شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي - الصفحة 7
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 7 من 7 الأولىالأولى 1234567
النتائج 121 إلى 124 من 124

الموضوع: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

  1. #121
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,801

    افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي


    شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
    (باب صلاة الجماعة)
    شرح فضيلة الشيخ الدكتور
    محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
    الحلقة (121)

    صـــــ(1) إلى صــ(21)

    شرح زاد المستقنع - فصل: الأولى بالإمامة [2]
    من المسائل المتعلقة بالإمامة:
    من هم الذين تصح خلفهم الصلاة والذين لا تصح خلفهم الصلاة؟ وهنا بيان للذين لا تصح الصلاة خلفهم،
    وهم:
    الصبي غير البالغ، إلا أن فيه خلافا والصحيح الجواز،
    ومنهم:
    الأخرس والعاجز عن الركوع أو السجود أو القيام أو القعود.وتصح الصلاة خلف من به سلس البول بمثله، ولا تصح خلف محدث ولا متنجس، ولا أمي لا يحسن القراءة.وهناك من تكره إمامتهم في الصلاة ذكرهم العلماء في باب الإمامة.
    [تابع أحكام الإمامة]
    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
    أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ولا تصح خلف فاسق ككافر، ولا امرأة وخنثى للرجال، ولا صبي لبالغ].ما زال المصنف رحمه الله يبين لنا الأمور التي تؤثر في الإمامة، فبين رحمه الله من لا تصح إمامته، وذكرنا عدم صحة إمامة الكافر بالمسلمين وبينا وجه ذلك، ثم تعرض رحمه الله لإمامة الفاسق، وبينا أن مذهب الحنابلة رحمة الله عليهم وجمهور أهل العلم على أن الصلاة خلف الفاسق صحيحة؛
    لثبوت الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
    (يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم)،
    أي:
    لكم صلاتكم كاملة وعليهم خطؤهم.
    وقال العلماء:
    إن الفاسق تجزئه في حق نفسه، ولذلك تصح إمامته لغيره.وبينا أن السلف الصالح رحمة الله عليهم كانوا يصلون خلف الفساق وما كانوا يبطلون الصلاة، كما هو فعل أنس بن مالك وعبد الله بن عمر رضي الله عن الجميع.ثم بعد ذلك ذكرنا إمامة المرأة للرجال،
    وقلنا:
    لا تصح إمامة المرأة للرجال، وأما إمامتها للنساء فللعلماء فيها قولان.
    وأما الدليل على أن المرأة لا تؤم الرجال:
    فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، فالنساء جبلن على الضعف الذي هو كمال لهن في أمورهن الخاصة، وجعل الله هذا الضعف رفقا بهن وبغيرهن، وفيه خير لهن ولغيرهن، ثم جعل في الرجل ما لم يجعله للمرأة من إمامة الرجال لافتتان الرجال بها وافتتانها بهم، ولذلك يضيع المقصود من الإمامة والصلاة من قصد القربة إلى الله عز وجل، وبناء على ذلك لا تصح إمامة المرأة للرجال، وشذ داود والطبري رحمة الله عليهما، فقالا بصحة إمامة المرأة للرجال،
    وذلك لعموم قوله عليه الصلاة والسلام:
    (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله).وهذا القول ضعيف لمعارضته للسنة الصحيحة التي دلت على عدم ولاية المرأة، والإمامة ولاية، والصلاة كذلك من أعظم الأمور، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة).
    وأما بالنسبة لاحتجاجهم بعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) فمحل نظر؛ لأن لفظ (القوم) يطلق بمعنى الرجال،
    كما في قوله تعالى:
    {لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء} [الحجرات:11]، فقيل: إن القوم يطلق ويراد به الرجال خاصة،
    بدليل عطف النساء عليه بعد ذلك بقوله تعالى:
    (ولا نساء من نساء)، فلم تجتزئ الآية بذكر القوم حتى خصصت ذكر النساء، فدل على أن القوم يطلق ويراد به الرجال.
    وأيضا قول الشاعر:
    فما أدري ولست إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء؟
    فقوله: أقوم آل حصن أم نساء؟
    أي: هل هم رجال أم نساء؟ فدل على إطلاق القوم وإرادة الرجال وحدهم، وهذا هو لسان العرب الذي نطق به القرآن، وكذلك نطقت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم.وبناء على ذلك لا تؤم المرأة الرجال، ولكن يردq هل المرأة تؤم النساء؟
    في هذه المسألة قولان:
    فقالت الحنابلة والشافعية رحمة الله عليهم: إن المرأة تؤم النساء.
    واحتجوا بحديث أبي داود في سننه وعند أحمد في مسنده:
    (أن أم ورقة استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم -وكانت امرأة صالحة- أن تؤم أهل دارها، فأذن لها -عليه الصلاة والسلام- بذلك)، وكان يؤذن لها رجل أعمى كفيف البصر،
    قال الراوي:
    فلقد رأيته قد سقط حاجباه فكان يؤذن لها، ثم تؤم أهل دارها، فدل على أنها تؤم النساء مثلها.وقالت الحنفية والمالكية رحمة الله عليهم: إن المرأة لا تؤم النساء.وهذا قول ضعيف،
    وقد احتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام:
    (آخروهن حيث أخرهن الله)، وهو حديث ضعيف.
    وقوله عليه الصلاة والسلام:
    (خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها)،
    فقالوا:
    إن الإمامة تكون فضلا، ولكن على هذا الوجه تكون بخلافه فتعارض مقصود الشرع من تأخير النساء.والصحيح جواز إمامة المرأة للنساء، وبناء على ذلك فلا حرج أن تصلي المرأة بمثلها من النساء.ثم قال رحمه الله: [ولا صبي لبالغ].
    أي:
    لا تصح إمامة الصبي للبالغ.
    والصبي لا يخلو من حالتين:
    الحالة الأولى: أن يكون غير مميز، وهو الصبي الطائش الذي لا يضبط أمور الصلاة ولا يعيها ولا يعقلها، فهذا لا يؤم البالغين بالإجماع.
    والحالة الثانية: أن يكون الصبي يميز،
    والمميز للعلماء فيه ضابطان:
    فمنهم من يضبطه بالسن فيقول: هو الذي بلغ سبع سنين، وهو المميز، فمن كان دون سبع سنين فليس بمميز.
    واحتجوا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم:
    (مروا أولادكم بالصلاة لسبع)، فدل هذا الحديث على أن سن السبع هو سن التمييز، وأن الصبي يؤمر بالصلاة لسبع، وما دون سبع لا يؤمر لها، فدلنا على أن السبع فاصل بين التمييز وعدمه.وهناك قول ثان ضبط الصبي المميز بضابط الحال،
    فقالوا:
    الصبي المميز هو الذي يفهم الخطاب ويحسن الجواب.
    أي:
    إذا كلمته فهم ما تريد،
    وإذا أجابك أحسن الجواب على الوجه الذي تطلب والفرق بين القولين: أن الصبي قد يكون قوي الذكاء فيحسن الجواب والخطاب وعمره خمس سنوات، أو ست سنوات؛ فحينئذ -على القول الأول- ليس بمميز، وعلى القول الثاني هو مميز، والصحيح اعتبار السن.
    فقوله:
    [ولا صبي لبالغ] أي: ولا تصح إمامة الصبي، والصبي من هو دون البلوغ، ومحل الخلاف في المميز، واختلف العلماء لو أن صبيا كان حافظا لكتاب الله عز وجل، وأم البالغين فهل تصح إمامته أو لا تصح؟ وجمهور العلماء على أن الصبي لا يؤم البالغين، وأنه لا يؤم البالغين إلا البالغ.وبهذا القول قال فقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة رحمة الله على الجميع.
    القول الثاني: إن الصبي إذا كان أحفظ القوم فإنه يؤم البالغين ولا حرج في ذلك، وبهذا القول قال الإمام الشافعي، وهو كذلك قول لطائفة من أصحاب الإمام أحمد رحمة الله على الجميع.
    والذين قالوا: لا يؤم الصبي البالغين احتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم خاطب البالغين فقال في الحديث الثابت في الصحيح: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) يخاطب البالغين، فدل على أنه لا يؤم البالغين إلا واحد منهم.وقالوا أيضا: إن الصبي كالمجنون؛ لأن الصبي لم يبلغ الحلم ولم يكتمل عقله،
    والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
    (رفع القلم عن ثلاثة) ثم قال: (وعن الصبي حتى يحتلم)، فأخبر أنه لا يبلغ الحلم والعقل، وهذا معروف ومجمع عليه، فالصبي لا عقل عنده بمعنى الكمال،
    وبناء على ذلك قالوا: إنه كالمجنون وهذا ضرب من القياس والنظر.
    الوجه الثالث: قالوا: إن الصبي إذا أم البالغين فإنه متنفل؛ لأن الصلاة ليست بواجبة عليه، والذين يصلون وراءه من البالغين مفترضون، ولا يؤم المتنفل المفترض.فهذه هي أوجه من قال بعدم صحة إمامة الصبي للبالغين.أما الذين قالوا بصحة إمامة الصبي للبالغين فاحتجوا بحديث عمرو بن سلمة -وهو ثابت في الصحيح- أنه قال: كانت العرب تلوم بإسلامها فتح مكة ومعنى هذه العبارة: أن العرب كانوا يقولون: اتركوا هذا الرجل وقومه، وكانوا يجلون قريشا ويقدرونها ويعظمون أمرها،
    وكانوا يقولون: أهل الحرم -
    أي:
    أهل مكة- لا يقصدهم ظالم إلا آذاه الله عز وجل، ولا يسلم من نقمة الله عز وجل.
    فقالوا: إن كان محمد ظالما فسيكفيكم أمره ظلمه لقريش، وإن كان على حق وغلبهم أسلمنا وأطعنا، فقال عمرو بن سلمة: كانت العرب تلوم بإسلامها فتح مكة.
    أي: تنتظر ما الذي سيجري بين محمد وأهل مكة، فلما فتحت مكة ظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم دينه دين حق؛ لأنه لو لم يكن على حق لما فتحت له مكة،
    كما قال الله تعالى:
    {إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا} [النصر:1 - 2]، قال: فقدم أبي وقومي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلمهم ما شاء الله أن يعلمهم من أمور الإسلام وشرائعه.قال: ثم قال عليه الصلاة والسلام: (صلوا صلاة كذا في حين كذا وكذا وليؤمكم أكثركم قرآنا)، والرواية في الصحيح تقول: فرجعوا فنظروا فإذا أنا أكثرهم أخذا للقرآن فقدموني.
    قالوا:
    وهذا الحديث فيه أن عمرو بن سلمة وهو غلام ابن تسع سنوات قد أم هؤلاء البالغين، وكان في عصر التشريع والوحي، فلو كانت إمامة الصبي للبالغين لا تصح لما أجاز النبي صلى الله عليه وسلم لهم ذلك.
    ووجه هذا أنهم قالوا:
    إن عموم قوله: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) يدل على أن الصبي إذا كان حافظا للقرآن فإنه يقدم.
    وناقش الجمهور هذا الحديث من وجوه:
    فكان الإمام أحمد رحمة الله عليه إذا ذكر هذا الحديث -كما نقل عنه الإمام ابن قدامة وغيره-
    يقول:
    أي شيء هذا؟ أي شيء هذا؟ دعه فإنه ليس ببين.والسبب في هذا أن حديث عمرو بن سلمة فيه إشكال،
    ووجهه أنه يقول: (كنت أؤمهم) وكان من التابعين ولم يلق النبي صلى الله عليه وسلم، فكان إذا سجد بدت عورته كما في رواية البخاري،
    فقالت امرأة:
    استروا عنا است قارئكم.فالإمام أحمد فطن إلى هذا المأخذ؛ إذ إن الإنسان لو صلى مكشوف العورة بالاختيار لبطلت صلاته، فدل على أنهم مجتهدون وهم قريبوا العهد بالجاهلية كما هو ظاهر الرواية في الصحيح،
    فكان رحمه الله يقول:
    أي شيء هذا؟ دعوه فإنه ليس ببين.أي: إذا أخذ على ظاهره من أنهم اجتهدوا؛ لأنه قال: فرجعوا فنظروا.
    فقوله: (فنظروا) واضح في الدلال على أنهم اجتهدوا.كما رد الجمهور على هذا الحديث
    [حكم إمامة الأخرس]
    قال رحمه الله: [وأخرس].أي: ولا تصح الإمامة من أخرس، وهو الذي لا ينطق، وكل من كان مبتلى بالخرس -على أحد الوجهين- فإنه لا يتقدم الناس، والسبب في ذلك أن الإمام يتحمل القراءة،
    قال صلى الله عليه وسلم:
    (الإمام ضامن)، فالأخرس لا يستطيع القراءة، فكيف يتحمل عن الناس قراءتهم؟ وكيف يقوم بواجبات الصلاة وأركانها المشتملة على قراءة الفاتحة، وهكذا بالنسبة لأذكار الانتقال من التكبير والتسميع ونحو ذلك؟ فلا تصح إمامة الأخرس.
    [حكم إمامة العاجز عن الركوع أو السجود]
    قال رحمه الله:
    [ولا عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود أو قيام].
    هذه كلها أركان للصلاة، فالقيام مع القدرة والركوع والسجود والجلوس كلها من أركان الصلاة،
    فقالوا:
    إذا كان الإمام عاجزا عن القيام أو الجلوس أو الركوع أو السجود فإنه لا يصلي بغيره، والسبب في ذلك أنه معذور في نفسه وغيره غير معذور، فعذره لا يتعدى إلى الغير،
    ومن ثم قالوا:
    لا يؤم العاجز عن القيام والعاجز عن الركوع والسجود غيره،
    وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى جالسا في موضعين:
    الموضع الأول: حينما وقع من على فرسه وجرح شقه الأيمن، قال أنس -كما في صحيح مسلم-: (سقط رسول الله صلى الله عليه وسلم من على فرس فجحش شقه الأيمن -
    أي:
    جرح-، فصلى قاعدا فصلى وراءه أصحابه قياما،
    فلما سلم قال:
    لقد كدتم أ، تفعلوا فعل الأعاجم.

    ثم قال عليه الصلاة والسلام:
    إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا.وإذا رفع فارفعوا،
    إلى أن قال:
    وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين)، فهذا يدل على أنهم يقتدون بالإمام إذا كان جالسا، وبناء على ذلك قالوا: إذا كان معذورا وهو الإمام الراتب جاز أن يصلي بالناس قاعدا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إمام راتب.والذين يقولون بالمنع من إمامة من يعجز عن الركوع والسجود والقيام السبب عندهم أن العجز مختص به والإمام ضامن، وبناء على ذلك لا يكون الناقص ضامن للكامل، وعلى هذا لا يحمل ولا يضمن للناس صلاة فلا يصح أن يتقدم بهم،
    وهناك حديث:
    (لا يؤمن أحد بعدي جالسا)، وهو حديث ضعيف.قال رحمه الله: [إلا إمام الحي المرجو زوال علته، ويصلون وراءه ندبا].هذه المسألة فيها خلاف،
    فقال بعض العلماء:
    لا يؤم الإمام الجالس أو القاعد مطلقا، سواء أكان إمام حي أم غيره.ويحتجون بالحديث الذي ذكرناه،
    ومنهم من قال:
    يؤم الإمام ولو كان جالسا إذا كان إماما راتبا أو إمام الحي فإنه يؤم جالسا ويصلي الناس وراءه، واختلفوا في المأمومين على قولين،
    فقيل:
    يصلون قياما.وقيل: يصلون جلوسا مثله.
    فالذين قالوا:
    يؤم ويصلي الناس وراءه جلوسا يحتجون بحديث أنس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما سقط من على الفرس وصلى جالسا عتب على الصحابة أن صلوا وراءه قياما،
    وبناء على ذلك قالوا:
    إن هذا يدل على أن الإمام لا يصلى وراءه إلا بالصفة التي هو عليها،
    فإن صلى معذورا جالسا صلينا وراءه جلوسا لقوله عليه الصلاة والسلام:
    (وإن صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين).
    القول الثاني يقول:
    لا يصلون وراءه جلوسا، وإنما يصلون وراءه قياما؛ لأن الإمام معذور في حق نفسه ومن وراءه غير معذور، فهو مخاطب بأن يقوم كما أمره الله، فيبقى العذر مخصوصا بصاحبه ويبقى غيره على القيام، فقيل لهم: كيف تجيبون عن حديث أنس؟
    قالوا:
    حديث أنس كان في أول الأمر، ثم نسخ بصلاته عليه الصلاة والسلام في مرضه.فإنه لما مرض مرض الموت وتقدم أبو بكر ليصلي بالناس جاء النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة ثم قعد فصلى، فصلى أبو بكر بصلاته يسمع الناس، فكان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا والصحابة من ورائه قياما،
    فقالوا:
    هذا وقع في آخر إمامة أم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة، ويؤكدون هذا بأن النصوص قوية في الدلالة على مخاطبة المكلف بالقيام، فنبقي هذه النصوص التي أوجبت القادر على القيام على دلالتها، ثم يستثنى الإمام لمكان العذر، وتكون صورة الصلاة كصورة إمامته عليه الصلاة والسلام في هذه الواقعة التي كانت آخر حياته، بل كانت آخر إمامة وقعت منه عليه الصلاة والسلام للصحابة.
    وجمع الإمام أحمد رحمة الله عليه بين هذه النصوص فقال:
    إذا كان إمام الحي المرجو زوال علته فإنهم يصلون وراءه جلوسا -على الصفة التي ذكرناها، ويكون ذلك ندبا كما ذكر العلماء رحمة الله عليهم، وهذا بأمره عليه الصلاة والسلام- وأما إذا كان طرأ عليه العذر أثناء الصلاة فإنهم يصلون وراءه قياما.
    فجمع بين الحديثين بأن قوله عليه الصلاة والسلام:
    (إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين) عام سواء أبتدأ الصلاة جالسا أم طرأ عليه الجلوس أثناءه، وأما حديث مرض الموت فإن الجلوس من الإمام طرأ ولم يكن في أول الصلاة؛ لأن الذي استفتح الصلاة إمام قائم وهو أبو بكر، والجلوس طرأ بعد هذه الإمامة،
    وبناء على ذلك يقول:
    كأنه وجب عليهم أن يقوموا في مرض الموت، وبقي حديث أنس على العموم.فكأنه يرى أنه لا يصلي المأمومون وراء الإمام قياما إلا في حالة واحدة، وهي أن يستفتح الصلاة بهم وهو صحيح ثم يشتد عليه مرضه فيجلس، فإذا استفتح بهم الصلاة وهو صحيح واشتد عليه المرض وجلس فيصلي المأمون وراءه قياما، وأما في غيرها، كأن يصلي من بداية الصلاة جالسا فيصلي الناس وراءه جلوسا.فهذا في الحقيقة فيه الجمع بين النصوص وهو أقوى الأقوال -إن شاء الله- وأقربها إلى الصواب.
    وقوله: [ويصلون وراءه جلوسا ندبا].لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر، فصرف الأمر من الوجوب إلى الندب لوجود حديث مرض الموت؛ لأنه معارض لحديث الأمر، فحملوا الأمر على أنه محمول على الندب، وأكدوا هذا بأن الصحابة لما صلوا وراء النبي صلى الله عليه وسلم قياما لم يؤثمهم.
    وقالوا:
    إن هذا يدل على أن الأمر للندب والاستحباب، وليس للحتم والإيجاب.
    قال رحمه الله:
    [وإن ابتدأ بهم قائما ثم اعتل فجلس ائتموا خلفه قياما وجوبا].هذا على ظاهر حديث مرض الموت، فإن الصحابة بقوا على حالتهم وهم قائمون، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ذلك،
    وبناء على ذلك نقول:
    إذا دخلت المسجد والإمام الراتب يريد أن يصلي جالسا واستفتح الصلاة جالسا فصل وراءه جالسا،
    ودليلك حديث أنس: (وإذا صلى جالسا فصلوا وراءه جلوسا أجمعين)، وأما إذا دخلت والإمام يستفتح الصلاة وليست به علة، ثم طرأ عليه المرض، أو طرأ عليه العذر فاحتاج للجلوس فإنك تبقى على القيام حتى تتم الصلاة لحديث مرض الموت.
    [حكم إمامة من به سلس البول]
    قال رحمه الله: [وتصح خلف من به سلس البول بمثله].بعد أن ذكرنا المعذور في الأركان انتقل إلى المعذور في الشروط، فابتدأ بالمعذور في شرط الطهارة.فلو كان الإمام به علة، أو به مرض كسلس البول، فهذا المرض -في الأصل- يقتضي أنه معذور، وبناء على ذلك فإن طهارته لا تأتي على الوجه الكامل، وإنما رخص له أن يتوضأ عند دخول وقت كل صلاة، وإلا فإنه غير متوضئ؛ لأن السلس لا يمكنه من إبقاء طهارته على ما هي عليه، فكأنك تصلي وراء إنسان محدث،
    وبناء على ذلك قالوا: هذا عذر في حق نفسه أن يصلي وبه سلس، والإمام -خاصة على مذهب الحنابلة والحنفية- يحمل الفاتحة عن المأموم، ويحمل الأركان،
    فقالوا:
    لا بد وأن يكون على صفة يكون بها حصول براءة الذمة، وهي أن يكون متطهرا، فلا يكون محدثا، أو في حكم المحدث،
    فقالوا: صحيح أن الشرع عذره أن يصلي وبه سلس البول، ولكن عذره في حق نفسه، ولم يأتنا دليل أن من به سلس يصلي بالناس، وعلى هذا فإنه لا يصح أن يصلي بغيره، وإنما يصلي بمن هو مثله، فلو وجد إنسان به سلس البول إماما به سلس بول فإنه يصلي معه؛ لأن حالتهما واحدة، فيبني المثل على مثله، أما القوي فلا يبنى على الضعيف.
    [حكم صلاة المأمومين خلف محدث]
    قال رحمه الله: [ولا تصح خلف محدث].
    قوله: [ولا تصح خلف محدث] عموم، سواء أحدث حدثا أصغر أم أكبر، وصورة ذلك أن يعلم المأمومون أن إمامهم محدث، فإن علموا أن إمامهم محدث فإنه لا يجوز لهم أن يأتموا به، ولو وقع الحدث أثناء الصلاة وتابعوه بركن واحد بعد الحدث بطلت صلاتهم، وإنما يلزمهم بمجرد حدث الإمام أن ينووا مفارقته.فلو أن إماما تقدم، ثم أحدث أثناء صلاته وإمامته، سواء في أول الصلاة أم في وسطها أم في آخرها قبل تمامها، فالذي يفعله الإنسان هو أنه إذا أمكن أن يستخلف فلا إشكال، لكن لو كان جاهلا، أو لا يمكنه الاستخلاف فإنك تنوي المفارقة، وتنوي مفارقته كأنك منفرد، وتحتسب لنفسك ما كان من صلاتك، وبناء على ذلك لو أحدث في الركعة الثانية وأنت في الظهر فتتم الثانية ثم الثالثة والرابعة وتسلم، وهذا إذا أحدث وعلمت بحدثه أثناء الصلاة، أما لو علمت بحدثه قبل الصلاة فلا يجوز لك أن تأتم بإمام محدث، وبناء على ذلك لو ائتم به وهو يعلم بحدثه قبل الصلاة بطلت صلاته.وهناك صورة ثالثة وهي لو أن هذا الإمام كان محدثا ولم يعلم المأمومون إلا بعد انتهاء الصلاة، كما لو قام إلى صلاة الفجر يظن أنه على غير جنابة، فتوضأ ثم صلى بالناس، وبعد أن سلم وانتهى تبين له أنه محدث، أو أحدث حدثا أصغر ثم نسي أنه محدث، فتذكر أنه على طهارة ولم يذكر الحدث الذي بعد طهارته، ثم تقدم وصلى بالناس، وبعد أن صلى تذكر أنه أحدث قبل صلاته،
    فللعلماء في هذه المسألة قولان:
    القول الأول: إذا كان الإمام محدثا ولم يعلم المأمومون بحدثه إلا بعد الصلاة فإن صلاتهم صحيحة.وبهذا قال جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة وطائفة من أهل الحديث.أي أن الإمام إذا صلى بالناس ناسيا للحدث، ثم لم يتذكر إلا بعد انتهاء الصلاة فإن صلاة المأمومين وراءه صحيحة، ولو كان بعد تسليمه مباشرة.
    القول الثاني:
    إن صلاة المأمومين فاسدة وتلزمهم الإعادة حتى ولو بعد سنوات وبهذا القول يقول فقهاء الحنفية رحمة الله على الجميع.
    واستدل الجمهور على صحة صلاة المأمومين بما ثبت في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الأئمة:
    (يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأو فلكم وعليهم)،
    فوجه الدلالة من هذا الحديث أن قوله:
    (وإن أخطأوا فلكم) أي: لكم صلاتكم كاملة، (وعليهم) أي: عليهم خطؤهم.وهذا عام يشمل خطأ الشروط وخطأ غيرها.
    وبناء على ذلك يقولون: إن هذا يدل على صحة الصلاة وراء الإمام المحدث.وكذلك احتج الجمهور بإجماع الصحابة، وذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه -كما روى مالك عنه في الموطأ- صلى بالناس الفجر ثم انطلق إلى مزرعته بالجرف بضاحية المدينة، فلما جلس على الساقية -على قنطرة الماء-
    نظر إلى فخذه فإذا هو بأثر الماء من الاحتلام فقال:
    ما أراني إلا أجنبت وصليت وما اغتسلت.فقام رضي الله عنه مباشرة واغتسل وأعاد صلاة الفجر بعد طلوع الشمس، ولم يأمر الناس بالإعادة، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة رضوان الله عليهم.فهذه سنة راشدة عن خليفة راشد في نفس المسألة المتنازع عليها، ولم ينكر عليه أحد من فقهاء الصحابة وأجلائهم، وبناء على ذلك فكأنه إجماع منهم أن الإمام إذا صلى بالناس وهو لا يعلم بحدثه فإن صلاتهم صحيحة، ولا تلزمهم الإعادة.وأما الذين قالوا بأنه تلزمهم الإعادة فإنهم احتجوا بما جاء عن علي رضي الله عنه أنه صلى بالناس الفجر، ثم رأى أثر الاحتلام، فأمر مناديا أن ينادي في الناس بإعادة صلاة الفجر.ووجه الدلالة أن عليا أعاد الصلاة، ولم تكن الإعادة لازمة حتى ألزم الناس بها.والذي يترجح في نظري -والعلم عند الله- هو القول بعدم الإعادة، وأن الصلاة صحيحة؛ لظاهر الأدلة من السنة والآثار عن الصحابة رضوان الله عليهم، وأما ما احتج به أصحاب القول الثاني من أثر علي ففيه كلام، ولو صح فإنه معارض بما هو أقوى، ويحتمل أن عليا لم يبلغه حديث أبي هريرة رضي الله عنه،
    ونقول:
    إن فعل عليا قد عارضه فعل عمر، ولا شك أن عمر رضي الله عنه محدث ملهم مقدم؛ لأنه إذا تعارضت آراء الصحابة نظر إلى الفضائل، ففضل عمر رضي الله عنه لا شك أنه مقدم على فضل علي رضي الله عن الجميع.وبناء على هذا فإن الذي يترجح هو القول بصحة الصلاة، وأن المأمومين لا تلزمهم الإعادة، ودرج على هذا المصنف رحمه الله، وهو قول الجمهور كما قلنا.
    [حكم صلاة المأمومين خلف متنجس]
    قال رحمه الله: [ولا متنجس يعلم ذلك، فإن جهل هو والمأموم حتى انقضت صحت لمأموم وحده).
    قوله: [ولا متنجس] أي: ولا تصح الصلاة وراء متنجس يعلم بنجاسته، كإنسان -مثلا- كان على ثوبه بول، أو غيره من النجاسات، فإنك إذا رأيت النجاسة في ثوب الإمام فإن أمكنك أن تريه النجاسة وينصرف ويستخلف فلا إشكال، فلو أن النجاسة في طرف كمه فإنك تتقدم إلى جوار الإمام وتسحب كمه لتريه -لأنها حركة لمصلحة الصلاة- حتى يستخلف وتصح صلاة من وراء.وإذا تعذر عليك إعلامه، أو كان الإمام جاهلا فحينئذ بمجرد رؤيتك للنجاسة والخلل في الإمام فإنك تنوي مفارقته -
    أي:
    تنوي أنك منفرد-، وتتم لنفسك وصلاتك صحيحة، أما لو رأيت النجاسة وبقيت وراءه عالما بنجاسته التي في ثوبه فإن صلاتك وراءه باطلة، وتبطل بأداء ركن واحد بعد العلم.قوله: [فإن جهل هو والمأموم حتى انقضت صحت لمأموم وحده].
    هنا مسألتان: المسألة الأولى: أن يصلي الإمام وهو محدث غير عالم بحدثه؛ فلا إشكال أنه يطالب الإمام بالإعادة ولا يطالب المأمومون.
    الحالة الثانية:
    أن يصلي بنجاسته التي لا يعلمها حتى ينتهي من الصلاة فلا يعيد هو ولا المأمومين.فإذا كان الإمام محدثا فحينئذ تلزمه الإعادة؛
    لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
    (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، وأما إذا كان في ثوبه أو بدنه نجاسة لا يعلمها، فإن الإعادة لا تلزمه ولا تلزم المأمومين،
    والسبب في ذلك حديث أنس الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم:
    (أنه صلى بالصحابة فخلع نعاله أثناء الصلاة، فخلع الصحابة نعالهم، فلما سلم -عليه الصلاة والسلام-
    قال:
    ما شأنكم؟
    قالوا:
    يا رسول الله! رأيناك خلعت فخلعنا.

    فقال عليه الصلاة والسلام:
    أما إنه قد أتاني جبريل فأخبرني أنهما ليستا بطاهرتين)،
    أي:
    خلعتهما لعذر، وهو وجود النجاسة.ووجه الدلالة من هذا الحديث -وهو دقيق- أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعد الصلاة من بدايتها، حيث كبر تكبيرة الإحرام، ويحتمل أنه فعل بعض الركعات، ومع ذلك لم يستأنف الصلاة بعد العلم بالنجاسة، وإنما بنى، فكما صحت أجزاء الصلاة والإحرام بتكبيرة الإحرام التي هي الركن، فكذلك تصح الصلاة في كمالها إذا علم بعد السلام،
    وبناء على ذلك يفرق في الإمام بين أمرين:
    الأول: أن يكون محدثا ولا يعلم بحدثه أو لا يتذكر أنه محدث إلا بعد الصلاة.فإنه حينئذ تلزمه الإعادة.
    والثاني:
    أن يكون الإمام عليه نجاسة في بدنه أو ثوبه ولا يعلم بها، أو كانت في المكان الذي يصلي به ولا يعلم بها إلا بعد انتهاء الصلاة، فصلاته وصلاة من وراءه صحيحة.
    يتبع
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #122
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,801

    افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

    شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
    (باب صلاة الجماعة)
    شرح فضيلة الشيخ الدكتور
    محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
    الحلقة (122)

    صـــــ(1) إلى صــ(21)

    [حكم إمامة الأمي]
    قال رحمه الله:
    [ولا إمامة الأمي، وهو من لا يحسن الفاتحة، أو يدغم فيها ما لا يدغم، أو يبدل حرفا، أو يلحن فيها لحنا يحيل المعنى إلا بمثله].
    أي: ولا تصح إمامة الأمي، والأمي نسبة إلى أمه، أي: الإنسان الذي لا يقرأ ولا يكتب.والأمية وصف لهذه الأمة،
    والعلماء رحمة الله عليهم يقولون: الأمية وصف شرف لهذه الأمة.على خلاف ما يظن بعض المتأخرين -وخاصة في هذه الأزمنة- أن الأمية وصف ذلة، أو وصف نقص.فهذا ليس بصحيح، بل الأمية وصف شرف لهذه الأمة،
    قال تعالى: {الذي بعث في الأميين رسولا منهم} [الجمعة:2]، وقال عليه الصلاة والسلام -كما في الصحيحين-: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا).
    وانتبه رحمك الله: فإن الأمية لا تستلزم الجهل، وفرق بين الأمية والجهل؛ لأن الإنسان قد يكون أميا لا يقرأ ولا يكتب وهو عالم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إمام العلماء وقدوتهم صلوات الله وسلامه عليه وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، فليست الأمية مستلزمة للجهل، وفرق بين الجهل والأمية،
    إلا أنهم قالوا:
    الغالب في الشخص إذا بقي على حاله منذ أن ولدته أمه أن يكون جاهلا أي: أنه يكون به الجهل، ولكن ليس هذا مطردا، فكم من علماء لا يقرؤون ولا يكتبون، وكم من كفيف البصر لا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك قد يكون أعلم الناس وأعرفهم بالحلال والحرام.فعدم القراءة والكتابة الذي هي وصف الأمية لا يستلزم الجهل،
    ولذلك قالوا:
    إن الأمية وصف شرف لهذه الأمة، وليست بوصف نقص.ف (الأمي) الذي يجهل، فالجاهل الذي لا يعلم أحكام الصلاة ولا يعرف ما يقرأ فإنه لا تصح صلاته إلا بمثله،
    وبعض العلماء يضع ضابطا للأمي فيقول:
    هو من لا يحسن الفاتحة.وهذا ضابط خاص بالإمامة وهو الصحيح، فالمراد بالأمي: الذي لا يحسن الفاتحة، وبناء على ذلك إذا كان لا يحسن الفاتحة فإنه لا تصح صلاته إلا بمثله أو من هو دونه،
    ولكن إذا كان أعلم منه فللعلماء قولان:
    قال بعض العلماء: إذا أم الأمي غيره ممن هو أحسن منه وأعلم منه بطلت صلاة من وراءه وصحت صلاة الأمي.
    وقال الحنفية: إذا حضر القارئ والأمي في الصلاة بطلت صلاة الأمي ومن وراءه والقارئ معه؛ لأن الواجب أن يقدم القارئ، وكانوا معذورين قبل حضور القارئ، فلما حضر القارئ بطل عذرهم، ووجب عليهم أن يأتموا بالقارئ؛ لأنه عندهم، والإمام لا بد وأن يكون على وجه يضمن به،
    لقوله عليه الصلاة والسلام: (الإمام ضامن)، وبناء على ذلك لا تصح إمامة الأمي إلا بمثله أو من هو دونه.
    قوله:
    [وهو من لا يحسن الفاتحة، أو يدغم فيها ما لا يدغم، أو يبدل حرفا].هذا كله من صفات الأمي فمن ذلك أن لا يحسن الفاتحة، أو يدغم ما ليس يدغم، فتجده يغير في أوضاع الحروف وصفاتها التي هي من حقوق الحرف، فإذا كان بهذه الصفة فلا تصح إمامته،
    ولو كان يبدل المعنى ويلحن لحنا يحيل المعنى كأن يقول:
    (أهدنا الصراط المستقيم)،
    أو يقول:
    (إياك نعبد)، فإن (إياك) و (إياك) معناهما مختلف؛
    فإنه إذا قال: (إياك) خرج عن المعنى المقصود، ويعتبر لحنا محيلا للمعنى، فتبطل صلاته، فإذا صلي وراء مثل هذا تبطل صلاة من وراءه، ويعذر إذا كان جاهلا وليس هناك من يعلمه.أما لو كان هذا الأمي يمكنه أن يتعلم وقصر في التعليم فإنه تبطل صلاته وصلاة من رواءه وتلزمه الإعادة مدة تقصيره.فلو كان الأمي في بادية بعيدا عن الناس، وليس عنده من يعلمه فإنه يعذر، وبناء على ذلك يعتبر بعده وعدم وجود من يعلمه عذرا له، لكن لو فرض أنه كان بموضع قريب من العلماء ويمكنه أن يأتيهم، أو جاء أناس من أهل العلم إلى الموضع الذي هو فيه وأمكنه أن يصحح قراءته فقصر وترك التصحيح، ولم يتعرض لهم بشيء ليتيسر له أن يصحح قراءته ولم يفعل؛ فتعتبر صلاته وصلاة من وراءه باطلة؛ لأنه غير معذور حينما كان عاجزا عن إتقان الفاتحة،
    لكنه لما تيسر له أن يتقنها قالوا:
    فإنه يأثم، ويكون عليه إثمه وإثم من يصلي وراءه -نسأل الله السلامة والعافية-.
    وقالوا:
    لو صلى بالناس عشر سنوات بهذه الصفة تلزمه الإعادة عشر سنوات.فالأمر جد عظيم، فإذا كان يلحن في الفاتحة لحنا يحيل المعنى ويمكنه أن يجلس مع العلماء ولا يتعلم، أو جاءه عالم، أو من يستطيع أن يصحح له قراءته فامتنع وتكبر، أو استنكف، أو اعتذر بأعذار لا تغني فإنه يأثم ويتحمل وزره ولو مرت عليه سنوات، نسأل الله السلامة والعافية.
    قوله:
    [أو يلحن فيها لحنا يحيل المعنى].
    هذا كما لو قال: (أنعمت عليهم).
    فإذا قال:
    (أنعمت عليهم) أو: (إياك نعبد) أو: (أهدنا الصراط المستقيم)، أو أبدل حرفا بحرف، أو أدغم بعض الحروف ببعضها يجعل في موضع لا يصح فيه الإدغام فإنه في هذه الحالة يعتبر لحنا مؤثرا، وهكذا إذا لحن، أو كان في لسانه علة يبدل بها حرفا مكان حرف،
    كأن يقول:
    أهدنا الشراط.بدل الصراط، فإنه في هذه الحالة يكون إبداله مؤثرا، وهكذا بالنسبة للتمتام والفأفاء ونحوهم ممن فيه آفة في لسانه لا تمكنه من إعطاء الحروف حقوقها من الصفات المعتبرة.
    وقوله: [إلا بمثله].
    أي:
    إذا أم الأمي مثله صحت.
    قال رحمه الله:
    [وإن قدر على إصلاحه لم تصح صلاته].
    أي: وإن قدر على إصلاح خطئه لم تصح صلاته؛ لأنه مفرط ويلزم بعاقبة تفريطه، وهذا -نسأل الله السلامة والعافية- من التكبر والاستنكاف عن الحق، ومثل هذا لا يجوز أن يقدم إذا كان يلحن لحنا يحيل المعنى وهناك من يستطيع أن يقرأ بدون لحن، فيجب على الناس أن يقدموا القارئ، وإذا لم يقدموه فإنهم يأثمون.
    [من تكره إمامته للناس]
    قال رحمه الله: [وتكره إمامة اللحان والفأفاء والتمتام، ومن لا يفصح ببعض الحروف، وأن يؤم أجنبية فأكثر لا رجل معهن أو قوما أكثرهم يكرهه بحق].
    أي:
    الذي يلحن لحنا لا يحيل المعنى، أما لو كان لحنا يحيل المعنى فكما تقدم في الأمي.
    وقوله: [والفأفاء والتمتام].
    الفأفاء:
    الذي إذا جاء يقرأ يكثر من الفاء أثناء حديثه بقوله: (ف ف ف)، فتجده يرددها مرات.والتمتام في التاء، فتجده إذا أراد أن يتكلم يتأخر ويأتي بالتاء مكررة.
    قوله: [ومن لا يفصح بعض الحروف].
    كأن يقول: (الشراط) بدل الصراط، أو تكون صفات الحروف متداخلة عنده بطبيعة لسانه، أو يكون فيه عجمة، كأن يقول في (الرحمن): الرهمن، بالهاء، فهذا أيضا يعتبر إبدال حرف بحرف، وهكذا بالنسبة للراء إذا كان ألثغ.قوله: [وأن يؤم أجنبية فأكثر لا رجل معهن].
    أي: ويكره له أن يؤم أجنبية فأكثر لا رجل معهن، وذلك لأنه منهي عن الدخول على النساء والخلوة بهن إذا لم يكن من المحارم،
    قال عليه الصلاة والسلام:
    (إياكم والدخول على النساء.
    قالوا:
    يا رسول الله! أرأيت الحمو؟
    قال:
    الحمو الموت)،
    وإذا خلا بأجنبية فإنه منهي عن هذه الخلوة لقوله عليه الصلاة والسلام:
    (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)، وقال: (ألا لا يخلون رجل بامرأة) فهذا نهي،
    قالوا:
    وبناء على ذلك لا يصلي الرجل الأجنبي بالمرأة الأجنبية على خلوة؛ لأنه قد يخرج عن مقصود الصلاة إلى الفتنة.وقوله: [أو قوما أكثرهم يكرهه بحق].
    لقوله عليه الصلاة والسلام:
    (وأن يؤم القوم وهم له كارهون)، وفي هذا الحديث وعيد شديد، حتى عد بعض العلماء هذا من الكبائر.
    والكراهة تنقسم إلى قسمين:
    إما تكون كراهة مشروعة، وإما أن تكون كراهة غير مشروعة.فالكراهة المشروعة التي تكون لخلل في الإمام لدينه، أو يكون إنسانا يعسر عليهم ويؤذيهم ويخرج عن حدود السنة، فتجده يطول عليهم وأسلوبه منفر، فمثل هذه الكراهة شرعية،
    ولذلك لما جاء الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنه يتأخر عن الصلاة مما يطول فلان قال عبد الله فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعظ موعظة أشد من تلك الموعظة وقال: (إن منكم منفرين) فأقر الرجل حينما كره من هذا الإمام إطالته، ولما شكي بـ معاذ في الإطالة لم يعتب على الشاكي في ذلك، وإنما سمع شكواه،
    وعنف معاذا وقال له: (أفتان أنت يا معاذ)، فهذه كراهة مشروعة، فكون الإمام إذا دخل المحراب نسي من وراءه، فلم يرحم الشيخ الكبير، ولا يراعي السقيم، ولا يراعي ذا الحاجة، ولربما يكون المسجد في مكان فيه الناس في شغل فلا يراعي أوضاعهم، ويحاول أن يطول بهم ويعنفهم، وقد تكون فيه شدة وغلظة وعنف فمثل هذا يكره كراهة جبلية لا يستطيع الإنسان أن يمسك عنها نفسه، خاصة وأنه على خلاف السنة، وعلى خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ومثل هذا لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إليه،
    فقال:
    (إن منكم منفرين)، فإذا كرهوه لهذا الوجه من وجود العنف والمشقة والإضرار بهم فالكراهة شرعية، ومثل هذا ينطبق عليه الوعيد الشديد،
    وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا تجاوز صلاتهم رءوسهم قيد شبر:
    -أي: لا تقبل منهم نسأل الله السلامة والعافية، ولا ترفع إلى السماء- رجل أم قوما وهم له كارهون، وعبد أبق عن سيده حتى يعود إليه، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط)
    ، فهؤلاء الثلاثة لا تجاوز صلاتهم رءوسهم قيد شبر، فنسأل الله السلامة والعافية.وإذا كان الإمام لا يبالي فالأمر أشد وأعظم،
    فإذا قيل له:
    إن الناس يكرهونك.
    أو: لا تطول على الناس ولا تؤذهم،
    قال:
    من أعجبه فالحمد لله، ومن لم يعجبه فلينصرف.فهذه جرأة، ومثل هذا على خطر، فينبغي عليه أن يتقي الله عز وجل، وأن يراقب نفسه، وأن يستشعر أنه على نقص وأنه بشر، وقد يكون من الإنسان الخطأ وهو لا يدري، فالعين لا ترى ما بها إلا بالمرآة، فالإنسان لا يستطيع أن يرى ما بعينه إلا بمرآة، والمرآة هم الناس،
    فإذا جاءك الناس وقالوا لك: إنك تطول أو جاءك أكثر من شخص، أو شخص تثق بدينه وبأمانته فاعذر الناس وأنصفهم من نفسك.وأما الكراهة غير الشرعية فهي التي تكون من أناس متساهلين في أمور دينهم والإمام يدعوهم إلى السنة، ويدعوهم إلى طاعة الله عز وجل فيكرهونه لأنه يدعوهم إلى الخير، ويكرهونه لأنه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويكرهونه؛ لأنه لا يحابيهم، ويصدع بالحق، فهذه الكراهة وجودها وعدمها على حد سواء،
    ومثل هذا ينطبق عليه قوله عليه الصلاة والسلام:
    (من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس)، فهذا على خير وعلى سنة ورشد، فإن كان الإمام مكروها فإنه لا يقدم على الناس من يكره؛ لأنه إذا تقدم على الناس من يكره لا ترتاح الناس للصلاة وراءه، ولا تتأثر بقراءته، ولا تتأثر بمواعظه، وفي هذا صرف للناس عن الخير، ولذلك عاتب النبي صلى الله عليه وسلم معاذا، وأمره أن يهيئ لنفسه ما يدعو إلى قبول إمامته وحبه والإقبال عليه.
    [حكم إمامة ولد الزنا والجندي]
    قال رحمه الله:
    [وتصح إمامة ولد الزنا والجندي إذا سلم دينهما].تصح إمامة هذين إذا كانا على ديانة واستقامة، فولد الزنا الذنب ذنب غيره وليس بذنبه،
    وقد قال تعالى:
    {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام:164]، وكره بعض العلماء أن يقدم ابن الزنا للإمامة بالناس، وهذا قول فاسد؛
    فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)، وقد يكون على صلاح وديانة واستقامة، والذنب ذنب غيره وليس بذنبه هو، وليس عليهم من وزر والده شيء، وما ورد من أنه لا يدخل الجنة فباطل وقول مردود مصادم للنصوص الصحيحة الصريحة في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا قول شاذ لا يعول على مثله، وهذا قول رده العلماء وأبطلوه؛ لأنه يصادم النصوص الصحيحة الصريحة في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف يضيع الله صلاحه وقد صلح واستقام؟! وقد أخبر الله تعالى أنه يخرج الحي من الميت، فقد أخرج عكرمة من رأس الكفر أبي جهل، فلذلك لا يمتنع أن يخرج العبد الصالح من أصل فاسد، وقد يكون الرجل زنى ثم تاب إلى الله فتاب الله عليه، وهكذا بالنسبة لأمه، فالمقصود: أن ولد الزنا تصح إمامته إذا استقام،
    لكن بعض العلماء يقول:
    إذا وجد غيره وهو مثله
    -أي: في مثل حاله- يقدم عليه؛ لئلا يغتابه الناس، ولأجل صيانة الإمام إذا وجد غيره، أما إذا لم يوجد غيره، أو كان أفضل الموجودين فخليق بها، ونعما هو عليه.
    وقوله:
    [والجندي].كذلك الجندي تصح إمامته ويصلي بالناس إذا كان على استقامة وخير.
    حكم صلاة من يصلي قضاء خلف مؤد والعكس
    قال رحمه الله:
    [ومن يؤدي الصلاة بمن يقضيها وعكسه].
    مثال ذلك:
    لو أنك دخلت على أخيك وهو يصلي العصر -
    خاصة عند من يقول:
    إنه يجوز أن تصلى الظهر وراء العصر- وأنت تنوي الظهر قضاء فإنه يجوز ذلك ولا حرج فيه، فصلاتك مقضية وراء مؤد، وهكذا لو قضى الظهر فجئت وصليت وراءه العصر أداء صح هذا، فيصح الأداء خلف القضاء والقضاء خلف الأداء إذا اتحدت صورة الصلاتين، وبناء على ذلك لا حرج، ويعتبر العلماء هذا مع اختلاف النية لحديث معاذ رضي الله عنه الثابت في الصحيح حينما كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء، وينطلق إلى قومه يصلي بهم العشاء فهو متنفل وهم مفترضون، فاختلفت نيته معهم، وقالوا: فلا يؤثر أن ينوي القضاء وينوي غيره الأداء، أو ينوي هو الأداء وغيره ينوي القضاء، فلا حرج في هذا.
    وقوله:
    [وعكسه].
    أي:
    كذلك لو صلى أداء وصليت وراءه قضاء فلا حرج، وهكذا بالنسبة لصلاة الظهر، فلو أن إنسانا نسي صلاة الظهر البارحة ولم يذكرها إلا اليوم، ودخل عليك وأنت تصلي الظهر، فإنه هو قاض وأنت مؤد، فيصح القضاء خلف الأداء، ولو ابتدر هو بصلاة الظهر وصلاها بنية القضاء، ثم دخلت عليه بعده فنويت وراءه الأداء صح ذلك ولا حرج.
    [حكم صلاة مفترض خلف متنفل]
    قال رحمه الله:
    [لا مفترض بمتنفل].
    أي:
    لا يصح أن يصلي المفترض وراء إمام متنفل.
    وهذه المسألة فيها قولان للعلماء:
    القول الأول يقول: يجوز أن يصلي المفترض وراء المتنفل.وبهذا القول قال فقهاء الشافعية وجمع من أصحاب الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله على الجميع.
    القول الثاني: لا يصح أن يؤم المتنفل المفترضين.وبهذا القول قال جمهور العلماء من المالكية والحنابلة والحنفية.أما الذين قالوا بصحة صلاة المفترض خلف المتنفل فاحتجوا بحديث معاذ الذي سبقت الإشارة إليه الثابت في الصحيح أنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم عشاء، ثم ينطلق إلى قومه فيصلي بهم وهو متنفل وهم مفترضون.
    وفي الرواية عن جابر:
    (هي له تطوع ولهم فريضة)، ووجه الدلالة أن هذا وقع من معاذ رضي الله عنه وعلمه النبي صلى الله عليه وسلم وأقره على ذلك، فدل على صحة إمامة المتنفل بالمفترض.وذهب الجمهور -كما قلنا- إلى عدم صحة إمامة المتنفل بالمفترض،
    واحتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام:
    (إنما جعل الإمام ليؤتم به إلى أن قال: فلا تختلفوا عليه)، فوجه الدلالة أن هذا نهي، فإذا كانوا ناوين للفريضة وراءه فقد اختلفوا عليه، وبناء على ذلك لا يصح أن يوقع الفريضة مع إمام متنفل، ثم إن الفريضة أقوى من النافلة، وقد عهدنا بناء الضعيف على القوي لا بناء القوي على الضعيف، خاصة أن الإمام ضامن.ثم أجابوا عن حديث معاذ بوجوه،
    فقالوا:
    إن حديث معاذ محمول على أنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم النافلة ويأت قومه فينوي الفريضة.وهذا مردود وباطل، خاصة وأنه يصادم الراوية الصحيحة عن جابر أنه كان ينوي وراء النبي صلى الله عليه وسلم الفريضة ثم يصلي بقومه نافلة.ولا يعقل أن معاذا رضي الله عنه -وهو الفقيه- يضيع صلاته وراء النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الفريضة أفضل.كما أجابوا -أيضا-
    عن حديث معاذ بقولهم:
    سلمنا في حديث معاذ أن قومه مفترضون وهو متنفل،
    ولكن نقول:
    قد نهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.ولذلك يقول فقهاء الحنفية أنه منسوخ.
    وبناء على ذلك لا يصلح للاحتجاج به لرواية السنن:
    (إما أن تصلي معنا أو تصلي مع قومك)،
    فقالوا:
    فهذا يدل على أن هذا الفعل منسوخ.وهذا باطل؛ لأن الرواية متكلم في سندها، وبناء على ذلك لا يسلم النسخ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في الرواية الصحيحة أنكر عليه الإطالة، ولم ينكر عليه إمامته بقومه وهو متنفل،
    وإنما قال:
    (أفتان أنت يا معاذ؟)، ثم بين له السبيل الأمثل والسنة في إمامة الناس، فدل هذا على أن النبي صلى الله وسلم قد أقره على إمامته، وأن إمامته صحيحة، وأن هذا الفعل يعتبر في حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم من جهة الإقرار؛ أي أنه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم إقراره، وعلى هذا يعتبر القول بجواز إمامة المتنفل للمفترض هو القول الراجح، فالصحيح أنه لا حرج للمتنفل أن يؤم المفترضين،
    ولهذه المسألة نظائر وصور منها: لو أنه دخل وراء متنفل فإن اتحدت صورة الصلاة فلا إشكال، وإن اختلفت فلا، وبناء على ذلك لو أنه دخل والمتنفل يصلي التراويح فإنه يجوز له أن يصلي وراءه العشاء، سواء أكان مسافرا فيسلم بتسليم الإمام أم كان مقيما فبعد تسليمه من الركعتين يقوم ويأتي بركعتين كأنه مسبوق، وهكذا الحال بالنسبة لبقية الصور، أما لو اختلفت صورة الصلاتين، كأن تكون المغرب وراء العشاء، أو العشاء وراء المغرب فإنه لا يصح الائتمام في هذه الحالة؛ لأنه يؤدي إلى اختلاج الصلاة، والمحفوظ من إقراره عليه الصلاة والسلام إنما هو في اتحاد صورة الصلاتين، أما في الاختلاف فإنه لم يثبت، فيبقى الأصل في متابعة الإمام على ما هو عليه.
    وأما ما استدل به من قال بالمنع من قوله عليه الصلاة والسلام: (فلا تختلفوا عليه)، فإنه محمول على الاختلاف في الأفعال، وليس المراد به الاختلاف في النيات؛ لحديث معاذ الذي دل على تخصيص هذا الأمر.
    [حكم صلاة الظهر خلف من يصلي العصر وغيرها]
    قال رحمه الله:
    [ولا من يصلي الظهر بمن يصلي العصر أو غيرها].هذا بناء على المذهب الذي يقول: إنه لا يصلى مع اختلاف النيات.والصحيح أنه يجوز أن يصلي مع اختلاف النية، أما لو كانت نيتك النافلة والإمام مفترض فإنها تصح بالإجماع، كأن تكون قد صليت الظهر، ثم دخلت المسجد والإمام يصلي، فإنك تصلي وراءه الظهر، فهي لك نافلة ولهم فريضة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك الصحابيين، كما في حديث خيف منى، وهو ثابت في الصحيح، وكذلك أمر أبا ذر رضي الله عنه لما أخبره عن الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها.
    الأسئلة
    [حكم الأذان للمرأة]
    q إذا صلى النساء جماعة فهل يجوز أن تؤذن إحداهن وتقيم؟

    a باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد.فالثابت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أن يؤذن لـ أم ورقة الشهيدة وكانت تسمى الشهيدة؛ لأنها استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في خروجها لبدر فمنعها عليه الصلاة والسلام فأخبرته أنها تريد الشهادة، فقال لها: (امكثي في بيتك وستأتيك الشهادة)، فمكثت حتى توفي النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أبو بكر وعمر، حتى إذا كان زمان عثمان قام غلامان من غلمانها فغطاها بقطيفة حتى ماتت، فصدقت فيها معجزة النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه المرأة الكريمة الفاضلة رضي الله عنها وأرضاها أمرها أن يؤذن لها، فدل على أن الأذان ليس للنساء، ومن ثم قالوا: ليس على النساء أذان ولا جماعة، وإنما هو للرجال.والغالب في صوت المرأة أنه فتنة، وبناء على ذلك فإن الأذان إنما يكون لرجل يؤذن لها على ظاهر السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم.والله تعالى أعلم.

    [استخلاف الإمام غيره في الصلاة إذا خرج منها]

    q إذا خرج الإمام من الصلاة بسبب تذكره أنه محدث واستخلف، فهل يستأنف النائب أم يبني؟

    a يبني ولا يستأنف، وهذا هو المقصود من الاستخلاف، فيبني على الصلاة ولا يستأنف، وظاهر حديث أبي بكر رضي الله عنه في إمامة النبي صلى الله عليه وسلم في مرض الموت يدل على الاستخلاف في صورة العكس.والله تعالى أعلم.
    [حكم من وجد ببدنه أو ثيابه نجاسة أثناء الصلاة]
    q من علم أن ببدنه نجاسة، أو بثوبه أثناء الصلاة وهو إمام فماذا يفعل؟

    a هذا فيه تفصيل، فإذا كان الماء قريبا، وأمكنه أن يصل إليه دون أن ينحرف عن القبلة فإنه يجوز له أن يمضي إلى الماء، وأن يغسل هذه النجاسة، ثم يبني على صلاته ويستمر، كأن يكون بجواره صنبور ماء، أو بجواره وعاء فيه ماء وأمكنه أن يأخذ منه ويغترف دون أن ينحرف عن القبلة، فإن الجماهير على أن له ذلك ويتم صلاته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خلع نعليه، فخلع النعال فعل لإزالة النجاسة، فلما خلع النعال وفعل فإنه كذلك يخلع النجاسة عن ثوبه بالغسل؛ لأن الإذن بالشيء إذن بلازمه، فلما أذن له بأن يزيل نجاسته أذن له بلازم ذلك من الأفعال التي لا يخرج بها عن كونه مصليا ولا ينحرف بها عن القبلة.أما لو كان الإمام بعيدا عن الماء، أو يتعسر عليه، أو لا يمكنه أن يصل إلى الماء إلا بفعل كثير، أو ينحرف عن القبلة فإنه يستأنف ولا يبني، وبناء على ذلك يقطع الصلاة ويخرج منها، ويستخلف غيره إن كان إماما.والله تعالى أعلم.
    حكم الصلاة خلف الفاسق فسقا أكبر
    q إذا كان الإمام فاسقا فسقا أكبر، كأن يكون ممن يستغيث بالقبور ويقع في الشركيات، فهل تجوز الصلاة خلفه؟

    a لا تجوز الصلاة وراء كافر، وهكذا الحكم فيمن ثبت شركه، فإنه لا يصلى وراءه، أي: إذا ثبت أن في عقيدته خللا يوجب بطلان صلاته فإنه لا يصلى وراءه، إنما المراد الفسق الذي لا يخرج عن الملة، أما لو كان فسقه -والعياذ بالله- أكبر مخرجا عن الملة فإنه لا يصلى وراءه.
    [حكم من فاتته بعض تكبيرات صلاة الجنازة]
    q كيف يقضي المصلي صلاة الجنازة إذا دخل مع الإمام بعد التكبيرة الثالثة؟

    a إذا دخل المصلي مع الإمام في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الثالثة فإنه إذا سلم الإمام لا تخلو الجنازة من حالتين عند المحققين من العلماء، فإن كانت الجنازة تترك برهة لقضاء من فاتته الصلاة لكي يقضي فحينئذ يكبر ويقول الأذكار التي بين التكبيرات، أما لو كانت ترفع -كما هو الحال في غالب الجنائز الآن- فإنه يوالي بين التكبيرات ويسلم، وهذا اختيار جمع من أهل العلم رحمة الله عليهم.ووجهه أن الصلاة إنما شرعت بحضور الجنازة، ولذلك لا يصلى في المسجد قبل حضور الجنازة، وإنما يصلى بعد حضورها، وبناء عليه فرفعها يعتبر موجبا لانتهاء الصلاة عليها، فمتى ما رفعت من المسجد، أو من الأرض فقد انتهت الصلاة عليها، فيوالي بين التكبير، فإن فاتته تكبيرتان فعند سلام الإمام يقول: الله أكبر.الله أكبر.السلام عليكم ورحمة الله.وإن فاتته ثلاث تكبيرات فإنه عند سلام الإمام يقول: الله أكبر.الله أكبر.الله أكبر.السلام عليكم ورحمة الله، فيوالي بين التكبيرات ولا يقول الأذكار التي بينها.والله تعالى أعلم.
    [حكم صلاة المغرب خلف من يصلي العشاء]
    q شخص مسافر أراد أن يؤخر صلاة المغرب جمع تأخير مع صلاة العشاء، وعندما حضر وقت صلاة العشاء، فهل يصلي العشاء مع الجماعة ثم يصلي المغرب؟

    a يصلي العشاء بنية النفل، ثم يقيم للمغرب ويصليها، ثم يصلي العشاء، ووجه ذلك أن صلاة العشاء لا تصح قبل المغرب، فقد قال تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} [النساء:103]، وثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى الصلوات مرتبة، وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وبناء على ذلك لا يصح إيقاع فريضة قبل فريضة إلا إذا كانت مرتبة على الوجه الذي وقعت عليه.وعلى هذا فلو قلنا له صل العشاء ثم صل المغرب فقد خالفنا مقصود الشرع من مراعاة الترتيب، حيث لا يخاطب بصلاة العشاء إلا بعد أن تبرأ ذمته بصلاة المغرب، وعلى هذا قال العلماء يدخل بنية النافلة في العشاء، ثم بعد ذلك يقيم للمغرب فيصليها، ثم يصلي بعد ذلك العشاء، وهذا إذا كان المسجد لا يسع أكثر من جماعة، أما لو كان مسجدا سابلا كمساجد السفر التي على طرقات السفر فإنك تقيم للمغرب وتحدث جماعة ثانية للمغرب وتصلي بمن شئت؛ لأن المساجد السابلة رخص فيها تكرار الجماعات، شريطة ألا يشوش بعضها على بعض.والله تعالى أعلم.
    [مسألة مضاعفة صلاة الفرض والنافلة في المسجد الحرام]
    q هل الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة في الفريضة والنافلة، أم ذلك خاص بالفريضة؟

    aهذه المسألة فيها وجهان للعلماء: أصحهما أن المضاعفة في مسجد مكة والمدينة والمسجد الأقصى شاملة للفرض والنفل لقوله عليه الصلاة والسلام: (صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة)، فإنها نكرة، والقاعدة في الأصول أن النكرة تفيد العموم.فشملت الفريضة والنافلة.وقال جمع من أهل العلم: إن المضاعفة تختص بالفريضة دون النافلة، واحتجوا بوجوه.أولها وأقواها حديث رمضان، حينما أم النبي صلى الله عليه وسلم بالصحابة في قيام الليل، ثم في الليلة الثالثة امتنع من الخروج.وقال: (صلوا في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، ووجه الدلالة أنه صرفهم عن صلاة القيام في المسجد إلى صلاتها في البيت، فدل على أن المضاعفة مختصة بالفريضة دون النافلة وأكدوا ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الرواتب في بيته، ولم يكن يصليها في مسجده إلا ما ورد من الاستثناء في صلاة الجمعة البعدية، فقالوا: إن هذا كله يؤكد أن النوافل الأفضل فيها أن تكون في البيوت، وأن المضاعفة هذه المساجد مختصة بالفرائض دون النوافل.والذي يترجح القول الأول الذي هو للجمهور، وهو أن المضاعفة شاملة للفرض والنافلة لعموم الحديث الذي ذكرناه، وهذا أولا.ثانيا: الاستدلال بحديث: (فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، الذي يظهر أنه لا تعارض بين النصين؛ فإن المضاعفة في قوله عليه الصلاة والسلام: (صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة فيما سواه) مضاعفة متجهة إلى العدد، وحديث: (فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) راجع إلى البعد عن الرياء، فانفكت الجهة بين النصين، والقاعدة في الأصول أنه لا يحكم بالتعارض إلا إذا اتحد مورد النصين.أي: أن يأتي حديث ويقول: بألف صلاة، وحديث يقول: هي بصلاة وبناء على ذلك لا نسلم أن الحديثين متعارضان، وإنما كل منهما في جهة، ويؤكد هذا قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا صلى أحدكم فليجعل من صلاته في بيته؛ فإن الله جاعل له من صلاته في بيته خيرا)، وهذا من جهة بعده عن الرياء وعمارته لهذا البيت حتى لا يكون كالقبر الذي لا يصلى فيه، فالذي يظهر -والله أعلم- أن المقصود بذلك إحياء البيوت بالذكر؛ لكي لا تشابه القبور، ولكي تعود بالبركة والخير عليه وعلى أهل بيته، وأما بالنسبة لمضاعفة الصلاة في المساجد فهي باقية على عمومها لثبوت السنة فيها على العموم.والله تعالى أعلم.وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه وسلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #123
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,801

    افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي


    شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
    (باب صلاة الجماعة)
    شرح فضيلة الشيخ الدكتور
    محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
    الحلقة (123)

    صـــــ(1) إلى صــ(21)

    شرح زاد المستقنع - فصل: يقف المأمومون خلف الإمام
    يجب على المأمومين التأخر خلف الإمام إن كانوا جماعة، والواحد يقف عن يمينه إلا المرأة فخلفه، ولا يجوز لمنفرد أن يصلي خلف الصف وحده إلا المرأة، ولا تعتبر المصافة مع الكافر والمحدث والمرأة، ومن وجد فرجة دخل فيها وإلا جذب من يصلي معه، ولابد من سماع لمن صلى في المسجد أن يسمع الإمام، وإن لم يره، وإن كان خارج المسجد فلابد أن يرى الإمام وتكره الصلاة بين السواري، وهناك آداب ينبغي للإمام أن يتحلى بها.
    تابع أحكام الإمامة
    [موقف المأموم من الإمام]
    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
    أما بعد: فيقول المصنف عليه رحمة الله: [فصل: يقف المأمومون خلف الإمام] تقدم في المواضع السابقة بيان جملة من الأحكام المتعلقة بالإمام، وما ينبغي أن يكون عليه من صفات قبل إمامته للناس، وكذلك حال إمامته.وهنا شرع المصنف في مسألة مهمة من مسائل الإمامة وصلاة الجماعة، وهي التي تعرف بموقف المأموم مع الإمام، وذلك أن الجماعة تتحقق بواحد مع الإمام، ولا تكون الجماعة لواحد منفرد.وعلى هذا يرد السؤال عن موقف الواحد مع الإمام، وعن موقف الاثنين، وعن موقف الثلاثة وأكثر.ثم بعد ذلك يرد السؤال عن موقف الرجال وموقف النساء وموقف الصبيان والخناثى، ونحو ذلك من الأحكام المتعلقة بالمواقف.
    قال رحمه الله:
    [يقف المأمومون خلف الإمام].السنة للمأموم أن يقف وراء الإمام، وهذا إذا كان المأمومون أكثر من واحد،
    والأصل في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:
    (إنما جعل الإمام ليؤتم به).والإمام -كما يقول العلماء رحمهم الله-: مأخوذ من الأمام، وهو الخط الذي يخط في أول الدار؛ فكأنه ينبني عليه غيره، ولذلك يكون متقدما متميزا على غيره بهذا التقدم، ولا يكون مساويا للمأمومين، فهذا في الأصل.
    فقوله:
    (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، معناه أن يكون المأموم تبعا للإمام، وهذا يشمل ما يكون في الأفعال وما يكون في الصورة، فصورة المأموم في موقفه، فالأصل إذا كان المأمومون أكثر من واحد أن يكونوا وراء الإمام، أما لو كان المأموم واحدا فسيرد التفصيل في أحكامه، لكن الأصل في المأموم أن يقف وراء الإمام.
    وقوله:
    [يقف المأمومون] عبر فيه بالجمع، وهذا يقتضي أن موقف الجماعة يكون وراء الإمام إذا كانوا اثنين فأكثر، وإذا وقف الاثنان عن جانبه الأيمن صحت صلاتهم؛ لأنه موقف معتبر.وفي الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما،
    أنه لما قام عليه الصلاة والسلام بعد هوي من الليل وتوضأ ووقف قال ابن عباس:
    (فقمت فصنعت مثل ما صنع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جئت فقمت عن يساره فأدارني فجعلني عن يمينه).فدل على أن ميمنة الإمام موقف، لكن إذا كان المأمومون أكثر من واحد فإنهم يقفون وراء الإمام، فلو وقف الاثنان عن يمينه فقد وقفا في موقف معتد به شرعا فيصح ائتمامهم.
    قال رحمه الله تعالى: [ويصح معه عن يمينه] هذا يقع في الأحوال التي قد توجد فيها حاجة، أو توجد فيها ضرورة، كما لو كان المكان لا يتسع أن يتأخر المأمومون عن الإمام، فإذا كان المكان لا يتسع أن يتأخر المأمومون عن الإمام فإنهم يقفون ويصلون عن يمينه، ثلاثة كانوا أو أكثر، ولو كان صفا طويلا فلا حرج، كأن يكون هناك ممر وليس هناك متسع أن يكون الإمام متقدما، فحينئذ يقفون عن يمينه.
    وقال بعض العلماء:
    إنهم لو جعلوا الإمام أمامهم ثم تأخروا قليلا عنه، وجعلوا فسحة بينهم وبينه فإنه لا حرج، واغتفروا هذا الفاصل اليسير، لكن شدد فيه بعض العلماء؛ لأنه بمثابة قطع الصف.فالحاصل أنهم لو كانوا محتاجين ووقفوا عن يمينه فلا حرج، وهكذا إذا كانت ثم مشقة، بأن قطع الإنسان الصفوف وجاء ووقف عن يمين الإمام فلا حرج.
    قال رحمه الله تعالى:
    [أو عن جانبيه].يعني عن جانبي الإمام، فإنه لا حرج في أن يقف المأمومان أحدهما عن يمينه والثاني عن يساره، وهذا ثابت في حديث أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه صلى بـ علقمة والأسود صاحبيه، فأقام أحدهما عن يمينه والثاني عن يساره، ورفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم.وإن كان هذا الحديث فيه إشكال في رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه إن صح موقوفا فـ ابن مسعود ناهيك به علما وفقها، وهذا مذهب الحنفية رحمة الله عليهم، فيرون أن الاثنين يقف أحدهما عن يمينه والثاني عن يساره.وخالفهم الجمهور رحمة الله عليهم فقالوا -وهو الصحيح-: إن الاثنين يقفان وراء الإمام؛ لحديث جابر وجبار فإنه لما قام جابر عن يمينه صلى الله عليه وسلم وجاء جبار دفع صلوات الله وسلامه عليه بصدورهما وراءه، كما في الحديث الصحيح، فدل على أن الاثنين يقفان وراء الإمام، ولا يقفان بحذاء الإمام عن يمينه وعن يساره.وأما حديث ابن مسعود فالذي يظهر -والعلم عند الله، كما هو جواب طائفة من المحققين- أنه كان في أول الإسلام، وهي الصلاة المكية، ثم نسخت بالتشريع المدني.والسبب في ذلك أن ابن مسعود لما صلى بـ علقمة والأسود رحمة الله عليهما ركع فطبق بين يديه،
    والتطبيق: هو أنه حينما يركع يجعل كفه اليمنى مع كفه اليسرى مجموعتين غير متداخلتين
    -أي: بدون تشبيك-، ويجعلهما بين الفخذين.وكانت الصلاة بهذه الصفة كالتعظيم لله سبحانه وتعالى، ثم نسخت بوضع الكفين على الركبتين وإلقامهما، كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم معنا في صفة الركوع.فكانت سنة مكية أنه إذا صلى الإمام يجعل أحد المأمومين عن يمينه والثاني عن يساره، ثم نسخ هذا بحديث جابر وجبار،
    وكما يقول العلماء:
    إنه يستفاد من رواية الراوي ما يدل على النسخ، فلما كان ابن مسعود من أحفظ الناس للتشريع المكي، وهو من أسبق الصحابة رضوان الله عليهم وأعرفهم بالفقه المكي،
    وحديث جابر وجبار إنما كان بالمدينة قالوا:
    هذا يشير إلى أنه كان منسوخا، بدليل أن جبارا لما جاء وقف عن اليسار، فدل على أنه كان معهودا في أول الأمر أن يقف أحدهم عن يمينه والثاني عن يساره، وهذا هو أعدل الأوجه وأقواها في الجواب عن هذه السنة الواردة، والتي حفظها عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه.فالخلاصة أن الاثنين فأكثر يقفون وراء الإمام، والأصل في ذلك حديث أنس (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، فلو أنه وقف الإمام بينهم لم يكن ائتماما بالصورة،
    ولذلك قالوا:
    يتقدم ويتأخران.
    قال رحمه الله تعالى:
    [لا قدامه].
    أي:
    لا يجوز للمأموم أن يتقدم على الإمام،
    وذلك لنص الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
    (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، فلو تقدم عليه لم يأتم به، وإنما صار المأموم كأنه إمام لإمامه، وهذا خلاف المقصود شرعا.ثم إن تقدم المأموم على الإمام فيه مفاسد، ومن أعظمها أنه تختلف عليه أفعال الإمام، ولربما يحصل منه اختلاج في صلاته، والسبب في ذلك واضح، فلو صلى وراء الإمام رباعية وسها الإمام ولم يجلس للتشهد الأول فقام ووقف، فإن المأموم سيجلس للتشهد؛ لأن ظنه أن الإمام جلس للتشهد، فلا يشعر إلا والإمام راكع، وحينئذ تختلف صلاة المأموم مع إمامه.
    قال رحمه الله تعالى:
    [ولا عن يساره فقط].الدليل على أن اليسار ليس بموقف حديث ابن عباس رضي الله عنهما، فإن ابن عباس لما بات عند خالته ميمونة رضي الله عنه وعنها قال: (فلما كان هويا من الليل قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى إلى شن فتوضأ، ثم قمت فصنعت مثلما صنع فقمت عن يساره فأدارني عن يمينه).ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم حرك ابن عباس، وحصل هذا الفعل لمصلحة الصلاة، فدل على أن يسار الإمام ليس بموقف، وأنه إذا وقف المأموم في يسار الإمام وجب أن يحوله إلى يمينه.
    [بطلان صلاة المنفرد خلف الصف غير المرأة]
    قال رحمه الله تعالى:
    [ولا الفذ خلفه أو خلف الصف إلا أن يكون امرأة].
    أي: لا تصح صلاة الفذ إذا وقعت خلف الصف، فإنه إذا صلى منفردا خلف الصف لم تصح صلاته، إلا المرأة، فإن النص ورد باستثنائها.
    أما الدليل على أن المنفرد لا تصح صلاته خلف الصف فحديث وابصة بن معبد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
    (لا صلاة لمنفرد خلف الصف).
    وكذلك حديث علي بن شيبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم انفتل من صلاته ورأى رجلا يصلي وحده فقال له:
    (استقبل الصلاة -أي: أعد الصلاة- فإنه لا صلاة لمنفرد خلف الصف)، فدل على أن من صلى وراء الصف ركعة كاملة فأكثر أن صلاته باطلة وتلزمه الإعادة.
    قوله:
    [إلا أن يكون امرأة] أي: إلا أن يكون الواقف امرأة، وهذا الأصل فيه حديث أنس رضي الله عنه -وهو ثابت في الصحيحين- أن النبي صلى الله عليه وسلم زار أم حرام بنت ملحان رضي الله عنها وأرضاها، قال أنس: فقال لنا: (قوموا فلأصلي لكم) -وهذا في الضحى-
    قال أنس:
    (فقمت إلى حصير قد اسود من طول ما لبس فنضحته، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من خلفنا).ووجه الدلالة أن العجوز
    -أي: المرأة- صلت وراءهم وهذا يدل على أن المرأة إذا انفردت فصلاتها صحيحة،
    وعلى هذا قالوا:
    إن عموم قوله: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) يخصص، وتستثنى منه المرأة لثبوت الحديث الصحيح باستثنائها، وللشرع في ذلك حكم،
    منها:
    دفع المفاسد باختلاط الرجال مع النساء.
    [موقف إمامة النساء]
    قال رحمه الله تعالى:
    [وإمامة النساء تقف في صفهن].ذكرنا أن النساء يشرع لهن أن تكون بينهن جماعة، وأن تكون إمامتهن منهن، ولا حرج في ذلك؛ لحديث أم ورقة الأنصارية رضي الله عنها، حيث أذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تصلي بأهل دارها.فلما أذن لها عليه الصلاة والسلام أن تصلي بأهل دارها دل هذا على أن المرأة تكون إماما، ولكن للنساء، وعلى هذا يردq حيث عرفنا أن موقف المأموم يكون وراء الإمام فهل هذا الحكم عام للرجال والنساء؟ والجواب أنه يختص بالرجال دون النساء، أما النساء فلو كانت الإمامة منهن فإنها تقف بينهن ولا تقف أمامهن، وهذا فعل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وكذلك أم سلمة رضي الله عن الجميع، وروى ذلك سعيد بن منصور في السنن.
    فقالوا:
    إنه لا يمكن أن تفعل أم المؤمنين رضي الله عنها وهي الفقيهة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها وعن أبيها، لا يمكن أن تفعل هذا دون توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم.ثم إن مقاصد الشرع تؤكد هذا، حيث إن المرأة إذا صلت بين النساء كان هذا أستر لها وأحفظ، بخلاف ما لو تقدمت عليهن، ولأن للرجال درجة على النساء، وفرق ما بين النساء والرجال، فقدم الرجال لأمن الفتنة، وتأخرت النساء لوجود الفتنة.
    [ترتيب المأمومين خلف الإمام]
    قال رحمه الله تعالى: [ويليه الرجال ثم الصبيان ثم النساء كجنائزهم].
    أي: يلي الإمام الرجال،
    والأصل قوله عليه الصلاة والسلام:
    (ليلني منكم أولو الأحلام).فدل على أن السنة أن يلي الإمام الكبار والعقلاء، خاصة أهل العلم والحلم والعقل والفضل، ويكون هذا المكان -الذي هو خلف الإمام مباشرة- لأمثال هؤلاء.والمطلوب أن يبكروا، وأن يبادروا بالحضور لا أن يتأخروا ويتخطوا رقاب الناس، أو تحجز لهم أماكن، فإن المساجد لا يجوز فيها حجز الأماكن إلا لمن خرج لضرورة وحاجة بعد أن يجلس وينال حق المكان، أما أن يحجز لأمثال هؤلاء الأماكن ويمنع منها من سبق فهذا لا يجوز، وهذا من الظلم الذي يعتبر أذية للناس، والله تعالى منع أن يمنع الإنسان أحدا أن يصلي في مساجده، فإذا جاء شخص إلى الصف الأول مبكرا فهذا حقه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (من سبق إلى شيء فهو أحق به).
    وبعض الناس يفهم من قوله:
    (ليلني منكم أولو الأحلام) أنه يحجز ما وراء الإمام للكبار وأهل العقل ونحوهم، وهذا ليس بصحيح، فإن الناس في المساجد على حد سواء.ولذلك من سبق فهو أحق،
    وإنما مراده عليه الصلاة والسلام في قوله: (ليلني منكم أولو الأحلام) أن يبادروا وأن يبكروا بالمضي، حتى يكون ذلك أدعى لحفظ صلاة الإمام.والسبب في الأمر بأن يليه الرجال وأهل العقل أنه ربما طرأت أمور، بمعنى أن الإمام قد يسهو، وكذلك أيضا ربما يصيبه السهو في القراءة، فيحتاج إلى من يرد عليه، وكذلك ربما التبس عليه الأمر ماذا يصنع في صلاته، فإذا كان وراءه من يعقل ويفهم فإنه ينبهه.ثم إنه يكون على درجة من الوعي والإدراك لما يفعله الإمام، بخلاف العوام وهيشات الناس فإنهم دون ذلك لانشغالهم بمصالحهم، وبعدهم عن استشعار الصلاة مثل أولي الأحلام والنهى.فيتقدم الرجال، ثم بعد الرجال الصبيان، كما ورد في حديث أنس وأبي موسى الأشعري رضي الله عن الجميع، فكان صلى الله عليه وسلم يكون الرجال وراءه، ثم وراءهم الصبيان، ثم من بعد ذلك النساء، فهذه هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم.والخناثى يكونون بين الرجال والنساء، ولا يكون الخناثى مع النساء ولا مع الرجال؛ لأنهم لم يبلغوا درجة الرجال، وليس بمتحقق أنهم نساء، فهم بين الأمرين، ونظرا لهذا يكون موقفهم بينهما، أي بين الرجال والنساء.
    وقوله: [كجنائزهم].يعني مثلما تقدم في الجنائز.
    [صلاة المنفرد خلف الصف وما يتعلق بها]
    قال رحمه الله تعالى: [ومن لم يقف معه إلا كافر أو امرأة أو من علم حدثه أحدهما أو صبي في فرض ففذ].هذا نوع من التسلسل في الأفكار، ومن عادة الفقهاء رحمة الله عليهم أنهم يذكرون لك الأصل، وبعد تقريرهم للأصل يبينون ما استثني من الأصل، أي يبين الأصل الذي دلت عليه النصوص، ثم بعد ذلك يرد السؤال في الأحوال الطارئة.
    فنحن لو قلنا:
    إن المنفرد لا تصح صلاته خلف الصف، فهذا يأتي على صور، فإن كان المنفرد جاء وصلى وحيدا وراء الصف فلا إشكال في أن هذا انفراد حقيقي.وهناك نوع ثان وهو الانفراد الحكمي،
    وصورة ذلك:
    أن يصلي معه صبي، أو يصلي معه كافر، أو يصلي معه محدث يعلم بحدثه، فهؤلاء وإن كانت صورة حالهم أنهم مؤتمون، ولكنهم في الحقيقة وجودهم وعدمهم على حد سواء، فإن الكافر لا تصح صلاته، والصبي لا تعتبر مصافته على هذا القول الذي درج عليه المصنف رحمه الله،
    والمحدث كذلك صلاته غير صحيحة لقوله صلى الله عليه وسلم:
    (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ).فمعنى ذلك أن المحدث الذي يصلي بجانبه لا صلاة له، وإذا كان لا صلاة له فإنه حينئذ لا تعتبر مصافته، فوجوده وعدمه على حد سواء.وأما الكافر فإنه لا إشكال أن الكافر وجوده وعدمه على حد سواء، والمحدث لا إشكال أن وجوده وعدمه على حد سواء،
    وبقي عندنا اثنان:
    أحدهما الصبي، والثاني المرأة.فلو فرضنا أنك جئت والإمام في ركعة من الركعات، فجئت وكبرت وبجوارك صبي ليس هناك غيره، وأنت وإياه دون الصفوف، فهل تعتد بهذه الركعة وتصح صلاتك، وتعتبر في حكم من دخل الصف، أم أن وقوف الصبي بجوارك وجوده وعدمه على حد سواء فأنت منفرد، ولو كنت في الظاهر مع غيرك؟a هذه المسألة فيها قولان للعلماء: فالجمهور على أن الصبي يعتبر من صلى بجواره غير فذ وصلاته صحيحة.وذهب بعض الحنابلة رحمة الله عليهم -ونص البعض أنه هو مذهب الإمام أحمد - إلى أنه لا يعتد بالصبي، وأنه يلزمه أن يعيد صلاته إذا لم يأت بالغ يعتد بموقفه.والصحيح مذهب الجمهور أن وقوف الصبي معك معتد به؛
    لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع)، فدل على صحة الصلاة واعتبارها منهم، وأمر بضربهم عليها لعشر.
    والدليل الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وقف ابن عباس عن يساره أداره عن يمينه، فدل على أنه معتد بموقفه، إذ لو لم يكن لموقفه اعتداد لما كان لإدارته من فائدة؛ لأنه يستوي أن يقف هنا أو هنا إذا كان لا يعتد به.فدل على أن الصبي يعتبر وقوفه مع الإنسان رافعا لوصف الفردية،
    كذلك أيضا مما يؤكده حديث أنس في الصحيحين: (وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا) فقوله: (وصففت أنا واليتيم وراءه) يدل على أن الصبي يعتبر رافعا لوصف الانفراد.إذ لو لم يكن رافعا لقدم النبي صلى الله عليه وسلم أنسا يصلي بجواره،
    فلو قال قائل:
    إن أنسا ربما كان صبيا، أو صغير السن،
    فجوابه: ولو قلنا بذلك! ألا تراه عليه الصلاة والسلام أخرهما، فدل على أنهما اثنان، وإذا كانا اثنين فمعنى ذلك أنه معتد بوقوف اليتيم مع أنس، فبوقوف أنس مع اليتيم صارا بمثابة الصف، وعلى هذا فمن وقف بجوار صبي صحت صلاته، ولا يعتبر منفردا على الصحيح.
    وأما المرأة ففيها خلاف أيضا:
    فمن العلماء من قال: إن المرأة إذا وقفت بجوار الرجل وهو فذ فصلاته صحيحة، ويرتفع عنه الوصف المؤثر الموجب لبطلان صلاة الفذ؛ لأنه ليس بفذ.وهذا مذهب المالكية والشافعية وطائفة من أصحاب الإمام أحمد رحمة الله على الجميع.
    والقول الثاني يقول:
    إن وقوف الرجل بجوار المرأة لا يعتبر رافعا لوصف الفذ،
    بل هو فذ وشدد الحنفية وقالوا:
    لو وقف الرجل بجوار امرأة، أو صف الرجل بجوار النساء ولو كان معه رجال من الطرف ونساء من الطرف، ولو امرأة واحدة بالغة بطلت صلاة الرجال الذين صفوا والنساء.وقد ذكرنا هذه المسألة من قبل، وبينا أن الصحيح أن الرجال إذا حاذوا النساء لا تبطل صلاة الرجال؛ لأنه ليس ثم دليل على أن المرأة إذا وقفت بجوار الرجل تبطل صلاته، لكن المسألة التي معنا هي أنه لو وقفت المرأة مع الرجل فإنه فذ على الصحيح، وهو المذهب، والسبب في ذلك واضح، وهو أن الشرع أمر المرأة في هذه الحالة أن تتأخر، فإن تقدمت وصافت الرجل فإن هذا التقدم منهي عنه شرعا، والمنهي عنه شرعا لا يعتد به ولا يحتسب، فصار وجوده وعدمه على حد سواء.
    [الدخول في الفرجة والتفصيل فيه]
    قال رحمه الله تعالى:
    [ومن وجد فرجة دخلها وإلا عن يمين الإمام].
    أي: من وجد فرجة في الصف فمن حقه أن يدخل، بل يجب عليه أن يسد ما بين الصفوف من الفرج، وهذا هو الأصل، حتى لا يتخلل الشيطان.وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإلزاق الكعب بالكعب والمنكب بالمنكب، وكل ذلك حتى لا يتخلل الشيطان، وبناء عليه فمن وجد فرجة فإنه يحاول أن يتمكن منها ويدخل.والفرجة فيها تفصيل، فالفرجة في بعض الأحيان تكون دون الشخص، فلو وجد فرجة ولكنها دونه بحيث لو دخل في الصف فإنه يضايق الناس فهذا لا يدخل في الصف لوجود الحرج والأذية، والذين سبقوا أحق بذلك.والحل في هذه الحالة أنه إذا وجدت الفرجة سحب بعضهم بعضا، والعبرة بجهة الإمام، فإن كانت الفرجة عن اليمين والإمام في المنتصف فإن معنى ذلك أن ينسحبوا إلى جهة اليسار؛ لأن العبرة بجهة الإمام، وإن كانت الفرجة في اليسار والإمام في المنتصف فإنهم ينسحبون إلى جهة اليمين، فيسحب بعضهم بعضا إلى جهة اليمين حتى تصير الفرج في الأطراف.
    فإن صارت الفرجة في الطرف ففيها تفصيل: فإن كانت الفرجة تسع الرجل أثم من تأخر من الرجال في الصف الذي يليه، وإن كانت الفرجة لا تسع بأن كانت لا يمكن دخول الرجل فيها فإنهم يعذرون في ذلك، ولا تؤثر شيئا، كما لو صلوا وانتهى حد الصف عند هذا القدر.
    قوله:
    [وإلا عن يمين الإمام].
    أي:
    إن وجد الفرجة دخل حتى لا يصلي منفردا، وإلا صلى عن يمين الإمام حتى تصح صلاته، ويصح له أن يأتي عن يمين الإمام، ولا حرج عليه.
    [حكم جذب المنفرد لشخص من الصف]
    قال رحمه الله تعالى: [فإن لم يمكنه فله أن ينبه من يقوم معه] إذا جئت فوجدت الصفوف مكتملة بينك وبين الإمام، ولا تستطيع أن تتخطى هذه الصفوف، ولم تجد فرجة أمامك، فلك أن تنبه من أمامك،
    قالوا:
    فإذا أمسك الساحب بطرف ثوبه يتراجع، وإذا رجع كان هذا من التعاون على البر والتقوى، ولا إثم عليه.
    وقالوا: إنه إذا رجع فقد أعان على صحة صلاة، خاصة إذا لم يوجد شخص آخر، فإعانته على صحة الصلاة له فيها الأجر؛ لأن الصلاة لهذا المنفرد لا تصح إلا مع وجود من يقوم معه، وهذا قد فعل السبب الذي صحت به صلاته فكان له كأجره؛ لأنه أعان على خير.وقد ورد في هذا حديث عند الحاكم، ولكن تكلم في إسناده ولم يخل من مقال، ففي هذا رواية معضلة،
    وفيه رواية مرسلة وهي رواية الجذب:
    أي أنه يجذب أحدا من الصف،
    وقال بعض العلماء:
    إنه لا يجذب، وإذا جذب أحدا فإنه يأثم، ولا ينبغي للمجذوب أن يستجيب لمن يجذبه.وإن كان الأقوى والأشبه أنه إن جذبه واستجاب فبها ونعمت، وإن لم يجذبه فإنه يصلي، فإن جاء أحد فبها ونعمت، وإن لم يجئ أحد فإنه يستقبل صلاته ويصليها.
    وشدد بعض العلماء حتى قال ابن حزم الظاهري: إنه إذا لم يجد أحدا فإنه يرجع إلى بيته، وهذا أمر الصعوبة منه بمكان؛ فإن المساجد بنيت لإقامة الجماعة، وكونه يؤمر بالرجوع إلى بيته فيه مخالفة لمقصود الشرع.والذي يظهر -والله أعلم- أنه يحاول الجذب حتى يجد من يستجيب،
    فإن رجع الإنسان بالجذب فعلى حالات: الحالة الأولى: أن تمكث معه بقية الصلاة ولا يأتي أحد فلا إشكال، فتصير الفرجة التي حدثت في الصف يمكن سدها بجذب بعض الناس لبعض حتى تصير في طرف الصف، ويصير الناس معذورين بهذا، وأنت معذور بتصحيح صلاة من معك.
    قالوا: إن مفسدة الفرجة أهون من مفسدة فساد الصلاة وهذا صحيح؛ فإنك لو تأملت أنه لو سحب صارت فرجة فإن هذه الفرجة يمكن سدها لو حضر شخص معه، وإذا لم يمكن سدها وبقيت فإن مفسدتها أهون من مفسدة فوات الصلاة على هذا المصلي.وعلى هذا فإن لم يجئ أحد وبقيت معه فلا إشكال، فلك أجر إعانته على صحة صلاته، وإن جاء أحد تقدمت إلى الفرجة وسددتها؛
    لأن القاعدة تقول:
    (ما شرع لعذر بطل بزواله)،
    وبعضهم يقول:
    (ما جاز لعذر بطل بزواله)، وهذا جاز لعذر -وهو تصحيح صلاته معك- وقد صحت، ثم لما جاء الثاني زال العذر، فحينئذ يبطل تأخرك عن الصف، فتتقدم للصف الذي كنت فيه.قال رحمه الله تعالى: [فإن صلى فذا ركعة لم تصح].
    قيل:
    لم تصح صلاته،
    وقيل:
    لم تصح الركعة التي صلاها دون الصف، وعلى هذا لو أدركه أحد في الركعات الباقية فإنه يقضي هذه الركعة وحدها، فتبطل الركعة التي دون الصف ويلزم بإتمامها،
    وقال بعض العلماء:
    بل تبطل جميع الصلاة.
    حكم الركوع فذا قبل الدخول في الصف
    قال رحمه الله تعالى:
    [وإن ركع فذا ثم دخل في الصف، أو وقف معه آخر قبل سجود الإمام صحت].هذه مسألة اعترض بها الجمهور على القائلين بأن صلاة الفذ لا تصح،
    فالإمام أحمد رحمة الله عليه يقول:
    من صلى فذا أو منفردا دون الصف بطلت صلاته إلا المرأة.فاعترض عليه بحديث أبي بكرة، وحاصل حديث أبي بكرة أنه (دخل والنبي صلى الله عليه وسلم راكع، فخاف أن يرفع النبي صلى الله عليه وسلم فكبر دون الصف، ثم دب ودخل في الصف،
    فلما سلم عليه الصلاة والسلام قال: من فعل كذا وكذا؟
    قال أبو بكرة:
    أنا.
    قال: زادك الله حرصا ولا تعد)،
    فروي في لفظ الحديث:
    (لا تعد)، (ولا تعد)، (ولا تعد).وأقوى الروايات: (ولا تعد) قيل معناها: لا تعد إلى التأخر عن الصلاة حتى لا تضطر إلى مثل هذا الفعل.وهذا عند من يرى صحة هذا الفعل وبقاء التشريع به.
    وقيل: ولا تعد إلى مثل هذا الفعل مرة ثانية.
    وقيل:
    لا تعد إلى الإسراع؛ لأنه كأنه أسرع بعد ركوعه فصار فيه تشويش؛ لأن المساجد كانت في الرمال، ومشي الناس بسرعة يزعج المصلين.
    ولذلك قالوا:
    هذا هو المقصود من قوله (ولا تعد)، وأما (ولا تعد)، و (ولا تعد) فلا إشكال فيهما.فعلى هذا اعترض الجمهور،
    فقالوا:
    أنتم تقولون: إن المنفرد إذا صلى خلف الصف بطلت صلاته، وهذا أبو بكرة قد كبر تكبيرة الإحرام وركع ودب إلى الصف، فانعقد ركنه دون الصف! فلو كانت صلاة الفذ لا تصح لبطلت صلاته، ولأمره عليه الصلاة والسلام بإعادتها.
    والجواب عن ذلك ما قاله الإمام أحمد حيث قال:
    أبقي حديث (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) على عمومه، وأستثني من فعل فعل أبي بكرة وهذا هو الفقه، وهو الجمع بين النصوص على حسب دلالتها،
    فأعمل رحمة الله عليه عموم قوله:
    (لا صلاة لمنفرد خلف الصف)، واستثنى حالة أبي بكرة،
    وقال:
    لا إشكال فيمن فعل فعل أبي بكرة، فإني أصحح صلاته، بمعنى أنه يكبر ثم يدب إلى الصف.
    قال: وفي حكمه ما لو ركع وجاء رجل معه وركع قبل أن يرفع الإمام فإنه تصح صلاته وتجزيه.وهذا القول لا شك أن السنة تدل عليه، خاصة أنه مسلك أصولي صحيح، فأنت إذا تأملت حديث (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) وجدت أن هذا العموم دخله التخصيص، والدليل على ذلك أنه استثني منه المرأة فيما ذكرناه من حديث أنس، فإذا استثنيت المرأة فمعنى ذلك أنه عام مخصص، فلا مانع أن تخصص منه الأحوال في جنس ما قيل بالعموم فيه، أعني الرجال.
    [حكم الاقتداء بالإمام مع رؤيته وعدمها]
    يقول رحمه الله:
    [فصل: يصح اقتداء المأموم بالإمام في المسجد وإن لم يره].هذا كما في الأعمى، فإنه يصح اقتداؤه به، خاصة أنه إذا كان داخل المسجد فإنه سيرى من يقتدي بالإمام، وسيعلم بأفعال الإمام من جهة المأمومين الذين يصلون معه.
    قال رحمه الله تعالى: [ولا من وراءه إذا سمع التكبير وكذا خارجه إن رأى الإمام أو المأمومين].
    أي: كذلك إذا لم ير من وراءه، بشرط سماعه للتكبير، وهذا أحد المذاهب عن العلماء رحمة الله عليهم،
    فيقولون: المهم عندنا أن يكون في المسجد، كما هو مذهب الحنابلة، ووافقهم الشافعية رحمة الله على الجميع.
    فيقولون:
    ما دام أنه داخل مسجد واحد وموضع واحد يصلي مع الإمام، فيستوي ألا يراه ويرى المأمومين، أو لا يراه ولا يرى المأمومين، لكن المهم أن يسمع الصوت.
    قوله:
    [وكذا خارجه إن رأى الإمام أو المأمومين].ظاهر السنة أن الصلاة تصح إذا رأى المأموم الإمام أو المأمومين.
    فيقولون: إن هذا يدل على أن الأصل أن يرى الإمام أو من يقتدي بالإمام داخل المسجد؛ لأنه إذا لم ير الإمام لم يأمن أن تختلج أفعاله، ولا يأمن عند سهو الإمام ألا يدري ماذا يصنع، كما لو سها في الرباعية فقام الإمام بدل أن يجلس للتشهد، فإنه لا شك إذا لم ير الإمام ولا من يقتدي بالإمام أن يقع منه هذا اللبس.
    لكن قالوا: إنه يصح الاقتداء ولو لم ير أحدا قياسا على الأعمى.وأكدوا هذا بحديث الحجرة أيضا، فإنهم ائتموا بالنبي صلى الله عليه وسلم وهم يسمعون صوته ولا يرون شخصه،
    قالوا:
    لأن الحجرة مع المسجد كالشيء الواحد، فاستثني هذا.فهذا حاصل ما قيل إذا كان داخل المسجد، أما إذا كان خارج المسجد فجماهير أهل العلم لا يصححون الصلاة إلا برؤية الإمام، أو من يقتدي بالإمام، ولا يكون هذا إلا باتصال الصفوف؛ لأنها هي الإمامة الحقيقية، وهي السنة والهدي والاقتداء.أما لو كان لا يرى الإمام ولا يرى المأمومين وهو منفصل عن المسجد، كأن يكون في بيت بينه وبين المسجد طريق، أو بينه وبين المسجد بيوت، ويسمع عن طريق الأجهزة الموجودة الآن فإنه لا يصح اقتداؤه ولا تصح متابعته.وهكذا لو سمع عن طريق الأجهزة التي تنقل، كالراديو ونحوه، فإنه لا تصح صلاته؛ لأنه غير مؤتم حقيقة بالإمام.
    فلذلك قالوا: لابد وأن يرى الإمام أو من يقتدي بالإمام.
    يتبع
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #124
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,801

    افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

    شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
    (باب صلاة الجماعة)
    شرح فضيلة الشيخ الدكتور
    محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
    الحلقة (124)

    صـــــ(1) إلى صــ(21)

    [حكم ارتفاع الإمام على المأمومين]
    قال رحمه الله تعالى:
    [وتصح خلف إمام عال عنهم].إن كانت الأرض التي يقف عليها الإمام والمأموم واحدة فلا إشكال، وهذا الأصل في موقفه عليه الصلاة والسلام.لكن هناك حالة يرتفع فيها الإمام ويكون المأموم أنزل منه، وحالة يكون الإمام في أرض هي أدنى في الارتفاع من أرض المأموم.فأما إذا علا الإمام فإنه لا يعلو إلا من ضرورة وحاجة؛
    لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت أنه في حديث أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه وأرضاه قال لامرأة من الأنصار:
    (انظري غلامك النجار يعمل لي أعوادا أكلم الناس عليها) فصنع أعواد المنبر، قال سهل: (فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عليها فكبر
    -أي: كبر تكبيرة الإحرام على المنبر- ثم ركع، ثم رفع -وهو على المنبر- ثم نزل القهقرى فسجد في أصل المنبر، ثم رفع ثم سجد، ثم رفع ثم صعد المنبر، ثم كبر فركع، ثم رفع، ثم رجع القهقرى وسجد في أصل المنبر،
    ثم قال:
    إنما صنعت هذا -
    أي:
    كوني صليت على المنبر- لتأتموا بي)
    ، واللام للتعليل،
    أي:
    من أجل أن تأتموا بي فتروني، (لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي).
    فللعلماء في هذا وجهان:
    فمنهم من قال: لا حرج عندي في ارتفاع الإمام عن المأمومين، ولا بأس بذلك؛ لأن السنة دلت عليه فلا حرج.
    ومنهم من قال:
    لا يجوز للإمام أن يرتفع عن المأمومين، وإن ارتفع من غير حاجة فإنه يأثم.وشدد بعضهم فقال بعدم صحة الصلاة والاقتداء إذا كان الارتفاع بدون حاجة، خاصة إذا قصد به الكبر والترفع، والعياذ بالله.وأكدوا هذا بما جاء عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه مع ابن مسعود، فإن حذيفة حينما صلى بأصحابه وهو على دفة الدكان القديمة وقف عليها رضي الله عنه والمأمومون وراءه، فلما رآه ابن مسعود جاء وجذبه فأنزله،
    فلما سلم قال:
    ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن هذا؟
    قالوا:
    فدل على أنه منهي عنه، وأنه لا يجوز،
    قال: قد علمت، أو تذكرت حينما جذبتني.فدل على أن ارتفاع الإمام عن المأمومين الأصل فيه الحظر والمنع.وهذا القول هو الصحيح، فلا يرتفع الإمام عن المأمومين إلا إذا وجدت حاجة،
    لقوله عليه الصلاة والسلام:
    (لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي)، فكأنه ارتفع بقصد التعليم،
    فقالوا: لو زار عالم أناسا لا يعرفون هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فأحب أن يكون في موضع يراه الجميع فيعلمون صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في انتقاله وفي وقوفه وفي ركوعه وسجوده، فصلى على نشز أو مرتفع فلا حرج.ويكون بقدر المنبر، فلا يرتفع ارتفاعا فاحشا؛ لأنه هو الهدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأن الحاجة تتحقق بمثل هذا،
    فقالوا: لا حرج.أما إذا لم توجد الحاجة فلا.
    قال رحمه الله تعالى:
    [ويكره إذا كان العلو ذراعا فأكثر كإمامته في الطاق].ذلك لأنهم حزروا وقدروا منبره عليه الصلاة والسلام -الذي هو ثلاث درجات- بهذا القدر؛ لأنه لا يقل عن ثلاثة أشبار،
    وبناء على ذلك قالوا:
    لا يزيد على ذراع،
    فإذا زاد على ذراع قالوا:
    إنه في هذه الحالة يكون مكروها.ونص بعض العلماء على حرمته؛
    لقوله:
    كانوا ينهون عن ذلك.والأصل في النهي أنه يحمل على أعلى درجاته، إلا إذا دل دليل على ما هو أدنى من ذلك، أعني الكراهة.
    قوله: [كإمامته في الطاق] الطاق هو: المحراب،
    أي: دخلة المحراب، وكان السلف كـ ابن مسعود وغيره يشددون في ذلك ويمنعون منه، خاصة أن في القديم ما كان هناك سماعات، فإذا دخل الإمام في الطاق داخلا لم يروه، وبناء على ذلك تخفى على بعض الناس الذين هم في أطراف الصف أفعاله،
    ولذلك قالوا:
    لا يصلي داخل الطاق، وكرهوا ذلك، وشدد فيه بعض أئمة السلف كالإمام مالك رحمة الله عليه وغيره.
    [حكم تطوع الإمام في موضعه]
    قال رحمه الله تعالى:
    [وتطوعه موضع المكتوبة إلا من حاجة] أي: لا يتطوع الإمام موضع المكتوبة، وهذا فيه تفصيل،
    فبعضهم يقول:
    الإمام لا يصلي النافلة في موضع إمامته.وهذا القول وجيه، وسبب ذلك أن المحفوظ من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا صلى بالناس وانتهى من الأذكار ينصرف.
    يقول العلماء:
    الحكمة في ذلك -والله أعلم- أن الإنسان إذا تقدم على الناس تميز وصار له فضل، وحينئذ يكون الناس وراءه، وهذا الفضل شرع لحاجة وهي الإمامة، ثم أعطي قدر الأذكار، فبقي ما عداها على الأصل، فلا ينبغي له أن يبقى في موضع إمامته.ولذلك شدد العلماء رحمة الله عليهم، وبعض المتقدمين شددوا على الإمام أن يطول في الأذكار ويطيل الجلوس في المحراب، ولا يتذكر أنه متقدم على الناس؛ لأن هناك أناسا لهم فضلهم ولهم مكانتهم، فلا يتقدم عليهم إلا بقدر ما أذن له الشرع بالتقدم.وهذه من آداب الإمامة التي ينبغي أن يتنبه لها الإمام، وقد كان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه لا يبقى في موضعه إلا بعد صلاة الفجر، فكان عليه الصلاة والسلام يجلس -كما ثبت في الصحيح- ويتحلق حوله أصحابه، واستثنى بعض العلماء إذا وجدت حاجة كالتعليم، كأن يكون عند الإمام درس علم ونحو ذلك، ويكون في موضع المحراب،
    قالوا:
    لا حرج في هذا.وإن كان بعضهم يستحب له أن ينتقل.
    فالشاهد أنهم قالوا:
    لا يتطوع في موضع المكتوبة، وجاء فيه حديث ضعيف عند ابن حبان، أو ابن ماجة ينهى عن التطوع في موضع المكتوبة.واختلف الأئمة في تعليل ذلك،
    فقال بعض العلماء:
    إنما هو للتميز -كما ذكرنا-،
    وقال بعضهم: لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يوصل بين الصلاتين، فلا يصل بين الصلاتين حتى يتكلم، أو يفعل فعلا يخرج به عن الصلاة، وهذه من سماحة الإسلام، حتى يخرج المسلم عن رهبنة النصارى والغلو في العبادات.
    ولذلك قالوا: إنه لا يصل الصلاة بالصلاة، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن وصل الصلاتين ببعضهما ما لم يتكلم أو يعمل، قالوا لا يصلي حتى يكلم أحدا، أو ينتقل من موضعه،
    وقالوا:
    فإذا انتقل من موضعه صلى ولا حرج عليه.
    وقال بعض الأئمة في تعليل ذلك:
    إنه إذا صلى في موضع المكتوبة فإنه يشهد الموضع له بالصلاة، فإن أراد أن يصلي النافلة فليستكثر من الخير وليتقدم أو يتأخر أو يتيامن أو يتياسر، وقد حفظ عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يصلي على يمين منبره، وهو الموضع الذي ورد في الصحيح أنه كان يتحرى الصلاة عنده عليه الصلاة والسلام.فهذا يدل على أن الإمام لا يتعطن،
    كأنهم يقولون:
    إنه إذا صلى في هذا الموضع كأنه تعطنه؛ لأنه إمام يصلي المكتوبة ويصلي النافلة في هذا الموضع،
    قالوا: كأنه تعطن، وقد نهي عن تعطن المواضع في المساجد.فهذا حاصل ما ذكر في تنفله في موضع المكتوبة، وإن كان الأشبه أن المراد به ألا يتميز على الناس، وألا يتقدم عليهم، فبعد انتهائه من الأذكار يدخل إلى بيته متأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم ويصلي الراتبة، إلا ما ورد فعله منها في المسجد، أو يصلي في أي ناحية من المسجد، حتى لا يكون متميزا على الناس.
    [حكم إطالة الإمام القعود في موضعه بعد الصلاة وكيف ينصرف]
    قال رحمه الله تعالى:
    [وإطالة قعوده بعد الصلاة مستقبل القبلة].السنة للإمام إذا صلى بالناس وانتهى أن يستغفر وهو مستقبل القبلة ولا يلتفت.
    والسبب في هذا أنه يمكث بقدر ما يقول: أستغفر الله أستغفر الله أستغفر الله ثلاثا،
    قالوا:
    لاحتمال أن تكون الصلاة فيها نقص، واحتمال أن يكون قد سها في صلاته، فإذا انتقل مباشرة فإنه لا يكون بحالة أكمل مما لو بقي في موضعه.ولذلك كان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه لا يتحول مباشرة، فعلى الإمام أن يبقى،
    قالوا: فيه مصالح،
    منها:
    قضية تدارك ما فات، سواء أكان بسجود سهو، أم بقضاء ركعة بقيت وسلم قبل أن يفعلها،
    وكذلك أيضا قالوا:
    إنه قد يكون هناك نساء يردن الانصراف، فإذا عجل فإنه لا يأمن الفتنة،
    ولذلك قالوا:
    لا يبادر بالانصراف.وقد كان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه يتأخر في انصرافه قليلا ليتمكن النساء من الانصراف، كما ورد في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام.فهذا من آداب الإمامة، فإذا ثبت أنه لا يستعجل فكذلك أيضا لا يتأخر، فلا يبقى معطيا للناس ظهره؛ لأنها صفة لا تليق؛ لما فيها من الانتقاص؛ لأن تولية الظهر للشيء انتقاص له.ولذلك وصف الله عز وجل من أعرض عن القرآن بأنه اتخذه وراءه ظهريا، فإذا كان الإنسان معطيا لغيره ظهره فإن هذا لا يكون إلا بقدر الحاجة، فلما وجدت الحاجة بالإمامة وانتهت الإمامة فإنه ينفتل إلى الناس ويستقبلهم.
    وللعلماء أوجه في جهة الانصراف:
    فقيل: السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يكثر الانصراف عن يساره،
    وقال:
    (لا يجعل أحدكم للشيطان حظا من صلاته)،
    قالوا:
    إذا انصرف فلا ينصرف دائما عن يمينه وإنما ينصرف عن يساره،
    وقال بعض العلماء:
    بل ينصرف عن يمينه كابتداء انفتاله من الصلاة؛ لفضل اليمين وشرفه، ثم إذا قام وهب إلى بيته، أو هب إلى موضع درسه، أو إلى موضع في المسجد فإنه يكون انصرافه عن اليسار تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم.وهذا ضعيف؛ لأن بيت النبي صلى الله عليه وسلم كان في اليمين بعد أن ينفتل، ولم يكن في اليسار.فلو كان انصراف النبي صلى الله عليه وسلم دائما المراد به عن يمينه ثم ينفتل عن يساره، لأصبح في هذا مشكلة أنه عن يساره سينفتل إلى الجهة الغربية في المدينة، والجهة الغربية جهة الخوخات في المسجد، وهي بيت أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعلي رضي الله عنه وغيرهما من الصحابة، وليس ببيته وحجراته عليه الصلاة والسلام، ولم تكن إلا حجرة بعض نسائه عند باب الرحمة، وهي الجهة الغربية،
    ولا يمكن أن يقصدها ابن مسعود في إخباره عن أكثر انفتاله عليه الصلاة والسلام في قوله:
    (أكثر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وسلم ينفتل عن يساره).والذي يظهر أن الإنسان لا يجعل حظا للشيطان، فينفتل تارة عن يمينه وتارة عن يساره، والناس تنكر هذه السنة، فإحياؤها طيب، ومستحب أن يحيي الإنسان هذه السنة، والأفضل أن يسبق ذلك بتنبيه للناس حتى لا يحدث تشويشا عليهم.
    قال رحمه الله تعالى:
    [فإن كان ثم نساء لبث قليلا لينصرفن].هذا من باب الرفق بهن حتى يكون ذلك أدعى لسترهن وأبعد عن فتنته.
    [حكم الصلاة بين السواري]

    قال رحمه الله تعالى:
    [ويكره وقوفهم بين السواري إذا قطعن الصفوف] الصلاة بين السواري قد جاء فيها حديث أنس رضي الله عنه أنهم كانوا يطردون عنها طردا.
    وقال بعض العلماء:
    إنه لا تجوز الصلاة بين السواري، واختلفوا،
    فقال بعضهم: إنما نهي عن الصلاة بين السواري لأنها تقطع الصفوف، وهذا وجه للتعليل.والوجه الثاني أنها كانت موضع الأحذية، وليست موضع العبادة، ولذلك منع منها تنزيها وتشريفا للصلاة، كما هو معهود في غير ما مثال من الشرع.
    فلذلك قالوا: لا يصلى بين السواري لهذا، وإنما يصلى في الصف التالي، واغتفر بعض العلماء رحمة الله عليهم القاطع اليسير والقاطع المضطر إليه كقاطع المنبر ونحوه،
    قالوا:
    إن هذا يغتفر، وهكذا إذا كان القاطع يسيرا لا يمنع العلم بأطراف الصلاة، كما كان في المسبوقات القديمة التي تكون للأئمة ونحوهم.
    قالوا:
    إن هذه القياسر ونحوها تستثنى ولا حرج فيها، خاصة إذا كانت قدر شبر ونحوه،
    أي: يسيرة،
    قالوا:
    إن هذا يغتفر ولا حرج فيه.
    الأسئلة
    [حكم التقدم على الإمام من غير جهته في الكعبة]
    q الصلاة في الحرم المكي أمام الصف الأول مما يلي الكعبة في غير جهة الإمام هل تعتبر من التقدم على الإمام أم لا؟
    a باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فمن صلى داخل المسجد الحرام فإنه على حالتين: الحالة الأولى: أن يكون في الجهة التي فيها الإمام.والحالة الثانية: أن يكون في غير جهة الإمام.فأما من كان في جهة الإمام فإنه لا يجوز له أن يتقدم على الإمام، وهذا هو الأصل الذي ذكرناه وقررناه.توضيح ذلك: لو صلى الإمام في الجهة التي تلي باب الكعبة وكان بينه وبين الكعبة ثلاثة أذرع، فلا يجوز لأحد أن يتقدم على هذا القدر، وإنما يكون وراء الإمام.وأما بالنسبة للجهات الأخر فإنه يجوز له أن يكون على بعد ذراع من الكعبة، ولا حرج عليه في ذلك، وهذا قول جماهير العلماء، وأفتى به طائفة من السلف رحمة الله عليهم، وكان معروفا في مكة في أزمنة الأئمة رحمة الله عليهم، ونقله الإمام الشافعي رحمه الله، قالوا: إن هذا لم يكن أحد ينكره، أي: التقدم في غير جهة الإمام.والسبب في ذلك أن غير جهة الإمام لا يكون الإنسان فيها مطالبا بالتأخر عن الإمام؛ إذ لو قلنا: إنهم مطالبون بالتأخر إلى حد الإمام لوجب عليهم أن يرجعوا ويصلوا وراءه فتتعطل الجهات الأخر، فلما أذن بالصلاة في الجهات الأخر استوى أن يكونوا قريبين أو بعيدين.والأمر الثاني: أن المفسدة التي من أجلها نهي عن التقدم على الإمام غير موجودة في هذه الحالة، والسبب في ذلك أنهم في الجهة هذه يرون الإمام أو من يقتدي بالإمام، وعلى هذا قالوا: إنه إذا لم يره بشاخص الكعبة فإن أطراف الصف يرون، فينتقل العلم بطرف الصف.وإذا ثبت أنه يجوز في الجهة التي هي غير جهة الإمام أن يتقدم فلو كان الإمام من جهة الباب، أو من جهة المقام بينه وبين الكعبة متر حيث يجوز أن يكون بينك وبين الكعبة قدر ذراع، فيجوز أن تكون أقرب إلى الكعبة، فإنه يرد السؤال: هل العبرة في الصف الأول بمن يلي الإمام من حده دائرا على الكعبة؟ أم العبرة في الصف الأول في غير جهة الإمام بمن كان أقرب للكعبة؟ وجهان للعلماء: أصحهما وأقواهما أن من كان أقرب للكعبة فإنه هو الصف الأول؛ لأنه لما أذن بالشرع بتقدمهم فإنه يعتبر صفهم هو الأول، ولا يستقيم أن يقال عن صف: إنه الصف الأول، وقد تقدم عليه غيره؛ لأن الوصف لا يتحقق، لقوله عليه الصلاة والسلام: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول).فالصف الأول من غير جهة الإمام الذي أذن به الشرع هو أقرب الصفوف إلى الكعبة، فكما أن الصف الأول من جهة الإمام أقربها إليه كذلك من غيرها الصف الأول أقربها إلى الكعبة، وهو أولى الأقوال وأقواها إن شاء الله تعالى.
    [حكم القصر إذا سافر دون مسافة القصر]
    q إذا وصل المسافر إلى ضاحية أو قرية من قرى مدينته التي لا تبعد عنها مسافة القصر، فهل له أن يقصر الصلاة إذا قفل راجعا من سفره؟

    a من خرج من مدينته إلى موضع دون مسافة القصر فإنه لا يقصر الصلاة، فلا بد في جواز القصر من وجود المسافة، وهذا هو مذهب طائفة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وتدل عليه السنة في ظاهرها.أما دليل السنة فقوله عليه الصلاة والسلام: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم)، فوصف مسيرة اليوم بكونها سفرا، ولو كان ما دون اليوم يسمى سفرا لمنع النبي صلى الله عليه وسلم أن تسافر.الأمر الثاني: أن الصحابة رضوان الله عليهم أفتوا بذلك، فإن ابن عباس رضي عنه سئل وهو بمكة عن قصر الصلاة إلى مر الظهران وما قرب من مكة فقال: لا، إنما يقصر إلى عسفان وجدة والطائف، وكانت عسفان وجدة والطائف على مسافة القصر.ولذلك قالوا: إن هذا يدل دلالة واضحة على أن مسافة القصر مؤقتة، ويؤكد هذا السنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد وهي بضاحية المدينة ولم يقصر الصلاة، ومكث بالخندق وهي تبعد ميلين عن المدينة إبان عهده عليه الصلاة والسلام ولم يقصر الصلاة، وخرج إلى بني النضير خمسة عشر يوما وحاصرهم ولم يقصر الصلاة، وخرج إلى بني قريظة وصلى بأصحابه العصر ولم يقصر الصلاة، وكلها ضواح، مع أنه في حكم المسافر؛ لأنه حينما نزل على بني قريضة إنما قصد حصارهم وحربهم، وهذا سيكون بلا شك أنه في حكم السفر، ومع ذلك لم يقصر الصلاة، حتى إن الإمام ابن حزم الظاهري مع تمسكه بظواهر النصوص والتزامه بها رحمة الله عليه يقول: علمنا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يقصر في القليل والكثير، وإنما كان يقصر في المسافة.فدل على أنه يؤقت السفر بالمسافة، وهذا هو الذي أفتى به جمهور العلماء، وعليه العمل، فالعبرة في السفر بالمسافة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى ضواحي المدينة لم يقصر.وعلى هذا إذا كان المكان الذي تريد قصده دون مسافة القصر كضاحية فإنك لا تقصر، لكن لو أنك قصدت مدينة بعيدة، كأن تخرج من مكة إلى المدينة، ثم لما خرجت من مكة نزلت بعد بعدك عن مكة بعشرة كيلو مترات، أو بخمسة كيلو مترات في موضع أو في ضاحية حل لك أن تقصر.فمتى خرجت عن آخر عمران مكة جاز لك أن تترخص بالقصر في السفر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعا وبذي الحليفة العصر ركعتين.فدل على أن القصر يكون بمجاوزة آخر العمران، وهي سنة النبي صلى الله عليه وسلم كما يفهم من حديث أبي بصرة الغفاري رضي الله عنه وأرضاه.والله تعالى أعلم.

    [حكم إعادة تحية المسجد عند الخروج والدخول للمسجد]

    qيصلي كثير من الطلاب مع الجماعة في الصف الأول، ثم يصعدون للحلقات في الدور الثاني، فهل عليهم إعادة تحية المسجد مرة أخرى؟

    a هذا فيه تفصيل، فإن خرجوا من باب المسجد ودخلوا من باب ثان صاعدين إلى المسجد فالسنة واضحة: (إذا دخل أحدكم المسجد)، ولم يفرق صلى الله عليه وسلم بين طول العهد وقصر العهد، والأصل في العام أن يبقى على عمومه.فلو قيل: إنه إذا كان حديث العهد جاز، وإن كان طال العهد لم يجز، أو: إذا خرج بالنية جاز له أن يدخل ولا يصلي فإن هذا فيه نظر؛ لأنه إذا خرج وكان خروجه قريبا ورجع فإنه يحتاج إلى تأقيت يفرق فيه بين القليل والكثير، وهذا ليس فيه دليل من الشرع، ولذلك يقولون: تأقيت بدون مؤقت.وقالوا: إن التفريق بين كونه قريبا وبعيدا مبني على الاستحسان، والأصل أن إعمال عموم النص أولى من إعمال الاستحسان في مثل هذا، خاصة وأنه شرع على وجه التعبد؛ فقال: (إذا دخل أحدكم المسجد)، ولم يفرق بين هذا وذاك.وقال بعض العلماء: لو خرج بكامل جسمه ثم رجع مباشرة لزمه أن يعيد تحية المسجد، أما لو خرج من المسجد ناويا الرجوع، أو خرج من المسجد على نية أن يبقى فهذا مبني على إلغاء الظاهر وإعمال النية والباطن.وتوضيح ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: (إذا دخل أحدكم المسجد)، علق هذا على ظاهر المكلف ولم يعلقه على نيته.وما من إنسان يخرج من المسجد -إذا كان عبدا صالحا أو يريد الخير- إلا وفي نيته غالبا أن يعود إليه، ولذلك ورد في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (ورجل قلبه معلق بالمساجد).بل قل أن تجد إنسانا صالحا يخرج إلا وفي نيته أن يعود إلى الفرض الذي بعده، وعلى هذا تسقط تحية المسجد، والذي يظهر والله أعلم أن العبرة بعموم النص، وما ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (إذا دخل أحدكم المسجد)؛ حيث لم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بين دخول يطول الفصل فيه ودخول يقصر فيه الفصل، ولم يفرق بين كونه ناوي الرجوع، أو غير ناو.والله تعالى أعلم.
    [حكم قطع الطواف لصلاة الجنازة]
    q من كان يطوف فهل له أن يقف ويصلي على الجنازة، أم يمضي في طوافه؟

    a الذي يظهر -والعلم عند الله- أنه يتم طوافه ولا ينشغل بصلاة الجنازة، أما لو كان الطواف فرضا كطواف الإفاضة ونحوها من الأطوفة الواجبة واللازمة كطواف الوداع فلا إشكال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وصف الطواف بالبيت بأنه صلاة، ولا يترك الصلاة المفروضة اللازمة لما هو دونها في المرتبة، فإن الصلاة على الجنازة من فروض الكفايات، وقد قام حقها بصلاة غيره عليها، فلا يترك الفرض العيني المتعلق به إلى فرض قد سقط عنه بفعل غيره، ولذلك يبقى في طوافه ولا يقطع.ولكن إذا أقيمت صلاة فريضة فإنه ينسحب ويصلي، ثم إذا صلى الفريضة كالعصر والظهر ونحوها ورجع فهل يرجع من أول الطواف، أو يرجع من الموضع الذي قطع فيه؟ أصح الأقوال أنه يرجع من الموضع الذي قطع فيه.وبناء على ذلك يرجع إليه ويتم طوافه، والأحسن أن يبتدئ من بداية الشوط الذي قطعه على سبيل الندب والاستحباب لا على سبيل الحتم والإيجاب.والله تعالى أعلم.
    [نصائح وتوجيهات لطلبة العلم]
    q نود ذكر ما ينبغي أن يكون عليه طالب العلم من حيث ضبط المسائل ومراجعتها؟

    a أولا: أوصي الإخوان وأوصي الجميع ونفسي بتقوى الله عز وجل، فيتقي الإنسان ربه، وهذا العلم يراد به ما عند الله سبحانه وتعالى.وكان العلماء رحمة الله عليهم يوصون دائما بالإكثار من التواصي بالإخلاص في العلم، فإن الله يضع البركة فيه، ويكثر خيره، وينمي ما فيه من نفع المسلمين بحسن نية صاحبه.فينوي الإنسان بهذا العلم أن ينقذ نفسه من الضلال، وأن يعمل به، وأن يعلمه الناس، وأن يكون في نيته ألا يبخل على أحد بحكمة رزقه الله علمها، فهذا من أفضل ما يكون في توفيق الإنسان، وكلما صلحت نية طالب العلم كان ذلك أدعى لتوفيق الله ورحمته به.فإن الله اختار القلوب للنظر، ففي الحديث: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، فأر الله من نفسك حسن النية.الأمر الثاني: لا تعجب، ودائما كن في احتقار وانتقاص لنفسك؛ فإن الله يرفع قدرك، قال بعض السلف: والله ما جلست مجلسا أظن نفسي أني أعلى القوم إلا خرجت وأنا أدناهم، وما جلست مجلسا أرى نفسي أصغر القوم إلا خرجت وأنا أعلاهم.فإذا احتقر الإنسان نفسه وقال: من أنا، وأخذ يظن بنفسه أنه دون الناس رفع الله قدره، وجعل بين الناس حبه والثقة بما يقول.الأمر الثالث: أن تضبط هذا العلم حق ضبطه، فتأخذه كما ينبغي أن يأخذه طالب علم بجد واهتمام وصدق كما قال تعالى: {يا يحيى خذ الكتاب بقوة} [مريم:12]، فيحتاج العلم إلى عزيمة، ولا يكون بكسل أو خمول أو توان، فتأخذ العلم بهمة صادقة وعزيمة على الخير وحب للانتفاع به.قال صلى الله عليه وسلم: (منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب دنيا)، فأر الله منك الجد والاجتهاد والصبر والتحمل.ولذلك موسى عليه السلام لما بلغه أن هناك من هو أعلم منه قال: {لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا} [الكهف:60] ومعنى (حقبا) أي: إلى آخر الدهر حتى أبلغ هذا الذي هو أعلم مني.وهذا يدل على الهمة الصادقة في العلم، فإن وجدت من هو عالم ويوثق بدينه وما عنده من العلم فخذ العلم كما ينبغي أن يؤخذ، فتكون عندك الهمة الصادقة فيه، والجد والاجتهاد والتفاني فيه، وبقدر ما تضحي للعلم يضع الله لك البركة والخير والنفع للمسلمين.فمن تعب اليوم فإنه يجني الثمار غدا، فيجنيها في الدنيا والآخرة، ويجنيها من الله سبحانه وتعالى في عاجل أمره وآجله؛ لأن المعاملة مع الله رابحة على أتم الوجوه وأكملها.الأمر الرابع: أول ما تعنى به تطبيق العلوم بعد أن تعلمها وتعرف حلالها وحرامها، فتعمل بهذا العلم الذي علمته، ولذلك قالوا: اعمل بالحديث ولو مرة تكن من أهله.فإذا علمت أن الله أحل فأحل، وإذا علمت أن الله حرم فحرم، وكن عاملا بهذا العلم، فإذا وفقك الله للعمل بما علمت فإن الله يرزقك علم ما لم تعلم.قالوا: من عمل بما علم رزقه الله علم ما لم يعلم، أي: رزقه ما لم يكن له على الحسبان، وفتح الله له البركة؛ لأن العمل توضع بسببه البركة في علم العالم.الأمر الآخر الذي أحب أن أوصي به بعد العمل: أن تدعو الناس، وتهدي الناس إلى هذه السنن، وتحس أنها في رقبتك أمانة، فتبين للناس حلال الله وحرامه، وتدعوهم بالتي هي أحسن إلى أن يعملوا بالحلال وأن يحلوه، وأن يجتنبوا الحرام ويبتعدوا عنه وينبذوه.فمن خير المنازل الدعوة إلى الله عز وجل بالعلم، حتى تكون ممن عناهم الله عز وجل بقوله: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا} [فصلت:33].وينبغي عليك أن تتنبه لأمور: أولا: شيء لا تعلمه لا تتكلم فيه؛ فإن الله عز وجل إذا أراد أن يسلم العبد من تبعة هذا العلم رزقه الأمانة فيه، فلا تتكلم إلا بقدر ما علمت، وكلما كان طالب العلم دقيقا من أول طلبه للعلم، فلا يتكلم إلا في حدود ما يعلم كان أدعى لضبطه للعلم، وأدعى -أيضا- لسلامته من تبعة العلم.فإن الإنسان تزل قدمه بكلمة واحدة، وقد يمقت الله العبد بكلمة من غضبه حينما يفتري على الله كذبا فيقول: هذا حلال، والله حرم، أو: هذا حرام، والله أحل، خاصة إن كان عن جهل وجرأة على الله، نسأل الله السلامة والعافية.قال الله تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا} [الأنعام:21]، فلو وقفت أمام الناس والخلق أجمعين يسألونك عن شيء لا تعلمه فقل بكل عزة وإباء: الله أعلم، فمن قال: لا أدري، فقد أنفذت مقاتله، ويكون الله أعلم في قلبك من كل أحد، ولا تبال بأحد.ولو ضاقت عليك الأرض بما رحبت فلا تقل في دين الله وشرع الله ما لا تعلم أبدا، فلا تتقدم، فإنك إن فعلت فقد تقحمت النار على بصيرة، نسأل الله السلامة والعافية.ومن كانت عنده الجرأة على الاجتهادات والخوض في الآراء وكثرة الجدل حتى يحدث لنفسه أقيسة وفروعا فقد زلت به القدم -نسأل الله السلامة والعافية- إن عاجلا أو آجلا، وقل أن يسلم من مكر الله به والعياذ بالله، فينبغي أن تكون أمينا.فاتق الله يا طالب العلم، فإن الناس إن جلست بين يديك تريد علما صادقا، ولا تريد الكذب، ولا تريد الغش، ولا تريد إحلال الحرام وتحريم الحلال، وإنما تريد الأمانة.وقد قال تعالى: {ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين} [الأحقاف:4]، قال بعض العلماء: في هذه الآية دليل على أن العالم لا يكون صادقا إلا إذا تتبع الأثر.ولذلك تجد في بعض الأحيان بعض الكتب تنقل ولا تزيد، حتى إن الكلمات مكررة، وهذا يدل على أمانة العلماء، وهم قادرون على أن ينظروا، وأن يجتهدوا، وأن يفرعوا، وأن يؤصلوا، ولكن الخوف من الله حبسهم.فينبغي لطالب العلم أن يكون بهذه المثابة، فلا تتكلم في شيء لا تعلمه، وإذا أصبحت من الآن لا تخطو خطوة إلا وأمامك دليل وحجة من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم فأنت على خير.والوصية التي أحب أن أنبه عليها أيضا أنك لا تدخل في مماراة السفهاء ومجادلة العلماء، فلا تتعلم العلم لتماري به السفهاء، أو تجادل به العلماء، فمن تعلم العلم ليماري به السفهاء أو ليجادل به العلماء أو ليصرف وجوه الناس إليه فليتبوأ مقعده من النار.وليكن أهم شيء عندك رضوان الله العظيم، وأهم شيء أن الله يرضى عنك حينما علمت فعملت وعلمت ودعوت، فإذا بلغت هذا وضع الله في قلوب العباد الثقة بعلمك، ووضع الله في قلوب العباد حبك، وتجد من تيسير الله لك في العلم، حتى إنه في بعض الأحيان تقول: (الله أعلم) فتخاف الله عز وجل وتتورع، فلا تجاوز مكانك حتى يفتح الله عليك بالحق فيها، وهذا مجرب، فربما تتذكر أدلة ونصوصا في المسألة، وكأن الله يمتحنك، وكأن الله يبتليك ويختبرك، فإذا كنت بهذه المثابة فإن الله يفتح عليك.ثم عليك أن تشوب العلم بالصلاح والتقوى والورع، فكلما نظرت إلى الله سبحانه وتعالى كيف علمك وفهمك وهداك وأرشدك فينبغي أن تشكر هذه النعمة؛ فإن الله تأذن بالزيادة لمن شكر، وتأذن بمحق البركة لمن كفر.ولذلك يقول العلماء: قرينان لا يمكن أن يكون الإنسان إلا على واحد منهما، إما شكر وزيادة، وإما كفر -والعياذ بالله- فمحق للبركة وخسارة، فإذا أردت أن يبارك الله لك في هذا العلم فدائما اذكر فضل الله عليك، وأثن على الله بما هو أهله.ودائما ينبغي أن تدمع عينك، خاصة إذا كنت في خلوة بينك وبين الله، فتقول: يا رب: لك الحمد، علمتني وكنت جاهلا، وهديتني وكنت ضالا، وأرشدتني وكنت حائرا.إلى غير ذلك.فلا تزال تثني على الله وتصعد منك هذه الكلمات، ففي الحديث: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها).فلربما أنك تجلس خاليا فتذكر ولو مجلسا واحدا جلسته، ولو فتوى واحدة سمعتها من أهل العلم، فإن الله يرفعك بها درجات، فإن شكرت بارك الله لك.والوصية الأخيرة: أن تتأدب مع العلماء والسلف الصالح رحمة الله عليهم، فأنت لم تتعلم العلم لكي تضع نفسك في مكان لست بأهله، فلا تكن جريئا على تخطئة الأسلاف، وكذلك بيان عوارهم وانتقاصهم، وإنما تأدب مع السلف الصالح والأئمة، وتأدب مع من هو أعلم منك.وإن جلست في مجلس وهناك من هو أعلم منك فأعط الزمام له، قال صلى الله عليه وسلم: (كبر كبر)، فاحفظ حق من هو أكبر منك، ومن هو أسبق منك، ولا تتعال على الناس، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين} [القصص:83].نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل علمنا نافعا، وعملنا صالحا خالصا لوجهه الكريم، ونسأله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا فيما علمنا وعملنا، وأن يجعله خالصا لوجهه ليس فيه لأحد سواه حظ ولا نصيب؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 7 من 7 الأولىالأولى 1234567

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •