتابة.
    ومن هذا العرض يظهر أن ابن أبي حاتم التزم سياقًا يدل على أن هذه الأحكام متدرجة، لأنه جعل النظر في المرتبتين اللتين تليان مرتبة الاحتجاج مباشرة، ثم استعمل الاعتبار في أربع مراتب متوالية تقع بعد المرتبتين اللتين حكمهما: النظر، قبل أن يختم بالمرتبة التي جعل حكمها الترك.
    وهذا ظاهره: التفريق بين النظر والاعتبار، وأن النظر فوق الاعتبار، وأنه يقع في مرتبة وسيطة بين الاحتجاج وبين الاعتبار.
    وأما المعاني التي يحتملها قول ابن أبي حاتم: "يكتب حديثه وينظر فيه"، فهي:
    الأول: أنه مثلُ قوله: "يكتب حديثه للاعتبار". وهذا الوجه يُعترض عليه بأن الأصل المغايرة بين معنى اللفظين، لا سيما مع التزام ابن أبي حاتم سياقًا يدل على التفريق بينهما كما سبق قبل قليل.
    الثاني: أن قول ابن أبي حاتم: "ينظر فيه" دليل على عدم استيفاء البحث الكافي لمعرفة حال الراوي من الاحتجاج أو الاعتبار، فيتعين النظر في حديثه واختباره ثم الحكم لذلك الراوي بما يليق. وعلى هذا يدل كلام ابن الصلاح والسخاوي.
    قال ابن الصلاح: "فيُنظر في حديثه ويُختبر حتى يُعرف ضبطُه. وإن لم يُسْتَوْفَ النظرُ المُعَرِّفُ لكون ذلك المحدّث في نفسه ضابطًا مطلقًا، واحتجنا إلى حديث من حديثه، اعتبرنا ذلك الحديث ونظرنا هل له أصل من رواية غيره" [2]. وتابعه السخاوي [3].
    ومعنى هذا الكلام: أن الراوي يُختبر ضبطه في نفسه بالنظر في أحاديثه جملة، وأنه قبل استيفاء النظرِ المُبَيِّنِ لحال الراوي، فليس أمام من احتاج إلى حديث من أحاديثه إلا أن يعتبر ذلك الحديث عند غير ذلك الراوي.
    ويُعترض على هذا التفسير بأربعة اعتراضات، وهي:
    1- أن ذلك يقتضي أن الراوي الموصوف بلفظ من تلك الألفاظ التي حكمُها الكتابةُ والنظرُ، لم يتبين أمره للناقد أو لم يَسْتَوْفِ النظرَ في حديثه، وهذا خلاف ما يدل عليه تتبع مواضع إطلاق تلك الألفاظ كما هو معروف، فإن الكثير من تلك المواضع لا يستريب من مرّ بها في أن الناقد عرف ذلك الراوي وخبر حديثه، وأنه حكم عليه بمقتضى ما بلغه اجتهاده.
    2- كما أن هذا التفسير يقتضي أن الناقد الذي أطلق ذلك الوصف لم يحكم على ذلك الراوي بحكم نهائي، ولكن طلب استئناف الحكم ممن يأتي بعده، وهذا فيه إلغاء لدلالة هذه الأوصاف على مدى الثقة بالراوي، وهو خلاف الأصل.
    3- ثم من ذا الذي سيملك القدرة على الوصول إلى نتيجةٍ في راوٍ لم يَصِلْ فيه أئمةُ النقدِ إلى نتيجة، وإنما غاية اجتهادِ المتأخرِ أن يتدبّرَ أقوالَ السابقين ويفهمَ مقاصدَهم.
    4- وبناء على ذلك، فإن هؤلاء الرواة سيؤول أمرهم إلى حكم الاعتبار حسبُ، لأن استيفاء النظر شرطٌ إذا لم يتحقق فالحكم عند ابن الصلاح: الاقتصار على الاعتبار، وهذا فيه مخالفة لما دلّ عليه سياق كلام ابن أبي حاتم من التفريق بين الحكمين، ويتضمن إنزال هؤلاء الرواة دون منازلهم.
    يضاف إلى ذلك: أنه يلزم من أخذ بهذا القول في تفسير عبارة "يكتب حديثه وينظر فيه": أن لا يحتج بحديث الموصوفين بألفاظ المرتبة الثانية والثالثة، ومنها لفظ "صدوق" و"لا بأس به"، بل لا يسوغ له إلا أحد شيئين: إما أن يدرس حال الراوي دراسة مستوفاة ليختبر ضبطه، أو أن يقتصر على اعتبار حديثه المعين بحديث غيره!
    وهذا اللازم يقتضي: إما نقد مسلك الاحتجاج بحديث من قيل فيه "صدوق" ونحوها، أو نقد كلام ابن الصلاح والسخاوي في تفسير عبارة "يكتب حديثه وينظر فيه"، وذلك أنهما شرحا تلك العبارة ليس على أنها اصطلاح لابن أبي حاتم، ولكن على أنها اصطلاح عام.
    وبكل حال، فإن هذا الموضع يدل صراحة على أن ابن الصلاح لا يختار الاحتجاج بحديث أصحاب هذه الرتب، فمن أراد معرفة مذهب ابن الصلاح في كلمة "صدوق" ونحوها، فليس صحيحًا أن يتجاوز صريح عبارته هنا ويذهب إلى مواضع تحتمل في مقتضاها أكثر من وجه.
    بل إن هذا ظاهر مذهب عامة المصنفين في علوم الحديث، ومنهم الحافظ السخاوي -وهو من أخص تلاميذ الحافظ ابن حجر- والحافظ السيوطي وغيرهما.
    الثالث: أن قول ابن أبي حاتم: "يكتب حديثه وينظر فيه" يفيد الاحتجاج بالراوي، لكن يشترط قبل الاحتجاج التحقق من ملازمة الراوي لوصف الضبط في ذلك الحديث بخصوصه، وهذا يعني أن حظه من الضبط يؤهله للاحتجاج، لكن بما أنه دون من يوصف بالإتقان صار من الاحتياط النظر في أحاديثه خشية غلطه، ولازم ذلك أنه يحتج به في الأصل حتى يتبين الغلط [4].
    وهذا الوجه أقرب من الوجهين اللذين قبله، لأنه وافق دلالة سياق كلام ابن أبي حاتم في التفريق بين الاحتجاج والنظر والاعتبار، ووافق دلالة كلمة "ينظر فيه"، ولكنه أضاف شيئًا لا يدل عليه كلام ابن أبي حاتم، وهو أن الراوي معروف بالضبط، وإنما ينظر فيه للتيقن من ملازمته حالة الضبط المعروف بها، وهذا فيه نقاش؛ لأن كون الراوي معروفًا بالضبط استنتاج ليس في كلام أهل العلم ما يدل عليه، بل قد صرّحوا، كما سبق، أن هذه الألفاظ لا تشعر بشريطة الضبط.
    الرابع: أن قول ابن أبي حاتم: "يكتب حديثه، وينظر فيه" يقتضي التحقق من حفظ الراوي لكل حديث من أحاديثه بالنظر في القرائن الداخلية الملابسة للرواية والقرائن الخارجية التي هي أوسع من مجرد المتابعة، فهو وسط بين الاحتجاج والاعتبار، وله من كليهما نصيب، مع ترك الحكم على حديثه بحكمٍ عامٍ ابتداء، لصريح قول ابن أبي حاتم: "يُنظر فيه".
    والفرق بين الراوي الذي يحتج بحديثه وبين الراوي الذي ينظر في حديثه: أن الطمأنينة لما يتفرد به الثاني دونها فيما يتفرد به الأول، لما في الثاني من قصور الضبط، فيحتاج إلى نظر في القرائن، ولا يحكم له إلا بعد استيفاء النظر.
    والفرق بين الراوي الذي ينظر فيه والراوي الذي يعتبر به: أن الأول قد يقبل تفرده في بعض الأحاديث نظرًا لما يحتف بها من القرائن الداخلية أو الخارجية الدالة على أنه حفظ ذلك الحديث، وأما الثاني فيقتصر قبوله على اعتبار حديثه بحديث غيره من أهل الحفظ.
    وهذا القول الرابع هو الأقرب في معنى "يكتب حديثه، وينظر فيه" [5]، للأدلة التالية:
    الدليل الأول: أن سياق كلام ابن أبي حاتم يقتضي أن النظر درجة تحل وسطًا بين الاحتجاج والاعتبار، كما سبق بيانه.
    الدليل الثاني: أن التفاوت الكبير في ضبط الرواة يبعد معه أن يكون الانتقال من الاحتجاج إلى الاعتبار انتقالًا حدّيًا، بحيث يكون الراوي العدل: إما مقبولًا حال التفرد، أو لا يقبل بحال إلا عند الموافقة؛ بل إن كلام ابن أبي حاتم دل على أن النظر نفسه له مرتبتان قبل مراتب الاعتبار، وإن إحدى مراتب النظر دون المرتبة الثانية.
    الدليل الثالث: قول ابن رجب في وصف طريقة أئمة النقد: "لهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه" [6]، ينطبق أكثر ما ينطبق على الرواة المتوسطين بين الثقة والضعف؛ لأن هؤلاء هم أكثر من يحصل التفاوت في ضبطهم لأحاديثهم، ولا ريب أن للمرجحات أثرًا في نقد الأئمة لمروياتهم، ومن التحَكُّم: حصر تلك المرجحات في المتابعات دون سائر القرائن، فإذا اختص مصطلح الاعتبار بالمتابعات، اقتضى ذلك أن يوجد مصطلح يشمل غيرها من القرائن، وهذا المصطلح هو النظر.
    الدليل الرابع: أن إعلال الأحاديث كما أنه يستند إلى الاعتبارات وإلى القرائن الداخلية والخارجية، وبناء على ذلك ربما يحكم على الراوي الثقة بأنه لم يحفظ ذلك الحديث؛ فكذلك الحكم للراوي النازل عن رتبة الإتقان بأنه حفظ حديثًا معينًا يستند إلى الاعتبار وإلى النظر في القرائن عمومًا؛ لأن جهة النقد تنصب في الحالتين على ترجيح كون الحديث محفوظًا أو غير محفوظ، فمهما ظفر الناقد بأدلة ترجح أحد الأمرين حكم بما دل عليه اجتهاده.
    الدليل الخامس: ما يوجد في كلام الأئمة من الشواهد الدالة على اعتماد القرائن الداخلية في الترجيح، مثل أن يكون في الحديث قصة [7]، أو أن يأتي الراوي الصدوق المستضعف في حفظه بسياق لا يسبق إلى ذهن سيء الحفظ [8]، ونحو ذلك من الاستدلالات التي وإن لم تُعَدّ ضوابط كلية، إلا أنها لم تهمل، بل الأمر فيها متفاوت -كالأمر في أسباب إعلال أحاديث الثقات- تارة تستعمل لترجيح كون الحديث محفوظًا، وتارة يكون الظن بأنه غير محفوظ أقوى من الظن الحاصل بمثل هذه المرجحات.
    الدليل السادس: أن المتتبع للممارسة النقدية عند الأئمة يجد الكثير من الشواهد على حالات لا تدخل تحت مرتبة الاحتجاج، وهي أرفع من مرتبة الاعتبار، وتعدّ موافقة للتفسير المتقدّم لمصطلح "النظر".
    ومن ذلك:
    قال البخاري: "رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن عبد الله والحميدي وإسحاق بن إبراهيم يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده" [9]. وهو احتجاج يستند إلى النظر في كل حديث؛ لأن عمرو بن شعيب متكلم في روايته عن أبيه عن جده من جهتين: أنها وجادة، وأنه يقع فيها مناكير [10].
    يدل على ذلك: قول الأثرم: "سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، سئل عن عمرو بن شعيب، فقال: أنا أكتب حديثه، وربما احتججنا به، وربما وجس في القلب منه" [11]. وقول أبي داود: "سمعت أحمد ذُكر له عمرو بن شعيب، فقال: أصحاب الحديث: إذا شاءوا احتجوا به، وإذا شاءوا تركوه" [12]. أي بحسب ما يترجح عندهم من النظر في كلّ حديث [13].
    قال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، والحميدي، يحتجون بحديثه يعني: عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو مقارب الحديث [14].
    ولم ينقل عن أحمد لفظ في تعديل ابن عقيل، مع أنه استضعفه في غير رواية عنه [15]، ولكن مراد البخاري أنهم كتبوا عنه، واحتجوا ببعض حديثه، أي أن له نصيبًا من الاحتجاج، هو مطلق الاحتجاج، وليس كالاحتجاج بالثقات، بدليل أن البخاري وصفه بما يقتضي أنه عنده دون الثقات. ويؤيد ذلك أن أحمد بن حنبل صحح لابن عقيل حديثًا تفرّد به، وتابعه البخاري على تصحيحه، وتابعهما الترمذي، وهو حديثه عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش رضي الله عنها، في الاستحاضة [16].
    تكلّم جمهور النقاد في حفظ يزيد بن أبي زياد، في أول أمره وآخره، وأشار طائفة منهم إلى أنه تغير بأَخَرة وأصبح يتلقن، فصار أضعف مما كان [17].
    ومع ذلك فقد قبل منه الأئمة حديثًا رواه قبل التغير، وردوا لفظًا زاده في ذلك الحديث بأَخَرَة، وهو حديثه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه.
    أخرجه الحميدي في "مسنده" 2/ 316 رقم724، عن سفيان بن عيينة عنه، وقال: قال سفيان: وقدمت الكوفة، فسمعته يحدث به، فزاد فيه: "ثم لا يعود"، فظننت أنهم لَقّنوه.
    وأخرجه البخاري في "جزء رفع اليدين" ص117-جلاء العينين رقم34، عن الحميدي به. وقال البخاري: وكذلك روى الحفاظ، من سمع من يزيد بن أبي زياد قديمًا، منهم الثوري وشعبة وزهير، ليس فيه "ثم لم يَعُدْ".
    فقبولهم للحديث قبل التغير ليس من جهة الاحتجاج بيزيد بن أبي زياد كالاحتجاج بالثقات، ولكن من جهة النظر في القرائن الذي هو أوسع من طلب المتابعة الخاصة، فمع أن هذا الحديث كما رواه يزيد قديمًا له شواهد، إلا أنه تفرد بالسند، فاعتمدوه فيه، وهو اعتماد نسبي يقتضي ترجيح أنه حفظ ذلك الطريق بخصوصه.
    فهذه ستة أدلة ترجح أن معنى قول ابن أبي حاتم: "يكتب حديثه، وينظر فيه"، أي: ينظر في حديثه المعين، ولا يحكم له بشيء كلي كما يحكم للثقات.
    لكن لا بدّ من التنبيه على أن الرواة المشمولين بهذا الحكم ليسوا مرتبة واحدة، بل يتفاضلون، كما أن الرواة المشمولين بحكم الاحتجاج أو حكم الاعتبار يتفاضلون، وبناء على ذلك، فيمكن القول بأن بعض الرواة يُغَلّب جانب الاحتجاج بهم، وبعضهم يُغَلّب جانب ترك الاحتجاج بهم، مما يعني ضرورة دراسة ترجمة الراوي بالتفصيل لمعرفة ما أخذه عليه النقاد والقياس عليه عند النظر في حديث معين له.
    ثم لا ريب أن تفقد القرائن أخفى من تفقد المتابعات، وأن لأئمة النقد الأوائل من ذلك قدرًا لا يبلغُ مَنْ بعدهم أَقَـلَّـه؛ فصار الاعتداد بالقرائن عند من بعدهم مرهون بأحكام الأوائل، فإذا وقف المتأخر على حديث يرويه راو صدوق موصوف بما يدل على لين الحفظ، ووجد قولًا بقبوله لأحد الأئمة المعتبرين أو لأكثر، ولم يجد فيهم مخالفًا؛ فإنه لا يحسن الحكم بضعفه لمجرّد أن ذلك الراوي اللينَ حفظُه قد تفرّد به، وعلى ذلك يحمل قبول الأحاديث التي أخرجها الشيخان في "الصحيحين" على سبيل الانتقاء. مع أن الذي يجتهد في البحث عن القرائن، ويكون على إلمام كافٍ بمذاهب الأئمة، سيقف على شيء منها في ذلك الحديث بتوفيق الله تعالى، وستكون طريقًا له في فهم نظائرها.


    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـ
    [1] قول ابن أبي حاتم في هذه المرتبة: "يُكتَبُ حديثُه، ويُنظَرُ فيه اعتبارًا"، لم يطلق النظر، بل جعله نظرًا مقيدًا بالاعتبار، فصار بمعنى: "يكتب حديثه للاعتبار"، وهذا يتفق مع تسلسل الأحكام بحسب المراتب.
    [2] مقدمة ابن الصلاح (ص158).
    [3] فتح المغيث (2 / 116 - 117).
    [4] انظر: بحث "دلالة النظر والاعتبار عند المحدثين في مراتب الجرح والتعديل"، ضمن مجلة البحث العلمي والتراث الإسلامي، الصادرة عن مركز البحث العلمي في جامعة الملك عبد العزيز، العدد الثاني، ص:53-62، للدكتور أحمد محمد نور سيف، ويؤخذ عليه أنه فسّر كلام السخاوي بهذا التفسير، مع أن السخاوي في "فتح المغيث" (2 / 116 - 117) إنما نقل قول ابن الصلاح في هيئة المقر له، وكلام ابن الصلاح كما سبق صريح في أن الاختبار لمعرفة ضبط الراوي في نفسه، لا ضبطه في ذلك الحديث بخصوصه.
    [5] مال إلى هذا القول: فضيلة الشيخ الدكتور إبراهيم بن عبد الله اللاحم، وهو أحد أعلام الباحثين المعاصرين في الحديث وعلومه. انظر كتابه "الجرح والتعديل" (ص300). ومن حقي أن أشير هنا إلى أنني توصلتُ إلى هذه النتيجة في أثناء البحث المشار إليه في صدر هذا الموضوع، قبل الوقوف على كلامه (حفظه الله)، ولكني كنتُ مترددًا في تقييده برغم ما ذكرتُه من الأدلة لقوة اتصال هذه المسألة بحكم حديث الصدوق ومن في مرتبته، وعندما وقفتُ على كلامه (وفقه الله) زال التردد.
    [6] شرح علل الترمذي (2/ 582).
    [7] قال أحمد بن حنبل: "إذا كان في الحديث قصة دل على أن راوية حفظه". "هدي الساري" (ص382)، عند الحديث الثاني والأربعين، من الفصل الثامن.
    [8] انظر مثالًا صريحًا على ذلك في كتاب "العلل" لا بن أبي حاتم (1 / 171)، فقد رجح أبو حاتم سياقًا أتى به ابن لهيعة، فسأله ابنه عن وجه ذلك، فقال: "لأن في رواية ابن لهيعة زيادة رجل، ولو كان نقصان رجل كان أسهل على ابن لهيعة حفظه". وفي ترجمة أشعث بن سوار من الباب الثاني في هذا البحث، عند دراسة حديث له مال البخاري إلى أنه محفوظ، يُنظر توجيه اختيار البخاري.
    [9] التاريخ الكبير (6/ 342 - 343).
    [10] النبلاء (5 / 175). ولعمرو بن شعيب ترجمة مطولة في "تهذيب التهذيب" (8/ 48 - 55)، كما أن له ترجمة في هذا البحث عند دراسة حديث لعبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، في الفصل الأول من الباب الأول.
    [11] الجرح والتعديل (6/ 238).
    [12] سؤالات أبي داود (رقم216). والمقصود بالترك هنا: ترك الاحتجاج، وليس الترك الاصطلاحي.
    [13] يُنظر: ص:371-372، من هذا البحث.
    [14] "جامع الترمذي" (1/ 9)، أبواب الطهارة، باب: ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور، بلفظ "كان أحمد بن حنبل.." الخ. و"العلل الكبير" (ص22)، باب مفتاح الصلاة الطهور، بهذا اللفظ.
    [15] له دراسة موسعة في قسم الرواة الذين قال فيهم البخاري: "مقارب الحديث" من هذا البحث.
    [16] انظر (ص:445-446) من هذا البحث.
    [17] ترجمته في: تهذيب الكمال (32/ 135)، سير أعلام النبلاء (6/ 129)، ميزان الاعتدال (4/ 423)، تهذيب التهذيب (11/ 329). وله ترجمة موسعة في الفصل الأول من الباب الثاني من هذا البحث، في قسم الرواة الذين قال فيهم البخاري: "صدوق".
    منقول










    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    20,516

    افتراضي رد: أحكام مراتب الجرح والتعديل

    أحكام مراتب الجرح والتعديل (4)



    موازنة بين مراتب الرواة عند ابن أبي حاتم:
    سبق أن الإمام ابن أبي حاتم فصّل القول في مراتب ألفاظ التعديل والجرح وأحكامها في موضع واحد من كتابه "الجرح والتعديل"، وذلك في خُطبة الكتاب، وأنه قد وافقه على ذلك جماعة المصنفين في علوم الحديث، ويمكن الوقوف على موافقاتهم بمراجعة النوع الثالث والعشرين من أنواع علوم الحديث عند ابن الصلاح ومن جاء بعده كالنووي والعراقي والسخاوي والسيوطي، فإنهم جميعًا، على المستوى النظري، ما بين متابع له وبين مستدل لكلامه.
    وعبارة ابن أبي حاتم في ذلك الموضع لا تدل على أن كلامه على الألفاظ ومراتبها وأحكامها: اصطلاحٌ خاصٌّ به، بل صَرَّحَ في صدرها بما يدلُّ على أنه أراد الاصطلاح العام، لقوله: "وجدتُ الألفاظ في الجرح والتعديل على مراتب شتى". وكلام جماعة المصنفين في "المصطلح" يدل على ذلك.
    وهذا لا يعني نفي أثر التشدد والتساهل والاعتدال في إطلاق تلك الألفاظ أو في الحكم على أحاديث معينة لبعض الرواة المتكلم فيهم أو ممن قصر ضبطهم عن ضبط الثقات، فإن النقاد يتفاوتون في ذلك ويختلفون في مواضع كما يختلف أهل العلم في سائر مسائل العلم.
    ومن ذلك:قول ابن تيمية: "وأما قول أبي حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به، فأبو حاتم يقول مثل هذا في كثير من رجال الصحيحين، وذلك أن شرطه في التعديل صعب، والحجة في اصطلاحه ليس هو الحجة في اصطلاح جمهور أهل العلم" [1].
    ليس معنى كلام ابن تيمية أن أبا حاتم يستعمل لفظ "حجة" في غير معناه المتعارف عليه، ولكن معناه أن أبا حاتم له شرط صعب في التعديل، فلا يصل عنده الراوي إلى درجة الاحتجاج قبل تجاوز هذا الشرط الصعب. وأما معنى الحجة فهو عند أبي حاتم كمعناه عند غيره، بل لا يصح أن يكون في معنى "الحجة" خلاف، لأن معناه صريح لفظه!
    والمقصود أن ما قرره ابن أبي حاتم في الموضع المشار إليه آنفًا هو شيء تَوَصَّلَ إليه بالاستقراء، وأن عامة الذين جاءوا بعده وافقوه نظريًا.
    فهذا ما يتعلق بما ذكره ابن أبي حاتم من المراتب في خطبة كتابه.
    ومما يجدر التنبيه عليه: أن ابن أبي حاتم قد بيّن مراتب الرواة وطبقاتهم في "مقدمة الجرح والتعديل" في موضعين، وذكر أحكامًا يبدو للوهلة الأولى أنها لا تتفق مع كلامه في خطبة كتابه، ولأجل توضيح هذا النقطة وإزالة اللبس، لا بد من نقل كلام ابن أبي حاتم، وموازنة بعضه ببعض.
    قال ابن أبي حاتم في الموضع الأول في بيان طبقات الرواة [2]:
    1- ويُعرَف من كان منهم عدلًا في نفسه، من أهل الثبت في الحديث والحفظ له والإتقان فيه، فهؤلاء هم أهل العدالة.
    2- ومنهم الصدوق في روايته، الورع في دينه، الثبت الذي يهم أحيانًا، وقد قبله الجهابذة النقاد، فهذا يُحتجّ بحديثه أيضًا.
    3- ومنهم الصدوق الورع المغفل، الغالب عليه الوهم والخطأ والسهو والغلط، فهذا يُكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب، ولا يُحتجّ بحديثه في الحلال والحرام.
    4- ومنهم من قد ألصق نفسه بهم، ودلّسها بينهم، ممن قد ظهر للنقادِ العلماءِ بالرجالِ منهم الكذبُ، فهذا يُترك حديثُه ويُطرح روايتُه ويسقط ولا يُشتغل به". تقدمة الجرح والتعديل (1 /6 - 7).

    وقال في الموضع الآخر في بيان مراتب الرواة المقبولين:
    "فكانوا على أربع مراتب:
    1- فمنهم الثبت الحافظ الورع المتقن الجهبذ الناقد للحديث، فهذا لا يُختلف فيه، ويعتمد على جرحه وتعديله، ويحتج بحديثه وكلامه في الرجال.
    2- ومنهم العدل في نفسه، الثبت في روايته، الصدوق في نقله، الورع في دينه، الحافظ لحديثه، المتقن فيه، فذلك العدل الذي يُحتج بحديثه، ويوثق في نفسه.
    3- ومنهم الصدوق الورع الثبت الذي يهم أحيانًا، وقد قبله الجهابذة النقاد، فهذا يحتج بحديثه.
    4- ومنهم الصدوق الورع المغفّل الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو، فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب، ولا يُحتجّ بحديثه في الحلال والحرام". ثم قال ابن أبي حاتم: "وخامس قد ألصق نفسه بهم، ودلسها بينهم، ليس من أهل الصدق والأمانة، ومن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال أولي المعرفة منهم [3] الكذبُ، فهذا يترك حديثه ويطرح روايته". تقدمة الجرح والتعديل (1 /10).
    ففي هذين الموضعين استعمل ابن أبي حاتم كلمة "الصدوق" خمس مرات، والسياق في جميعها صريح في أنه استعملها في معناها اللغوي، ولم يقصد بها معنى اصطلاحيًا معينًا، بل كلُّ قصده أن الراوي موصوف بالصدق، بدليلين ظاهرين إن لم يكونا صريحين:
    الأول: أنه كان يقرنها دائمًا بوصف يتعلق بالضبط.
    الثاني:أنه وصف بها الثقة فقال في الموضع الثاني: "الثبت في روايته، الصدوق في نقله" الخ، ووصف بها من دون الثقة، حتى المغفل وصفه بذلك، فقال في الموضعين: "ومنهم الصدوق الورع المغفّل الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو"، ومعلوم أن الصدق بمعناه اللغوي قدر مشترك بين الثقة وليّن الحفظ والضعيف، وأما في معناه الاصطلاحي فهو دون الثقة وفوق الضعيف.
    وأما الموضع الثالث، الذي في خطبة كتابه، فقد بيّن فيه ابن أبي حاتم رُتَبَ الألفاظ إذا أطلقت في وصف الرواة، فلا وجهَ وجيهًا لحمل ذلك الموضع على الموضعين السابقين الذين ذكرهما في مقدمة كتابه؛ لأن ذلك يؤدي إلى الإخلال بكلام ابن أبي حاتم وإخراجه عن دلالته، لا إلى تفسيره وتوضيحه.
    قال ابن أبي حاتم في خطبة كتابه:
    "وجدتُ الألفاظ في الجرح والتعديل على مراتب شتى:
    فإذا قيل للواحد: إنه ثقة، أو: متقن ثبت، فهو ممن يُحتجّ بحديثه.
    وإذا قيل: إنه صدوق، أو: محله الصدق، أو: لا بأس به، فهو ممن يُكتَبُ حديثُه، ويُنظَرُ فيه، وهي المنزلة الثانية.
    وإذا قيل: شيخ، فهو بالمنزلة الثالثة، يُكتَبُ حديثُه، ويُنظَرُ فيه، إلا أنه دون الثانية.
    وإذا قيل: صالح الحديث، فإنه يُكتَبُ حديثُه للاعتبار". الجرح والتعديل (2 /37).
    ثم بيّن ابن أبي حاتم مراتب الجرح على هذا المنوال.
    فهذا الموضع هو الموضع الذي نصّ فيه ابن أبي حاتم على أحكام الألفاظ من حيثُ إطلاقُها على الراوي كوَصفٍ يَتعلق ببابِ التعديل والجرح، ومنها يُؤخذ المعنى الاصطلاحي، دون الموضعين السابقين.
    وعلى هذا يدل صنيع المصنفين في علوم الحديث، فإنهم لا يعوّلون في ترتيب المراتب اصطلاحًا على غير هذا الموضع؛ فلا وجه سليمًا للاستدراك عليهم من هذه الجهة، كما لا وجه مقبولًا لاستنباط حكمٍ للفظة "صدوق" عند ابن أبي حاتم استنادًا إلى جمع هذه المواضع وحمل بعضها على بعض مع أن البابين مختلفان.
    فإن قيل: إن ابن أبي حاتم قد صرح في الموضعين الأول والثاني بأن الراوي الصدوق الورع الثبت الذي يهم أحيانًا: أنه يُحتجّ بحديثه. وهذا يدل على الاحتجاج بحديث من ثبتت عدالته وخفّ ضبطه، وهو من يُقال فيه "صدوق" و"لا بأس به" ونحوهما؟
    فالجواب: أن هذا قد قيّده ابنُ أبي حاتم في الموضعين بأن يكون "قد قَبِلَه الجهابذةُ النقاد"، وذلك هو الثقة، والثقات مراتب، فيكون قد أشار إلى نوع من الثقات، ولذلك وصفه بلفظ "الثبت الذي يهم أحيانًا"، وهذا الوصف دليل على وهم يسير في ضبط كثير.
    وبكل حال، فإنه لا يستقيم في صحيح البحث أن أترك الموضعَ الصريحَ الذي لا يُعَوِّلُ أهلُ العلم في باب بيان مراتب الألفاظ وأحكامها على غيره، وأستغني عنه بمواضعَ ليست من ذلك الباب، وعباراتٍ تحتملُ غيرَ وجهٍ من التفسير.
    الخلاصة:
    1- أن الأحكام التي ذكرها ابن أبي حاتم فَمَنْ بعده في مراتب التعديل والجرح: أربعة، وهي: الاحتجاج، والكتابة للنظر، والكتابة للاعتبار، والترك.
    2- أن هذه الأحكام متسلسلة في الرتبة كما دلّ عليه سياقها في المراتب.
    3- أنها تختلف من جهة قوة اعتمادها، فالاحتجاج حكم أغلبي وصريح، والترك حكم عام وصريح، وأما الكتابة للنظر والكتابة للاعتبار، فهما في الجملة: حكمان دالان وليسا صريحين، ولذلك يفتقران إلى طلب المرجحات، وهذه المرجحات تتفاوت الحاجة إليها من حالة إلى حالة، ولذلك تجدهم في جانب القبول مثلًا: يشترطون في بعض الحالات وجود المتابعة التامة، وفي بعضها يكتفون بالمتابعة القاصرة، وفي بعضها يكتفون بشاهد يرويه صحابي آخر أو بأصل يعضده، بل ربما يكتفي أحدهم بعدم وجود المخالفة لذلك الحديث، وغير ذلك مما يمكن الوقوف عليه لمن تدبر أقوالهم وحرَص على أحكامهم.
    4- أن النظر رتبة تقع بين الاحتجاج والاعتبار، وتعني: الاستدلال بالقرائن الداخلية، (أي الملابسة للرواية)، وطلب المرجحات الخارجية من غير حصر في المتابعات.
    5- أن من كان حكمه: "يُكتب حديثه، ويُنظر فيه" فإن له نصيبًا من الاحتجاج دون نصيب الثقات، أي أنه يقبل في بعض ما تفرد به مما ترجح في ظن الناقد، بعد استيفاء النظر، أنه حفظه.
    6- أن جماعة المصنفين في علوم الحديث لم يصرح أحدٌ منهم بمخالفة ابن أبي حاتم في أحكام تلك المراتب، بل إما أن يتابعوه وإما أن يستدلوا لبعض قوله.
    7- أن من أراد من الباحثين المعاصرين الحكم على حديث من أحاديث الرواة المتوسطين، فليس له أن يحكم بمجرد ما تقتضيه أوصاف الرواة قبل أن يطلب كلام الأئمة في هذا الحديث، ويجتهد في تفسيره واستخراج القرائن منه.
    8- أن أقل ما يطالب به الباحث المعاصر إذا وجد حديثًا من أحاديث أصحاب الرتب المتوسطة، ووجد أن أحد كبار أئمة النقد يُضعّفُ ذلك الحديث، أن يترك الاعتراض عليه في تضعيفه إذا لم يكن للاعتراض سبب سوى أن راويَه "صدوق" أو "لا بأس به". وهذا يُشبه ما لو وَجَدَ حديثًا أعلّه أحد كبار أئمة النقد، فإنه لا يصح الاعتراض عليه في إعلاله إذا لم يكن للاعتراض سبب سوى أن راويَه "ثقة". وأما إذا كان الاعتراض في الحالتين مبنيًا على معرفة القرينة التي استعملها الناقد ومعارضتها بما هو أرجح منها في كلام ناقد آخر، فهكذا يكون الاجتهاد السائغ، وبمثل هذا يغلق الباب دون المتطفِّلين على التصحيح والتضعيف، وينحصر الشأن في أهل الشأن، عملًا بقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
    وفي ختام هذا الموضوع، أحببت أن أضيف شيئًا له علاقة بالحديث عن المرجحات، وهو أن من محاسن الدراسات الحديثية المعاصرة: عنايتها بكتب العلل، وقد نتج عن ذلك كتابات وفيرة في قرائن الإعلال. لكن مما يؤخذ عليها: قلة العناية بقرائن قبول الأحاديث، وهذا يتطلب دراسات معمّقة للأحاديث التي صححها الأئمة مما يبدو لأول وهلة أنه معلول بمخالفة الأحفظ أو الأكثر أو بالتفرد، كما يتطلب دراسات واسعة للأحاديث التي شملها الأئمة بمطلق القبول والصلاحية، وهي أحاديث لا يعتمد كثيرًا على رواتها، لكن لم يترجح غلطهم فيها. وهذا القسم المشمول بمطلق القبول والصلاحية وإن لم يصل إلى رتبة الاحتجاج، أرجو أن يكون موضوع مشاركةٍ قادمةٍ، هدفُها الإشارةُ إليه في كلام الأئمة، وأما الوفاء بحقه فإن سبيله البحوث الاستقرائية.
    والحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله.

    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ
    [1] مجموع الفتاوى (24 /350).
    [2] الأرقام في هذا النص والذي بعده: تصرف مني، وضعتها من أجل توضيح المراتب.
    [3]قوله: "منهم" متعلق بقوله: "ظهر"، أي ظهر منهم الكذب للنقاد العلماء بالرجال أولي المعرفة.









    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •