بين بعض القراءات القرآنية وبعض القواعد النحوية
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: بين بعض القراءات القرآنية وبعض القواعد النحوية

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,274

    افتراضي بين بعض القراءات القرآنية وبعض القواعد النحوية

    بين بعض القراءات القرآنية وبعض القواعد النحوية
    أحمد سعد الخطيب



    القرآن الكريم هو الكلام العربي، الذي لا عوج فيه ولا التواء، أعجز الله به البلغاء، وأبكم به
    الفصحاء، فنهل الكل من معينه، وخضع الجميع لعظمته وسموه.
    وقد جاء هذا الكتاب خطاباً عاماً للأمم كافة في كل زمان وفي أي مكان، لذلك راعى اختلاف عقول الناس، وما تستوعبه منه، فشمل ما يلبى رغبات الخواص فألمح وأشار، ونوَّه، وعرّض، ونوّع، في أوجه الإعراب، فاشتمل على الدقائق التي لا يطلع عليها إلا بصير حصيف.
    وشمل أيضاً ما يلبى رغبات العوام فأفصح وأبان، وأرهب ورغب، وعلل ووجه، فاشتمل على صنوف من القول، وفنون من البلاغة، وذلك لأنه الكتاب الخاتم الذي لا كتاب بعده، المنزل على الرسول الخاتم الذي لا رسول بعده، ومع ذلك فقد اعترض بعض أهل النحو على بعض قراءاته الثابتة، زاعمين أنها خالفت قواعد النحو.
    وقد أخطؤوا في قياس آيات القرآن الكريم على قواعد النحو أيما خطأ، بل أجرموا أيما إجرام؛ لأن القرآن الكريم هو كلام الله المعجز لأساطين البيان والبلاغة، وأنه أصل اللغة، ومنه تستنبط قواعدها، وعلى ضوء آياته تضبط اللغة، وتصحح هيئاتها.
    وإني إذ أؤكد هذه الحقيقة آتي إلى بعض تلك القراءات التي ادعوا أنها خالفت قواعد العربية؛ لأبين أنها لم تخالفها بل لها في وجوه العربية ما يؤيدها؛ ليتقرر من خلال ذلك أن هذه الدعوى تنبئ عن قصور قائليها، وعدم درايتهم بكل أوجه العربية.
    ومما أوردوه في هذا المقام ما يلي:
    المثال الأول:
    قال - تعالى -: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام)[1].
    حيث قرأ حمزة - وهو أحد القراء السبعة - (والأرحامِ) بالخفض، وفي هذا يقول صاحب الشاطبية:
    وحمزة والأرحامِ بالخفض جملا[2]
    عارض النحاة هذه القراءة بحجة أنه لا يجوز عطف الاسم الظاهر على الضمير المجرور إلا بإعادة حرف الجر - كما هو مقرر في قواعد النحو وهو اتجاه البصريين - ومنه قوله - تعالى -: (فخسفنا به وبداره الأرض) [3].
    الرد على هؤلاء النحاة وتوجيه القراءة:
    والرد على هؤلاء النحاة ومن وافقهم من المفسرين هو من خلال الآتي:
    1- القرآن الكريم هو الكتاب الخالد الذي أنزله الله - عز وجل - لهداية البشرية، وهو بجانب ذلك كتاب معجز في فصاحته وبلاغته، حيث نزل فأعيا الله به الفصحاء، وألجم به البلغاء، فشهد الأعداء ببلاغته، وأقر الحاقدون ببراعته، واعترف الجميع بسيادته.
    والمعروف أن للقراءة المقبولة ضوابط ذكرها السيوطى في الإتقان[4]، نقلاً عن ابن الجزري وقد سبق ذكرها، وأذكر بأنها صحة السند، وموافقة اللغة العربية ولو بوجه، وموافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً، وهذه القراءة التي معنا هي قراءة حمزة أحد القراء السبعة، والمقرر لدى العلماء أن القراءات السبع متواترة؛ لاستيفائها شروط التواتر، ومن هنا تلقتها الأمة بالقبول.
    وبذلك يكون شرط صحة السند قد تحقق ما هو أعلى منه، وهو التواتر الذي يكفي وحده في القطع بقرآنيتها.
    يقول القرطبي في معرض رده على من ردوا قراءة حمزة: "مثل هذا الكلام محذور عند أئمة الدين؛ لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تواتراً يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فمن رد ذلك، فقد رد على النبي - صلى الله عليه وسلم -، واستقبح ما قرأ به، وهذا مقام محذور لا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو، فإن العربية تتلقى من النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا يشك أحد في فصاحته. ا. هـ[5].
    وأما بالنسبة لشرط موافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً، فهو متوفر أيضاً؛ لأن رسم القراءة بحركة الإعراب نصباً أو خفضاً لم يغير من رسمها، ولا من هيئتها شيئاً، مع التذكير بأن المصاحف العثمانية كانت خالية من النقط والشكل.
    وأما بالنسبة للشرط الثالث: وهو موافقة اللغة العربية ولو بوجه، فسوف يبين لنا فيما هو آت أنه متحقق أيضاً بوجوه عديدة وليس بوجه واحد، وسوف يبين لك أيضاً ضعف قاعدة البصريين التي اعتمدوا عليها في رد القراءة.
    2- وقد قيل في توجيه قراءة الخفض بعيداً عن كونها معطوفة على الضمير المجرور بدون إعادة الجار أقوال منها:
    أ- ما قيل: إن الواو في (والأرحامِ) هي واو القسم والمقسم هو الله - تعالى -، ومعلوم أن لله - تعالى - أن يقسم بما شاء من خلقه، وذلك كما أقسم - سبحانه - بالضحى والليل والفجر والشمس وغيرها من المخلوقات.
    ب- وقيل: هو قسم أيضاً، لكن على تقدير مضاف محذوف -أي ورب الأرحام-. [6]
    ج- وقيل: هو على تقدير إضمار الخافض، قال ابن خالويه: واستدلوا له بأن الحجاج كان إذا قيل له: كيف تجدك؟ يقول: خيرٍ عافاك الله، يريد بخير.
    أو أنه على تقدير: واتقوه في الأرحام أن تقطعوها، ثم قال ابن خالويه: وإذا كان البصريون لم يسمعوا الخفض في مثل هذا ولا عرفوا إضمار الخافض، فقد عرفه غيرهم ومنه قول القائل:
    رسمِ دارٍ وقفت في طلله*** كدت أقضى الحياة من خلله
    3- وقيل في توجيه الخفض كذلك: إن (الأرحامِ) معطوف على الضمير المجرور في قوله: (به)،
    وهذا التوجيه هو الذي عارضه البصريون، وعارضوا القراءة، وردوها لأجله؛ لأنها تخالف ما هو مقرر عندهم من عدم جواز عطف الاسم الظاهر على الضمير المجرور بدون إعادة حرف الجر، وحجتهم في ذلك أن الضمير في الكلمة جزء منها، فكيف يعطف على جزء من الكلمة؟ وشبهوه بالتنوين وقالوا: كما لا يعطف على التنوين، فإنه لا يعطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار.
    مناقشة هذا الرأي:
    هذا الذي ذهب إليه البصريون في رد قراءة حمزة (والأرحامِ)، ردوا به أيضاً تخريج عطف (المسجدِ) على الضمير المجرور في قوله: (به)، وذلك في قوله - سبحانه -: ((وكفر به والمسجدِ الحرام))[7]
    هنا ناقش السمين الحلبي هذه القاعدة مناقشة علمية متأنية، أنقل هنا أكثر ما قاله لتتم الفائدة، قال السمين: اختلف النحاة في العطف على الضمير المجرور على ثلاثة مذاهب:
    أحدهما: وهو مذهب الجمهور من البصريين، وجوب إعادة الجار إلا في ضرورة.
    الثانى: أنه يجوز ذلك في السعة مطلقاً، وهو مذهب الكوفيين، وتبعهم أبو الحسن ويونس والشلوبيون.
    والثالث: التفصيل، وهو إن أكد الضمير جاز العطف من غير إعادة الخافض نحو: "مررت بك نفسك وزيد"، وإلا فلا يجوز إلا لضرورة وهو قول الجَرْمى.
    وبعد أن ذكر السمين هذه الآراء حول العطف على الضمير المجرور علق بعد ذلك بقوله:
    والذي ينبغي أنه يجوز مطلقاً - للأسباب الآتية:
    أ- كثرة السماع الوارد به.
    ب- ضعف دليل المانعين.
    ج- اعتضاد ذلك القياس.
    قال: أما السماع: ففي النثر كقولهم: "ما فيه غيره وفرسِه" بجر "فرسه" عطفاً على الهاء في غيره، ومنه قوله - تعالى -: (ومن لستم له برازقين) [8]، و"من" عطف على "لكم" في قوله - تعالى -في الآية نفسها: (لكم فيها معايش).
    ومنه قوله - تعالى -: (وما يتلى عليكم) [9] حيث عطف "ما" على "فيهن" -أي على الضمير المجرور فيها-، وهو يعنى قوله - تعالى -: (قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم ……)) ثم قال: وفي النظم منه الكثير، ونقل شواهد عديدة اكتفي بذكر بعضها.
    فمن ذلك قول القائل:
    أكر على الكتيبة لا أبالى*** أفيها كان حتفي أم سواها
    حيث عطف "سواها" على الضمير المجرور في "فيها" ولم يعد الجار، ومنه أيضاً قول القائل:
    إذا أوقدوا ناراً لحرب عدوهم*** فقد خاب من يصلى بها وسعيرها
    حيث عطف "سعيرها" على الضمير المجرور في "بها" ولم يعد الجار، ومنه أيضاً قول القائل:
    فاليوم قد بت تهجونا وتشتمنا*** فاذهب فما بك والأيام من عجب
    حيث عطف " الأيام " على الضمير المجرور في "بك" ولم يعد الجار.
    وقد ذكر السمين من ذلك الكثير ثم قال:
    فكثرة ورود هذا وتصرفهم في حروف العطف دليل على جوازه.
    وأما ضعف الدليل: فهو أنهم - أي البصريين - منعوا ذلك؛ لأن الضمير كالتنوين، فكما لا يعطف على التنوين، لا يعطف عليه إلا بإعادة الجار.
    ووجه ضعفه أنه كان بمقتضى هذه العلة ألا يعطف على الضمير مطلقاً، أعني سواء كان مرفوع الموضع، أو منصوبه، أو مجروره، وسواء أعيد معه الخافض أم لا كالتنوين، وهذا كلام وجيه جداً من السمين الحلبي.
    وأما القياس: فلأنه تابع من التوابع الخمسة فكما يؤكد الضمير المجرور، ويبدل منه، فكذلك يعطف عليه. [10]
    ومن خلال ذلك يتضح لنا أن قراءة حمزة (والأرحامِ) عطفاً على الضمير المجرور قبله قد تأيد بأكثر من دليل، فتحقق بذلك ما وعدت به سلفاً من إظهار ضعف رأى البصريين في رد هذه القراءة، وضعف قاعدتهم التي اعتمدوا عليها، وقد أسهبت في ذلك، وفي توجيه القراءة وتخريجها على أقوال وتخريجات أخرى بعيدة عن التخريج المعترض عليه، حتى يكون ما ذكرته في هذا المثال أساساً أعتمد عليه في الحكم على أراء النحاة في رد بعض القراءات الثابتة الأخرى؛ لأبين أنهم لم يستوعبوا في ردهم لهذه القراءات كل الأوجه النحوية المحتملة في تخريج القراءة -، حيث إن وجهاً واحداً من وجوه العربية تحتمله القراءة، يكفي لقبولها مع توافر الشرطين الآخرين -، فعلى ذلك قس اعتراضاتهم على القراءات التالية في الأمثلة التي سوف أسوقها الآن.
    المثال الثاني:
    قال - تعالى -: (وكذلك زُيِّن لكثير من المشركين قتلُ أولادهم شركائهم) [11]، بجعل (زين) ماضياً للمجهول، ورفع (قتلُ) على أنه نائب فاعل، ونصب (أولادهم) على المفعولية، وجر (شركائهم)، بالإضافة إلى (قتل) وهو من إضافة المصدر إلى فاعله، وهذه قراءة ابن عامر أحد القراء السبعة.
    وقد عارض بعض النحاة هذه القراءة بحجة أنه قد فصل فيها بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف في غير الشعر، فإن ذلك وإن كان سمجاً في الشعر أيضاً؛ إلا أنه يتسامح فيه للضرورة الشعرية.
    ومن المفسرين الذين ردوا هذه القراءة الزمخشري حيث قال في الكشاف - متابعاً النحاة: "وأما قراءة ابن عامر ((قتلُ أولادهم شركائهم)) برفع القتل، ونصب الأولاد، وجر الشركاء على إضافة القتل إلى الشركاء، والفصل بينهما بغير الظرف، فشيء لو كان في الضرورات وهو الشعر، لكان سمجاً مردوداً، فكيف به في الكلام المنثور؟ فكيف به في القرآن الكريم المعجز بحسن نظمه، وجزالته، والذي حمله -أي ابن عامر على ذلك- أن رأى في بعض المصاحف شركائهم مكتوباً بالياء، ولو قرئ بجر الأولاد والشركاء؛ لكان الأولاد شركاءهم في أموالهم، ولوجد في ذلك مندوحة عن هذا الانكباب. [12]
    وعجبت لمفسر جليل له في قلبي مكان لبراعته في النقد والتمحيص هو الفخر الرازي[13]، كيف يتعرض لهذه القراءة، ولموقف الزمخشري منها، ثم يمضى دون أن ينقده ويرد عليه؟ ولست أدرى هل ارتضى ذلك من الزمخشري، أم أنه رأى أن تهافت رأيه من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى تنبيه.
    وأيّاً ما كان السبب، فالحق أحب إلينا من كل حبيب، فقراءة ابن عامر قراءة متواترة، وكان الأولى بالزمخشري ومن لف لفه في رد هذه القراءة، أن يصححوا القاعدة النحوية؛ لتمضى مع القراءة، لا أن يردوا قرآناً متواتراً؛ لمخالفته لقاعدة نحوية.
    وكلام الزمخشري في رده قراءة ابن عامر يشير إلى معتقده في القراءات، وأنها اجتهادية، وليست منقولة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، هذا ما ينبئ عنه قوله: ولو قرئ بجر الأولاد والشركاء لكان الأولاد شركاءهم في أموالهم …
    يقصد الزمخشري أنه كان بمقدور ابن عامر أن يعدل عن نصب الأولاد إلى جره بالإضافة إلى "قتل"، وإبدال الشركاء منه، فيكون المعنى: إن الشيطان زين لكثير من المشركين قتل أولادهم وهم شركاؤهم في أموالهم.
    أرأيت ذلك السخف الذي يرمى إليه كلام الزمخشري، ولست أدرى هل نبا من علمه أن القراءات نقلية، لا اجتهادية؟ وكيف يغيب ذلك عن مفسر كالزمخشري له باعه الطويل في إظهار بلاغة القرآن الكريم؟
    إن القراءات سمعية نقلية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليست اجتهادية، وقد اتفق العلماء واعتقد أهل الحق أن القراءات السبع - ومنها قراءة ابن عامر -؛ متواترة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إجمالاً وتفصيلاً، بل قال صاحب المناهل: إن الرأي المحقق هو أن القراءات العشر متواترة، وليس السبع فقط. [14]، إذا ثبت ذلك فلا اعتبار لما قاله الزمخشري أو غيره في تضعيف قراءة ابن عامر وردها.
    ولقد شدد ابن المنير - في الانتصاف - النكير على الزمخشري فقال: إن المنكر على ابن عامر إنما أنكر عليه ما ثبت أنه براء منه قطعاً وضرورة؛ لأن هذه القراءة مما علم ضرورة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ بها، ولولا عذر أن المنكر ليس من أهل الشأنين، أعنى علم القراءة وعلم الأصول، ولا يعد من ذوى الفنيين المذكورين؛ لخيف عليه الخروج من ربقة الدين، وإنه على هذا العذر لفي عهدة خطرة، وزلة منكرة. [15]
    وقال أبو حيان في رده عليه: وأعجب لعجمي ضعيف في النحو يرد على عربي صريح محض قراءة متواترة، وأعجب لسوء ظن هذا الرجل بالقراء الأئمة الذين تخيرتهم هذه الأمة لنقل كتاب الله شرقاً وغرباً. [16]
    ومع ذلك فإذا نزلنا مع الزمخشري ومن تابعه في رد هذه القراءة، إذا نزلنا معهم إلى القياس النحوي، فإننا نرى أن القراءة ماضية مع القواعد النحوية، فلقد قال الكوفيون: يجوز الفصل بين المتضايفين في النثر وفي الشعر إذا كان المضاف مصدراً، والمضاف إليه فاعله، والفاصل بينهما مفعوله كقراءة ابن عامر التي نحن بصددها، ومنه قول القائل:
    عتوا إذ أجبناهم إلى السلم رأفة*** فسقناهم سوق البغاث الأجادل
    فسوق، مصدر مضاف، والأجادل مضاف إليه، من إضافة المصدر إلى فاعله، والبغاث مفعوله، وفصل به بين المضاف والمضاف إليه، والأصل سوق الأجادل البغاث. [17]
    ولست أهدف من ذلك تصحيح القراءة بقواعد العربية، بل هدفي الرد على بعض المخالفين، ودعوتهم إلى تصحيح ما استقروا عليه من أوجه الإعراب المخالفة لاستعمال القرآن الكريم، وتصحيحها لتمضى مع قواعد القرآن الكريم.
    المثال الثالث
    قال - تعالى -: (وكذلك نُجِّي المؤمنين)[18]
    وهذه قراءة ابن عامر ببناء الفعل "نجي" للمجهول مع تضعيف الجيم وكسرها وتسكين الياء ثم نصب "المؤمنين"[19]
    وقد خطأ هذه القراءة أبو حاتم والزجاج وقالا: فيها لحن ظاهر حيث نصب اسم ما لم يسم فاعله، وإنما يقال: نُجِّـــى المؤمنون وكُرم الصالحون. [20]
    ودافع عن القراءة من النحاة الفراء وأبو عبيد وثعلب وقالوا: نائب الفاعل هو المصدر المحذوف والتقدير: وكذلك نجي النجاء المؤمنين، كما تقول ضُرب زيدا بمعنى ضُرب الضربُ زيداً. ومنه قول القائل:
    ولو ولدت قفيرة جرو كلب*** لسب بذلك الجرو الكلابا
    أي لسب السب بذلك الجرو الكلابا.
    وفي الإتحاف: أن الأصل ننجى حذفت إحدى النونين استثقالاً لتوالى المثلين. [21]
    وقد اعترض على هذه القراءة أيضاً بأن الفعل "نجي" وهو ماض جاء ساكن الآخر، والأصل أن يأتي مفتوحاً.
    وأجيب عن ذلك بأن تسكين ياء الماضي جاء على لغة من يقول: بقي ورضي دون تحريك الياء استثقالاً لتحريك ياء قبلها كسرة، ومنه قول القائل:
    خمر الشيب لمتى تخميرا*** وحدا بي إلى القبور البعيرا
    ليت شعري إذا القيامة قامت*** ودُعِي بالحساب أين المصيرا
    حيث سكنت ياء دُعي استثقالاً لتحريكها وقبلها كسرة.
    يتبع
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    13,274

    افتراضي رد: بين بعض القراءات القرآنية وبعض القواعد النحوية

    بين بعض القراءات القرآنية وبعض القواعد النحوية
    أحمد سعد الخطيب

    المثال الرابع:
    قال - تعالى -: (لِيُجزى قوماً بما كانوا يكسبون) [22]
    ببناء الفعل (يُجزى) للمفعول، ونصب (قوماً)، وهذه قراءة أبى جعفر وهو من الثلاثة تتمة العشرة، وقد مضى بنا قول الزرقاني في التحقيق: إن العشر متواترات.
    وقد عاب بعضهم هذه القراءة وقالوا: هي لحن ظاهر[23]، ووجهتهم أن نائب الفاعل فيها جاء منصوباً وحقه الرفع. وهؤلاء ظنوا أن (قوماً) هو نائب الفاعل، والواقع أنه محذوف وفي تقديره وجهان:
    الأول: ليجزى الخير والشر قوما، ورجحه العكبري [24] والبيضاوي [25].
    الثاني: أن يكون القائم مقام الفاعل هو المصدر، والتقدير: ليجزى الجزاء قوماً.
    والجزاء هنا هو ما يجزى به، وهو في الأصل مفعول ثان ليجزى، قال زاده: المفعول الثاني للأفعال التي تتعدى إلى اثنين يجوز إقامته مقام الفاعل، فنقول: أعطى درهمُ زيداً، وجزى تتعدى إلى اثنين، تقول جزيت فلاناً الخير، فإذا بنيتُه للمفعول أقمت أيها شئت مقام الفاعل. [26]
    وحاصل الرد على من يخطئون قراءة (نجي المؤمنين) وقراءة (ليجزى قوماً) أن القراءتين متواترتان، فلا يصح القدح فيها، ولئن ادعى البصريون - إلا الأخفش - أنهما تخالفان قاعدة نحوية تقول بتعيين إقامة المفعول مقام الفاعل إذا وجد بعد الفعل المبنى لما لم يُسمَّ فاعله، أو تقديمه على سواه من مصدر أو ظرف أو جار ومجرور، فإننا نقول لهم:
    كان الواجب عليكم أيها البصريون، أن تصححوا قاعدتكم لتمضى مع هذا القرآن المتواتر، وأن تمضوا مع الكوفيين في هذا الشأن الذين مضوا مع ما قعده القرآن ولم يخالفوه، ولم يجترؤوا على ما اجترأتم عليه، وقالوا: إذا وجد بعد الفعل الذي لم يسم فاعله مفعول وغيره جاز أن يقوم مقام الفاعل غير المفعول من مصدر أو غيره، واستدلوا بهذه القراءة (ليجزى قوما).
    وجاء في الشعر العربي ما يؤيد ذلك كقول القائل:
    لم يُعن بالعلياء إلا سيداً*** ولا شفي ذا الغي إلا ذو هدى
    حيث ناب الجار والمجرور، وهو قوله بالعلياء عن الفاعل مع وجود المفعول وهو: سيداً.
    ومثله قول القائل:
    وإنما يرضى المنيب ربه*** ما دام معنياً بذكر قَلْبَه
    والشاهد: معنياً بذكر قَلْبَه، حيث ناب الجار والمجرور، وهو بذكر عن الفاعل، مع وجود المفعول به في الكلام وهو: قلبه، بدليل أنه أتى به منصوباً[27]
    وبناءً على ما نقلناه من حاشية زاده قريباً، تكون إقامة المصدر إقامة نائب الفاعل - في القراءتين - ليس لاعتبار كونه مصدراً، وإنما لكونه مفعولاً ثانياً، ويكون قد تحقق ما عارض البصريون القراءتين لأجله، يبين بذلك القصور الشديد الذي استحوذ على البصريين في معارضة قراءتين متواترتين.
    القاعدة الحاسمة للخلاف في ذلك
    نص القاعدة:
    "القرآن الكريم هو الأصل الذي ينبغي أن تقعّد عليه اللغة، وبه تضبط قواعد النحو، فإذا ثبتت القراءة القرآنية لزم قبولها والمصير إليها، ولا ترد بقياس عربية ولا فشو لغة"[28].
    توضيح القاعدة:
    هذه قاعدة هامة جداً تحمى حمى القراءات القرآنية الثابتة من طعن بعض المعربين من المفسرين وغيرهم، إذ تقرر أن القرآن الكريم هو الأصل الذي ينبغي أن يصار إليه، وأن تقعّد عليه اللغة، وتضبط به قواعد النحو؛ لأن هذا القرآن هو المعجزة الكبرى لسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، وقد نزل هذا القرآن عليه - صلى الله عليه وسلم - بقراءته الثابتة، وهو في مجابهة قوم هم أبلغ البلغاء، وأفصح الفصحاء، وهم قريش ومن أيدهم من العرب، ومع ذلك لم يطعنوا في القرآن من هذه الناحية التي اجترأ عليها من بعُد من خَدَمة القرآن والمدافعين عنه، ظناً منهم أن هذه القراءات منشؤها اجتهاد القراء، حيث غاب عنهم أن النقل مرجعها، هذا سبب من أسباب جرأة المعترضين على هذه القراءات من جهة اللغة والإعراب، وهناك سبب آخر أوقعهم أيضاً في الخطأ الذي لا يغتفر، وهو عدم إلمامهم الكامل بجميع أوجه العربية، وقد لاحظت ذلك حين معالجة هذا الموضوع، حيث بان لي أن كل ما اعترضوا عليه له في العربية وجوه متعددة في أكثر الأحيان، وليس وجهاً واحداً، مع أن المعروف أنه يكفي لإثبات القراءة وقبولها موافقتها للعربية ولو بوجه واحد، مع توفر الشرطين الآخرين الذين سبق ذكرهما غير مرة.
    ومن ثم فإنه لا يجوز مطلقاً الطعن في قراءة ثابتة؛ لأنها قرآن منزل من عند الله - تعالى -، يحتج به ولا يحتج عليه ببيت من الشعر، ولا بقاعدة نحوية هي من وضع البشر، هناك ما يخالفها أيضاً من كلام البشر.
    قال أبو عمرو الداني: أئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت عنهم لم يردها قياس عربية ولا فشو لغة؛ لأن القرآن سنة متبعة، يلزم قبولها والمصير إليها. [29]
    شبهة واردة على ما قررته القاعدة
    قد بان لنا من خلال ما قررته القاعدة، أن القراءة المتواترة لا يقدح في قرآنيتها مخالفتها لقواعد النحو، إذ الأصل أن تمضى القاعدة مع ما قعّده القرآن.
    ومع ذلك فقد بان لنا من خلال الأمثلة والنماذج المطروحة، أن ما زعموه من مخالفة هذه القراءات لقواعد نحوية ليس كذلك، إذ لهذه القراءات وجوه في العربية، وأصول ترجع إليها، وقد دعمنا هذه النتيجة بكلام العرب في كل ما وجهنا به هذه القراءات المفترى عليها، والفضل في ذلك يرجع إلى علمائنا الأفذاذ المخلصين لربهم ودينهم الذين ذادوا عن حياض القرآن كل فرية ودفعوا عنه كل شبهة.
    لكن وردت بعض روايات مسندة إلى السيدة عائشة – رضي الله عنها -، والى عثمان – رضي الله عنه -، والى سعيد بن جبير، تفيد هذه الروايات أن في القرآن المتواتر الذي نتعبد الله به لحناً هو من تصرف كتاب الوحي، ومع ذلك فقد تلقته الأمة بالقبول على ما فيه من لحن ظاهر باعتراف أفاضل الصحابة، وهذه هي الآثار التي وردت في ذلك:
    1- أخرج أبو عبيد في فضائل القرآن عن أبى معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه قال: سألت عائشة عن لحن القرآن عن قوله - تعالى -: (إنّ هذان لساحران)[30]، وعن قوله - تعالى -: (والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة) [31]، وعن قوله - تعالى -: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون) [32]، فقالت: يا ابن أختي، هذا عمل الكتاب أخطؤوا في الكتاب ا. هـ[33]
    أي أن هذا الخطأ هو من عمل كتاب الوحي أثناء كتابة هذه الآيات، جاء في الإتقان للسيوطي: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. [34]
    2- وأخرج أبو عبيد أيضاً عن عثمان - رضي الله عنه - أنه لما كتبت المصاحف عرضت عليه، فوجد فيها حروفاً من اللحن، فقال: لا تغيروها، فإن العرب ستغيرها - أو قال - ستعربها بألسنتها.
    3- وعن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ (والمقيمين الصلاة) ويقول: هو من لحن الكتاب.
    الرد على الشبهة
    نحن هنا أمام شبهة من وجهين:
    أحدهما: آثار يجب نقدها، والرد عليها، وتوجيهها على فرض صحتها.
    وثانيهما: كلمات من القرآن الكريم في جمل ادعى أنها خالفت قواعد العربية فما وجهها؟
    أولاً: فيما يتعلق بالآثار:
    أ- بالنسبة للإسناد الأول الذي نقل عن طريق عائشة -رضي الله عنها -جاء في الإتقان: إنه إسناد صحيح على شرط الشيخين، وفي هذا الحكم نظر حيث إن أبا عبيد رواه عن أبى معاوية الضرير، واسمه: محمد بن خازم التميمي.
    وثق العلماء حديثه عن الأعمش، فقال وكيع: ما أدركنا أحداً كان أعلم بأحاديث الأعمش من أبى معاوية، وكذا قال ابن معين وغيره.
    لكنهم عابوا أحاديثه عن غير الأعمش وقالوا: إنها مضطربة، فقال ابن خراش: هو في الأعمش ثقة وفي غيره فيه اضطراب.
    وصرح الإمام أحمد بأن أحاديثه عن هشام بن عروة بالذات فيها اضطراب.
    وقد اعتمد البخاري روايته عن الأعمش واحتج بها، وأما روايته عن هشام بن عروة، فلم يذكرها إلا في المتابعات لا في الأصول. [35]
    وهذا يسقط الرواية من أساسها، ويجعلها غير صالحة للاحتجاج، فكيف القول بأنها على شرط الشيخين؟!.
    ب- وأما بالنسبة للأثرين الآخرين فقد قال السيوطي: هي مشكلة جداً، ثم أضاف: كيف يظن بالصحابة أولاً أنهم يلحنون في الكلام فضلاً عن القرآن وهم الفصحاء اللُّد؟ ثم كيف يظن بهم ثانياً في القرآن الذي تلقوه من النبي - صلى الله عليه وسلم - كما أنزل وحفظوه وضبطوه وأتقنوه؟
    ثم كيف يظن بهم ثالثاً اجتماعهم كلهم على الخطأ وكتابته؟
    ثم كيف يظن بهم رابعاً عدم تنبههم ورجوعهم عنه؟
    ثم كيف يظن بعثمان - رضي الله عنه - أنه ينهى عن تغييره؟
    ثم كيف يظن أن القراءة استمرت على مقتضى ذلك الخطأ، وهو مروي بالتواتر خلفاً عن سلف؟
    هذا ما يستحيل عقلاً وشرعاً وعادةً.
    ثم علق - أي السيوطي - على الرواية المنقولة عن عثمان -رضي الله عنه - بقوله: إن ذلك لا يصح عن عثمان، فإن إسناده ضعيف مضطرب منقطع، ولأن عثمان جعل - المصحف الذي جمعه - إماماً للناس يقتدون به، فكيف يرى فيه لحناً ويتركه لتقيمه العرب بألسنتها؟
    فإذا كان الذين تولوا جمعه وكتابته لم يقيموا ذلك وهم الأخيار فكيف يقيمه غيرهم؟ ثم إن عثمان لم يكتب مصحفاً واحداً، ولكن كتب عدة مصاحف، فإن قيل: إن اللحن وقع فيها جميعاً، فبعيدٌ اتفاقها على ذلك، أو في بعضها، فهو اعتراف بصحة البعض.
    ولم يذكر أحد من الناس أن اللحن كان في مصحف دون مصحف، ولم تأت المصاحف مختلفة قط إلا فيما هو من وجوه القراءة وليس ذلك بلحن. [36]
    ج- هذه الروايات تخالف المتواتر عن عثمان -رضي الله عنه - في نسخ المصاحف، وجمع القرآن من الدقة والتحري ونهاية التثبت، بل يردها ما أخرجه أبو عبيد نفسه عن عبد الله بن هانئ البربري مولى عثمان قال: كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف، فأرسلني بكتف شاه إلى أبى بن كعب فيها (لم يتسن)، وفيها (لا تبديل للخلق)، وفيها (فأمهل الكافرين) قال: فدعا بالدواء فمحى أحد اللامين فكتب (لخلق الله)[37]، ومحا فأمهل وكتب (فمهّل)[38]، وكتب (لم يتسنه)[39] ألحق فيها الهاء. [40]
    كيف يتفق ما جاء في الرواية التي نقدناها، مع هذه الرواية الثانية التي تصف عثمان - رضي الله عنه- بالدقة في مراجعة ما كان يكتبه النساخ، وتصحيح ما كانوا يخطئون فيه، وأنه لم يترك هذه الأخطاء لتقيمها العرب كما تقول الرواية الواهية.
    د - وعلى فرض صحة هذه الآثار، فكلمة "لحن" فيها لا يقصد بها المعنى المعروف للحن وهو: الخروج على قواعد النحو، وإنما يعنى بها كما يقول العلماء: القراءة واللغة والوجه، كما ورد عن عمر قوله: أبي اقرؤنا وإنا لندع بعض لحنه - أي قراءته-. [41]
    ويذكر السيوطي أن قول عثمان - إن صح - فإنما ينصرف إلى كلمات كتبت على هيئة مخصوصة، ورسم معين يخالف النطق مثل: (لا اذبحنه) [سورة النمل :21]، ومثل: (بأييد) [سورة الذاريات: 47] فإنها كتبت بياءين.
    يقول السيوطي: فلو قرئ ذلك بظاهر الخط لكان لحناً [42]، فهذا معنى قول عثمان - رضي الله عنه- إن به لحناً ستقيمه العرب بألسنتها، فهو أشبه بالتنبيه إلى ضرورة أن يؤخذ القرآن الكريم عن طريق التلقين والمشافهة بواسطة شيخ، وألا يكون الاعتماد فقط على كتابة المصحف، فإنه كتب على هيئة مخصوصة تخالف النطق في أكثر الأحيان.
    ثانياً: ما يتعلق بالآيات التي وردت في الروايات وتوجيهها
    الآية الأولى:
    قال - تعالى -: (إنّ هذان لساحران) بتشديد نون "إنّ"، وهى قراءة أهل المدينة والكوفة، وهى قراءة سبعية متواترة عن الأئمة. [43]
    وقال الطبري: هي قراءة عامة الأمصار[44]
    قال بعض النحاة في - جراءة -: هذه القراءة خالفت القاعدة في نصب "إن"، ولا شك أن هذا من اللحن.
    الرد عليهم:
    يرد على القائلين بذلك بأن القراءة متواترة، فلا يجوز ردها ولا تضعيفها بوجه من وجوه النحو لها في غيره محمل، فمن المقرر أن من ضوابط قبول القراءة موافقة اللغة العربية ولو بوجه، ولا يشترط الموافقة من جميع الوجوه، وقد سبق تقرير ذلك.
    وفيما يتعلق بهذه القراءة التي معنا وجهت بما يلي:
    1- قيل: إنها وافقت لغة بني الحرث بن كعب وزبيد وخثعم وكنانة بن زيد، فإن الألف عندهم تلزم المثنى رفعاً، ونصباً وجراً، فيقولون: جاء الزيدان، ورأيت الزيدان، ومررت بالزيدان.
    وجاء في الشعر:
    وأن أباها وأبا أباها*** قد بلغا في المجد غايتاها
    وعلى القاعدة المعروفة: أبا أبيها، وغايتيها.
    وجاء أيضاً:
    فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى*** مساقا لناباه الشجاع لصمما[45]
    وهذا الوجه من أقوى الوجوه التي تحمل عليها القراءة.
    2- وقيل: إن "إن" حرف جواب بمعنى نعم، وعليه فما بعدها مبتدأ وخبر. [46]
    وقد جاء في الشعر العربي ما يفيد مجيئها بمعنى نعم، ومنه قول القائل:
    بكر العواذل في الصبو*** ح يلمنني وألومهنه
    ويقلن شيب قد علا*** ك وقد كبرت فقلت إنه
    أي: قلت: نعم.
    وقد تناقل المفسرون وجوهاً أخرى يمكن أن تحمل عليها هذه القراءة غير أنهم في النهاية، رجحوا حملها على الوجه الأول الذي سلف ذكره.
    الآية الثانية:
    قال - تعالى -: (والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة) وهو جزء آية من سورة النساء، وهى قوله - تعالى -: (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجراً عظيماً)[47]
    والشاهد في هذه الآية قوله: (والمقيمين الصلاة) حيث جاء منصوباً بين مرفوعين هما قوله: (والمؤمنون)، وقوله: (والمؤتون الزكاة).
    هكذا اعترض على هذه الآية فادعى أن فيها لحناً وخطأً نحوياً، وإلا لتلقف المشركون هذا الخطأ؛ لأنهم عرب خلص، وهم يومئذٍ يتربصون بالقرآن بغية أن يجدوا فيه مغمزاً أو مطعناً، ولكن ذلك لم يحدث فدل على أنه لا لحن فيه.
    هذا وقد وجّه النصب في (المقيمين الصلاة) بما يلي:
    1- قيل: إن النصب فيه على المدح، والناصب فعل مضمر تقديره: أمدح، أو أخص المقيمين الصلاة. والعلة بيان فضل الصلاة ومزيتها.
    يقول أحد الباحثين: النصب على المدح أو العناية لا يأتي في الكلام البليغ إلا لنكتة، والنكتة هنا هي إظهار مزية الصلاة، كما أن تغيير الإعراب في كلمة بين أمثالها، ينبه الذهن إلى وجوب التأمل فيها، ويهدى إلى التفكير لاستخراج مزيتها، وهو من أركان البلاغة …، ونظيره في النطق أن يغير المتكلم جرس صوته، وكيفية أدائه للكلمة التي يريد تنبيه المخاطب لها كرفع الصوت أو خفضه أو مده بها. [48]
    2- وقيل: إن الياء في (المقيمين) للخفض، لا للنصب عطفاً على الضمير المجرور في (منهم) -أي لكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين، وقيل: بل عطفاً على الضمير المجرور في (إليك) -أي يؤمنون بما أنزل إليك والى المقيمين الصلاة وهم الأنبياء- [49]، أو عطفاً على الكاف في (قبلك) -أي من قبلك ومن قبل المقيمين الصلاة وهم الأنبياء-. [50]
    والأرجح الأول، وهو الذي اعتمده سيبويه، حيث قال في كتابه: هذا باب ما ينتصب على التعظيم، ومن ذلك "والمقيمين الصلاة"، وأنشد شاهداً.
    وكل قوم أطاعوا أمر سيدهم*** إلا نميراً أطاعت أمر غاويها
    الطاعنين ولما يطعنوا أحداً*** والقائلون لمن دار تخليها
    الآية الثالثة:
    قال - تعالى -: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً …) [51]
    الشاهد قوله: (والصابئون) حيث رفع في مقام نصب لعطفه على اسم "إن"، وهذا خطأ في النحو عند من لم يفقهوا إلا أنه معطوف على اسم "إن"، فكان ينبغي أن يأتي منصوباً ليواكب ما عطف عليه.
    ونقول: اللفظ لا لحن فيه كما ادعوا، ولكنهم عجزوا عن توجيه الرفع، وتوجيهه سهل إذ له عدة أوجه هي:
    1- أن يكون قوله: (الصابئون) مرفوعاً بالابتداء، والواو قبله للاستئناف، والخبر محذوفاً، والنية به التأخير عما في حيّز (إن) من اسمها وخبرها.
    كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكهم كذا، والصابئون كذلك، وقد رجح ذلك سيبويه وأنشد له شاهداً:
    ألا فاعلموا أنا وأنتم*** بغاة ما بقينا على شقاق
    أي: فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك.
    وإذا كان (الصابئون) النية به التأخير، فلابد من حكمة تعلل تقديمه في الذكر، والعلة هنا التنبيه إلى أن الصابئين أشد إيغالاً في الضلالة، وعمقاً في الغواية، حيث لا عقيدة لهم ثابتة كالذين آمنوا، وكأهل الكتاب، ولكنهم - كما يذكر ابن القيم - يتخيرون من سائر ديانات العالم بعض شعائرها، ويتركون البعض ولم يقيدوا أنفسهم بجملة دين معين وتفصيله. [52]
    وهذا الوجه أقوى الوجوه، وأرجح ما تحمل عليه الآية الشريفة.
    2- وقيل: إن الواو عاطفة والصابئون معطوف على موضع اسم (إن)؛ لأنه قبل دخول (إن) كان في موضع رفع وهذا مذهب الكسائي والفراء.
    3- وروى عن الكسائي أيضاً أنه مرفوع عطفاً على الضمير المرفوع في قوله (هادوا).
    4- وقيل: (إن) هنا بمعنى نعم، أي حرف جواب وما بعده مرفوع بالابتداء، وعليه فالصابئون معطوف على ما قبله [53]، والأرجح الأول كما سبق القول بذلك.
    وبعد، فهذه هي الآيات الثلاث التي وردت في رواية عائشة - رضي الله عنه -، وقد بان توجيهها وظهر لنا أن لها أكثر من وجه في العربية، فكيف يدعى بعد ذلك أن فيها أخطاء نحوية؟ وأختم هذا المبحث بكلام نفيس لابن الحاجب حول اجتراء النحاة على بعض القراءات، وادعاء أن الصورة التي جاءت عليها غير جائزة من جهة العربية.
    قال ابن الحاجب: والأولى الرد على النحويين في منع الجواز، فليس قولهم بحجة إلا عند الإجماع، ومن القراء جماعة من أكابر النحويين، فلا يكون إجماع النحويين حجة مع مخالفة القراء لهم، ثم ولو قدر أن القراء ليس فيهم نحوى، فإنهم ناقلون لهذه اللغة وهم مشاركون للنحويين في نقل اللغة، فلا يكون إجماع النحويين حجة دونهم، وإذا ثبت ذلك كان المصير إلى قول القراء أولى؛ لأنهم ناقلوها عمن ثبتت عصمته من الغلط في مثله؛ ولأن القراءة ثبتت متواترة، وما نقله النحويون آحاد، ثم لو سلم أنه ليس بمتواتر، فالقراء أعدل وأكثر فكان الرجوع إليهم أولى. ا. هـ والله أعلم. [54]
    الحواشي السفلية:
    --------------------
    1- سورة النساء: 1
    2- الوافي في شرح الشاطبية - ص 167
    3- سورة القصص: 81
    4- الإتقان - 1/77.
    5- تفسير القرطبي - ص1574.
    6- أنظر: الدر المصون للسمين الحلبي - 2/297.
    7- سورة البقرة: 217.
    8- سورة الحجر: 20
    9- سورة النساء: 127
    10- الدر المصون - 1/529: 531 بتصرف يسير.
    11- سورة الأنعام: 137
    12- الكشاف - 2/54.
    13- تفسير الفخر الرازي - 6/594
    14- مضت الإشارة إليه مراراً.
    15- الانتصاف لابن المنير - 2/53 بذيل الكشاف للزمخشري.
    16- تفسير البحر المحيط - 4/230.
    17- أنظر: إعراب القرآن - 3/240
    18- سورة الأنبياء: 88
    19- إتحاف فضلاء البشر - ص394، وقد أخطأ ابن خالويه في الحجة - ص152 فظنها قراءة عاصم.
    20- تفسير القرطبي - ص 4375.
    21- إتحاف فضلاء البشر - ص394، وقال عن هذا الجواب هو أحسن الأجوبة.
    22- سورة الجاثية: 14
    23- نقله القرطبي - ص5982.
    24- إملاء ما من به الرحمن بهامش حاشية الجمل - 4/315.
    25- حاشية زاده على البيضاوي - 4/323 ومعها تفسير البيضاوي.
    26- المصدر السابق.
    27- أنظر: شرح ابن عقيل بتحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد - 2/121 وما بعدها.
    28- راجع في استخلاص هذه القاعدة النشر - 1/10، الإتقان - 1/77، قواعد التفسير - 1/94.
    29- الإتقان - 1/77، قواعد التفسير - 1/95.
    30- سورة طه: 63
    31- سورة النساء: 162
    32- سورة المائدة: 69
    33- الإتقان - 1/183
    34- نفس المرجع.
    35- تهذيب التهذيب لابن حجر - 9/137 وما بعدها، هدى الساري - 2/192.
    36- الإتقان - 1/184 نقلاً عن أبى عبيد.
    37- سورة الروم: 30
    38- سورة الطارق: 17
    39- سورة البقرة: 259
    40- الإتقان -1/184
    41- مناهل العرفان - 1/387، رسم المصحف - 135.
    42- الإتقان - 1/184.
    43- القرطبي - ص 4256.
    44- تفسير الطبري - 16/136.
    45- تفسير القرطبي - ص 4256، الطبري - 16/136.
    46- إملاء ما من به الرحمن بهامش حاشية الجمل - 3/585.
    47- سورة النساء: 162.
    48- إعراب القرآن وبيانه -2/378، تفسير المنار - 6/53.
    49- حاشية الجمل - 1/446.
    50- تأويل مشكل القرآن - ص53.
    51- سورة المائدة: 69
    52- إغاثة اللهفان لابن القيم - 2/198.
    53- إعراب القرآن - 2/527.
    54- نقله الدمياطي في إتحاف فضلاء البشر - ص39.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •